تخضع صناعة وتجارة وتوزيع الأسمدة الكيميائية المعدّة للاستعمال الفلاحي لرقابة وطنية ودولية صارمة، ولكن ذلك لا ينفي أن جل دول العالم تتوجّه اليوم إلى الزراعات البيولوجية لدعم النظام البيئي وتقليص المخاطر المحتملة للأسمدة على جودة ومذاق المنتجات الفلاحية.
وفي السنوات الأخيرة أصبح هناك توجّه مهم في تونس نحو الفلاحة البيولوجية التي أصبحت اليوم من المنظومات الزراعية التي تراهن عليها دول كثيرة من أجل تحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة، من خلال تقليل استخدام المواد الكيميائية والأسمدة الاصطناعية لحماية التربة والمياه من التلوث، ودعم النظام البيئي وتنوّع المحاصيل باستخدام أساليب زراعية تقليدية، سواء من حيث البذور أو التنبيت وجني المحاصيل لاحقا.
وتجد اليوم المنتجات البيولوجية، وفي مختلف الأسواق، إقبالا كبيرا من المستهلكين في عديد الدول، بالإضافة إلى أنها قادرة على توفير فرص عمل جديدة في القطاع الفلاحي وتحسين دخل الفلاحين من خلال منتجات ذات قيمة مضافة عالية، مع المحافظة على خصوبة التربة والزيادة في قدرتها الإنتاجية على المدى الطويل.
ووفق بعض المعطيات، فقد شهدت تونس في السنوات الأخيرة نموا في مساحات الفلاحة البيولوجية، بالإضافة إلى تزايد عدد الفلاحين الذين يتبنون هذا التوجه، خاصة وأن المنتجات البيولوجية تجد لها أسواقا كثيرة للتصدير، على غرار زيت الزيتون والتمور. ودوليا دعمت جائحة كوفيد 19 التوجه لإنتاج المنتجات البيولوجية نظرا لتفاقم الطلب الاستهلاكي على كل ما هو بيولوجي، خاصة مع منتصف العقد الأخير.
وضمن الاستراتيجيات الوطنية التي تم تركيزها للنهوض بعدة قطاعات، تم إرساء الاستراتيجية الوطنية للفلاحة البيولوجية في أفق 2030، بغاية تحويل القطاع إلى نموذج مرجعي على الصعيد الدولي من خلال الحوكمة ودعم تنافسية المنتجات المعترف بها عالميا، على غرار زيت الزيتون والتمور، بالإضافة إلى العمل على تنويع العرض ليشمل زيوت النباتات العطرية والخضروات ومنتجات التين الشوكي.
أرقام واعدة
أشارت معطيات رسمية إلى عائدات مهمة للفلاحة البيولوجية، حيث أشارت أرقام للمرصد الوطني للفلاحة إلى أن صادرات تونس من المنتجات الفلاحية البيولوجية قدّرت خلال الفترة الممتدة من 1 جانفي إلى موفى ماي 2025 بنحو 34.152 طنا، محققة عائدات مالية بقيمة 420.4 مليون دينار. وقد وُجّهت هذه الصادرات إلى 38 دولة، مما يعكس تنوّع الأسواق وتوسّع الحضور الدولي للمنتجات البيولوجية التونسية في عدة أسواق دولية.
وتهدف استراتيجية وطنية إلى الوصول إلى مليوني هكتار بحلول سنة 2030 من المساحات البيولوجية في تونس، مع التركيز على التنمية المستدامة وحماية البيئة. ويحتل زيت الزيتون البيولوجي والتمور البيولوجية المراتب الأولى، حيث يمثلان على التوالي 87.8 % و11.7 % من إجمالي حجم الصادرات في هذا القطاع، ويعدّان من أبرز المنتجات الرئيسية إلى جانب التين الشوكي والنباتات الطبية والعطرية والعسل والحبوب والخضروات واللحوم البيولوجية.
وحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، يضم قطاع الفلاحة البيولوجية في تونس حاليا حوالي 9000 فاعل بين فلاحين وصناعيين وتجار، ويتمركز أغلبهم ضمن سلاسل الإنتاج. ويحتاج الفاعلون في القطاع دوما إلى مزيد من الدعم والمرافقة لتعزيز تنافسيتهم ومواكبة المعايير الدولية المتجددة والمساعدة على اقتحام الأسواق الدولية.
وحسب تقرير للإدارة العامة للفلاحة البيولوجية لشهر سبتمبر 2025، تبلغ مساحة الفلاحة البيولوجية حوالي 235 إلى 400 ألف هكتار، وتمثل حوالي 2 % من المساحة الفلاحية الكلية، وتبلغ مساهمتها التصديرية بين 14 و17.7 % من الصادرات الفلاحية. وتحتل تونس المرتبة الأولى إفريقيا في المساحات المخصصة لها، والمرتبة 23 عالميا، كما أصبحت من كبار المصدّرين العالميين للزيت البيولوجي.
وأيضا، وفق معطيات للإدارة العامة للفلاحة البيولوجية لشهر سبتمبر 2025، فإنه إلى جانب الزراعات، فإن قطاع الفلاحة البيولوجية يشمل كذلك القطاع الحيواني، إذ تحتوي المنظومة، بحسب مؤشرات 2024، على نحو 256 خلية نحل و359 رأس ماعز و87 رأس غنم و26 طائر دجاج. كما بلغ الإنتاج الجملي البيولوجي خلال سنة 2024 ما يقارب 139.910,7 طنا، منها 51,5 ألف طن صادرات بقيمة 1127 مليون دينار.
دراسة توضّح
خلصت، مؤخرا، دراسة بعنوان «التلوّث الزراعي في تونس: بين جمود النصوص القانونية وتغيّرات الواقع الميداني»، أعدّتها جمعية المساءلة الاجتماعية وقدّمت مضامينها خلال ندوة انعقدت بالعاصمة تونس، إلى أن التلوّث الفلاحي في تونس لم يعد مجرد إشكال ظرفي أو انعكاس محدود لبعض الممارسات غير السليمة، بل أصبح، وفق الدراسة، أزمة هيكلية متشعّبة تهدّد التوازنات البيئية والأمنين المائي والغذائي، وتطرح أسئلة جدية حول نجاعة المنظومة التشريعية والرقابية الحالية.
واعتبرت الدراسة أن القطاع الفلاحي، رغم أهميته الاقتصادية والاجتماعية، أصبح من أبرز مصادر الضغط البيئي في البلاد نتيجة الاستعمال المكثّف للأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية، وتراجع الممارسات الزراعية التقليدية المستدامة مقابل توسّع نماذج إنتاج تقوم على الربحية السريعة والإنتاج الكمي دون اعتبار كاف للانعكاسات البيئية طويلة المدى.
كما أكدت الدراسة أن آثار هذا التلوث لم تعد مقتصرة على التربة فقط، بل امتدت إلى الموارد المائية السطحية والجوفية، إذ تتسرّب المواد الكيميائية المستعملة في الزراعة إلى الموائد المائية والوديان والسدود، سواء عبر مياه الري أو مياه الأمطار، بما يهدّد جودة المياه المخصّصة للشرب والاستعمال الفلاحي مستقبلا.
كما نبّهت الدراسة إلى أن التلوّث الفلاحي يمثّل خطرا مباشرا على صحة الإنسان، سواء من خلال بقايا المبيدات في الخضر والغلال والمنتجات الغذائية، أو عبر التعرض المباشر للمواد الكيميائية، خاصة في ظل ضعف التأطير والتكوين وغياب وسائل الوقاية في عديد المناطق.
ومن أبرز النقاط التي توقّفت عندها الدراسة وجود فجوة واضحة بين النصوص القانونية والواقع الميداني، إذ قالت الدراسة إنه توجد ترسانة تشريعية قديمة تقابلها محدودية كبيرة في التطبيق والمراقبة، بالإضافة إلى تشتت المسؤوليات بين عدة هياكل وغياب التنسيق بينها وضعف الإمكانيات البشرية واللوجستية المكلّفة بالرقابة البيئية والفلاحية.
