إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في لجنة التهيئة العمرانية بالبرلمان.. مناقشة مقترح قانون لتسوية وضعيات المباني والمشاريع المقامة بمناطق فلاحية

شرعت لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية، أمس الخميس 4 جوان 2026، خلال اجتماعها المنعقد بمجلس نواب الشعب، في دراسة مقترح قانون يتعلق باتخاذ إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة، واستمعت إلى جهة المبادرة. وأكد رئيس اللجنة صابر الجلاصي، أهمية هذا المقترح، مبيّنًا أنه سيتم الحرص على تسريع النظر فيه، معربًا عن رغبته في تمريره إلى الجلسة العامة قبل العطلة البرلمانية، وهو ما دعا إليه أيضًا ممثلو جهة المبادرة النواب عماد أولاد جبريل وسامي رايس وطارق الربعي وصابر المصمودي.

وأشار النائب عماد أولاد جبريل إلى أن هذه المبادرة التشريعية لم تأت من فراغ، بل جاءت لحل مشاكل حقيقية تعاني منها العديد من العائلات التونسية جراء عدم منحها تراخيص الربط بشبكات الماء والكهرباء. وذكر أن هناك مناطق تمتد على آلاف الهكتارات مصنفة فلاحية، لكنها غير مستغلة في الفلاحة، وفي الوقت نفسه لا يمكن بعث مشاريع فيها، مثل إقامة دور ضيافة. وقال إنه يريد أن تكون هناك دور ضيافة في قفصة وقابس والمهدية وفي كل الولايات، كما يريد تمكين الباعثين الشبان من إنشاء ملاعب أحياء وربطها بالشبكات العمومية، لأن الرياضة تساهم في تأطير الأطفال وحمايتهم من مخاطر المخدرات وغيرها.
وفسر ممثل جهة المبادرة أن مقترح القانون ليس لخدمة فئة بعينها، وإنما هو حل تشريعي لمشكل قائم يهم عديد التونسيين، موضحًا أن المبادرة التشريعية تهم المناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة.
الحد من الابتزاز
وأوضح النائب طارق الربعي، ممثل جهة المبادرة، أن الغاية من مقترح القانون، الذي تضمن إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة، هي الحد من عمليات الابتزاز التي يتعرض لها المواطن. وبيّن أنه رغم تشييد هذه المباني منذ سنة 2011، فإن أصحابها ما زالوا يتعرضون للابتزاز.
وذكر أنه، إضافة إلى المباني السكنية، توجد مصانع، منها مؤسسات مصدرة، تواجه صعوبات لأنها لم تتمكن من الحصول على شهادة الوقاية من الحرائق، ولأن وضعية المبنى غير قانونية. وأضاف أن مقترح القانون، مثله مثل مقترح القانون المتعلق بتسوية وضعية المباني المخالفة لرخص البناء، مهم لأن المواطن يعاني من مشاكل ناجمة عن غياب الربط بالشبكات العمومية.
أمثلة التهيئة العمرانية
وقال النائب سامي رايس، ممثل جهة المبادرة، إن مقترح القانون المتعلق باتخاذ إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة يهدف إلى تسوية وضعية المباني المقامة خارج أمثلة التهيئة العمرانية، خاصة في الأراضي الفلاحية.
ولاحظ أن تونس شهدت بعد الثورة توسعا عمرانيا كبيرا على عقارات غير مشمولة بأمثلة التهيئة، كما أن هناك أمثلة تهيئة عمرانية لم تقع مراجعتها منذ سبعينات القرن الماضي، وهناك مدن بأكملها غير مشمولة بهذه الأمثلة.
وذكر أنه تم منح تراخيص استثنائية لمصانع مقامة على أراض فلاحية، كما مُنحت بعض التراخيص لمساكن ومصانع لأنها كانت، في ذلك الوقت، ترجع بالنظر إلى مجالس قروية.
