يستعد ستة عشر راقصًا من فرقة باليه أوبرا تونس لخوض واحدة من أبرز المحطات الدولية في مسيرتهم الفنية، وذلك من خلال تقديم عرض «الإمساك بالزمن» (Tenir le temps) على ركح مسرح «شايو» الوطني للرقص بباريس بين 10 و14 جوان الجاري، في حدث يضع الرقص التونسي مجددًا تحت أضواء واحدة من أهم المؤسسات الأوروبية المتخصصة في الرقص المعاصر.
ولا تبدو أهمية هذه المشاركة مرتبطة فقط بقيمة الفضاء الثقافي الذي يحتضن العرض أو بالمكانة التي يحظى بها جمهور شايو داخل المشهد الفني العالمي، بل أيضًا بما تحمله من دلالات تتعلق بقدرة الراقصين التونسيين على الاندماج في مشاريع فنية دولية كبرى وإعادة تقديم أعمال مرجعية في تاريخ الرقص المعاصر العالمي من خلال أجساد وخبرات محلية.
ويأتي هذا الموعد بعد أشهر من العمل المكثف الذي خاضه راقصو أوبرا تونس لإعادة إحياء أحد أشهر أعمال الفنان الكوريغرافي الفرنسي الجزائري الأصل رشيد أورامدان، وهو العمل الذي أبصر النور لأول مرة سنة 2015 قبل أن يتحول، مع مرور السنوات، إلى إحدى العلامات البارزة في مسيرة صاحبه الفنية.
ويكتسب حضور هذا العمل على خشبة «شايو» بعدًا رمزيًا خاصًا بالنظر إلى المكانة التي يحتلها المسرح في تاريخ الرقص الأوروبي والعالمي، إذ يعد من أبرز المؤسسات التي استضافت خلال العقود الماضية أهم الأسماء والتجارب الكوريغرافية المعاصرة.
ومن ثم فإن وصول راقصي أوبرا تونس إلى هذه الخشبة لا يمثل مجرد مشاركة فنية عابرة، بل يندرج ضمن مسار أوسع يسعى إلى ترسيخ حضور الرقص التونسي في الدوائر الدولية الكبرى، خصوصًا بعد سنوات شهدت فيها تونس تطورًا ملحوظًا في مجال الفنون الكوريغرافية وتزايدًا في عدد المشاريع التي استطاعت أن تعبر الحدود المحلية نحو فضاءات عرض عالمية.
ويطرح هذا الموعد أيضًا أسئلة تتعلق بموقع الرقص التونسي اليوم داخل المشهد الثقافي الوطني والدولي. فبينما تحظى السينما والمسرح والموسيقى عادة بحيز واسع من الاهتمام الإعلامي والجماهيري، يواصل الرقص المعاصر شق طريقه بهدوء نحو مزيد من الاعتراف والانتشار، مستفيدًا من تراكم تجارب فنية ومؤسساتية ساهمت في تكوين أجيال جديدة من الراقصين والكوريغرافيين القادرين على الاشتغال وفق المعايير الدولية. ومن هذه الزاوية، تبدو مشاركة باليه أوبرا تونس في شايو بمثابة تتويج لمسار طويل من العمل والتكوين والتعاون الثقافي العابر للحدود.
ويقف خلف هذا المشروع اسم يعد من أبرز الأسماء المؤثرة في الرقص المعاصر الأوروبي خلال العقود الأخيرة، وهو رشيد أورامدان الذي يتولى اليوم إدارة مسرح «شايو» الوطني للرقص منذ سنة 2021.
وتكشف سيرة هذا الفنان عن مسار استثنائي بدأ من ثقافة الهيب هوب التي اكتشف من خلالها الرقص في سن مبكرة، قبل أن يقرر التفرغ لهذا الفن عبر الدراسة في المركز الوطني للرقص المعاصر بمدينة أنجيه الفرنسية خلال تسعينيات القرن الماضي. ومنذ أعماله الأولى، اختار أورامدان أن يبني لغته الفنية انطلاقًا من الإنسان وتجربته الفردية، فاستلهم العديد من عروضه من شهادات شخصية وقصص واقعية وتجارب معيشة، محولًا المادة الإنسانية الخام إلى بناء كوريغرافي شديد الدقة والحساسية.
وعلى امتداد مسيرته، تعاون أورامدان مع عدد كبير من الفنانين المنتمين إلى مجالات مختلفة، من المسرح إلى الفنون البصرية والموسيقى والسيرك، وهو ما منح أعماله طابعًا عابرًا للتخصصات الفنية، وجعلها قادرة على مخاطبة جمهور واسع يتجاوز حدود عشاق الرقص المعاصر. كما عرفت أعماله حضورًا لافتًا في أهم المسارح والمهرجانات الدولية، حيث اشتغل باستمرار على أسئلة الذاكرة والهوية والجماعة والعلاقة بين الفرد والمحيط الذي يعيش فيه.
وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت أعماله نحو مزيد من التجريد البصري والحركي، دون أن تتخلى عن بعدها الإنساني العميق. وبالتوازي مع مشاريعه الإبداعية، واصل تطوير برامج للتكوين ونقل الخبرات والتعاون الفني على المستوى الدولي، وهو ما يفسر اختياره العمل مع راقصي باليه أوبرا تونس وإعادة نقل تجربته الفنية إليهم في إطار مشروع يهدف إلى منح هذا العمل حياة جديدة من خلال أجساد وخبرات مختلفة.
وفي هذا السياق، انطلقت سنة 2025 عملية نقل عرض «الإمساك بالزمن» إلى راقصي أوبرا تونس، وهي تجربة لا تقوم على إعادة إنتاج العمل حرفيًا بقدر ما تسعى إلى إعادة اكتشافه من خلال طاقة مجموعة جديدة من الفنانين. فالعرض الذي يقوم على الحركة الجماعية الدقيقة يتطلب درجة عالية من الانسجام والثقة والتواصل بين الراقصين، وهو ما جعل مرحلة التحضير والتدريب جزءًا أساسيًا من المشروع نفسه.
وتبدو أهمية هذا الحدث مضاعفة بالنسبة إلى المؤسسة الوطنية للأوبرا، التي تعمل منذ سنوات على تعزيز حضورها في المشهد الثقافي الدولي عبر إنتاجات مشتركة وشراكات مع أسماء عالمية. فنجاح العرض في باريس من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الراقصين التونسيين ويمنحهم فرصة الاحتكاك المباشر بجمهور دولي معروف بمتابعته الدقيقة للفنون الكوريغرافية المعاصرة.
وبين القيمة الفنية للعمل، ورمزية الفضاء الذي يحتضنه، وأهمية الأسماء المشاركة فيه، يتحول عرض «الإمساك بالزمن» إلى أكثر من مجرد موعد فني، إذ يمثل لحظة جديدة من لحظات الحضور التونسي على الساحة الثقافية العالمية، ويؤكد أن الرقص التونسي لم يعد يكتفي بالمشاركة في التظاهرات الدولية، بل أصبح قادرًا على الوصول إلى المنصات الأكثر تأثيرًا في العالم وتقديم فنانيه بوصفهم جزءًا من المشهد الكوريغرافي العالمي المعاصر.
إيمان عبد اللطيف
يستعد ستة عشر راقصًا من فرقة باليه أوبرا تونس لخوض واحدة من أبرز المحطات الدولية في مسيرتهم الفنية، وذلك من خلال تقديم عرض «الإمساك بالزمن» (Tenir le temps) على ركح مسرح «شايو» الوطني للرقص بباريس بين 10 و14 جوان الجاري، في حدث يضع الرقص التونسي مجددًا تحت أضواء واحدة من أهم المؤسسات الأوروبية المتخصصة في الرقص المعاصر.
ولا تبدو أهمية هذه المشاركة مرتبطة فقط بقيمة الفضاء الثقافي الذي يحتضن العرض أو بالمكانة التي يحظى بها جمهور شايو داخل المشهد الفني العالمي، بل أيضًا بما تحمله من دلالات تتعلق بقدرة الراقصين التونسيين على الاندماج في مشاريع فنية دولية كبرى وإعادة تقديم أعمال مرجعية في تاريخ الرقص المعاصر العالمي من خلال أجساد وخبرات محلية.
ويأتي هذا الموعد بعد أشهر من العمل المكثف الذي خاضه راقصو أوبرا تونس لإعادة إحياء أحد أشهر أعمال الفنان الكوريغرافي الفرنسي الجزائري الأصل رشيد أورامدان، وهو العمل الذي أبصر النور لأول مرة سنة 2015 قبل أن يتحول، مع مرور السنوات، إلى إحدى العلامات البارزة في مسيرة صاحبه الفنية.
ويكتسب حضور هذا العمل على خشبة «شايو» بعدًا رمزيًا خاصًا بالنظر إلى المكانة التي يحتلها المسرح في تاريخ الرقص الأوروبي والعالمي، إذ يعد من أبرز المؤسسات التي استضافت خلال العقود الماضية أهم الأسماء والتجارب الكوريغرافية المعاصرة.
ومن ثم فإن وصول راقصي أوبرا تونس إلى هذه الخشبة لا يمثل مجرد مشاركة فنية عابرة، بل يندرج ضمن مسار أوسع يسعى إلى ترسيخ حضور الرقص التونسي في الدوائر الدولية الكبرى، خصوصًا بعد سنوات شهدت فيها تونس تطورًا ملحوظًا في مجال الفنون الكوريغرافية وتزايدًا في عدد المشاريع التي استطاعت أن تعبر الحدود المحلية نحو فضاءات عرض عالمية.