ويرى عدد من المختصين في الفلاحة أن الانتقال من الفلاحة التقليدية إلى الفلاحة المكثفة تمّ دون مواكبة علمية وتقنية كافية، خاصة وأن جزءا من الفلاحين يعتمدون أساليب قديمة أو يفتقرون إلى التكوين اللازم في حسن استعمال المبيدات والأسمدة.
كما أن اللجوء المتزايد إلى البذور المستوردة ساهم بدوره في تعميق المشكلة، لأن هذه الأصناف تتطلب في كثير من الحالات جرعات أكبر من المياه والأسمدة والمعالجات الكيميائية حتى تتلاءم مع المناخ المحلي، ما يرفع الكلفة الاقتصادية والبيئية في الآن نفسه.
في المقابل، طرحت الدراسة والفريق المشارك في إعدادها مسار الفلاحة الإيكولوجية كخيار استراتيجي لتجاوز الأزمة، معتبرين أنها ليست مجرد تصور نظري، بل نموذج عملي أثبت نجاعته في عديد الدول، ويقوم هذا التوجه على احترام التوازن الطبيعي للتربة وتنويع الزراعات وتقليص الاعتماد على المواد الكيميائية وتشجيع البذور المحلية واستعمال الموارد المائية بشكل أكثر نجاعة.
وفي ختام الدراسة أشار معدّوها إلى أن تونس تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، إما مواصلة نموذج يستنزف المياه والتربة ويعمّق التلوث، أو الانخراط في انتقال فلاحي وبيئي شامل يحمي الثروات الطبيعية ويضمن الأمن الغذائي للأجيال القادمة.
تأثير الأسمدة والمبيدات
ندّد عدة مختصين في القطاع الفلاحي باللجوء إلى الاستعمال المكثّف للمبيدات الحشرية والمواد الكيميائية في الفلاحة، خاصة بعد التخلّي عن البذور الأصلية القادرة على التكيف مع التربة والمناخ، ودخول الفلاحة التونسية مرحلة الإنتاج المكثف الموجّه للتصدير، خاصة وأن استعمال بذور موردة يتطلب مساحات سقوية وكميات كبيرة من الأسمدة والمواد الكيميائية حتى تكون هناك وفرة في الإنتاج.
إلى جانب ذلك، فإن ضعف المكننة في الفلاحة التونسية جعل الفلاح يستعمل كميات غير مدروسة من المبيدات والمواد والأسمدة الكيميائية بطريقة تقليدية يدوية، وبكميات أكبر من الكميات التي تحتاجها التربة والنبات، مما يدفع إلى انجراف وتسرب بقايا هذه المواد إلى الأودية والموائد المائية السطحية والجوفية، ويؤثر بالتالي على نوعية المياه والغلال والخضر التي تصل إلى المستهلك.
واللجوء إلى المبيدات لم يكن خيارا عفويا، بل جاء نتيجة تحولات عميقة عرفها القطاع الزراعي، حيث انتقل من نمط تقليدي قائم على الاكتفاء الذاتي إلى نمط إنتاج مكثف يستجيب لمتطلبات السوق، وذلك منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات، مع التخلي التدريجي عن البذور المحلية وتعويضها ببذور مستوردة تحتاج إلى دعم كيميائي مستمر من أسمدة ومبيدات حتى تتأقلم مع البيئة المحلية، وهو ما أدّى إلى تلوث التربة عبر تراكم المواد الكيميائية التي تفوق حاجيات النبات.
ويكمن الحل اليوم في التوجه نحو الأسمدة الطبيعية وتثمين النفايات العضوية لما لها من جدوى بيئية واقتصادية دون الإضرار بالتربة والمياه، بالإضافة إلى ضرورة العودة إلى البذور المحلية نظرا لقدرتها على التكيف مع المناخ والتربة، مما يقلل الحاجة إلى الإضافات الكيميائية.
