إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بين تحسين الجرايات وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية.. مقاربة أكثر شمولية للإحاطة بالمتقاعدين

يشهد ملف المتقاعدين في تونس خلال السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا على المستويين السياسي والاجتماعي، في ظل تزايد الضغوط المعيشية التي تواجه هذه الفئة، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتزايد كلفة العلاج والخدمات الأساسية. وتُعد فئة المتقاعدين من أكثر الفئات تأثرا بالأوضاع الاقتصادية الحالية.

كما يواجه عدد كبير من المتقاعدين مشاكل تتعلق بالنفاذ إلى الخدمات الصحية، وارتفاع أسعار الأدوية، وطول آجال المواعيد بالمستشفيات العمومية، إلى جانب الصعوبات المرتبطة بالنقل والتنقل والخدمات الاجتماعية والترفيهية.

ويحظى هذا الملف باهتمام خاص من قبل رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، الذي شدد في أكثر من مناسبة على ضرورة تحسين أوضاع المتقاعدين وحماية حقوقهم الاجتماعية.

وقد أكد رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، خلال لقاءات جمعته بعدد من الوزراء، أن الدولة مطالبة برد الاعتبار للفئات التي تضررت من السياسات الاقتصادية السابقة، وعلى رأسها المتقاعدون، معتبرًا أن الحقوق الاجتماعية ليست امتيازًا بل حقًا مشروعًا للمواطنين.

وكان رئيس الدولة قد أعلن أن الترفيع في الأجر الأدنى المضمون في القطاع الخاص سينعكس بصفة آلية على جرايات عدد هام من المتقاعدين، مؤكدا أن حوالي مليون متقاعد معنيون بهذه الزيادة.

كما دعا رئيس الجمهورية قيس سعيد، إلى مراجعة عدد من التشريعات المتعلقة بالحماية الاجتماعية، وشدد على ضرورة إيجاد حلول جذرية لأزمة الصناديق الاجتماعية دون المساس بحقوق المتقاعدين أو تحميلهم تبعات الأزمات الاقتصادية.

وفي سياق متصل أشار رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى ما وصفه بتدهور الأوضاع الاجتماعية لفئة المتقاعدين، معتبرا أنه من غير المقبول أن يقضي المتقاعد سنوات طويلة في خدمة الدولة ثم يجد نفسه عاجزًا عن توفير العلاج أو مواجهة تكاليف الحياة اليومية.

كما دعا رئيس الجمهورية إلى تطوير الخدمات الصحية العمومية لفائدة كبار السن، وتبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بالجرايات والتغطية الاجتماعية، والعمل على ضمان كرامة المتقاعدين باعتبارهم جزءًا أساسيًا من المجتمع.

ويأتي هذا الاهتمام الرسمي في وقت تواجه فيه منظومة التقاعد في تونس تحديات مالية وهيكلية كبيرة، خاصة مع تزايد عجز الصناديق الاجتماعية وارتفاع عدد المتقاعدين مقارنة بعدد المساهمين.

وفي هذا السياق، تعالت مؤخرا الأصوات المطالبة بضرورة إقرار سياسة وطنية شاملة للإحاطة بالمتقاعدين، لا تقتصر فقط على مراجعة الجرايات، بل تشمل أيضًا امتيازات اجتماعية وصحية وثقافية تضمن لهم حياة كريمة بعد سنوات العمل.

وقد برز هذا التوجه بشكل أوضح خلال الفترة الأخيرة، خاصة بعد إيداع 40 نائبا بمجلس نواب الشعب مقترح قانون جديد يتعلق بالإحاطة بالمتقاعدين، يتضمن حزمة من الامتيازات الاجتماعية والصحية والثقافية لفائدتهم. ويهدف هذا المقترح إلى تحسين جودة حياة المتقاعدين وتخفيف الأعباء المالية عنهم، من خلال إجراءات تتعلق بالنقل والعلاج والسياحة والثقافة والخدمات الإدارية.

ويقترح مشروع القانون تمتيع المتقاعدين بتخفيض لا يقل عن 30 بالمائة على معاليم النقل العمومي الوطني والجهوي، وذلك عبر اعتماد «دفتر نقل المتقاعد» الذي سيتم تحديد شروط الانتفاع به بمقتضى أمر حكومي. كما ينص المقترح على تمكين المتقاعدين التونسيين المقيمين بالخارج من تخفيضات على تعريفات الناقلة الجوية والبحرية الوطنية خارج فترات الذروة، في خطوة تهدف إلى تسهيل تنقلهم وتعزيز ارتباطهم بتونس.

