◄ لماذا تعطلت «ماكينة» إنتاج الأفلام التي تتناول تاريخنا القديم رغم كل الغموض والأسئلة؟
◄ الطاقات والإمكانيات العربية.. لماذا لا تستثمر في أعمال تتناول تاريخنا المعاصر المثقل بالهموم؟
◄ أوبيريت «الحلم العربي» ظل تأثيرها محدودا رغم استنساخها بعد سنوات ورغم الأصوات العربية الملتحقة
◄ مسلسل «عمر» للمبدع الراحل حاتم علي نموذج ناجح لم يتكرر
أثار تداول الأغنية الجديدة للفنان زياد غرسة حول الحج، الذي احتفت به البلدان العربية والإسلامية هذا العام والقلوب معلقة على أمل أن تهدأ المنطقة، وأن تنتهي الحروب المفروضة على عدد منها ظلما، وأن يتحرر الإنسان العربي والمسلم من الضغوطات الكبيرة الداخلية والخارجية الكاتمة على أنفاسه، السؤال حول انقطاع عادة جميلة كان يتميز بها الفنانون والمبدعون العرب.
فقد كان الفنانون، في حقبات سابقة، سواء في تونس أو في مصر أو في ليبيا أو في سوريا أو في أي بلد عربي آخر، يسجلون حضورهم بقوة في مناسبات حاسمة، وكانوا يسعون من أجل الاضطلاع بدور في القضايا المصيرية، سواء التي تتعلق بالقطر نفسه أو بالمنطقة ككل، وسيلتهم بطبيعة الحال هي فنهم وإبداعهم، وكانوا منتجين رغم الظروف الصعبة ورغم قلة الإمكانيات المادية والفنية والتقنية. وبفضل ذلك ضمت المدونة الإبداعية أغاني مناسبة من حيث المضمون وجودة الأداء يمكن الرجوع إليها في المناسبات الدينية والوطنية. ولئن شهدت المنطقة العربية، في فترات من تاريخها المعاصر، وخاصة خلال حقبة المخاضات الكبرى، فترات خصوبة واضحة، وأنتجت إبداعات جميلة عموما، فإن بعضها كان مميزا حقا، وقد أنتجت القريحة في تونس مثلا أغنية خالدة في مستوى «بني وطني»، الذي يعتبر نشيد الجلاء في بلادنا، وعلى المستوى العربي يمكن أن نذكر الأغنية الرائعة «الوطن الأكبر»، التي تعتبر أفضل أغنية تغنت بالوحدة العربية، وخاصة ذلك المقطع الذي تردد فيه المطربة صباح:
يا نغم سارى بين المحيطين
بين مراكش والبحرين
فى اليمن ودمشق وجده
نفس الغنوة لأجمل وحدة
وحدة كل الشعب العربي
وما زالت الأغنيتان خالدتين إلى اليوم، وليس هناك أفضل من «بني وطني» للتغني بملحمة النضال في تونس من أجل استقلال البلاد. فهذه الأغنية، التي أدتها باقتدار شديد الراحلة الكبيرة الفنانة علية، وألف كلماتها الشاعر عبد المجيد بن جدو، ولحنها الشاذلي أنور، وقدمت في 1961، تملك نفس السطوة على الإحساس كلما استمعنا إليها. يأتي صوت علية يتغنى بشجاعة التونسيين وتضحياتهم من أجل الوطن، كالنهر الهادر، وتنهمر الكلمات كالشلالات، وتتسلل الألحان إلى الأعماق فتحرك العواطف وتثير الحماسة، إلى درجة أنها تجعل جيل اليوم يشعر، وهو ينصت للأغنية، وكأنه يعيش اللحظة من الداخل أو كأنه شريك فاعل، ولا تفصله مسافة كبيرة من الزمن عن الحدث. أصلا هذا هو جوهر الإبداع: تحريك السواكن وتحفيز المشاعر والنفاذ إلى مسام الناس، حتى ليدخل بين الإنسان وجلده، وهذا ما كان يدركه جيدا مبدعونا من قبل، ونقصد المبدعين الذين كانوا يسعون إلى الحصول على أقصى درجات انتباه المتلقي، وعلى السيطرة الكاملة على كامل حواسه، فتكون النتيجة أعمالا فنية خالدة مثل «بني وطني» الملحمية التونسية، وأيضا مثل الأغنية العربية «الوطن الأكبر».
