*الدكتور ذاكر لهيذب لـ"الصباح": مكافحة التدخين يجب أن تتحول إلى أولوية وطنية ومغاربية مشتركة * الدكتور حسن مصراتي لـ"الصباح": البلدان المغاربية تواجه تحديات متشابهة تتمثل في سهولة الوصول إلى منتجات التبغ وضعف الوعي *البروفيسور سعاد بوعود لـ"الصباح": نجاح أي سياسة لمكافحة التدخين يتطلب الاعتماد أولا على البيانات العلمية الدقيقة
تونس – الصباح
بمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين، نظمت منصة "Med.tn"، التي تضم أكثر من 4 آلاف طبيب تونسي وتمثل همزة الوصل بين الطبيب والمريض من خلال ضبط المواعيد وتقديم الاستشارات الطبية، ندوة صحفية مغاربية تحت شعار "التدخين في المغرب العربي: نقاشات حول تحدٍّ مشترك"، جمعت خبراء وأطباء من تونس والجزائر وليبيا لتبادل التجارب واستعراض السياسات الصحية المعتمدة لمواجهة واحدة من أخطر الآفات التي تهدد صحة الشعوب واقتصادات الدول. وتأتي هذه المبادرة في ظل أرقام عالمية مقلقة، إذ يُقدَّر عدد المدخنين في العالم بنحو 1.2 مليار شخص، يعيش أكثر من نصفهم في البلدان النامية، ويتسبب التدخين في وفاة نحو 8 ملايين شخص سنويا، فيما تسجل البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض حوالي 80 بالمائة من هذه الوفيات.
وقد أجمع المشاركون في الندوة على أن التدخين لم يعد مجرد سلوك فردي، بل أصبح تحديا صحيا واقتصاديا واجتماعيا عابرا للحدود. ففي دول المغرب العربي، ورغم الجهود التشريعية والتوعوية، لا تزال معدلات التدخين مرتفعة، خاصة بين فئة الشباب. وأشار المتدخلون إلى أن التدخين مسؤول عن نحو 25 بالمائة من أمراض القلب والشرايين، وأكثر من 75 بالمائة من الأمراض التنفسية المزمنة وسرطانات الرئة، فضلا عن ارتباطه بعشرات الأمراض الأخرى التي تثقل كاهل المنظومات الصحية.
مكاسب محدودة وتحديات متواصلة في تونس، ورغم المصادقة المبكرة على الاتفاقية الإطارية لمكافحة التبغ التابعة لمنظمة الصحة العالمية، ما تزال نسب التدخين مرتفعة، خصوصا لدى الرجال والشباب. كما تشهد السنوات الأخيرة انتشارا متزايدا للسجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ الجديدة المنكهة وغيرها، التي تستهدف فئات عمرية أصغر. وتشير المعطيات الصحية إلى أن أمراض القلب والشرايين والسرطانات والأمراض التنفسية المرتبطة بالتدخين تمثل جزءا مهما من أسباب الوفاة والإنفاق الصحي في البلاد. كما تثير المعطيات المتعلقة بالمراهقين قلق المختصين، إذ تفيد بعض الدراسات بأن نحو ربع التلاميذ جربوا التدخين أو يمارسونه بشكل منتظم أو متقطع، وهو ما يهدد بتوسيع قاعدة المدخنين خلال السنوات المقبلة.
الوقاية استثمار في مستقبل الشعوب وأكد المختص في أمراض القلب والشرايين الدكتور ذاكر لهيذب، في تصريح لـ"الصباح"، أن مكافحة التدخين يجب أن تتحول إلى أولوية وطنية ومغاربية مشتركة، قائلا: "إن كل دينار يُستثمر في الوقاية من التدخين يوفر أضعافه من نفقات العلاج مستقبلا. ونحن لا نتحدث فقط عن سرطان الرئة، بل عن أمراض القلب والجلطات الدماغية والقصور الشرياني التي تفتك بآلاف الأشخاص سنويا." وأضاف لهيذب لـ"الصباح" أن السياسات الناجعة لا تقتصر على التحذير من مخاطر التدخين، بل تشمل أيضا مرافقة المدخنين ومساعدتهم على الإقلاع عبر برامج طبية ونفسية متخصصة.
