إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

اتفاق علمي جديد.. تونس تدخل عصر التكنولوجيا النووية لصون تراثها الثقافي

◄ التقنيات النووية في مجال التراث الثقافي تحديدا تعد من أكثر الوسائل تطورا وفعالية في دراسة القطع الأثرية

◄ تقنية التحليل النظائري تمكن العلماء من تحديد العمر التقريبي لبعض المواد أو معرفة مصدرها الجغرافي بدقة كبيرة

◄ التأريخ بالكربون المشع أثبت فعاليته الكبيرة في معالجة المخطوطات والوثائق التاريخية والقطع الخشبية والمنسوجات

سيشهد قطاع حماية التراث الثقافي في تونس مرحلة جديدة مع توقيع المعهد الوطني للتراث والمركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا النووية، تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، مذكرة تعاون إطارية استراتيجية تهدف إلى توظيف التقنيات النووية السلمية في خدمة التراث الوطني. وتندرج هذه الاتفاقية في إطار مشروع TUN1015 المدعوم من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي يهدف إلى تعزيز القدرات الوطنية في تحليل وحفظ التراث الثقافي باستخدام أحدث الوسائل العلمية. ووفق ما جاء في البلاغ الرسمي ليوم الأحد 7 جوان الجاري، فإن هذه المبادرة تمثل خطوة رائدة تجمع بين العلوم الدقيقة والتاريخ من أجل حماية الهوية الوطنية وصون الموروث الحضاري التونسي من عوامل التلف والاندثار، كما تهدف إلى توظيف تقنيات متطورة مثل التحليل النظائري والمسح الإشعاعي غير المدمر للكشف عن خصائص القطع الأثرية وصيانتها دون إلحاق أي ضرر بها.

وقد تزامن توقيع الاتفاقية مع زيارة ماريا هيلينا كاسيميرو، المسؤولة الفنية بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تابعت ميدانيا تقدم المشروع وآليات تنفيذه، في مؤشر على الأهمية التي يكتسيها هذا البرنامج ضمن الجهود الدولية الرامية إلى حماية التراث الثقافي باستعمال التطبيقات السلمية للتكنولوجيا النووية.

وقد يثير هذا الخبر لدى كثير من القراء نوعا من الاستغراب أو حتى القلق بسبب ارتباط كلمة «نووي» في الأذهان بالمفاعلات النووية أو الأسلحة الذرية أو الحوادث الإشعاعية الشهيرة، غير أن المقصود هنا يختلف تماما عن هذه التصورات. فالتكنولوجيا النووية لا تقتصر على إنتاج الطاقة أو الاستخدامات العسكرية، بل تشمل مجموعة واسعة من التطبيقات العلمية والطبية والصناعية والزراعية والثقافية التي أصبحت جزءا أساسيا من حياة المجتمعات الحديثة. وفي مجال التراث الثقافي تحديدا، تعد التقنيات النووية من أكثر الوسائل تطورا وفعالية في دراسة القطع الأثرية وتحليلها وترميمها وحمايتها، إذ تسمح للباحثين بالحصول على معلومات دقيقة للغاية حول المواد المكونة للأثر وعمره ومصدره وطرق صناعته، دون الحاجة إلى إتلافه أو اقتطاع أجزاء منه كما كان يحدث في بعض الأساليب التقليدية.

وتعتمد هذه التطبيقات على مجموعة من الأدوات العلمية المتقدمة. من أبرزها تقنية التحليل غير المدمر بواسطة الأشعة السينية أو الأشعة المنبعثة من مصادر إشعاعية آمنة، حيث يمكن فحص القطع الأثرية من الداخل والكشف عن الشقوق الخفية أو طبقات الترميم القديمة أو العناصر المعدنية المكونة لها دون المساس بسلامتها. وقد ساهمت هذه التقنية في حل العديد من الألغاز الأثرية حول العالم، إذ تمكن الباحثون بفضلها من دراسة محتويات التماثيل المغلقة والتوابيت القديمة والقطع المعدنية المتآكلة دون الحاجة إلى فتحها أو تعريضها للتلف. كما تسمح تقنيات التصوير الإشعاعي بالكشف عن الكتابات أو الرسوم المخفية تحت طبقات الطلاء أو الصدأ، وهو ما يساعد على فهم أفضل للتاريخ الفني والحضاري للقطعة المدروسة.