و»الوطن الأكبر» تعود أيضا إلى بداية الستينات من القرن العشرين، وهي من كلمات الشاعر أحمد شفيق كامل ومن تلحين الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب، وشارك في أدائها فنانون كبار خلد التاريخ أسماءهم بدورهم، وهم بالخصوص عبد الحليم حافظ وشادية ووردة وصباح ونجاة الصغيرة. ولم تستطع أي أغنية عربية أخرى منافسة هذه الأغنية التي تجعل من يستمع إليها إلى اليوم يشعر أن المستحيل ممكن، وأن الشعوب العربية المتفرقة يمكنها أن تتوحد. وإذ اجتمعت في الأغنية عوامل النجاح من كلمات صادقة ولحن متميز أنجزه موسيقار الأجيال، فإن ما زادها هيبة هو ذلك الجمع من كبار الفنانين العرب الذين، وإن كانوا ينتمون لحقول فنية مختلفة، فإنهم يلتقون في نقاط عديدة، وأبرزها موهبتهم ومقدرتهم وتمكنهم وأصواتهم الجميلة المؤثرة.
جاءت، بطبيعة الحال، محاولات أخرى على المستوى العربي، من بينها مثلا أوبيريت «الحلم العربي» في أواخر الألفية الثانية، ووجدت صدى واسعا بعد اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000. وقد ألف الكلمات الشاعر المصري مدحت العدل، وأنجز الألحان الملحنان الكبيران حلمي بكر وصلاح الشرنوبي، وهي من إخراج طارق العريان وإنتاجه، وتولى توزيعها الليبي حميد الشاعري. وقد شاركت العديد من الأصوات العربية في الأوبيريت، ومثل لطفي بوشناق والراحلة ذكرى، تونس في النسخة الأصلية، ومثل صابر الرباعي بلادنا في نسخة حديثة للأوبيريت أُنتجت في 2024، وشاركت العديد من الأصوات العربية في النسخة الأصلية، من بينها مثلا إيهاب توفيق وأحلام ونبيل شعيل وأصالة نصري، لكن أثرها ظل محدودا، ولم تنتشر مثلما انتشرت أغنية «الوطن الأكبر». ويمكن أن نقول إن ظروف إنتاج أغنية «الوطن الأكبر» كانت مختلفة كثيرا عن ظروف إنجاز أوبيريت «الحلم العربي». فبالنسبة للأولى، كانت القومية العربية حينذاك في أوجها، وكانت السلطات المصرية بصدد بناء السد العالي، وكانت هناك محاولات لتوحيد البلدان العربية وسط حماسة شعبية في مصر وفي أغلب البلدان العربية، في حين أن الأوبيريت قد جاءت بعد إخفاقات عربية عديدة ونكبات ونكسات وانكسارات وهزائم متتالية، وقد تم استنساخها في فترة بلغ فيها الإحباط ذروته بسبب حرب الإبادة التي استهدفت غزة وعبث فيها الكيان الصهيوني وعربد وسط صمت عربي كامل. لكن، إن كانت الظروف القاسية قد جعلت الحماسة تخفت نسبيا، فهل هذا يبرر حالة القحط الإبداعي على المستويين المحلي والعربي، حتى لم تبرز طيلة سنين طويلة ولو أغنية واحدة قادرة على أن تحيي ما ذبل وتيبس داخل الوجدان العربي؟
والأمر لا يقف عند الأغاني، وإنما يشمل أيضا السينما والتلفزيون. لم تعد البلدان العربية تنتج أفلاما تاريخية يجتمع حولها الجمهور العربي أيا كانت المسافات. أين نحن من فيلم الرسالة مثلا؟ وماذا لو لم ينجز العقاد «الرسالة»؟ ماذا كنا سنعرض في عيد الفطر وعيد الأضحى وفي المولد النبوي؟
