إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بين صمت البرمجة وأسئلة الأولويات.. متى يصبح الفنان التونسي في قلب منظومة المهرجانات؟

الفنان التونسي جزء من المشهد الثقافي الوطني، ودعمه يدخل ضمن الأدوار الأساسية للمهرجانات العمومية
● التجارب الدولية الحديثة تؤكد أن الحفلات الكبرى لم تعد مجرد عروض فنية، بل تحولت إلى محركات اقتصادية.
● الانفتاح على التجارب الأجنبية يفترض وجود معايير دقيقة وواضحة تبرر كل استضافة، وخاصة القيمة الفنية والاقتصادية.

مع اقتراب انطلاق الموسم الصيفي للمهرجانات في تونس، تبدو الصورة هذا العام أكثر ضبابية من أي وقت مضى. فنحن على بُعد أسابيع قليلة من افتتاح أبرز التظاهرات الثقافية والفنية التي اعتاد الجمهور انتظارها كل صيف، وفي مقدمتها مهرجان قرطاج الدولي الذي يستعد للاحتفاء بستينية تأسيسه. غير أن الملامح العامة للبرامج لا تزال غائبة، والإعلانات الرسمية تكاد تكون منعدمة، فيما تتزايد التساؤلات داخل الأوساط الثقافية والفنية حول طبيعة الاختيارات المنتظرة، وحول موقع الفنان التونسي داخل هذه البرمجات، وما إذا كانت الذكرى الستون لقرطاج وسائر المهرجانات الدولية والجهوية ستتحول إلى فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للإنتاج الفني المحلي، أم أنها ستواصل السير في النهج ذاته الذي جعل الجدل يتجدد كل عام بشأن نصيب الفنان التونسي مقارنة بالأسماء الأجنبية والعربية المستضافة.