من جانبه، صرح المختص في أمراض الأنف والأذن والحنجرة الدكتور حبيب جعفورة لـ"الصباح" بأن تأثير التدخين لا يقتصر على الرئتين، موضحا: "نعاين يوميا في العيادات أمراضا خطيرة مرتبطة مباشرة بالتدخين، تشمل سرطانات الحنجرة والفم والبلعوم واضطرابات الصوت والتهابات مزمنة تؤثر في جودة الحياة." وأضاف أن الإقلاع عن التدخين في أي مرحلة عمرية يساهم في تقليص المخاطر الصحية بشكل ملموس.
تحديات إضافية أما المختص في الأمراض التنفسية بالمستشفيات والعيادات الليبية الدكتور حسن مصراتي، فقد أشار لـ"الصباح" إلى أن البلدان المغاربية تواجه تحديات متشابهة تتمثل في سهولة الوصول إلى منتجات التبغ وضعف الوعي لدى بعض الفئات.
وقال: "إن الأمراض التنفسية المزمنة المرتبطة بالتدخين أصبحت تشكل عبئا متزايدا على المستشفيات. والحل لا يكمن في العلاج فقط، بل في الوقاية والكشف المبكر." بدوره، أكد الدكتور هاشم بلخير أن التعاون الإقليمي أصبح ضرورة لتبادل الخبرات وبناء استراتيجيات فعالة تستهدف الشباب والمراهقين. ومن الجانب الجزائري، أكدت المختصة في علم الأوبئة البروفيسور سعاد بوعود لـ"الصباح" أن نجاح أي سياسة لمكافحة التدخين يتطلب الاعتماد أولا على البيانات العلمية الدقيقة، مبينة أن "القرار الصحي الفعال يبدأ من المعلومة الصحيحة، كما يجب تعزيز الدراسات الميدانية لرصد تطور الظاهرة وفهم سلوكيات المدخنين." كما شددت البروفيسور مريم عبدون على أهمية العمل الوقائي داخل المؤسسات التربوية والجامعية، معتبرة أن المدرسة تمثل خط الدفاع الأول ضد انتشار التدخين.
نزيف اقتصادي صامت وكلفة على المالية العمومية وإذا كانت الأرقام الصحية المرتبطة بالتدخين صادمة، فإن كلفته الاقتصادية لا تقل خطورة. فالتدخين لا يقتل ملايين الأشخاص سنويا فحسب، بل يستنزف أيضا موارد مالية ضخمة تتحملها الدول والأسر وصناديق الحماية الاجتماعية. وفي دول المغرب العربي، حيث تواجه الأنظمة الصحية ضغوطا متزايدة بسبب ارتفاع كلفة العلاج ونقص الموارد، يشكل التدخين عبئا ماليا ثقيلا، إذ إن الأمراض المرتبطة به من سرطانات وأمراض قلب وشرايين وأمراض تنفسية مزمنة تتطلب علاجات طويلة الأمد وأدوية باهظة الثمن وإقامات متكررة بالمستشفيات. ولا تقتصر الخسائر على النفقات الصحية المباشرة، بل تشمل أيضا التكاليف غير المباشرة الناتجة عن انخفاض الإنتاجية وكثرة التغيب عن العمل والتقاعد المبكر والوفيات المبكرة خلال سن النشاط الاقتصادي. وفي تونس، تمثل الأمراض غير السارية، وفي مقدمتها أمراض القلب والسرطان والأمراض التنفسية، أحد أهم مصادر الضغط على ميزانية الصحة العمومية، ويعد التدخين من أبرز عوامل الخطر المسببة لهذه الأمراض. وتتحمل صناديق الضمان الاجتماعي، وعلى رأسها الصندوق الوطني للتأمين على المرض، جانبا مهما من نفقات علاج الأمراض المرتبطة بالتدخين، سواء عبر التكفل بالأدوية أو الفحوصات أو العمليات الجراحية أو الإقامات الاستشفائية.
كما تتحمل الصناديق الاجتماعية كلفة إضافية مرتبطة بمنح العجز والجرايات المبكرة الناتجة عن فقدان القدرة على العمل بسبب الأمراض المزمنة. ويرى خبراء الاقتصاد الصحي أن الكلفة الحقيقية للتدخين تتجاوز بكثير العائدات الجبائية المتأتية من بيع السجائر، فالدولة قد تحصل على مداخيل من الضرائب المفروضة على منتجات التبغ، لكنها في المقابل تنفق مبالغ أكبر لعلاج الأمراض التي يتسبب فيها هذا الاستهلاك.
