◄ الفنان الذي جعل النوتة الموسيقية شخصية موازية للأبطال
◄ في كل مرة يثبت أمين بوحافة أن الموسيقى جزء من هندسة الصورة العاطفية
عاد اسم الموسيقار التونسي أمين بوحافة إلى واجهة المشهد السينمائي الدولي بقوة هذا العام، بعد أن اختارته جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى الفرنسية SACEM ليكون ضيف فعالية «Leçon de musique» ضمن الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان «كان»السينمائي، وهي تظاهرة لا تُفتح أبوابها إلا لأسماء صنعت بصمتها الخاصة في عالم الموسيقى التصويرية.
وهناك لم يُقدَّم بوصفه مجرد مؤلف موسيقي ناجح أو ملحن تونسي شق طريقه إلى العالمية، بل بوصفه أحد أبرز الأصوات التي أعادت تعريف العلاقة بين الصورة والصوت في سينما المؤلف المعاصرة، ذلك الفنان الذي جعل من النوتة الموسيقية شخصية موازية للأبطال، ومن الإيقاع مرآة للمشاعر، ومن الصمت نفسه جزءا من التأليف.
إن اختيار مهرجان «كان»وجمعية SACEM لأمين بوحافة هذا العام لتقديم «درس موسيقي» أمام جمهور من السينمائيين والطلبة والمهنيين لا يعني فقط الاحتفاء بمنجز شخصي، بل الاعتراف بقيمة تجربة تونسية استطاعت أن تتحول إلى مرجع دولي. فالفنان الذي درس في تونس وفرنسا، وكتب موسيقى لعشرات القصص الإنسانية حول العالم، صار اليوم نموذجا لجيل كامل من المبدعين العرب الذين أثبتوا أن الحدود الجغرافية لا تعني شيئا أمام الموهبة والإصرار.
فكان هذا التكريم اعترافا دوليا جديدا بمسيرة استثنائية بدأت من أقصى الجنوب التونسي، وتحديدا من مدينة جرجيس، حيث وُلد يوم 10 جويلية سنة 1986، ليصبح لاحقا أحد أكثر المؤلفين الموسيقيين حضورا في السينما العربية والعالمية، وليحمل معه إلى كل مهرجان وجائزة شيئا من تونس ومن ذاكرتها السمعية ومن قدرتها على الجمع بين الحضارات والثقافات في نغمة واحدة.
في جرجيس، بدأ أمين بوحافة اكتشافه المبكر لعالم الأصوات، إذ جلس إلى البيانو وهو في الثالثة من عمره، ثمّ التحق بمعهد الموسيقى في تونس، وبرزت لديه منذ سن مبكرة موهبة استثنائية في التأليف والتوزيع، وفي سن الخامسة عشرة ألّف أول قطعة موسيقية لفيلم قصير. ورغم هذا الشغف الجارف بالفن، اختار مسارا أكاديميا علميا، فتخصص في هندسة الاتصالات وحصل على منحة دراسية إلى فرنسا، وهناك عاش تجربة فريدة جمعت بين الرياضيات والهارموني، بين المعادلات والنوتات، بين العقل التقني والحس الفني.
وفي فرنسا، لم يذهب بوحافة بحثا عن فرصة عابرة، بل بحث عن لغة موسيقية خاصة به. درس الموسيقى بعمق، وانفتح على مدارس متعددة، من الكلاسيكيات الغربية إلى المقامات العربية والإيقاعات الإفريقية والآسيوية، وبدأ يشق طريقه في عالم الموسيقى التصويرية بثبات، معتمدا على أسلوب شديد الخصوصية يقوم على المزج بين الشرق والغرب دون افتعال، وعلى تحويل الآلات إلى شخصيات درامية.
أمّا الانطلاقة الكبرى، فجاءت عندما اختاره المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو لتأليف موسيقى فيلم «تمبكتو»، ذلك العمل الذي تحول إلى حدث سينمائي عالمي بعد عرضه في مهرجان «كان»وترشحه إلى جوائز الأوسكار ضمن فئة أفضل فيلم أجنبي. وكانت موسيقى بوحافة في هذا الفيلم أكثر من خلفية صوتية، وصلاة صامتة ومرثية إنسانية، وصدى لمدينة تواجه العنف بالفن، كما وصفها النقاد. وفي عام 2015، توّج هذا العمل بحصوله على جائزة سيزار، أرفع جائزة سينمائية في فرنسا، ليصبح أمين بوحافة أول تونسي يحقق هذا الإنجاز، وليدخل بذلك نادي كبار المؤلفين الموسيقيين في العالم.