ويأتي هذا النقاش في ظرف خاص تعيشه الساحة الفنية التونسية، حيث برزت خلال الأشهر الأخيرة أصوات عديدة تدعو إلى مراجعة فلسفة البرمجة داخل المهرجانات العمومية الممولة جزئيا أو كليا من المال العام، وإلى اعتماد معايير أكثر وضوحا في اختيار الضيوف الأجانب، مقابل منح الفنانين التونسيين مساحة أكبر للحضور فوق الركح وفي صدارة الملصقات الدعائية. وتغذي حالة الغموض الحالية هذه الأسئلة أكثر من أي وقت مضى، خاصة وأن عديد الأسماء الفنية المحلية التي صنعت تاريخ الأغنية التونسية أو حققت حضورا لافتا خلال السنوات الأخيرة، لا نعرف إلى اليوم إن كانت ستكون ضمن البرمجة الرسمية لهذا الصيف أم لا.
ومن بين الأصوات التي أثارت النقاش أخيرا الفنان التونسي عدنان الشواشي، الذي اختار أن يفتح ملفا آخر مرتبطا بعلاقة المهرجانات بالفنان التونسي، من خلال تدوينة انتقد فيها ما وصفه بثقافة «التكريمات» التي تتحول أحيانا إلى وسيلة لاستدعاء الفنانين للمشاركة مجانا أو بشروط لا تراعي قيمة العمل الفني ولا خصوصية المسيرة المهنية للفنان.
وقد عبّر عدنان الشواشي بوضوح عن رفضه أن يتحول التكريم إلى بديل عن التعاقد المهني الطبيعي، معتبرا أن الفنان الذي ما زال في أوج عطائه لا يحتاج إلى شهادات تقدير بقدر ما يحتاج إلى الاعتراف بعمله من خلال تمكينه من تقديم عرضه في ظروف محترمة وبمقابل مادي، حتى وإن كان رمزيا. ولم تكن هذه التدوينة مجرد موقف شخصي، بقدر ما أعادت إلى الواجهة قضية أعمق تتعلق بمكانة الفنان التونسي داخل منظومة المهرجانات ككل، وبالطريقة التي يُنظر بها إلى المنتج الثقافي المحلي مقارنة بالمنتج المستورد.
فالجدل لا يتعلق فقط بعدد السهرات التي تمنح للفنانين التونسيين، بل أيضا بطبيعة هذه المشاركات ومواقعها داخل البرمجة. فالجمهور يتساءل سنويا عن سبب غياب بعض الأسماء التونسية القادرة على استقطاب الآلاف من المتفرجين، في حين يتم تخصيص فضاءات رئيسية وسهرات كبرى لفنانين أجانب لا يحققون بالضرورة الإقبال المنتظر، أو لا يملكون وزنا فنيا يبرر حجم الاستثمار المرصود لهم. كما يطرح متابعون للشأن الثقافي سؤالا آخر لا يقل أهمية، وهو: هل تمتلك المهرجانات التونسية اليوم رؤية واضحة بشأن الدور الذي يفترض أن تلعبه في دعم الفنان المحلي وصناعة النجومية التونسية؟
وتبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحا عندما يتعلق الأمر بمهرجان قرطاج الدولي، باعتباره الواجهة الثقافية الأبرز للبلاد منذ ستة عقود. فالدورة الستون التي يُفترض أن تكون دورة استثنائية من حيث الرمزية والتاريخ، تفتح الباب أمام مراجعة شاملة لفلسفة البرمجة. وإذا كان من الطبيعي أن يحافظ المهرجان على بعده الدولي وأن يستضيف أسماء عربية وعالمية، فإن ذلك لا يمنع من التساؤل حول حجم الحضور الذي ينبغي أن يحظى به الفنانون التونسيون الذين ساهموا بدورهم في صناعة ذاكرة قرطاج عبر عقود طويلة.
وتتردد في هذا السياق أسماء عديدة يطالب جزء من الجمهور برؤيتها على ركح قرطاج أو في كبرى المهرجانات الدولية هذا الصيف، ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى برمجة أسماء دون أخرى، بل بإثارة مسألة أوسع تتصل بقدرة المهرجانات على الاستثمار في الرصيد الفني والثقافي الوطني.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال النقاش في معادلة تقوم على المفاضلة المطلقة بين الفنان التونسي والفنان الأجنبي. فالمهرجانات الدولية بطبيعتها مطالبة بالانفتاح على التجارب الخارجية واستقطاب أسماء قادرة على منح الحدث إشعاعا دوليا. غير أن هذا الانفتاح يفترض وجود معايير دقيقة وواضحة تبرر كل استضافة. فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس لماذا تتم دعوة فنان أجنبي، بل ما القيمة الفنية والثقافية والاقتصادية التي سيضيفها حضوره؟ وهل يملك هذا الفنان القدرة على استقطاب جمهور جديد وعلى خلق حركية سياحية واقتصادية حقيقية، أم أن حضوره يقتصر على مجرد ملء خانة في البرنامج؟
وهنا تحديدا يبرز البعد الاقتصادي الذي أصبح جزءا أساسيا من صناعة المهرجانات في العالم. فالتجارب الدولية الحديثة تؤكد أن الحفلات الكبرى لم تعد مجرد عروض فنية، بل تحولت إلى محركات اقتصادية قادرة على تنشيط قطاعات كاملة.
ويكفي النظر إلى التجربة التركية الاستثنائية التي شهدتها مدينة إسطنبول يوم السبت 30 ماي، حين نجحت في ضخ ما يقارب 100 مليون دولار أمريكي في شرايين الاقتصاد التركي إثر حفل تاريخي أحياه مغني الراب الأمريكي العالمي كانييه ويست على أرضية ملعب أتاتورك الأولمبي، حيث تحول هذا الحدث الفني إلى قاطرة استثمارية عملاقة مستفيدة من توافد حشود غفيرة من السياح الأجانب والقادمين خصيصا من بريطانيا وألمانيا وفرنسا ودول الخليج العربي، ليتخطى الحضور الجماهيري حاجز 118 ألف متفرج، ليدخل التاريخ كأكبر حفل ملعب مدفوع التذاكر لفنان منفرد، وبما يعكس كيف يمكن للحوكمة الذكية أن تحصد عائدات خيالية من الأرباح المباشرة للحفل، التي تراوحت إيرادات مبيعات تذاكره فقط بين 30 و44 مليون دولار، يضاف إليها نحو 30 مليون دولار من مبيعات المنتجات الحصرية وعلامته التجارية الشهيرة، ليغادر النجم العالمي إسطنبول بصافي أرباح شخصية ناهزت 40 مليون دولار بعد خصم التكاليف اللوجستية والإنتاجية.
ولا يعني استحضار هذا المثال الدعوة إلى استنساخه حرفيا في تونس، فالفوارق كبيرة من حيث الإمكانات والسوق الفنية، لكن الدرس الأساسي يكمن في ضرورة ربط استضافة الأسماء الأجنبية بأهداف واضحة وقابلة للقياس. فإذا كانت المهرجانات التونسية ستخصص ميزانيات مهمة لاستقدام فنانين من الخارج، فمن المشروع أن نتساءل عن العائد المنتظر من ذلك، سواء من حيث عدد السياح الذين يمكن أن يجلبهم الحدث، أو من حيث حجم الإنفاق الذي يمكن أن يخلقه داخل الدورة الاقتصادية المحلية، أو من حيث القيمة الإعلامية التي سيمنحها للوجهة التونسية.
ومن هذا المنطلق، يرى متابعون أن الأولوية لا ينبغي أن تكون لجنسية الفنان بقدر ما ينبغي أن تكون لقيمة المشروع الفني والاقتصادي الذي يحمله. فالفنان التونسي يستحق أن يكون في قلب البرمجة لأنه جزء من المشهد الثقافي الوطني، ولأن دعمه يدخل ضمن الأدوار الأساسية للمهرجانات العمومية، أما الفنان الأجنبي فينبغي أن يحضر عندما يكون قادرا على تقديم إضافة استثنائية، سواء فنيا أو اقتصاديا أو جماهيريا. وبين هذين الخيارين، يمكن للمهرجانات أن تجد معادلة متوازنة تجمع بين دعم الإنتاج المحلي والانفتاح المدروس على الخارج.
ولعل ما يزيد من أهمية هذا النقاش أن تونس تمتلك اليوم رصيدا فنيا متنوعا وقادرا على ملء المسارح واستقطاب الجمهور. فالساحة الغنائية والموسيقية والمسرحية تعرف حضورا متجددا لأسماء مخضرمة وأخرى شابة، كما أن الإنتاج الثقافي التونسي أثبت خلال السنوات الأخيرة قدرته على الوصول إلى فضاءات عربية ودولية متعددة.
ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه مع اقتراب الصيف ليس فقط من سيغني في قرطاج أو الحمامات أو بنزرت أو صفاقس أو غيرها من المهرجانات الدولية والجهوية، بل أيضا أي تصور للمهرجان تريده تونس في هذه المرحلة: هل هو مهرجان يكتفي باستيراد الأسماء بحثا عن الحدث الإعلامي السريع، أم مهرجان يراهن على بناء صناعة ثقافية مستدامة يكون الفنان التونسي أحد أعمدتها الأساسية؟