ومن التقنيات المهمة أيضا التحليل النظائري، الذي يعتمد على دراسة النظائر المشعة أو المستقرة للعناصر الكيميائية الموجودة في المواد الأثرية. ومن خلال هذه العملية يمكن للعلماء تحديد العمر التقريبي لبعض المواد أو معرفة مصدرها الجغرافي بدقة كبيرة. فعلى سبيل المثال، يمكن تحليل نسب بعض النظائر في المعادن أو الأحجار لمعرفة المنطقة التي استخرجت منها قبل آلاف السنين، وهو ما يساعد على إعادة بناء شبكات التجارة القديمة ومسارات التبادل الحضاري بين الشعوب. كما يستخدم التأريخ بالكربون المشع، وهو أحد أشهر التطبيقات النووية في علم الآثار، لتحديد عمر المواد العضوية مثل الخشب والعظام والمنسوجات والمخطوطات القديمة، وقد أحدث هذا الأسلوب منذ تطويره في منتصف القرن العشرين ثورة حقيقية في الدراسات التاريخية والأثرية.

ولا تقتصر فوائد التقنيات النووية على الدراسة والتحليل فقط، بل تمتد أيضا إلى عمليات الحفظ والصيانة. فالعديد من القطع الأثرية والمخطوطات القديمة تتعرض لهجمات الحشرات والفطريات والبكتيريا التي قد تؤدي إلى تلفها بشكل نهائي. وفي مثل هذه الحالات يمكن استخدام التشعيع بجرعات محسوبة ومدروسة للقضاء على الكائنات الضارة دون الإضرار بالمادة الأثرية نفسها. وقد أثبتت هذه الطريقة فعاليتها الكبيرة في معالجة المخطوطات والوثائق التاريخية والقطع الخشبية والمنسوجات، كما أنها تعد بديلا آمنا عن بعض المواد الكيميائية التي قد تترك آثارا سلبية على القطع أو على البيئة.

وتنضم تونس من خلال مشروع TUN1015 إلى مجموعة من الدول العربية التي اعتمدت هذا التوجه منذ سنوات طويلة. وتعد مصر من أبرز النماذج في هذا المجال، إذ بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي في توظيف التقنيات النووية لحماية آثارها، وكانت عملية إنقاذ مومياء الملك رمسيس الثاني سنة 1976 واحدة من أشهر التطبيقات، عندما خضعت المومياء لبرنامج تعقيم إشعاعي للقضاء على الفطريات والحشرات التي كانت تهددها، وهو ما ساهم في الحفاظ عليها حتى اليوم. كما تستخدم هيئة الطاقة الذرية المصرية والمختبرات التابعة للمتحف المصري الكبير الأشعة السينية والتحاليل المتقدمة لدراسة العملات والتماثيل والاكتشافات الأثرية دون المساس بها.

وفي المغرب، بدأ الاهتمام المنظم بهذه التطبيقات منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي عبر المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية، الذي طور برامج بحثية لتحليل الخزف الإسلامي والمواد الحجرية والمعادن المستخدمة في المباني التاريخية، الأمر الذي مكن خبراء الترميم من اختيار مواد مماثلة لتلك التي استعملت في البناء الأصلي، وساعد على تنفيذ مشاريع ترميم أكثر دقة واحتراما للهوية المعمارية للمواقع التاريخية.

أما الأردن فقد استفاد من افتتاح مركز «سيسامي» للضوء السنكروتروني سنة 2017، وهو أحد أهم المراكز العلمية في المنطقة، حيث تستخدم الأشعة السنكروترونية لدراسة المخطوطات والآثار النبطية واللقى التاريخية وتحليل الأصباغ والمعادن والجلود بدقة عالية، ما يوفر قاعدة علمية متينة لفهم تاريخ هذه القطع ووضع خطط علمية للمحافظة عليها.

كما برزت الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الأخيرة كأحد الفاعلين العرب في مجال توظيف العلوم المتقدمة لخدمة التراث الثقافي. فبالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومؤسسات بحثية دولية، تم استخدام تقنيات التحليل العلمي المتطور لدراسة بعض القطع التراثية والمقتنيات المتحفية، كما شهدت الدولة تنظيم مؤتمرات وورشات عمل متخصصة في تطبيقات العلوم النووية في مجالات الثقافة والآثار.