وأضاف النائب أنه بعد إصدار مجلة الجماعات المحلية، وجدت البلديات صعوبات في تسوية الوضعيات، فهناك مساكن تم ربطها بشبكات التطهير والماء والكهرباء، لكن لم يقع منح أصحابها رخص بناء. كما توجد مصانع طورت نشاطها وأصبحت مصدرة، إلا أن الاتحاد الأوروبي يفرض على المؤسسات المصدرة أن تكون حاصلة على تراخيص من البلديات وعلى شهادة من الحماية المدنية للوقاية من الحرائق. وذكر أنه بعد حل المجالس البلدية تفاقمت المشاكل.
وقدم رايس أمام اللجنة أبرز مضامين مقترح القانون الوارد في ستة فصول. ويُذكر، في هذا السياق، أنه تم تعريف المناطق ذات الوظيفة المتحوّلة صلب الفصل الأول من مقترح القانون بأنها المناطق الفلاحية التي تحتوي على نسبة مبان قائمة تفوق ثلاثين بالمائة من مساحتها، وتضم أكثر من خمسين مشروعًا أو بناءً فعليًا، وتحتوي على شبكات جماعية للماء أو الكهرباء أو الطاقات، ونشأت فيها مشاريع اجتماعية أو اقتصادية أو سياحية أو شبابية قبل صدور هذا القانون.
ونص الفصل الثاني من المقترح نفسه على أن المشاريع والمباني المعنية بالتسوية تُسوّى بصفة نهائية، وتشمل جميع المشاريع والمباني القائمة أو الجاري إنجازها قبل صدور هذا القانون داخل المناطق المشار إليها أعلاه، وتضم بالخصوص: المباني السكنية المشيدة فعليًا، والمشاريع السياحية الريفية من منازل ضيافة وفضاءات إقامة ونزل بيئية، والمشاريع الشبابية والرياضية من ملاعب وفضاءات تنشيط وترفيه، والمقاهي والنوادي ونقاط البيع والمحلات ذات الطابع المهني أو الاجتماعي. ويعتمد في التسوية فقط تاريخ المعاينة أو الإنجاز قبل صدور هذا القانون، دون اشتراط أي مدة استغلال.
ونص الفصل الثالث من مقترح القانون على إجراءات التسوية وآجالها، إذ يُودَع المطلب لدى اللجنة الجهوية المختصة، وتتكون الملفات من نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو معرف جبائي، وشهادة استغلال أو وثيقة تثبت النشاط أو الإنجاز. وتبت اللجنة في أجل أقصاه 30 يومًا من تاريخ تقديم المطلب، وتصدر قرارًا نهائيًا بالموافقة أو الرفض المعلل. ويخوّل لصاحب العقار، بعد الموافقة، الحصول على شهادة تسوية قانونية قابلة للترسيم.
وبناء على الفصل الرابع، تُعلّق آليا كافة قرارات الهدم أو الغلق أو الإزالة المتعلقة بالمباني والمشاريع المعنية بالتسوية بموجب هذا القانون إلى حين البت النهائي في ملفاتها. وفي حال الموافقة على التسوية، تُلغى هذه القرارات دون الرجوع إلى الإدارة أو القضاء.
ونص الفصل الخامس من مقترح القانون على إحداث لجنة جهوية بكل ولاية تحت إشراف الوالي، تضم ممثلًا عن وزارة الفلاحة، وممثلًا عن وزارة التجهيز، وممثلا عن وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، وممثلًا عن البلدية. وتتولى هذه اللجنة تصنيف المناطق المتحوّلة واستقبال المطالب والبت فيها.
ونص الفصل السادس والأخير على أن تصدر وزارة الفلاحة ووزارة التجهيز ووزارة الداخلية أمرًا ترتيبيًا مشتركًا يحدد المعايير الفنية للتسوية، والصيغ المستوجبة لإدماج المشاريع في التهيئة العمرانية، ومبالغ التسوية الرمزية إن وجدت.
وخلص النائب سامي رايس إلى أن جهة المبادرة لا تسعى إلى تسوية وضعيات مساكن موجودة على ضفاف الأودية أو مقامة على أراضٍ على ملك الدولة. وأضاف أنه تم التفكير في إعداد مقترح القانون المعروض نظرًا إلى تأخر الحكومة في مراجعة مجلة التهيئة الترابية والتعمير. كما أن وزارة الفلاحة، حسب قوله، لم تقم بمراجعة الخارطة الفلاحية، رغم أن العديد من الأراضي الفلاحية تحولت إلى تجمعات سكنية وتضم مصانع توفر موارد رزق.