لكن جائزة «السيزار» لم تكن سوى محطة في مسيرة تتسع عاما بعد عام. فقد تجاوز رصيده 110 أعمال موسيقية لأفلام ومسلسلات ووثائقيات، من بينها أكثر من عشرين عملا عُرضوا في مهرجان «كان»، وعدد من الأفلام التي وصلت إلى الأوسكار أو جابت كبريات التظاهرات الدولية. وفي كل مرة كان يثبت أن الموسيقى ليست عنصرا مكملا للصورة، بل جزءا من هندستها العاطفية. فكتب موسيقى أفلام لمخرجين من إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، وتعاون مع أسماء بارزة من مدارس سينمائية مختلفة، واستطاع أن يكيف لغته الموسيقية مع كل بيئة ثقافية دون أن يفقد بصمته الشخصية.
على المستوى العربي، تحول أمين بوحافة إلى اسم مألوف لدى جمهور واسع بفضل أعمال درامية رسخت في الذاكرة، على غرار موسيقى مسلسل «حارة اليهود»، الذي كشف عن قدرة نادرة على استحضار أجواء تاريخية وإنسانية معقدة. أما في «جراند أوتيل»، فقد صاغ موسيقى مفعمة بالأناقة والغموض، وفي «ونوس» نسج عالما صوتيا يتأرجح بين العبث والفلسفة، بينما حملت موسيقى «لا تطفئ الشمس» شحنة وجدانية عالية، ووصل حضوره إلى جيل جديد من المشاهدين من خلال مسلسل «الحشاشين»، الذي قدّم فيه توليفة صوتية ملحمية مزجت بين البعد التاريخي والدرامي.
هذا الانتشار الجماهيري لم يغيّر من طبيعته الهادئة ولا من انحيازه إلى العمل في الظل. فهو من الفنانين الذين يتركون للموسيقى أن تتحدث عنهم، بعيدا عن الصخب الإعلامي والاستعراض. فأمين بوحافة يظهر نادرا، ويتحدث بتواضع العالم الذي يعرف أن الإبداع الحقيقي لا يقاس بعدد المقابلات أو الصور، بل بما يبقى في الذاكرة بعد انتهاء العمل.
وما يميزه هو قدرته على بناء جسور بين الثقافات. في أعماله يمكن سماع أثر المالوف التونسي إلى جانب الأوركسترا السيمفونية، ونبض الصحراء إلى جانب الجاز، والروح الصوفية إلى جانب الحداثة الإلكترونية. وهو لا يستخدم هذه العناصر بوصفها زينة فولكلورية، بل بوصفها لغة درامية حية. لذلك تبدو موسيقاه مفهومة في باريس والقاهرة ونواكشوط ولوس أنجلوس على حد سواء، لأنها تخاطب المشاعر الإنسانية الأساسية.
وإلى جانب جائزة «السيزار»، حصد بوحافة مجموعة من الجوائز والتكريمات العربية والدولية، ونال وسام الفنون والآداب الفرنسي تقديرا لإسهامه في الثقافة الموسيقية والسينمائية، كما احتفت به مهرجانات ومؤسسات عديدة باعتباره أحد أبرز سفراء الموسيقى العربية في العالم. ومع كل تتويج جديد، يتأكد أن نجاحه ليس وليد الصدفة، بل ثمرة عمل طويل وانضباط صارم ورؤية فنية واضحة.
إيمان عبد اللطيف
◄ الفنان الذي جعل النوتة الموسيقية شخصية موازية للأبطال
◄ في كل مرة يثبت أمين بوحافة أن الموسيقى جزء من هندسة الصورة العاطفية
عاد اسم الموسيقار التونسي أمين بوحافة إلى واجهة المشهد السينمائي الدولي بقوة هذا العام، بعد أن اختارته جمعية المؤلفين والملحنين وناشري الموسيقى الفرنسية SACEM ليكون ضيف فعالية «Leçon de musique» ضمن الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان «كان»السينمائي، وهي تظاهرة لا تُفتح أبوابها إلا لأسماء صنعت بصمتها الخاصة في عالم الموسيقى التصويرية.