إيمان عبد اللطيف

بين صمت البرمجة وأسئلة الأولويات.. متى يصبح الفنان التونسي في قلب منظومة  المهرجانات؟

الفنان التونسي جزء من المشهد الثقافي الوطني، ودعمه يدخل ضمن الأدوار الأساسية للمهرجانات العمومية
● التجارب الدولية الحديثة تؤكد أن الحفلات الكبرى لم تعد مجرد عروض فنية، بل تحولت إلى محركات اقتصادية.
● الانفتاح على التجارب الأجنبية يفترض وجود معايير دقيقة وواضحة تبرر كل استضافة، وخاصة القيمة الفنية والاقتصادية.

مع اقتراب انطلاق الموسم الصيفي للمهرجانات في تونس، تبدو الصورة هذا العام أكثر ضبابية من أي وقت مضى. فنحن على بُعد أسابيع قليلة من افتتاح أبرز التظاهرات الثقافية والفنية التي اعتاد الجمهور انتظارها كل صيف، وفي مقدمتها مهرجان قرطاج الدولي الذي يستعد للاحتفاء بستينية تأسيسه. غير أن الملامح العامة للبرامج لا تزال غائبة، والإعلانات الرسمية تكاد تكون منعدمة، فيما تتزايد التساؤلات داخل الأوساط الثقافية والفنية حول طبيعة الاختيارات المنتظرة، وحول موقع الفنان التونسي داخل هذه البرمجات، وما إذا كانت الذكرى الستون لقرطاج وسائر المهرجانات الدولية والجهوية ستتحول إلى فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للإنتاج الفني المحلي، أم أنها ستواصل السير في النهج ذاته الذي جعل الجدل يتجدد كل عام بشأن نصيب الفنان التونسي مقارنة بالأسماء الأجنبية والعربية المستضافة.