لماذا ذهبت ثقافة إنتاج أعمال تؤرخ لذاكرتنا ولثقافتنا وحضارتنا مع رحيل شخصيات كانت تحمل بين جوانحها مشاريع تربط حاضرنا بماضينا، وتسعى إلى فهم تاريخنا حتى يتسنى التقدم إلى الأمام بمرجعيات واضحة؟ وحتى على مستوى التلفزيون، فإن كل فكرة ناجحة تظل مبتورة، فلماذا لم تتكرر مثلا تجربة إنتاج مسلسل ناجح مثل مسلسل «عمر»، الذي أزال الحدود بين المبدعين العرب؟ فالمسلسل الذي أُنتج في 2012 أكد أن الأعمال العربية التي تتحدث عن إرث مشترك وعن تاريخ يجمع أبناء الأمة العربية والإسلامية مطلوبة، والنجاح الجماهيري الذي حققه مسلسل «عمر»، الذي أخرجه المبدع الراحل حاتم علي، دليل على ذلك. هذا العمل، الذي جمع نخبة من أبرز ممثلي المنطقة العربية، ومثل تونس فيه بالخصوص كل من فتحي الهداوي وناظم الزرلي وزياد التواتي، الذين قدموا تباعا أدوار كل من أبي سفيان وعلي ابن أبي طالب ووحشي، أيقظ مشاعر الانتماء لأمة وحضارة واحدة، وجدد التأكيد على أن ما يجمع بين أبناء الأمة العربية والإسلامية أكثر بكثير مما يفرقهم، وأنه يكفي أن ننبش قليلا في الإرث المشترك حتى تتقد مشاعر الانتماء من جديد وتنفض عنها الرماد. لماذا لم تتكرر التجربة؟ السؤال يطرح بإلحاح، خاصة في ظل وجود مؤشرات كثيرة تؤكد أن الحروب اليوم التي يتم إعلانها ضد البلدان العربية والإسلامية هي حروب ثقافية بالأساس، وتقوم على قتل مشاعر الانتماء إلى تاريخ واحد، بهدف تهيئة التربة لزرع عناصر التفرقة والتنافر التي تنتهي في الغالب بالتناحر. الحروب اليوم، وبشهادة جل الخبراء، لا تخوضها القوات المسلحة لوحدها، وإنما هناك جيوش أخرى مجندة للعملية، وهناك برامج موجهة للعقول، الهدف منها بطبيعة الحال زرع الإحباط، لكن ليس هذا فحسب، وإنما الهدف كذلك اختراق المجتمعات وخلق حالة من الإنكار داخل المجتمعات العربية والإسلامية، التي تجعلها تنكر جذورها فتتحول إلى كائنات منبتة لا تربطها بالأرض علاقة قوية، لتسهل عمليات التعبئة والتوجيه والتدجين. وما أسهل اختراق المجتمعات هذه الأيام بما توفره تكنولوجيا الاتصال الحديثة، اللهم إن كان هناك وعي بأهمية المقاومة، المقاومة الواعية التي تدرك أن الثقافة اليوم -آدابا وفنونا وإبداعا وفكرا ومعرفة- هي اليوم أحد أهم آليات الدفاع عن الهوية وعن الذات، وبالتالي عن الأوطان.
حياة السايب
◄ لماذا تعطلت «ماكينة» إنتاج الأفلام التي تتناول تاريخنا القديم رغم كل الغموض والأسئلة؟
◄ الطاقات والإمكانيات العربية.. لماذا لا تستثمر في أعمال تتناول تاريخنا المعاصر المثقل بالهموم؟
◄ أوبيريت «الحلم العربي» ظل تأثيرها محدودا رغم استنساخها بعد سنوات ورغم الأصوات العربية الملتحقة
◄ مسلسل «عمر» للمبدع الراحل حاتم علي نموذج ناجح لم يتكرر
أثار تداول الأغنية الجديدة للفنان زياد غرسة حول الحج، الذي احتفت به البلدان العربية والإسلامية هذا العام والقلوب معلقة على أمل أن تهدأ المنطقة، وأن تنتهي الحروب المفروضة على عدد منها ظلما، وأن يتحرر الإنسان العربي والمسلم من الضغوطات الكبيرة الداخلية والخارجية الكاتمة على أنفاسه، السؤال حول انقطاع عادة جميلة كان يتميز بها الفنانون والمبدعون العرب.