ويطرح هذا الموعد أيضًا أسئلة تتعلق بموقع الرقص التونسي اليوم داخل المشهد الثقافي الوطني والدولي. فبينما تحظى السينما والمسرح والموسيقى عادة بحيز واسع من الاهتمام الإعلامي والجماهيري، يواصل الرقص المعاصر شق طريقه بهدوء نحو مزيد من الاعتراف والانتشار، مستفيدًا من تراكم تجارب فنية ومؤسساتية ساهمت في تكوين أجيال جديدة من الراقصين والكوريغرافيين القادرين على الاشتغال وفق المعايير الدولية. ومن هذه الزاوية، تبدو مشاركة باليه أوبرا تونس في شايو بمثابة تتويج لمسار طويل من العمل والتكوين والتعاون الثقافي العابر للحدود.
ويقف خلف هذا المشروع اسم يعد من أبرز الأسماء المؤثرة في الرقص المعاصر الأوروبي خلال العقود الأخيرة، وهو رشيد أورامدان الذي يتولى اليوم إدارة مسرح «شايو» الوطني للرقص منذ سنة 2021.
وتكشف سيرة هذا الفنان عن مسار استثنائي بدأ من ثقافة الهيب هوب التي اكتشف من خلالها الرقص في سن مبكرة، قبل أن يقرر التفرغ لهذا الفن عبر الدراسة في المركز الوطني للرقص المعاصر بمدينة أنجيه الفرنسية خلال تسعينيات القرن الماضي. ومنذ أعماله الأولى، اختار أورامدان أن يبني لغته الفنية انطلاقًا من الإنسان وتجربته الفردية، فاستلهم العديد من عروضه من شهادات شخصية وقصص واقعية وتجارب معيشة، محولًا المادة الإنسانية الخام إلى بناء كوريغرافي شديد الدقة والحساسية.
وعلى امتداد مسيرته، تعاون أورامدان مع عدد كبير من الفنانين المنتمين إلى مجالات مختلفة، من المسرح إلى الفنون البصرية والموسيقى والسيرك، وهو ما منح أعماله طابعًا عابرًا للتخصصات الفنية، وجعلها قادرة على مخاطبة جمهور واسع يتجاوز حدود عشاق الرقص المعاصر. كما عرفت أعماله حضورًا لافتًا في أهم المسارح والمهرجانات الدولية، حيث اشتغل باستمرار على أسئلة الذاكرة والهوية والجماعة والعلاقة بين الفرد والمحيط الذي يعيش فيه.
وخلال السنوات الأخيرة، اتجهت أعماله نحو مزيد من التجريد البصري والحركي، دون أن تتخلى عن بعدها الإنساني العميق. وبالتوازي مع مشاريعه الإبداعية، واصل تطوير برامج للتكوين ونقل الخبرات والتعاون الفني على المستوى الدولي، وهو ما يفسر اختياره العمل مع راقصي باليه أوبرا تونس وإعادة نقل تجربته الفنية إليهم في إطار مشروع يهدف إلى منح هذا العمل حياة جديدة من خلال أجساد وخبرات مختلفة.
وفي هذا السياق، انطلقت سنة 2025 عملية نقل عرض «الإمساك بالزمن» إلى راقصي أوبرا تونس، وهي تجربة لا تقوم على إعادة إنتاج العمل حرفيًا بقدر ما تسعى إلى إعادة اكتشافه من خلال طاقة مجموعة جديدة من الفنانين. فالعرض الذي يقوم على الحركة الجماعية الدقيقة يتطلب درجة عالية من الانسجام والثقة والتواصل بين الراقصين، وهو ما جعل مرحلة التحضير والتدريب جزءًا أساسيًا من المشروع نفسه.
وتبدو أهمية هذا الحدث مضاعفة بالنسبة إلى المؤسسة الوطنية للأوبرا، التي تعمل منذ سنوات على تعزيز حضورها في المشهد الثقافي الدولي عبر إنتاجات مشتركة وشراكات مع أسماء عالمية. فنجاح العرض في باريس من شأنه أن يفتح آفاقًا جديدة أمام الراقصين التونسيين ويمنحهم فرصة الاحتكاك المباشر بجمهور دولي معروف بمتابعته الدقيقة للفنون الكوريغرافية المعاصرة.
وبين القيمة الفنية للعمل، ورمزية الفضاء الذي يحتضنه، وأهمية الأسماء المشاركة فيه، يتحول عرض «الإمساك بالزمن» إلى أكثر من مجرد موعد فني، إذ يمثل لحظة جديدة من لحظات الحضور التونسي على الساحة الثقافية العالمية، ويؤكد أن الرقص التونسي لم يعد يكتفي بالمشاركة في التظاهرات الدولية، بل أصبح قادرًا على الوصول إلى المنصات الأكثر تأثيرًا في العالم وتقديم فنانيه بوصفهم جزءًا من المشهد الكوريغرافي العالمي المعاصر.