الاستثمار في الوقاية أكثر ربحية من العلاج وخلصت الندوة إلى أن كل استثمار في مكافحة التدخين يمثل استثمارا مربحا للاقتصاد الوطني، فخفض نسب التدخين يعني تقليص الإنفاق الصحي مستقبلا، وتحسين إنتاجية اليد العاملة، وتقليل الضغط على صناديق التقاعد والتأمين على المرض. كما أن حماية الشباب من الوقوع في دائرة الإدمان على التبغ تمثل حماية لرأس المال البشري الذي تحتاجه دول المغرب العربي لتحقيق النمو والتنمية. ومن هذا المنطلق، لم تعد مكافحة التدخين مجرد سياسة صحية، بل أصبحت خيارا اقتصاديا واجتماعيا واستثمارا في استدامة المالية العمومية وفي مستقبل الأجيال القادمة. وأجمع المشاركون في توصياتهم على أن دول المغرب العربي تواجه تحديات متقاربة تتطلب تنسيقا أكبر في مجالات التوعية والبحث العلمي والتشريع ومرافقة المدخنين الراغبين في الإقلاع. كما دعوا إلى تعزيز برامج الوقاية الموجهة للشباب، وتكثيف الحملات الإعلامية، وتطوير خدمات المساعدة على الإقلاع عن التدخين، مع الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة.
وفي وقت يواصل فيه التدخين حصد ملايين الأرواح سنويا، يبدو أن الرهان الحقيقي اليوم لا يقتصر على علاج الأمراض التي يسببها، بل يمتد إلى منع ظهورها أصلا عبر بناء ثقافة صحية جديدة تجعل من الإقلاع عن التدخين خيارا مجتمعيا لا مجرد قرار فردي. ويبقى اليوم العالمي للامتناع عن التدخين مناسبة لتجديد الالتزام الجماعي بمواجهة هذه الآفة، حماية للأجيال الحالية والقادمة، وضمانا لمستقبل صحي أكثر أمنا لشعوب المنطقة المغاربية.
وفاء بن محمد
*الدكتور ذاكر لهيذب لـ"الصباح": مكافحة التدخين يجب أن تتحول إلى أولوية وطنية ومغاربية مشتركة * الدكتور حسن مصراتي لـ"الصباح": البلدان المغاربية تواجه تحديات متشابهة تتمثل في سهولة الوصول إلى منتجات التبغ وضعف الوعي *البروفيسور سعاد بوعود لـ"الصباح": نجاح أي سياسة لمكافحة التدخين يتطلب الاعتماد أولا على البيانات العلمية الدقيقة
تونس – الصباح
بمناسبة اليوم العالمي للامتناع عن التدخين، نظمت منصة "Med.tn"، التي تضم أكثر من 4 آلاف طبيب تونسي وتمثل همزة الوصل بين الطبيب والمريض من خلال ضبط المواعيد وتقديم الاستشارات الطبية، ندوة صحفية مغاربية تحت شعار "التدخين في المغرب العربي: نقاشات حول تحدٍّ مشترك"، جمعت خبراء وأطباء من تونس والجزائر وليبيا لتبادل التجارب واستعراض السياسات الصحية المعتمدة لمواجهة واحدة من أخطر الآفات التي تهدد صحة الشعوب واقتصادات الدول. وتأتي هذه المبادرة في ظل أرقام عالمية مقلقة، إذ يُقدَّر عدد المدخنين في العالم بنحو 1.2 مليار شخص، يعيش أكثر من نصفهم في البلدان النامية، ويتسبب التدخين في وفاة نحو 8 ملايين شخص سنويا، فيما تسجل البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض حوالي 80 بالمائة من هذه الوفيات.
وقد أجمع المشاركون في الندوة على أن التدخين لم يعد مجرد سلوك فردي، بل أصبح تحديا صحيا واقتصاديا واجتماعيا عابرا للحدود. ففي دول المغرب العربي، ورغم الجهود التشريعية والتوعوية، لا تزال معدلات التدخين مرتفعة، خاصة بين فئة الشباب. وأشار المتدخلون إلى أن التدخين مسؤول عن نحو 25 بالمائة من أمراض القلب والشرايين، وأكثر من 75 بالمائة من الأمراض التنفسية المزمنة وسرطانات الرئة، فضلا عن ارتباطه بعشرات الأمراض الأخرى التي تثقل كاهل المنظومات الصحية.