وفي المملكة العربية السعودية تطورت خلال العقدين الأخيرين مشاريع علمية متعددة تعتمد على التحليل الإشعاعي والنظائري لدراسة المكتشفات الأثرية في المواقع التاريخية المنتشرة عبر مناطق المملكة. وقد ساعدت هذه التقنيات على توفير بيانات دقيقة حول أعمار بعض المواقع والمواد المستخدمة فيها، الأمر الذي عزز المعرفة بتاريخ شبه الجزيرة العربية وساهم في تطوير برامج المحافظة على التراث.

وتؤكد هذه التجارب أن التكنولوجيا النووية أصبحت جزءا أساسيا من منظومة حماية التراث في العديد من الدول، وأن دورها لم يعد يقتصر على المختبرات العلمية، بل امتد إلى المتاحف ومراكز الترميم والمواقع الأثرية، حيث تساعد على اتخاذ قرارات أكثر دقة وتقلل من مخاطر التدخل المباشر في القطع النادرة.

وبالنسبة إلى تونس، فإن المشروع الجديد لا يقتصر على اقتناء أجهزة حديثة، بل يشمل أيضا تكوين خبرات وطنية وتطوير المخابر وتعزيز التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يسمح بإجراء تحاليل متقدمة داخل البلاد بدلا من إرسال العينات إلى الخارج. كما يمكن أن يفتح المجال أمام اكتشافات أثرية جديدة وإعادة قراءة تاريخ بعض المواقع والقطع اعتمادا على نتائج علمية أكثر دقة. وبالتالي، لا يمثل توقيع مذكرة التعاون مجرد اتفاق إداري بين مؤسستين، بل يعكس تحولا في فلسفة حماية التراث، حيث يلتقي علماء الآثار بالفيزيائيين والكيميائيين وخبراء التكنولوجيا النووية داخل مشروع واحد هدفه الحفاظ على ذاكرة البلاد.

إيمان عبد اللطيف

اتفاق علمي جديد.. تونس تدخل عصر التكنولوجيا النووية لصون تراثها الثقافي

◄ التقنيات النووية في مجال التراث الثقافي تحديدا تعد من أكثر الوسائل تطورا وفعالية في دراسة القطع الأثرية

◄ تقنية التحليل النظائري تمكن العلماء من تحديد العمر التقريبي لبعض المواد أو معرفة مصدرها الجغرافي بدقة كبيرة

◄ التأريخ بالكربون المشع أثبت فعاليته الكبيرة في معالجة المخطوطات والوثائق التاريخية والقطع الخشبية والمنسوجات

سيشهد قطاع حماية التراث الثقافي في تونس مرحلة جديدة مع توقيع المعهد الوطني للتراث والمركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا النووية، تحت إشراف وزارة الشؤون الثقافية، مذكرة تعاون إطارية استراتيجية تهدف إلى توظيف التقنيات النووية السلمية في خدمة التراث الوطني. وتندرج هذه الاتفاقية في إطار مشروع TUN1015 المدعوم من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والذي يهدف إلى تعزيز القدرات الوطنية في تحليل وحفظ التراث الثقافي باستخدام أحدث الوسائل العلمية. ووفق ما جاء في البلاغ الرسمي ليوم الأحد 7 جوان الجاري، فإن هذه المبادرة تمثل خطوة رائدة تجمع بين العلوم الدقيقة والتاريخ من أجل حماية الهوية الوطنية وصون الموروث الحضاري التونسي من عوامل التلف والاندثار، كما تهدف إلى توظيف تقنيات متطورة مثل التحليل النظائري والمسح الإشعاعي غير المدمر للكشف عن خصائص القطع الأثرية وصيانتها دون إلحاق أي ضرر بها.

وقد تزامن توقيع الاتفاقية مع زيارة ماريا هيلينا كاسيميرو، المسؤولة الفنية بالوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي تابعت ميدانيا تقدم المشروع وآليات تنفيذه، في مؤشر على الأهمية التي يكتسيها هذا البرنامج ضمن الجهود الدولية الرامية إلى حماية التراث الثقافي باستعمال التطبيقات السلمية للتكنولوجيا النووية.