وأكد أنه كان لا بد من مراجعة أمثلة التهيئة العمرانية، لكن ذلك لم يحدث، مما أدى إلى حصول توسعات عمرانية وصعوبة في تسوية وضعياتها لعدم توفر سند قانوني، فجاء مقترح القانون ليقدم حلا تشريعيا.
قرارات هدم وإزالة
وفي السياق نفسه، أشار النائب صابر المصمودي، ممثل جهة المبادرة، إلى أن مقترح القانون المتعلق باتخاذ إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة جاء لحل مشكل موجود في جميع الولايات، ومنها ولاية صفاقس.
ولاحظ تفاقم الصعوبات في ظل غياب مجلة جديدة للتهيئة الترابية والتعمير، وفي ظل عدم تحيين أمثلة التهيئة العمرانية. كما أشار إلى العدد المهول لقرارات الهدم والإزالة التي تتخذها البلديات، وذكر أن المبادرة التشريعية تحل جزءًا من المشكل، وهي تتضمن ضمانات تحفظ حقوق الدولة.
تكريس العدالة العقارية
وفي نفس السياق، تمت الإشارة في وثيقة شرح أسباب مقترح القانون المتعلق باتخاذ إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة إلى أن عدة مناطق فلاحية في تونس شهدت تحوّلًا وظيفيًا خلال العقود الأخيرة، حيث أقيمت عليها مبانٍ سكنية ومشاريع تنموية شبابية واقتصادية وسياحية وثقافية ورياضية أصبحت تمثل متنفسًا اقتصاديًا واجتماعيًا ضروريًا للسكان. لكن، أمام استمرار تصنيف هذه الأراضي فلاحية بموجب القانون عدد 87 لسنة 1983، فإن أغلب هذه المشاريع تواجه عراقيل قانونية وإدارية تمنعها من الحصول على تراخيص أو إدماجها في الدورة الاقتصادية، وبعضها صدرت في حقه قرارات هدم.
وبين أصحاب المبادرة التشريعية في وثيقة شرح أسباب مقترح القانون أنه، حرصًا على حفظ الأمن الغذائي الوطني عبر حماية الأراضي الفلاحية ذات القيمة الإنتاجية، وتكريس العدالة العقارية والاجتماعية عبر تسوية الوضعية القانونية للواقع المعماري والسكاني القائم، جاء مقترح القانون لإحداث آلية استثنائية ودائمة تتيح تسوية المباني والمشاريع القائمة أو قيد الإنجاز قبل صدور القانون داخل ما يسمى بالمناطق ذات الوظيفة المتحوّلة.
وتحمل هذه المبادرة التشريعية إمضاء النواب: عماد أولاد جبريل، وسامي رايس، وفيصل الصغير، وياسين مامي، ومصطفى البوبكري، ومحمد علي فنيرة، وأيمن بن صالح، وعبد الجليل الهاني، ومعز الرياحي، وطارق الربعي، وعزيز بن الأخضر، وهالة جاب الله، وصالح الصيادي، وسيرين مرابط، وأحمد بنور، وآمال المؤدب، ونزار الصديق، وعادل ضياف، ومحمود العامري، ومنير كموني، ومحمود شلغاف، ونجلاء اللحياني، ورياض بلال، ومريم الشريف، وأنور المرزوقي، ونورة الشبراك.
مقترحات تعديل
وخلال نقاش مقترح القانون المتعلق باتخاذ إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة، تم تقديم عدة مقترحات تعديل، حسب ما أشار إليه عضو اللجنة النائب معز برك الله في تصريح لـ«الصباح». وتتمثل أبرز مقترحات التعديل في:
-التخفيض من نسبة 30 بالمائة المشار إليها صلب المبادرة التشريعية إلى 20 بالمائة في المناطق الحدودية.
-اشتراط إلزامية تقديم تقرير اختبار من قبل خبير معتمد كشرط رئيسي لقبول مقترح التسوية.
-وضع سقف زمني بسنتين لتقديم مطالب التسوية، للحيلولة دون استغلال القانون كغطاء للتجاوزات.