مكاسب محدودة وتحديات متواصلة في تونس، ورغم المصادقة المبكرة على الاتفاقية الإطارية لمكافحة التبغ التابعة لمنظمة الصحة العالمية، ما تزال نسب التدخين مرتفعة، خصوصا لدى الرجال والشباب. كما تشهد السنوات الأخيرة انتشارا متزايدا للسجائر الإلكترونية ومنتجات التبغ الجديدة المنكهة وغيرها، التي تستهدف فئات عمرية أصغر. وتشير المعطيات الصحية إلى أن أمراض القلب والشرايين والسرطانات والأمراض التنفسية المرتبطة بالتدخين تمثل جزءا مهما من أسباب الوفاة والإنفاق الصحي في البلاد. كما تثير المعطيات المتعلقة بالمراهقين قلق المختصين، إذ تفيد بعض الدراسات بأن نحو ربع التلاميذ جربوا التدخين أو يمارسونه بشكل منتظم أو متقطع، وهو ما يهدد بتوسيع قاعدة المدخنين خلال السنوات المقبلة.
الوقاية استثمار في مستقبل الشعوب وأكد المختص في أمراض القلب والشرايين الدكتور ذاكر لهيذب، في تصريح لـ"الصباح"، أن مكافحة التدخين يجب أن تتحول إلى أولوية وطنية ومغاربية مشتركة، قائلا: "إن كل دينار يُستثمر في الوقاية من التدخين يوفر أضعافه من نفقات العلاج مستقبلا. ونحن لا نتحدث فقط عن سرطان الرئة، بل عن أمراض القلب والجلطات الدماغية والقصور الشرياني التي تفتك بآلاف الأشخاص سنويا." وأضاف لهيذب لـ"الصباح" أن السياسات الناجعة لا تقتصر على التحذير من مخاطر التدخين، بل تشمل أيضا مرافقة المدخنين ومساعدتهم على الإقلاع عبر برامج طبية ونفسية متخصصة.
من جانبه، صرح المختص في أمراض الأنف والأذن والحنجرة الدكتور حبيب جعفورة لـ"الصباح" بأن تأثير التدخين لا يقتصر على الرئتين، موضحا: "نعاين يوميا في العيادات أمراضا خطيرة مرتبطة مباشرة بالتدخين، تشمل سرطانات الحنجرة والفم والبلعوم واضطرابات الصوت والتهابات مزمنة تؤثر في جودة الحياة." وأضاف أن الإقلاع عن التدخين في أي مرحلة عمرية يساهم في تقليص المخاطر الصحية بشكل ملموس.
تحديات إضافية أما المختص في الأمراض التنفسية بالمستشفيات والعيادات الليبية الدكتور حسن مصراتي، فقد أشار لـ"الصباح" إلى أن البلدان المغاربية تواجه تحديات متشابهة تتمثل في سهولة الوصول إلى منتجات التبغ وضعف الوعي لدى بعض الفئات.
وقال: "إن الأمراض التنفسية المزمنة المرتبطة بالتدخين أصبحت تشكل عبئا متزايدا على المستشفيات. والحل لا يكمن في العلاج فقط، بل في الوقاية والكشف المبكر." بدوره، أكد الدكتور هاشم بلخير أن التعاون الإقليمي أصبح ضرورة لتبادل الخبرات وبناء استراتيجيات فعالة تستهدف الشباب والمراهقين. ومن الجانب الجزائري، أكدت المختصة في علم الأوبئة البروفيسور سعاد بوعود لـ"الصباح" أن نجاح أي سياسة لمكافحة التدخين يتطلب الاعتماد أولا على البيانات العلمية الدقيقة، مبينة أن "القرار الصحي الفعال يبدأ من المعلومة الصحيحة، كما يجب تعزيز الدراسات الميدانية لرصد تطور الظاهرة وفهم سلوكيات المدخنين." كما شددت البروفيسور مريم عبدون على أهمية العمل الوقائي داخل المؤسسات التربوية والجامعية، معتبرة أن المدرسة تمثل خط الدفاع الأول ضد انتشار التدخين.