وفي المجال الصحي، ينص المشروع على إعفاء المتقاعدين من المساهمة المتعلقة بالخدمات الوقائية والكشوفات المبكرة الخاصة بالأمراض الخطيرة، وعلى رأسها السرطان وأمراض القلب، داخل القطاع العمومي. كما يتضمن إحداث «مسلك خاص بالمتقاعد» داخل المستشفيات العمومية، بما يضمن لهم أولوية في المواعيد الطبية والعمليات الجراحية والخدمات الصحية المختلفة، وذلك استجابة لتشكيات متكررة من طول آجال الانتظار وصعوبة الحصول على العلاج.

ولم يقتصر المقترح على الجانب الصحي والاجتماعي فقط، بل شمل أيضا الجانب الثقافي والسياحي، حيث تضمّن تمتيع المتقاعدين بتخفيضات تصل إلى 40 بالمائة على التعريفات المعتمدة بالنزل والمؤسسات السياحية خارج فترات الذروة، إضافة إلى تخفيض لا يقل عن 50 بالمائة على تذاكر المهرجانات والتظاهرات الثقافية. ويهدف هذا التوجه إلى إدماج المتقاعدين في الحياة الثقافية والاجتماعية وضمان حقهم في الترفيه والنشاط الثقافي.

كما يطالب عدد من النواب والمنظمات الاجتماعية بإجراءات إضافية لفائدة المتقاعدين، من بينها مراجعة نظام التعديل الآلي للجرايات حتى تواكب الزيادات في الأسعار، والتخفيض في أسعار الأدوية، وتمكين كبار السن من بطاقات علاج خاصة، إلى جانب توفير امتيازات جبائية وتسهيلات إدارية داخل المؤسسات العمومية والبنوك ومكاتب البريد.

هذا وقد طُرحت مقترحات تتعلق بإحداث فضاءات ترفيهية ورياضية وثقافية خاصة بالمتقاعدين، وتوسيع برامج الإحاطة النفسية والاجتماعية لكبار السن.

وعموما، يعتبر عدد من الخبراء أن الاهتمام المتزايد بملف المتقاعدين يعكس تحولا تدريجيا نحو مقاربة أكثر شمولية للسياسات الاجتماعية، تقوم على إدماج البعد الإنساني في رسم الأولويات الاقتصادية.

ويؤكد هؤلاء أن تحسين ظروف عيش المتقاعدين لا يقتصر على الجانب المادي فقط، بل يشمل أيضا تعزيز جودة الحياة من خلال الرعاية الصحية القريبة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير خدمات تراعي خصوصيات هذه الفئة العمرية.

كما أن مثل هذه التوجهات من شأنها أن ترفع من مستوى الثقة بين المواطن والمؤسسات، خاصة عندما يشعر المتقاعد أن الدولة تواصل دعمه حتى بعد انتهاء مساره المهني.

وفي سياق متصل، يرى متابعون للشأن الاجتماعي أن أي إصلاح في هذا الملف يمكن أن يحقق آثارًا إيجابية بعيدة المدى، من خلال تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتقوية الروابط بين الأجيال، فالمتقاعدون يمثلون ذاكرة حية للمجتمع وخبرة متراكمة يمكن الاستفادة منها عبر إشراكهم في أنشطة تطوعية أو برامج توعوية أو مبادرات مجتمعية.

وتتواصل المطالب بضرورة الحفاظ على الحقوق الاجتماعية للمتقاعدين وعدم تحميلهم كلفة الإصلاحات الاقتصادية، مع التأكيد على أهمية إيجاد توازن بين ديمومة الصناديق الاجتماعية وضمان العيش الكريم للمتقاعدين.

ويُنظر اليوم إلى ملف المتقاعدين باعتباره أحد أبرز عناوين العدالة الاجتماعية في تونس، خاصة في ظل التحولات الديمغرافية وارتفاع نسبة كبار السن داخل المجتمع.

ويعكس الاهتمام المتزايد بملف المتقاعدين اليوم توجهًا نحو اعتماد رؤية أشمل للإحاطة بالمتقاعدين، تقوم على توفير الرعاية الصحية والاجتماعية والثقافية والترفيهية، إلى جانب تحسين الجرايات والخدمات الأساسية، بما يضمن لهذه الفئة حياة أكثر استقرارًا وكرامة بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء.