 -توجيه عائدات خطايا محاضر التسوية لفائدة صندوق وطني يعنى باستصلاح الأراضي الفلاحية.
- إعفاء المشاريع التكنولوجية ومشاريع الطاقات المتجددة والمشاريع التشغيلية من جزء من معاليم التسوية.
- منع الربط بالشبكات العمومية إلا بعد دفع كامل الخطايا.
- إلزام أصحاب المشاريع بتخصيص مساحة خضراء لا تقل عن 10 بالمائة.
- منع تسوية وضعيات المشاريع الملوثة داخل المناطق المعنية بالمبادرة، لحماية المائدة المائية.
 -إقرار مبدأ تشغيل اليد العاملة من أبناء المنطقة التي توجد فيها المؤسسات المستفيدة من التسوية.
قانون الاستثمار
وأضاف معز برك الله، النائب بلجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية، أنه إثر الاستماع إلى جهة المبادرة حول مقترح القانون المتعلق باتخاذ إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة، واصلت اللجنة النظر في مقترح القانون المتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 71 لسنة 2016، المؤرخ في 30 سبتمبر 2016، والمتعلق بقانون الاستثمار، فصلا فصلا.
وكانت اللجنة قد تدارست في جلستها السابقة ثلاثة فصول، أما فيما يتعلق بالفصل الرابع المتعلق بحرية الاستثمار، فيذكر أن كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية «كوناكت» اقترحت على اللجنة التنصيص في هذا الفصل على أن الاستثمار حر، وتبقى بعض الأنشطة خاضعة لترخيص، وتضبط قائمتها بمقتضى أمر يُنشر في أجل ستة أشهر من نشر القانون، ويتعين تعليل قرار الرفض كتابيًا في أجل أقصاه شهر واحد. ولا يجوز طلب معلومات إضافية إلا مرة واحدة في أجل 15 يومًا، ويعلق أجل الثلاثة أشهر بقدر التأخير في الرد ويمدد بشهر. ويعد السكوت بعد انقضاء الأجل ترخيصًا بقوة القانون دون استثناء.
واقترحت «كوناكت» إلغاء فقرة تتعلق باستثناء بعض الأنشطة، إذ ترى أن مبدأ حرية الاستثمار يعد الركيزة الأساسية لأي منظومة جاذبة لرؤوس الأموال. وقد أقر قانون 2016 نظريًا هذا المبدأ، لكن الممارسة كشفت عن تناقض صارخ، إذ لم يُنشر قائمة الأنشطة الخاضعة للترخيص في الآجال المحددة، مما ترك المستثمرين في حالة ترقب في ظل انعدام أمان قانوني. وتظهر المؤشرات الدولية تراجع ترتيب تونس في مؤشر الحرية الاقتصادية من المرتبة 114 سنة 2016 إلى المرتبة 150 سنة 2024، كما أن إمكانية طلب معلومات إضافية متكررة أفرغت مبدأ السكوت الإيجابي من مضمونه.
وفسرت منظمة «كوناكت» مقترح تعديل الفصل الرابع بأنه يهدف إلى تعزيز الأمان القانوني بآجال ملزمة وعدم طلب معلومات متكررة، وأوضحت أن استثناء الأنشطة من مبدأ السكوت الإيجابي هو لمنع الإدارة من التوسع في الاستثناءات، واستدلت المنظمة بتجارب مقارنة في المغرب والأردن وجورجيا.
أما الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، فقد دعا لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية إلى توضيح صلاحيات الهيئة في إسناد التراخيص، بينما اقترح مجلس الغرف المشتركة ضبط الاستثناءات بنص تشريعي لا بأمر.
وعبر رئيس اللجنة صابر الجلاصي خلال الجلسة عن رغبة اللجنة في التسريع بدراسة المبادرة التشريعية المتعلقة بالاستثمار، قصد غلق هذا الملف قبل موفى الشهر الجاري حسب قوله.