فقد كان الفنانون، في حقبات سابقة، سواء في تونس أو في مصر أو في ليبيا أو في سوريا أو في أي بلد عربي آخر، يسجلون حضورهم بقوة في مناسبات حاسمة، وكانوا يسعون من أجل الاضطلاع بدور في القضايا المصيرية، سواء التي تتعلق بالقطر نفسه أو بالمنطقة ككل، وسيلتهم بطبيعة الحال هي فنهم وإبداعهم، وكانوا منتجين رغم الظروف الصعبة ورغم قلة الإمكانيات المادية والفنية والتقنية. وبفضل ذلك ضمت المدونة الإبداعية أغاني مناسبة من حيث المضمون وجودة الأداء يمكن الرجوع إليها في المناسبات الدينية والوطنية. ولئن شهدت المنطقة العربية، في فترات من تاريخها المعاصر، وخاصة خلال حقبة المخاضات الكبرى، فترات خصوبة واضحة، وأنتجت إبداعات جميلة عموما، فإن بعضها كان مميزا حقا، وقد أنتجت القريحة في تونس مثلا أغنية خالدة في مستوى «بني وطني»، الذي يعتبر نشيد الجلاء في بلادنا، وعلى المستوى العربي يمكن أن نذكر الأغنية الرائعة «الوطن الأكبر»، التي تعتبر أفضل أغنية تغنت بالوحدة العربية، وخاصة ذلك المقطع الذي تردد فيه المطربة صباح:
يا نغم سارى بين المحيطين
بين مراكش والبحرين
فى اليمن ودمشق وجده
نفس الغنوة لأجمل وحدة
وحدة كل الشعب العربي
وما زالت الأغنيتان خالدتين إلى اليوم، وليس هناك أفضل من «بني وطني» للتغني بملحمة النضال في تونس من أجل استقلال البلاد. فهذه الأغنية، التي أدتها باقتدار شديد الراحلة الكبيرة الفنانة علية، وألف كلماتها الشاعر عبد المجيد بن جدو، ولحنها الشاذلي أنور، وقدمت في 1961، تملك نفس السطوة على الإحساس كلما استمعنا إليها. يأتي صوت علية يتغنى بشجاعة التونسيين وتضحياتهم من أجل الوطن، كالنهر الهادر، وتنهمر الكلمات كالشلالات، وتتسلل الألحان إلى الأعماق فتحرك العواطف وتثير الحماسة، إلى درجة أنها تجعل جيل اليوم يشعر، وهو ينصت للأغنية، وكأنه يعيش اللحظة من الداخل أو كأنه شريك فاعل، ولا تفصله مسافة كبيرة من الزمن عن الحدث. أصلا هذا هو جوهر الإبداع: تحريك السواكن وتحفيز المشاعر والنفاذ إلى مسام الناس، حتى ليدخل بين الإنسان وجلده، وهذا ما كان يدركه جيدا مبدعونا من قبل، ونقصد المبدعين الذين كانوا يسعون إلى الحصول على أقصى درجات انتباه المتلقي، وعلى السيطرة الكاملة على كامل حواسه، فتكون النتيجة أعمالا فنية خالدة مثل «بني وطني» الملحمية التونسية، وأيضا مثل الأغنية العربية «الوطن الأكبر».
و»الوطن الأكبر» تعود أيضا إلى بداية الستينات من القرن العشرين، وهي من كلمات الشاعر أحمد شفيق كامل ومن تلحين الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب، وشارك في أدائها فنانون كبار خلد التاريخ أسماءهم بدورهم، وهم بالخصوص عبد الحليم حافظ وشادية ووردة وصباح ونجاة الصغيرة. ولم تستطع أي أغنية عربية أخرى منافسة هذه الأغنية التي تجعل من يستمع إليها إلى اليوم يشعر أن المستحيل ممكن، وأن الشعوب العربية المتفرقة يمكنها أن تتوحد. وإذ اجتمعت في الأغنية عوامل النجاح من كلمات صادقة ولحن متميز أنجزه موسيقار الأجيال، فإن ما زادها هيبة هو ذلك الجمع من كبار الفنانين العرب الذين، وإن كانوا ينتمون لحقول فنية مختلفة، فإنهم يلتقون في نقاط عديدة، وأبرزها موهبتهم ومقدرتهم وتمكنهم وأصواتهم الجميلة المؤثرة.
جاءت، بطبيعة الحال، محاولات أخرى على المستوى العربي، من بينها مثلا أوبيريت «الحلم العربي» في أواخر الألفية الثانية، ووجدت صدى واسعا بعد اندلاع انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000. وقد ألف الكلمات الشاعر المصري مدحت العدل، وأنجز الألحان الملحنان الكبيران حلمي بكر وصلاح الشرنوبي، وهي من إخراج طارق العريان وإنتاجه، وتولى توزيعها الليبي حميد الشاعري. وقد شاركت العديد من الأصوات العربية في الأوبيريت، ومثل لطفي بوشناق والراحلة ذكرى، تونس في النسخة الأصلية، ومثل