ويأتي هذا النقاش في ظرف خاص تعيشه الساحة الفنية التونسية، حيث برزت خلال الأشهر الأخيرة أصوات عديدة تدعو إلى مراجعة فلسفة البرمجة داخل المهرجانات العمومية الممولة جزئيا أو كليا من المال العام، وإلى اعتماد معايير أكثر وضوحا في اختيار الضيوف الأجانب، مقابل منح الفنانين التونسيين مساحة أكبر للحضور فوق الركح وفي صدارة الملصقات الدعائية. وتغذي حالة الغموض الحالية هذه الأسئلة أكثر من أي وقت مضى، خاصة وأن عديد الأسماء الفنية المحلية التي صنعت تاريخ الأغنية التونسية أو حققت حضورا لافتا خلال السنوات الأخيرة، لا نعرف إلى اليوم إن كانت ستكون ضمن البرمجة الرسمية لهذا الصيف أم لا.
ومن بين الأصوات التي أثارت النقاش أخيرا الفنان التونسي عدنان الشواشي، الذي اختار أن يفتح ملفا آخر مرتبطا بعلاقة المهرجانات بالفنان التونسي، من خلال تدوينة انتقد فيها ما وصفه بثقافة «التكريمات» التي تتحول أحيانا إلى وسيلة لاستدعاء الفنانين للمشاركة مجانا أو بشروط لا تراعي قيمة العمل الفني ولا خصوصية المسيرة المهنية للفنان.
وقد عبّر عدنان الشواشي بوضوح عن رفضه أن يتحول التكريم إلى بديل عن التعاقد المهني الطبيعي، معتبرا أن الفنان الذي ما زال في أوج عطائه لا يحتاج إلى شهادات تقدير بقدر ما يحتاج إلى الاعتراف بعمله من خلال تمكينه من تقديم عرضه في ظروف محترمة وبمقابل مادي، حتى وإن كان رمزيا. ولم تكن هذه التدوينة مجرد موقف شخصي، بقدر ما أعادت إلى الواجهة قضية أعمق تتعلق بمكانة الفنان التونسي داخل منظومة المهرجانات ككل، وبالطريقة التي يُنظر بها إلى المنتج الثقافي المحلي مقارنة بالمنتج المستورد.
فالجدل لا يتعلق فقط بعدد السهرات التي تمنح للفنانين التونسيين، بل أيضا بطبيعة هذه المشاركات ومواقعها داخل البرمجة. فالجمهور يتساءل سنويا عن سبب غياب بعض الأسماء التونسية القادرة على استقطاب الآلاف من المتفرجين، في حين يتم تخصيص فضاءات رئيسية وسهرات كبرى لفنانين أجانب لا يحققون بالضرورة الإقبال المنتظر، أو لا يملكون وزنا فنيا يبرر حجم الاستثمار المرصود لهم. كما يطرح متابعون للشأن الثقافي سؤالا آخر لا يقل أهمية، وهو: هل تمتلك المهرجانات التونسية اليوم رؤية واضحة بشأن الدور الذي يفترض أن تلعبه في دعم الفنان المحلي وصناعة النجومية التونسية؟
وتبدو هذه الأسئلة أكثر إلحاحا عندما يتعلق الأمر بمهرجان قرطاج الدولي، باعتباره الواجهة الثقافية الأبرز للبلاد منذ ستة عقود. فالدورة الستون التي يُفترض أن تكون دورة استثنائية من حيث الرمزية والتاريخ، تفتح الباب أمام مراجعة شاملة لفلسفة البرمجة. وإذا كان من الطبيعي أن يحافظ المهرجان على بعده الدولي وأن يستضيف أسماء عربية وعالمية، فإن ذلك لا يمنع من التساؤل حول حجم الحضور الذي ينبغي أن يحظى به الفنانون التونسيون الذين ساهموا بدورهم في صناعة ذاكرة قرطاج عبر عقود طويلة.
وتتردد في هذا السياق أسماء عديدة يطالب جزء من الجمهور برؤيتها على ركح قرطاج أو في كبرى المهرجانات الدولية هذا الصيف، ولا يتعلق الأمر هنا بالدعوة إلى برمجة أسماء دون أخرى، بل بإثارة مسألة أوسع تتصل بقدرة المهرجانات على الاستثمار في الرصيد الفني والثقافي الوطني.
وفي المقابل، لا يمكن اختزال النقاش في معادلة تقوم على المفاضلة المطلقة بين الفنان التونسي والفنان الأجنبي. فالمهرجانات الدولية بطبيعتها مطالبة بالانفتاح على التجارب الخارجية واستقطاب أسماء قادرة على منح الحدث إشعاعا دوليا. غير أن هذا الانفتاح يفترض وجود معايير دقيقة وواضحة تبرر كل استضافة. فالسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس لماذا تتم دعوة فنان أجنبي، بل ما القيمة الفنية والثقافية والاقتصادية التي سيضيفها حضوره؟ وهل يملك هذا الفنان القدرة على استقطاب جمهور جديد وعلى خلق حركية سياحية واقتصادية حقيقية، أم أن حضوره يقتصر على مجرد ملء خانة في البرنامج؟