منية العرفاوي
تخضع صناعة وتجارة وتوزيع الأسمدة الكيميائية المعدّة للاستعمال الفلاحي لرقابة وطنية ودولية صارمة، ولكن ذلك لا ينفي أن جل دول العالم تتوجّه اليوم إلى الزراعات البيولوجية لدعم النظام البيئي وتقليص المخاطر المحتملة للأسمدة على جودة ومذاق المنتجات الفلاحية.
وفي السنوات الأخيرة أصبح هناك توجّه مهم في تونس نحو الفلاحة البيولوجية التي أصبحت اليوم من المنظومات الزراعية التي تراهن عليها دول كثيرة من أجل تحقيق التنمية المستدامة والحفاظ على البيئة، من خلال تقليل استخدام المواد الكيميائية والأسمدة الاصطناعية لحماية التربة والمياه من التلوث، ودعم النظام البيئي وتنوّع المحاصيل باستخدام أساليب زراعية تقليدية، سواء من حيث البذور أو التنبيت وجني المحاصيل لاحقا.
وتجد اليوم المنتجات البيولوجية، وفي مختلف الأسواق، إقبالا كبيرا من المستهلكين في عديد الدول، بالإضافة إلى أنها قادرة على توفير فرص عمل جديدة في القطاع الفلاحي وتحسين دخل الفلاحين من خلال منتجات ذات قيمة مضافة عالية، مع المحافظة على خصوبة التربة والزيادة في قدرتها الإنتاجية على المدى الطويل.
ووفق بعض المعطيات، فقد شهدت تونس في السنوات الأخيرة نموا في مساحات الفلاحة البيولوجية، بالإضافة إلى تزايد عدد الفلاحين الذين يتبنون هذا التوجه، خاصة وأن المنتجات البيولوجية تجد لها أسواقا كثيرة للتصدير، على غرار زيت الزيتون والتمور. ودوليا دعمت جائحة كوفيد 19 التوجه لإنتاج المنتجات البيولوجية نظرا لتفاقم الطلب الاستهلاكي على كل ما هو بيولوجي، خاصة مع منتصف العقد الأخير.
وضمن الاستراتيجيات الوطنية التي تم تركيزها للنهوض بعدة قطاعات، تم إرساء الاستراتيجية الوطنية للفلاحة البيولوجية في أفق 2030، بغاية تحويل القطاع إلى نموذج مرجعي على الصعيد الدولي من خلال الحوكمة ودعم تنافسية المنتجات المعترف بها عالميا، على غرار زيت الزيتون والتمور، بالإضافة إلى العمل على تنويع العرض ليشمل زيوت النباتات العطرية والخضروات ومنتجات التين الشوكي.
أرقام واعدة
أشارت معطيات رسمية إلى عائدات مهمة للفلاحة البيولوجية، حيث أشارت أرقام للمرصد الوطني للفلاحة إلى أن صادرات تونس من المنتجات الفلاحية البيولوجية قدّرت خلال الفترة الممتدة من 1 جانفي إلى موفى ماي 2025 بنحو 34.152 طنا، محققة عائدات مالية بقيمة 420.4 مليون دينار. وقد وُجّهت هذه الصادرات إلى 38 دولة، مما يعكس تنوّع الأسواق وتوسّع الحضور الدولي للمنتجات البيولوجية التونسية في عدة أسواق دولية.
وتهدف استراتيجية وطنية إلى الوصول إلى مليوني هكتار بحلول سنة 2030 من المساحات البيولوجية في تونس، مع التركيز على التنمية المستدامة وحماية البيئة. ويحتل زيت الزيتون البيولوجي والتمور البيولوجية المراتب الأولى، حيث يمثلان على التوالي 87.8 % و11.7 % من إجمالي حجم الصادرات في هذا القطاع، ويعدّان من أبرز المنتجات الرئيسية إلى جانب التين الشوكي والنباتات الطبية والعطرية والعسل والحبوب والخضروات واللحوم البيولوجية.
وحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، يضم قطاع الفلاحة البيولوجية في تونس حاليا حوالي 9000 فاعل بين فلاحين وصناعيين وتجار، ويتمركز أغلبهم ضمن سلاسل الإنتاج. ويحتاج الفاعلون في القطاع دوما إلى مزيد من الدعم والمرافقة لتعزيز تنافسيتهم ومواكبة المعايير الدولية المتجددة والمساعدة على اقتحام الأسواق الدولية.
وحسب تقرير للإدارة العامة للفلاحة البيولوجية لشهر سبتمبر 2025، تبلغ مساحة الفلاحة البيولوجية حوالي 235 إلى 400 ألف هكتار، وتمثل حوالي 2 % من المساحة الفلاحية الكلية، وتبلغ مساهمتها التصديرية بين 14 و17.7 % من الصادرات الفلاحية. وتحتل تونس المرتبة الأولى إفريقيا في المساحات المخصصة لها، والمرتبة 23 عالميا، كما أصبحت من كبار المصدّرين العالميين للزيت البيولوجي.
وأيضا، وفق معطيات للإدارة العامة للفلاحة البيولوجية لشهر سبتمبر 2025، فإنه إلى جانب الزراعات، فإن قطاع الفلاحة البيولوجية يشمل كذلك القطاع الحيواني، إذ تحتوي المنظومة، بحسب مؤشرات 2024، على نحو 256 خلية نحل و359 رأس ماعز و87 رأس غنم و26 طائر دجاج. كما بلغ الإنتاج الجملي البيولوجي خلال سنة 2024 ما يقارب 139.910,7 طنا، منها 51,5 ألف طن صادرات بقيمة 1127 مليون دينار.
دراسة توضّح
خلصت، مؤخرا، دراسة بعنوان «التلوّث الزراعي في تونس: بين جمود النصوص القانونية وتغيّرات الواقع الميداني»، أعدّتها جمعية المساءلة الاجتماعية وقدّمت مضامينها خلال ندوة انعقدت بالعاصمة تونس، إلى أن التلوّث الفلاحي في تونس لم يعد مجرد إشكال ظرفي أو انعكاس محدود لبعض الممارسات غير السليمة، بل أصبح، وفق الدراسة، أزمة هيكلية متشعّبة تهدّد التوازنات البيئية والأمنين المائي والغذائي، وتطرح أسئلة جدية حول نجاعة المنظومة التشريعية والرقابية الحالية.
واعتبرت الدراسة أن القطاع الفلاحي، رغم أهميته الاقتصادية والاجتماعية، أصبح من أبرز مصادر الضغط البيئي في البلاد نتيجة الاستعمال المكثّف للأسمدة الكيميائية والمبيدات الحشرية، وتراجع الممارسات الزراعية التقليدية المستدامة مقابل توسّع نماذج إنتاج تقوم على الربحية السريعة والإنتاج الكمي دون اعتبار كاف للانعكاسات البيئية طويلة المدى.
كما أكدت الدراسة أن آثار هذا التلوث لم تعد مقتصرة على التربة فقط، بل امتدت إلى الموارد المائية السطحية والجوفية، إذ تتسرّب المواد الكيميائية المستعملة في الزراعة إلى الموائد المائية والوديان والسدود، سواء عبر مياه الري أو مياه الأمطار، بما يهدّد جودة المياه المخصّصة للشرب والاستعمال الفلاحي مستقبلا.
كما نبّهت الدراسة إلى أن التلوّث الفلاحي يمثّل خطرا مباشرا على صحة الإنسان، سواء من خلال بقايا المبيدات في الخضر والغلال والمنتجات الغذائية، أو عبر التعرض المباشر للمواد الكيميائية، خاصة في ظل ضعف التأطير والتكوين وغياب وسائل الوقاية في عديد المناطق.
ومن أبرز النقاط التي توقّفت عندها الدراسة وجود فجوة واضحة بين النصوص القانونية والواقع الميداني، إذ قالت الدراسة إنه توجد ترسانة تشريعية قديمة تقابلها محدودية كبيرة في التطبيق والمراقبة، بالإضافة إلى تشتت المسؤوليات بين عدة هياكل وغياب التنسيق بينها وضعف الإمكانيات البشرية واللوجستية المكلّفة بالرقابة البيئية والفلاحية.