وقد يثير هذا الخبر لدى كثير من القراء نوعا من الاستغراب أو حتى القلق بسبب ارتباط كلمة «نووي» في الأذهان بالمفاعلات النووية أو الأسلحة الذرية أو الحوادث الإشعاعية الشهيرة، غير أن المقصود هنا يختلف تماما عن هذه التصورات. فالتكنولوجيا النووية لا تقتصر على إنتاج الطاقة أو الاستخدامات العسكرية، بل تشمل مجموعة واسعة من التطبيقات العلمية والطبية والصناعية والزراعية والثقافية التي أصبحت جزءا أساسيا من حياة المجتمعات الحديثة. وفي مجال التراث الثقافي تحديدا، تعد التقنيات النووية من أكثر الوسائل تطورا وفعالية في دراسة القطع الأثرية وتحليلها وترميمها وحمايتها، إذ تسمح للباحثين بالحصول على معلومات دقيقة للغاية حول المواد المكونة للأثر وعمره ومصدره وطرق صناعته، دون الحاجة إلى إتلافه أو اقتطاع أجزاء منه كما كان يحدث في بعض الأساليب التقليدية.

وتعتمد هذه التطبيقات على مجموعة من الأدوات العلمية المتقدمة. من أبرزها تقنية التحليل غير المدمر بواسطة الأشعة السينية أو الأشعة المنبعثة من مصادر إشعاعية آمنة، حيث يمكن فحص القطع الأثرية من الداخل والكشف عن الشقوق الخفية أو طبقات الترميم القديمة أو العناصر المعدنية المكونة لها دون المساس بسلامتها. وقد ساهمت هذه التقنية في حل العديد من الألغاز الأثرية حول العالم، إذ تمكن الباحثون بفضلها من دراسة محتويات التماثيل المغلقة والتوابيت القديمة والقطع المعدنية المتآكلة دون الحاجة إلى فتحها أو تعريضها للتلف. كما تسمح تقنيات التصوير الإشعاعي بالكشف عن الكتابات أو الرسوم المخفية تحت طبقات الطلاء أو الصدأ، وهو ما يساعد على فهم أفضل للتاريخ الفني والحضاري للقطعة المدروسة.

ومن التقنيات المهمة أيضا التحليل النظائري، الذي يعتمد على دراسة النظائر المشعة أو المستقرة للعناصر الكيميائية الموجودة في المواد الأثرية. ومن خلال هذه العملية يمكن للعلماء تحديد العمر التقريبي لبعض المواد أو معرفة مصدرها الجغرافي بدقة كبيرة. فعلى سبيل المثال، يمكن تحليل نسب بعض النظائر في المعادن أو الأحجار لمعرفة المنطقة التي استخرجت منها قبل آلاف السنين، وهو ما يساعد على إعادة بناء شبكات التجارة القديمة ومسارات التبادل الحضاري بين الشعوب. كما يستخدم التأريخ بالكربون المشع، وهو أحد أشهر التطبيقات النووية في علم الآثار، لتحديد عمر المواد العضوية مثل الخشب والعظام والمنسوجات والمخطوطات القديمة، وقد أحدث هذا الأسلوب منذ تطويره في منتصف القرن العشرين ثورة حقيقية في الدراسات التاريخية والأثرية.

ولا تقتصر فوائد التقنيات النووية على الدراسة والتحليل فقط، بل تمتد أيضا إلى عمليات الحفظ والصيانة. فالعديد من القطع الأثرية والمخطوطات القديمة تتعرض لهجمات الحشرات والفطريات والبكتيريا التي قد تؤدي إلى تلفها بشكل نهائي. وفي مثل هذه الحالات يمكن استخدام التشعيع بجرعات محسوبة ومدروسة للقضاء على الكائنات الضارة دون الإضرار بالمادة الأثرية نفسها. وقد أثبتت هذه الطريقة فعاليتها الكبيرة في معالجة المخطوطات والوثائق التاريخية والقطع الخشبية والمنسوجات، كما أنها تعد بديلا آمنا عن بعض المواد الكيميائية التي قد تترك آثارا سلبية على القطع أو على البيئة.