أميرة الدريدي

بين تحسين الجرايات وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية..   مقاربة أكثر شمولية للإحاطة بالمتقاعدين

يشهد ملف المتقاعدين في تونس خلال السنوات الأخيرة اهتماما متزايدا على المستويين السياسي والاجتماعي، في ظل تزايد الضغوط المعيشية التي تواجه هذه الفئة، خاصة مع ارتفاع الأسعار وتزايد كلفة العلاج والخدمات الأساسية. وتُعد فئة المتقاعدين من أكثر الفئات تأثرا بالأوضاع الاقتصادية الحالية.

كما يواجه عدد كبير من المتقاعدين مشاكل تتعلق بالنفاذ إلى الخدمات الصحية، وارتفاع أسعار الأدوية، وطول آجال المواعيد بالمستشفيات العمومية، إلى جانب الصعوبات المرتبطة بالنقل والتنقل والخدمات الاجتماعية والترفيهية.

ويحظى هذا الملف باهتمام خاص من قبل رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، الذي شدد في أكثر من مناسبة على ضرورة تحسين أوضاع المتقاعدين وحماية حقوقهم الاجتماعية.

وقد أكد رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، خلال لقاءات جمعته بعدد من الوزراء، أن الدولة مطالبة برد الاعتبار للفئات التي تضررت من السياسات الاقتصادية السابقة، وعلى رأسها المتقاعدون، معتبرًا أن الحقوق الاجتماعية ليست امتيازًا بل حقًا مشروعًا للمواطنين.

وكان رئيس الدولة قد أعلن أن الترفيع في الأجر الأدنى المضمون في القطاع الخاص سينعكس بصفة آلية على جرايات عدد هام من المتقاعدين، مؤكدا أن حوالي مليون متقاعد معنيون بهذه الزيادة.

كما دعا رئيس الجمهورية قيس سعيد، إلى مراجعة عدد من التشريعات المتعلقة بالحماية الاجتماعية، وشدد على ضرورة إيجاد حلول جذرية لأزمة الصناديق الاجتماعية دون المساس بحقوق المتقاعدين أو تحميلهم تبعات الأزمات الاقتصادية.

وفي سياق متصل أشار رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى ما وصفه بتدهور الأوضاع الاجتماعية لفئة المتقاعدين، معتبرا أنه من غير المقبول أن يقضي المتقاعد سنوات طويلة في خدمة الدولة ثم يجد نفسه عاجزًا عن توفير العلاج أو مواجهة تكاليف الحياة اليومية.

كما دعا رئيس الجمهورية إلى تطوير الخدمات الصحية العمومية لفائدة كبار السن، وتبسيط الإجراءات الإدارية المتعلقة بالجرايات والتغطية الاجتماعية، والعمل على ضمان كرامة المتقاعدين باعتبارهم جزءًا أساسيًا من المجتمع.

ويأتي هذا الاهتمام الرسمي في وقت تواجه فيه منظومة التقاعد في تونس تحديات مالية وهيكلية كبيرة، خاصة مع تزايد عجز الصناديق الاجتماعية وارتفاع عدد المتقاعدين مقارنة بعدد المساهمين.

وفي هذا السياق، تعالت مؤخرا الأصوات المطالبة بضرورة إقرار سياسة وطنية شاملة للإحاطة بالمتقاعدين، لا تقتصر فقط على مراجعة الجرايات، بل تشمل أيضًا امتيازات اجتماعية وصحية وثقافية تضمن لهم حياة كريمة بعد سنوات العمل.

وقد برز هذا التوجه بشكل أوضح خلال الفترة الأخيرة، خاصة بعد إيداع 40 نائبا بمجلس نواب الشعب مقترح قانون جديد يتعلق بالإحاطة بالمتقاعدين، يتضمن حزمة من الامتيازات الاجتماعية والصحية والثقافية لفائدتهم. ويهدف هذا المقترح إلى تحسين جودة حياة المتقاعدين وتخفيف الأعباء المالية عنهم، من خلال إجراءات تتعلق بالنقل والعلاج والسياحة والثقافة والخدمات الإدارية.

ويقترح مشروع القانون تمتيع المتقاعدين بتخفيض لا يقل عن 30 بالمائة على معاليم النقل العمومي الوطني والجهوي، وذلك عبر اعتماد «دفتر نقل المتقاعد» الذي سيتم تحديد شروط الانتفاع به بمقتضى أمر حكومي. كما ينص المقترح على تمكين المتقاعدين التونسيين المقيمين بالخارج من تخفيضات على تعريفات الناقلة الجوية والبحرية الوطنية خارج فترات الذروة، في خطوة تهدف إلى تسهيل تنقلهم وتعزيز ارتباطهم بتونس.