نزيف اقتصادي صامت وكلفة على المالية العمومية وإذا كانت الأرقام الصحية المرتبطة بالتدخين صادمة، فإن كلفته الاقتصادية لا تقل خطورة. فالتدخين لا يقتل ملايين الأشخاص سنويا فحسب، بل يستنزف أيضا موارد مالية ضخمة تتحملها الدول والأسر وصناديق الحماية الاجتماعية. وفي دول المغرب العربي، حيث تواجه الأنظمة الصحية ضغوطا متزايدة بسبب ارتفاع كلفة العلاج ونقص الموارد، يشكل التدخين عبئا ماليا ثقيلا، إذ إن الأمراض المرتبطة به من سرطانات وأمراض قلب وشرايين وأمراض تنفسية مزمنة تتطلب علاجات طويلة الأمد وأدوية باهظة الثمن وإقامات متكررة بالمستشفيات. ولا تقتصر الخسائر على النفقات الصحية المباشرة، بل تشمل أيضا التكاليف غير المباشرة الناتجة عن انخفاض الإنتاجية وكثرة التغيب عن العمل والتقاعد المبكر والوفيات المبكرة خلال سن النشاط الاقتصادي. وفي تونس، تمثل الأمراض غير السارية، وفي مقدمتها أمراض القلب والسرطان والأمراض التنفسية، أحد أهم مصادر الضغط على ميزانية الصحة العمومية، ويعد التدخين من أبرز عوامل الخطر المسببة لهذه الأمراض. وتتحمل صناديق الضمان الاجتماعي، وعلى رأسها الصندوق الوطني للتأمين على المرض، جانبا مهما من نفقات علاج الأمراض المرتبطة بالتدخين، سواء عبر التكفل بالأدوية أو الفحوصات أو العمليات الجراحية أو الإقامات الاستشفائية.
كما تتحمل الصناديق الاجتماعية كلفة إضافية مرتبطة بمنح العجز والجرايات المبكرة الناتجة عن فقدان القدرة على العمل بسبب الأمراض المزمنة. ويرى خبراء الاقتصاد الصحي أن الكلفة الحقيقية للتدخين تتجاوز بكثير العائدات الجبائية المتأتية من بيع السجائر، فالدولة قد تحصل على مداخيل من الضرائب المفروضة على منتجات التبغ، لكنها في المقابل تنفق مبالغ أكبر لعلاج الأمراض التي يتسبب فيها هذا الاستهلاك.
الاستثمار في الوقاية أكثر ربحية من العلاج وخلصت الندوة إلى أن كل استثمار في مكافحة التدخين يمثل استثمارا مربحا للاقتصاد الوطني، فخفض نسب التدخين يعني تقليص الإنفاق الصحي مستقبلا، وتحسين إنتاجية اليد العاملة، وتقليل الضغط على صناديق التقاعد والتأمين على المرض. كما أن حماية الشباب من الوقوع في دائرة الإدمان على التبغ تمثل حماية لرأس المال البشري الذي تحتاجه دول المغرب العربي لتحقيق النمو والتنمية. ومن هذا المنطلق، لم تعد مكافحة التدخين مجرد سياسة صحية، بل أصبحت خيارا اقتصاديا واجتماعيا واستثمارا في استدامة المالية العمومية وفي مستقبل الأجيال القادمة. وأجمع المشاركون في توصياتهم على أن دول المغرب العربي تواجه تحديات متقاربة تتطلب تنسيقا أكبر في مجالات التوعية والبحث العلمي والتشريع ومرافقة المدخنين الراغبين في الإقلاع. كما دعوا إلى تعزيز برامج الوقاية الموجهة للشباب، وتكثيف الحملات الإعلامية، وتطوير خدمات المساعدة على الإقلاع عن التدخين، مع الاستفادة من التجارب الدولية الناجحة.
وفي وقت يواصل فيه التدخين حصد ملايين الأرواح سنويا، يبدو أن الرهان الحقيقي اليوم لا يقتصر على علاج الأمراض التي يسببها، بل يمتد إلى منع ظهورها أصلا عبر بناء ثقافة صحية جديدة تجعل من الإقلاع عن التدخين خيارا مجتمعيا لا مجرد قرار فردي. ويبقى اليوم العالمي للامتناع عن التدخين مناسبة لتجديد الالتزام الجماعي بمواجهة هذه الآفة، حماية للأجيال الحالية والقادمة، وضمانا لمستقبل صحي أكثر أمنا لشعوب المنطقة المغاربية.