سعيدة بوهلال

 في لجنة التهيئة العمرانية بالبرلمان..  مناقشة مقترح قانون لتسوية وضعيات المباني والمشاريع المقامة بمناطق فلاحية

شرعت لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية، أمس الخميس 4 جوان 2026، خلال اجتماعها المنعقد بمجلس نواب الشعب، في دراسة مقترح قانون يتعلق باتخاذ إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة، واستمعت إلى جهة المبادرة. وأكد رئيس اللجنة صابر الجلاصي، أهمية هذا المقترح، مبيّنًا أنه سيتم الحرص على تسريع النظر فيه، معربًا عن رغبته في تمريره إلى الجلسة العامة قبل العطلة البرلمانية، وهو ما دعا إليه أيضًا ممثلو جهة المبادرة النواب عماد أولاد جبريل وسامي رايس وطارق الربعي وصابر المصمودي.

وأشار النائب عماد أولاد جبريل إلى أن هذه المبادرة التشريعية لم تأت من فراغ، بل جاءت لحل مشاكل حقيقية تعاني منها العديد من العائلات التونسية جراء عدم منحها تراخيص الربط بشبكات الماء والكهرباء. وذكر أن هناك مناطق تمتد على آلاف الهكتارات مصنفة فلاحية، لكنها غير مستغلة في الفلاحة، وفي الوقت نفسه لا يمكن بعث مشاريع فيها، مثل إقامة دور ضيافة. وقال إنه يريد أن تكون هناك دور ضيافة في قفصة وقابس والمهدية وفي كل الولايات، كما يريد تمكين الباعثين الشبان من إنشاء ملاعب أحياء وربطها بالشبكات العمومية، لأن الرياضة تساهم في تأطير الأطفال وحمايتهم من مخاطر المخدرات وغيرها.
وفسر ممثل جهة المبادرة أن مقترح القانون ليس لخدمة فئة بعينها، وإنما هو حل تشريعي لمشكل قائم يهم عديد التونسيين، موضحًا أن المبادرة التشريعية تهم المناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة.
الحد من الابتزاز
وأوضح النائب طارق الربعي، ممثل جهة المبادرة، أن الغاية من مقترح القانون، الذي تضمن إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة، هي الحد من عمليات الابتزاز التي يتعرض لها المواطن. وبيّن أنه رغم تشييد هذه المباني منذ سنة 2011، فإن أصحابها ما زالوا يتعرضون للابتزاز.
وذكر أنه، إضافة إلى المباني السكنية، توجد مصانع، منها مؤسسات مصدرة، تواجه صعوبات لأنها لم تتمكن من الحصول على شهادة الوقاية من الحرائق، ولأن وضعية المبنى غير قانونية. وأضاف أن مقترح القانون، مثله مثل مقترح القانون المتعلق بتسوية وضعية المباني المخالفة لرخص البناء، مهم لأن المواطن يعاني من مشاكل ناجمة عن غياب الربط بالشبكات العمومية.
أمثلة التهيئة العمرانية
وقال النائب سامي رايس، ممثل جهة المبادرة، إن مقترح القانون المتعلق باتخاذ إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة يهدف إلى تسوية وضعية المباني المقامة خارج أمثلة التهيئة العمرانية، خاصة في الأراضي الفلاحية.
ولاحظ أن تونس شهدت بعد الثورة توسعا عمرانيا كبيرا على عقارات غير مشمولة بأمثلة التهيئة، كما أن هناك أمثلة تهيئة عمرانية لم تقع مراجعتها منذ سبعينات القرن الماضي، وهناك مدن بأكملها غير مشمولة بهذه الأمثلة.
وذكر أنه تم منح تراخيص استثنائية لمصانع مقامة على أراض فلاحية، كما مُنحت بعض التراخيص لمساكن ومصانع لأنها كانت، في ذلك الوقت، ترجع بالنظر إلى مجالس قروية.
وأضاف النائب أنه بعد إصدار مجلة الجماعات المحلية، وجدت البلديات صعوبات في تسوية الوضعيات، فهناك مساكن تم ربطها بشبكات التطهير والماء والكهرباء، لكن لم يقع منح أصحابها رخص بناء. كما توجد مصانع طورت نشاطها وأصبحت مصدرة، إلا أن الاتحاد الأوروبي يفرض على المؤسسات المصدرة أن تكون حاصلة على تراخيص من البلديات وعلى شهادة من الحماية المدنية للوقاية من الحرائق. وذكر أنه بعد حل المجالس البلدية تفاقمت المشاكل.