وتنضم تونس من خلال مشروع TUN1015 إلى مجموعة من الدول العربية التي اعتمدت هذا التوجه منذ سنوات طويلة. وتعد مصر من أبرز النماذج في هذا المجال، إذ بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي في توظيف التقنيات النووية لحماية آثارها، وكانت عملية إنقاذ مومياء الملك رمسيس الثاني سنة 1976 واحدة من أشهر التطبيقات، عندما خضعت المومياء لبرنامج تعقيم إشعاعي للقضاء على الفطريات والحشرات التي كانت تهددها، وهو ما ساهم في الحفاظ عليها حتى اليوم. كما تستخدم هيئة الطاقة الذرية المصرية والمختبرات التابعة للمتحف المصري الكبير الأشعة السينية والتحاليل المتقدمة لدراسة العملات والتماثيل والاكتشافات الأثرية دون المساس بها.

وفي المغرب، بدأ الاهتمام المنظم بهذه التطبيقات منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي عبر المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية، الذي طور برامج بحثية لتحليل الخزف الإسلامي والمواد الحجرية والمعادن المستخدمة في المباني التاريخية، الأمر الذي مكن خبراء الترميم من اختيار مواد مماثلة لتلك التي استعملت في البناء الأصلي، وساعد على تنفيذ مشاريع ترميم أكثر دقة واحتراما للهوية المعمارية للمواقع التاريخية.

أما الأردن فقد استفاد من افتتاح مركز «سيسامي» للضوء السنكروتروني سنة 2017، وهو أحد أهم المراكز العلمية في المنطقة، حيث تستخدم الأشعة السنكروترونية لدراسة المخطوطات والآثار النبطية واللقى التاريخية وتحليل الأصباغ والمعادن والجلود بدقة عالية، ما يوفر قاعدة علمية متينة لفهم تاريخ هذه القطع ووضع خطط علمية للمحافظة عليها.

كما برزت الإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الأخيرة كأحد الفاعلين العرب في مجال توظيف العلوم المتقدمة لخدمة التراث الثقافي. فبالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومؤسسات بحثية دولية، تم استخدام تقنيات التحليل العلمي المتطور لدراسة بعض القطع التراثية والمقتنيات المتحفية، كما شهدت الدولة تنظيم مؤتمرات وورشات عمل متخصصة في تطبيقات العلوم النووية في مجالات الثقافة والآثار.

وفي المملكة العربية السعودية تطورت خلال العقدين الأخيرين مشاريع علمية متعددة تعتمد على التحليل الإشعاعي والنظائري لدراسة المكتشفات الأثرية في المواقع التاريخية المنتشرة عبر مناطق المملكة. وقد ساعدت هذه التقنيات على توفير بيانات دقيقة حول أعمار بعض المواقع والمواد المستخدمة فيها، الأمر الذي عزز المعرفة بتاريخ شبه الجزيرة العربية وساهم في تطوير برامج المحافظة على التراث.

وتؤكد هذه التجارب أن التكنولوجيا النووية أصبحت جزءا أساسيا من منظومة حماية التراث في العديد من الدول، وأن دورها لم يعد يقتصر على المختبرات العلمية، بل امتد إلى المتاحف ومراكز الترميم والمواقع الأثرية، حيث تساعد على اتخاذ قرارات أكثر دقة وتقلل من مخاطر التدخل المباشر في القطع النادرة.

وبالنسبة إلى تونس، فإن المشروع الجديد لا يقتصر على اقتناء أجهزة حديثة، بل يشمل أيضا تكوين خبرات وطنية وتطوير المخابر وتعزيز التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما يسمح بإجراء تحاليل متقدمة داخل البلاد بدلا من إرسال العينات إلى الخارج. كما يمكن أن يفتح المجال أمام اكتشافات أثرية جديدة وإعادة قراءة تاريخ بعض المواقع والقطع اعتمادا على نتائج علمية أكثر دقة. وبالتالي، لا يمثل توقيع مذكرة التعاون مجرد اتفاق إداري بين مؤسستين، بل يعكس تحولا في فلسفة حماية التراث، حيث يلتقي علماء الآثار بالفيزيائيين والكيميائيين وخبراء التكنولوجيا النووية داخل مشروع واحد هدفه الحفاظ على ذاكرة البلاد.

إيمان عبد اللطيف