ويرى عدد من المختصين في الفلاحة أن الانتقال من الفلاحة التقليدية إلى الفلاحة المكثفة تمّ دون مواكبة علمية وتقنية كافية، خاصة وأن جزءا من الفلاحين يعتمدون أساليب قديمة أو يفتقرون إلى التكوين اللازم في حسن استعمال المبيدات والأسمدة.
كما أن اللجوء المتزايد إلى البذور المستوردة ساهم بدوره في تعميق المشكلة، لأن هذه الأصناف تتطلب في كثير من الحالات جرعات أكبر من المياه والأسمدة والمعالجات الكيميائية حتى تتلاءم مع المناخ المحلي، ما يرفع الكلفة الاقتصادية والبيئية في الآن نفسه.
في المقابل، طرحت الدراسة والفريق المشارك في إعدادها مسار الفلاحة الإيكولوجية كخيار استراتيجي لتجاوز الأزمة، معتبرين أنها ليست مجرد تصور نظري، بل نموذج عملي أثبت نجاعته في عديد الدول، ويقوم هذا التوجه على احترام التوازن الطبيعي للتربة وتنويع الزراعات وتقليص الاعتماد على المواد الكيميائية وتشجيع البذور المحلية واستعمال الموارد المائية بشكل أكثر نجاعة.
وفي ختام الدراسة أشار معدّوها إلى أن تونس تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم، إما مواصلة نموذج يستنزف المياه والتربة ويعمّق التلوث، أو الانخراط في انتقال فلاحي وبيئي شامل يحمي الثروات الطبيعية ويضمن الأمن الغذائي للأجيال القادمة.
تأثير الأسمدة والمبيدات
ندّد عدة مختصين في القطاع الفلاحي باللجوء إلى الاستعمال المكثّف للمبيدات الحشرية والمواد الكيميائية في الفلاحة، خاصة بعد التخلّي عن البذور الأصلية القادرة على التكيف مع التربة والمناخ، ودخول الفلاحة التونسية مرحلة الإنتاج المكثف الموجّه للتصدير، خاصة وأن استعمال بذور موردة يتطلب مساحات سقوية وكميات كبيرة من الأسمدة والمواد الكيميائية حتى تكون هناك وفرة في الإنتاج.
إلى جانب ذلك، فإن ضعف المكننة في الفلاحة التونسية جعل الفلاح يستعمل كميات غير مدروسة من المبيدات والمواد والأسمدة الكيميائية بطريقة تقليدية يدوية، وبكميات أكبر من الكميات التي تحتاجها التربة والنبات، مما يدفع إلى انجراف وتسرب بقايا هذه المواد إلى الأودية والموائد المائية السطحية والجوفية، ويؤثر بالتالي على نوعية المياه والغلال والخضر التي تصل إلى المستهلك.
واللجوء إلى المبيدات لم يكن خيارا عفويا، بل جاء نتيجة تحولات عميقة عرفها القطاع الزراعي، حيث انتقل من نمط تقليدي قائم على الاكتفاء الذاتي إلى نمط إنتاج مكثف يستجيب لمتطلبات السوق، وذلك منذ أواخر الستينات وبداية السبعينات، مع التخلي التدريجي عن البذور المحلية وتعويضها ببذور مستوردة تحتاج إلى دعم كيميائي مستمر من أسمدة ومبيدات حتى تتأقلم مع البيئة المحلية، وهو ما أدّى إلى تلوث التربة عبر تراكم المواد الكيميائية التي تفوق حاجيات النبات.
ويكمن الحل اليوم في التوجه نحو الأسمدة الطبيعية وتثمين النفايات العضوية لما لها من جدوى بيئية واقتصادية دون الإضرار بالتربة والمياه، بالإضافة إلى ضرورة العودة إلى البذور المحلية نظرا لقدرتها على التكيف مع المناخ والتربة، مما يقلل الحاجة إلى الإضافات الكيميائية.