وقدم رايس أمام اللجنة أبرز مضامين مقترح القانون الوارد في ستة فصول. ويُذكر، في هذا السياق، أنه تم تعريف المناطق ذات الوظيفة المتحوّلة صلب الفصل الأول من مقترح القانون بأنها المناطق الفلاحية التي تحتوي على نسبة مبان قائمة تفوق ثلاثين بالمائة من مساحتها، وتضم أكثر من خمسين مشروعًا أو بناءً فعليًا، وتحتوي على شبكات جماعية للماء أو الكهرباء أو الطاقات، ونشأت فيها مشاريع اجتماعية أو اقتصادية أو سياحية أو شبابية قبل صدور هذا القانون.
ونص الفصل الثاني من المقترح نفسه على أن المشاريع والمباني المعنية بالتسوية تُسوّى بصفة نهائية، وتشمل جميع المشاريع والمباني القائمة أو الجاري إنجازها قبل صدور هذا القانون داخل المناطق المشار إليها أعلاه، وتضم بالخصوص: المباني السكنية المشيدة فعليًا، والمشاريع السياحية الريفية من منازل ضيافة وفضاءات إقامة ونزل بيئية، والمشاريع الشبابية والرياضية من ملاعب وفضاءات تنشيط وترفيه، والمقاهي والنوادي ونقاط البيع والمحلات ذات الطابع المهني أو الاجتماعي. ويعتمد في التسوية فقط تاريخ المعاينة أو الإنجاز قبل صدور هذا القانون، دون اشتراط أي مدة استغلال.
ونص الفصل الثالث من مقترح القانون على إجراءات التسوية وآجالها، إذ يُودَع المطلب لدى اللجنة الجهوية المختصة، وتتكون الملفات من نسخة من بطاقة التعريف الوطنية أو معرف جبائي، وشهادة استغلال أو وثيقة تثبت النشاط أو الإنجاز. وتبت اللجنة في أجل أقصاه 30 يومًا من تاريخ تقديم المطلب، وتصدر قرارًا نهائيًا بالموافقة أو الرفض المعلل. ويخوّل لصاحب العقار، بعد الموافقة، الحصول على شهادة تسوية قانونية قابلة للترسيم.
وبناء على الفصل الرابع، تُعلّق آليا كافة قرارات الهدم أو الغلق أو الإزالة المتعلقة بالمباني والمشاريع المعنية بالتسوية بموجب هذا القانون إلى حين البت النهائي في ملفاتها. وفي حال الموافقة على التسوية، تُلغى هذه القرارات دون الرجوع إلى الإدارة أو القضاء.
ونص الفصل الخامس من مقترح القانون على إحداث لجنة جهوية بكل ولاية تحت إشراف الوالي، تضم ممثلًا عن وزارة الفلاحة، وممثلًا عن وزارة التجهيز، وممثلا عن وزارة أملاك الدولة والشؤون العقارية، وممثلًا عن البلدية. وتتولى هذه اللجنة تصنيف المناطق المتحوّلة واستقبال المطالب والبت فيها.
ونص الفصل السادس والأخير على أن تصدر وزارة الفلاحة ووزارة التجهيز ووزارة الداخلية أمرًا ترتيبيًا مشتركًا يحدد المعايير الفنية للتسوية، والصيغ المستوجبة لإدماج المشاريع في التهيئة العمرانية، ومبالغ التسوية الرمزية إن وجدت.
وخلص النائب سامي رايس إلى أن جهة المبادرة لا تسعى إلى تسوية وضعيات مساكن موجودة على ضفاف الأودية أو مقامة على أراضٍ على ملك الدولة. وأضاف أنه تم التفكير في إعداد مقترح القانون المعروض نظرًا إلى تأخر الحكومة في مراجعة مجلة التهيئة الترابية والتعمير. كما أن وزارة الفلاحة، حسب قوله، لم تقم بمراجعة الخارطة الفلاحية، رغم أن العديد من الأراضي الفلاحية تحولت إلى تجمعات سكنية وتضم مصانع توفر موارد رزق.