صابر الرباعي بلادنا في نسخة حديثة للأوبيريت أُنتجت في 2024، وشاركت العديد من الأصوات العربية في النسخة الأصلية، من بينها مثلا إيهاب توفيق وأحلام ونبيل شعيل وأصالة نصري، لكن أثرها ظل محدودا، ولم تنتشر مثلما انتشرت أغنية «الوطن الأكبر». ويمكن أن نقول إن ظروف إنتاج أغنية «الوطن الأكبر» كانت مختلفة كثيرا عن ظروف إنجاز أوبيريت «الحلم العربي». فبالنسبة للأولى، كانت القومية العربية حينذاك في أوجها، وكانت السلطات المصرية بصدد بناء السد العالي، وكانت هناك محاولات لتوحيد البلدان العربية وسط حماسة شعبية في مصر وفي أغلب البلدان العربية، في حين أن الأوبيريت قد جاءت بعد إخفاقات عربية عديدة ونكبات ونكسات وانكسارات وهزائم متتالية، وقد تم استنساخها في فترة بلغ فيها الإحباط ذروته بسبب حرب الإبادة التي استهدفت غزة وعبث فيها الكيان الصهيوني وعربد وسط صمت عربي كامل. لكن، إن كانت الظروف القاسية قد جعلت الحماسة تخفت نسبيا، فهل هذا يبرر حالة القحط الإبداعي على المستويين المحلي والعربي، حتى لم تبرز طيلة سنين طويلة ولو أغنية واحدة قادرة على أن تحيي ما ذبل وتيبس داخل الوجدان العربي؟
والأمر لا يقف عند الأغاني، وإنما يشمل أيضا السينما والتلفزيون. لم تعد البلدان العربية تنتج أفلاما تاريخية يجتمع حولها الجمهور العربي أيا كانت المسافات. أين نحن من فيلم الرسالة مثلا؟ وماذا لو لم ينجز العقاد «الرسالة»؟ ماذا كنا سنعرض في عيد الفطر وعيد الأضحى وفي المولد النبوي؟
لماذا ذهبت ثقافة إنتاج أعمال تؤرخ لذاكرتنا ولثقافتنا وحضارتنا مع رحيل شخصيات كانت تحمل بين جوانحها مشاريع تربط حاضرنا بماضينا، وتسعى إلى فهم تاريخنا حتى يتسنى التقدم إلى الأمام بمرجعيات واضحة؟ وحتى على مستوى التلفزيون، فإن كل فكرة ناجحة تظل مبتورة، فلماذا لم تتكرر مثلا تجربة إنتاج مسلسل ناجح مثل مسلسل «عمر»، الذي أزال الحدود بين المبدعين العرب؟ فالمسلسل الذي أُنتج في 2012 أكد أن الأعمال العربية التي تتحدث عن إرث مشترك وعن تاريخ يجمع أبناء الأمة العربية والإسلامية مطلوبة، والنجاح الجماهيري الذي حققه مسلسل «عمر»، الذي أخرجه المبدع الراحل حاتم علي، دليل على ذلك. هذا العمل، الذي جمع نخبة من أبرز ممثلي المنطقة العربية، ومثل تونس فيه بالخصوص كل من فتحي الهداوي وناظم الزرلي وزياد التواتي، الذين قدموا تباعا أدوار كل من أبي سفيان وعلي ابن أبي طالب ووحشي، أيقظ مشاعر الانتماء لأمة وحضارة واحدة، وجدد التأكيد على أن ما يجمع بين أبناء الأمة العربية والإسلامية أكثر بكثير مما يفرقهم، وأنه يكفي أن ننبش قليلا في الإرث المشترك حتى تتقد مشاعر الانتماء من جديد وتنفض عنها الرماد. لماذا لم تتكرر التجربة؟ السؤال يطرح بإلحاح، خاصة في ظل وجود مؤشرات كثيرة تؤكد أن الحروب اليوم التي يتم إعلانها ضد البلدان العربية والإسلامية هي حروب ثقافية بالأساس، وتقوم على قتل مشاعر الانتماء إلى تاريخ واحد، بهدف تهيئة التربة لزرع عناصر التفرقة والتنافر التي تنتهي في الغالب بالتناحر. الحروب اليوم، وبشهادة جل الخبراء، لا تخوضها القوات المسلحة لوحدها، وإنما هناك جيوش أخرى مجندة للعملية، وهناك برامج موجهة للعقول، الهدف منها بطبيعة الحال زرع الإحباط، لكن ليس هذا فحسب، وإنما الهدف كذلك اختراق المجتمعات وخلق حالة من الإنكار داخل المجتمعات العربية والإسلامية، التي تجعلها تنكر جذورها فتتحول إلى كائنات منبتة لا تربطها بالأرض علاقة قوية، لتسهل عمليات التعبئة والتوجيه والتدجين. وما أسهل اختراق المجتمعات هذه الأيام بما توفره تكنولوجيا الاتصال الحديثة، اللهم إن كان هناك وعي بأهمية المقاومة، المقاومة الواعية التي تدرك أن الثقافة اليوم -آدابا وفنونا وإبداعا وفكرا ومعرفة- هي اليوم أحد أهم آليات الدفاع عن الهوية وعن الذات، وبالتالي عن الأوطان.