وهنا تحديدا يبرز البعد الاقتصادي الذي أصبح جزءا أساسيا من صناعة المهرجانات في العالم. فالتجارب الدولية الحديثة تؤكد أن الحفلات الكبرى لم تعد مجرد عروض فنية، بل تحولت إلى محركات اقتصادية قادرة على تنشيط قطاعات كاملة.
ويكفي النظر إلى التجربة التركية الاستثنائية التي شهدتها مدينة إسطنبول يوم السبت 30 ماي، حين نجحت في ضخ ما يقارب 100 مليون دولار أمريكي في شرايين الاقتصاد التركي إثر حفل تاريخي أحياه مغني الراب الأمريكي العالمي كانييه ويست على أرضية ملعب أتاتورك الأولمبي، حيث تحول هذا الحدث الفني إلى قاطرة استثمارية عملاقة مستفيدة من توافد حشود غفيرة من السياح الأجانب والقادمين خصيصا من بريطانيا وألمانيا وفرنسا ودول الخليج العربي، ليتخطى الحضور الجماهيري حاجز 118 ألف متفرج، ليدخل التاريخ كأكبر حفل ملعب مدفوع التذاكر لفنان منفرد، وبما يعكس كيف يمكن للحوكمة الذكية أن تحصد عائدات خيالية من الأرباح المباشرة للحفل، التي تراوحت إيرادات مبيعات تذاكره فقط بين 30 و44 مليون دولار، يضاف إليها نحو 30 مليون دولار من مبيعات المنتجات الحصرية وعلامته التجارية الشهيرة، ليغادر النجم العالمي إسطنبول بصافي أرباح شخصية ناهزت 40 مليون دولار بعد خصم التكاليف اللوجستية والإنتاجية.
ولا يعني استحضار هذا المثال الدعوة إلى استنساخه حرفيا في تونس، فالفوارق كبيرة من حيث الإمكانات والسوق الفنية، لكن الدرس الأساسي يكمن في ضرورة ربط استضافة الأسماء الأجنبية بأهداف واضحة وقابلة للقياس. فإذا كانت المهرجانات التونسية ستخصص ميزانيات مهمة لاستقدام فنانين من الخارج، فمن المشروع أن نتساءل عن العائد المنتظر من ذلك، سواء من حيث عدد السياح الذين يمكن أن يجلبهم الحدث، أو من حيث حجم الإنفاق الذي يمكن أن يخلقه داخل الدورة الاقتصادية المحلية، أو من حيث القيمة الإعلامية التي سيمنحها للوجهة التونسية.
ومن هذا المنطلق، يرى متابعون أن الأولوية لا ينبغي أن تكون لجنسية الفنان بقدر ما ينبغي أن تكون لقيمة المشروع الفني والاقتصادي الذي يحمله. فالفنان التونسي يستحق أن يكون في قلب البرمجة لأنه جزء من المشهد الثقافي الوطني، ولأن دعمه يدخل ضمن الأدوار الأساسية للمهرجانات العمومية، أما الفنان الأجنبي فينبغي أن يحضر عندما يكون قادرا على تقديم إضافة استثنائية، سواء فنيا أو اقتصاديا أو جماهيريا. وبين هذين الخيارين، يمكن للمهرجانات أن تجد معادلة متوازنة تجمع بين دعم الإنتاج المحلي والانفتاح المدروس على الخارج.
ولعل ما يزيد من أهمية هذا النقاش أن تونس تمتلك اليوم رصيدا فنيا متنوعا وقادرا على ملء المسارح واستقطاب الجمهور. فالساحة الغنائية والموسيقية والمسرحية تعرف حضورا متجددا لأسماء مخضرمة وأخرى شابة، كما أن الإنتاج الثقافي التونسي أثبت خلال السنوات الأخيرة قدرته على الوصول إلى فضاءات عربية ودولية متعددة.
ولذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه مع اقتراب الصيف ليس فقط من سيغني في قرطاج أو الحمامات أو بنزرت أو صفاقس أو غيرها من المهرجانات الدولية والجهوية، بل أيضا أي تصور للمهرجان تريده تونس في هذه المرحلة: هل هو مهرجان يكتفي باستيراد الأسماء بحثا عن الحدث الإعلامي السريع، أم مهرجان يراهن على بناء صناعة ثقافية مستدامة يكون الفنان التونسي أحد أعمدتها الأساسية؟


إيمان عبد اللطيف