وأكد أنه كان لا بد من مراجعة أمثلة التهيئة العمرانية، لكن ذلك لم يحدث، مما أدى إلى حصول توسعات عمرانية وصعوبة في تسوية وضعياتها لعدم توفر سند قانوني، فجاء مقترح القانون ليقدم حلا تشريعيا.
قرارات هدم وإزالة
وفي السياق نفسه، أشار النائب صابر المصمودي، ممثل جهة المبادرة، إلى أن مقترح القانون المتعلق باتخاذ إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة جاء لحل مشكل موجود في جميع الولايات، ومنها ولاية صفاقس.
ولاحظ تفاقم الصعوبات في ظل غياب مجلة جديدة للتهيئة الترابية والتعمير، وفي ظل عدم تحيين أمثلة التهيئة العمرانية. كما أشار إلى العدد المهول لقرارات الهدم والإزالة التي تتخذها البلديات، وذكر أن المبادرة التشريعية تحل جزءًا من المشكل، وهي تتضمن ضمانات تحفظ حقوق الدولة.
تكريس العدالة العقارية
وفي نفس السياق، تمت الإشارة في وثيقة شرح أسباب مقترح القانون المتعلق باتخاذ إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة إلى أن عدة مناطق فلاحية في تونس شهدت تحوّلًا وظيفيًا خلال العقود الأخيرة، حيث أقيمت عليها مبانٍ سكنية ومشاريع تنموية شبابية واقتصادية وسياحية وثقافية ورياضية أصبحت تمثل متنفسًا اقتصاديًا واجتماعيًا ضروريًا للسكان. لكن، أمام استمرار تصنيف هذه الأراضي فلاحية بموجب القانون عدد 87 لسنة 1983، فإن أغلب هذه المشاريع تواجه عراقيل قانونية وإدارية تمنعها من الحصول على تراخيص أو إدماجها في الدورة الاقتصادية، وبعضها صدرت في حقه قرارات هدم.
وبين أصحاب المبادرة التشريعية في وثيقة شرح أسباب مقترح القانون أنه، حرصًا على حفظ الأمن الغذائي الوطني عبر حماية الأراضي الفلاحية ذات القيمة الإنتاجية، وتكريس العدالة العقارية والاجتماعية عبر تسوية الوضعية القانونية للواقع المعماري والسكاني القائم، جاء مقترح القانون لإحداث آلية استثنائية ودائمة تتيح تسوية المباني والمشاريع القائمة أو قيد الإنجاز قبل صدور القانون داخل ما يسمى بالمناطق ذات الوظيفة المتحوّلة.
وتحمل هذه المبادرة التشريعية إمضاء النواب: عماد أولاد جبريل، وسامي رايس، وفيصل الصغير، وياسين مامي، ومصطفى البوبكري، ومحمد علي فنيرة، وأيمن بن صالح، وعبد الجليل الهاني، ومعز الرياحي، وطارق الربعي، وعزيز بن الأخضر، وهالة جاب الله، وصالح الصيادي، وسيرين مرابط، وأحمد بنور، وآمال المؤدب، ونزار الصديق، وعادل ضياف، ومحمود العامري، ومنير كموني، ومحمود شلغاف، ونجلاء اللحياني، ورياض بلال، ومريم الشريف، وأنور المرزوقي، ونورة الشبراك.
مقترحات تعديل
وخلال نقاش مقترح القانون المتعلق باتخاذ إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة، تم تقديم عدة مقترحات تعديل، حسب ما أشار إليه عضو اللجنة النائب معز برك الله في تصريح لـ«الصباح». وتتمثل أبرز مقترحات التعديل في:
-التخفيض من نسبة 30 بالمائة المشار إليها صلب المبادرة التشريعية إلى 20 بالمائة في المناطق الحدودية.
-اشتراط إلزامية تقديم تقرير اختبار من قبل خبير معتمد كشرط رئيسي لقبول مقترح التسوية.
-وضع سقف زمني بسنتين لتقديم مطالب التسوية، للحيلولة دون استغلال القانون كغطاء للتجاوزات.