وفي المجال الصحي، ينص المشروع على إعفاء المتقاعدين من المساهمة المتعلقة بالخدمات الوقائية والكشوفات المبكرة الخاصة بالأمراض الخطيرة، وعلى رأسها السرطان وأمراض القلب، داخل القطاع العمومي. كما يتضمن إحداث «مسلك خاص بالمتقاعد» داخل المستشفيات العمومية، بما يضمن لهم أولوية في المواعيد الطبية والعمليات الجراحية والخدمات الصحية المختلفة، وذلك استجابة لتشكيات متكررة من طول آجال الانتظار وصعوبة الحصول على العلاج.

ولم يقتصر المقترح على الجانب الصحي والاجتماعي فقط، بل شمل أيضا الجانب الثقافي والسياحي، حيث تضمّن تمتيع المتقاعدين بتخفيضات تصل إلى 40 بالمائة على التعريفات المعتمدة بالنزل والمؤسسات السياحية خارج فترات الذروة، إضافة إلى تخفيض لا يقل عن 50 بالمائة على تذاكر المهرجانات والتظاهرات الثقافية. ويهدف هذا التوجه إلى إدماج المتقاعدين في الحياة الثقافية والاجتماعية وضمان حقهم في الترفيه والنشاط الثقافي.

كما يطالب عدد من النواب والمنظمات الاجتماعية بإجراءات إضافية لفائدة المتقاعدين، من بينها مراجعة نظام التعديل الآلي للجرايات حتى تواكب الزيادات في الأسعار، والتخفيض في أسعار الأدوية، وتمكين كبار السن من بطاقات علاج خاصة، إلى جانب توفير امتيازات جبائية وتسهيلات إدارية داخل المؤسسات العمومية والبنوك ومكاتب البريد.

هذا وقد طُرحت مقترحات تتعلق بإحداث فضاءات ترفيهية ورياضية وثقافية خاصة بالمتقاعدين، وتوسيع برامج الإحاطة النفسية والاجتماعية لكبار السن.

وعموما، يعتبر عدد من الخبراء أن الاهتمام المتزايد بملف المتقاعدين يعكس تحولا تدريجيا نحو مقاربة أكثر شمولية للسياسات الاجتماعية، تقوم على إدماج البعد الإنساني في رسم الأولويات الاقتصادية.

ويؤكد هؤلاء أن تحسين ظروف عيش المتقاعدين لا يقتصر على الجانب المادي فقط، بل يشمل أيضا تعزيز جودة الحياة من خلال الرعاية الصحية القريبة، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتوفير خدمات تراعي خصوصيات هذه الفئة العمرية.

كما أن مثل هذه التوجهات من شأنها أن ترفع من مستوى الثقة بين المواطن والمؤسسات، خاصة عندما يشعر المتقاعد أن الدولة تواصل دعمه حتى بعد انتهاء مساره المهني.

وفي سياق متصل، يرى متابعون للشأن الاجتماعي أن أي إصلاح في هذا الملف يمكن أن يحقق آثارًا إيجابية بعيدة المدى، من خلال تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتقوية الروابط بين الأجيال، فالمتقاعدون يمثلون ذاكرة حية للمجتمع وخبرة متراكمة يمكن الاستفادة منها عبر إشراكهم في أنشطة تطوعية أو برامج توعوية أو مبادرات مجتمعية.

وتتواصل المطالب بضرورة الحفاظ على الحقوق الاجتماعية للمتقاعدين وعدم تحميلهم كلفة الإصلاحات الاقتصادية، مع التأكيد على أهمية إيجاد توازن بين ديمومة الصناديق الاجتماعية وضمان العيش الكريم للمتقاعدين.

ويُنظر اليوم إلى ملف المتقاعدين باعتباره أحد أبرز عناوين العدالة الاجتماعية في تونس، خاصة في ظل التحولات الديمغرافية وارتفاع نسبة كبار السن داخل المجتمع.

ويعكس الاهتمام المتزايد بملف المتقاعدين اليوم توجهًا نحو اعتماد رؤية أشمل للإحاطة بالمتقاعدين، تقوم على توفير الرعاية الصحية والاجتماعية والثقافية والترفيهية، إلى جانب تحسين الجرايات والخدمات الأساسية، بما يضمن لهذه الفئة حياة أكثر استقرارًا وكرامة بعد سنوات طويلة من العمل والعطاء.

أميرة الدريدي