 -توجيه عائدات خطايا محاضر التسوية لفائدة صندوق وطني يعنى باستصلاح الأراضي الفلاحية.
- إعفاء المشاريع التكنولوجية ومشاريع الطاقات المتجددة والمشاريع التشغيلية من جزء من معاليم التسوية.
- منع الربط بالشبكات العمومية إلا بعد دفع كامل الخطايا.
- إلزام أصحاب المشاريع بتخصيص مساحة خضراء لا تقل عن 10 بالمائة.
- منع تسوية وضعيات المشاريع الملوثة داخل المناطق المعنية بالمبادرة، لحماية المائدة المائية.
 -إقرار مبدأ تشغيل اليد العاملة من أبناء المنطقة التي توجد فيها المؤسسات المستفيدة من التسوية.
قانون الاستثمار
وأضاف معز برك الله، النائب بلجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية، أنه إثر الاستماع إلى جهة المبادرة حول مقترح القانون المتعلق باتخاذ إجراءات استثنائية لتسوية المباني والمشاريع المقامة بالمناطق الفلاحية ذات الوظيفة المتحوّلة، واصلت اللجنة النظر في مقترح القانون المتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 71 لسنة 2016، المؤرخ في 30 سبتمبر 2016، والمتعلق بقانون الاستثمار، فصلا فصلا.
وكانت اللجنة قد تدارست في جلستها السابقة ثلاثة فصول، أما فيما يتعلق بالفصل الرابع المتعلق بحرية الاستثمار، فيذكر أن كنفدرالية المؤسسات المواطنة التونسية «كوناكت» اقترحت على اللجنة التنصيص في هذا الفصل على أن الاستثمار حر، وتبقى بعض الأنشطة خاضعة لترخيص، وتضبط قائمتها بمقتضى أمر يُنشر في أجل ستة أشهر من نشر القانون، ويتعين تعليل قرار الرفض كتابيًا في أجل أقصاه شهر واحد. ولا يجوز طلب معلومات إضافية إلا مرة واحدة في أجل 15 يومًا، ويعلق أجل الثلاثة أشهر بقدر التأخير في الرد ويمدد بشهر. ويعد السكوت بعد انقضاء الأجل ترخيصًا بقوة القانون دون استثناء.
واقترحت «كوناكت» إلغاء فقرة تتعلق باستثناء بعض الأنشطة، إذ ترى أن مبدأ حرية الاستثمار يعد الركيزة الأساسية لأي منظومة جاذبة لرؤوس الأموال. وقد أقر قانون 2016 نظريًا هذا المبدأ، لكن الممارسة كشفت عن تناقض صارخ، إذ لم يُنشر قائمة الأنشطة الخاضعة للترخيص في الآجال المحددة، مما ترك المستثمرين في حالة ترقب في ظل انعدام أمان قانوني. وتظهر المؤشرات الدولية تراجع ترتيب تونس في مؤشر الحرية الاقتصادية من المرتبة 114 سنة 2016 إلى المرتبة 150 سنة 2024، كما أن إمكانية طلب معلومات إضافية متكررة أفرغت مبدأ السكوت الإيجابي من مضمونه.
وفسرت منظمة «كوناكت» مقترح تعديل الفصل الرابع بأنه يهدف إلى تعزيز الأمان القانوني بآجال ملزمة وعدم طلب معلومات متكررة، وأوضحت أن استثناء الأنشطة من مبدأ السكوت الإيجابي هو لمنع الإدارة من التوسع في الاستثناءات، واستدلت المنظمة بتجارب مقارنة في المغرب والأردن وجورجيا.
أما الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري، فقد دعا لجنة التخطيط الاستراتيجي والتنمية المستدامة والنقل والبنية التحتية والتهيئة العمرانية إلى توضيح صلاحيات الهيئة في إسناد التراخيص، بينما اقترح مجلس الغرف المشتركة ضبط الاستثناءات بنص تشريعي لا بأمر.
وعبر رئيس اللجنة صابر الجلاصي خلال الجلسة عن رغبة اللجنة في التسريع بدراسة المبادرة التشريعية المتعلقة بالاستثمار، قصد غلق هذا الملف قبل موفى الشهر الجاري حسب قوله.

سعيدة بوهلال