وهناك لم يُقدَّم بوصفه مجرد مؤلف موسيقي ناجح أو ملحن تونسي شق طريقه إلى العالمية، بل بوصفه أحد أبرز الأصوات التي أعادت تعريف العلاقة بين الصورة والصوت في سينما المؤلف المعاصرة، ذلك الفنان الذي جعل من النوتة الموسيقية شخصية موازية للأبطال، ومن الإيقاع مرآة للمشاعر، ومن الصمت نفسه جزءا من التأليف.
إن اختيار مهرجان «كان»وجمعية SACEM لأمين بوحافة هذا العام لتقديم «درس موسيقي» أمام جمهور من السينمائيين والطلبة والمهنيين لا يعني فقط الاحتفاء بمنجز شخصي، بل الاعتراف بقيمة تجربة تونسية استطاعت أن تتحول إلى مرجع دولي. فالفنان الذي درس في تونس وفرنسا، وكتب موسيقى لعشرات القصص الإنسانية حول العالم، صار اليوم نموذجا لجيل كامل من المبدعين العرب الذين أثبتوا أن الحدود الجغرافية لا تعني شيئا أمام الموهبة والإصرار.
فكان هذا التكريم اعترافا دوليا جديدا بمسيرة استثنائية بدأت من أقصى الجنوب التونسي، وتحديدا من مدينة جرجيس، حيث وُلد يوم 10 جويلية سنة 1986، ليصبح لاحقا أحد أكثر المؤلفين الموسيقيين حضورا في السينما العربية والعالمية، وليحمل معه إلى كل مهرجان وجائزة شيئا من تونس ومن ذاكرتها السمعية ومن قدرتها على الجمع بين الحضارات والثقافات في نغمة واحدة.
في جرجيس، بدأ أمين بوحافة اكتشافه المبكر لعالم الأصوات، إذ جلس إلى البيانو وهو في الثالثة من عمره، ثمّ التحق بمعهد الموسيقى في تونس، وبرزت لديه منذ سن مبكرة موهبة استثنائية في التأليف والتوزيع، وفي سن الخامسة عشرة ألّف أول قطعة موسيقية لفيلم قصير. ورغم هذا الشغف الجارف بالفن، اختار مسارا أكاديميا علميا، فتخصص في هندسة الاتصالات وحصل على منحة دراسية إلى فرنسا، وهناك عاش تجربة فريدة جمعت بين الرياضيات والهارموني، بين المعادلات والنوتات، بين العقل التقني والحس الفني.
وفي فرنسا، لم يذهب بوحافة بحثا عن فرصة عابرة، بل بحث عن لغة موسيقية خاصة به. درس الموسيقى بعمق، وانفتح على مدارس متعددة، من الكلاسيكيات الغربية إلى المقامات العربية والإيقاعات الإفريقية والآسيوية، وبدأ يشق طريقه في عالم الموسيقى التصويرية بثبات، معتمدا على أسلوب شديد الخصوصية يقوم على المزج بين الشرق والغرب دون افتعال، وعلى تحويل الآلات إلى شخصيات درامية.
أمّا الانطلاقة الكبرى، فجاءت عندما اختاره المخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساكو لتأليف موسيقى فيلم «تمبكتو»، ذلك العمل الذي تحول إلى حدث سينمائي عالمي بعد عرضه في مهرجان «كان»وترشحه إلى جوائز الأوسكار ضمن فئة أفضل فيلم أجنبي. وكانت موسيقى بوحافة في هذا الفيلم أكثر من خلفية صوتية، وصلاة صامتة ومرثية إنسانية، وصدى لمدينة تواجه العنف بالفن، كما وصفها النقاد. وفي عام 2015، توّج هذا العمل بحصوله على جائزة سيزار، أرفع جائزة سينمائية في فرنسا، ليصبح أمين بوحافة أول تونسي يحقق هذا الإنجاز، وليدخل بذلك نادي كبار المؤلفين الموسيقيين في العالم.
لكن جائزة «السيزار» لم تكن سوى محطة في مسيرة تتسع عاما بعد عام. فقد تجاوز رصيده 110 أعمال موسيقية لأفلام ومسلسلات ووثائقيات، من بينها أكثر من عشرين عملا عُرضوا في مهرجان «كان»، وعدد من الأفلام التي وصلت إلى الأوسكار أو جابت كبريات التظاهرات الدولية. وفي كل مرة كان يثبت أن الموسيقى ليست عنصرا مكملا للصورة، بل جزءا من هندستها العاطفية. فكتب موسيقى أفلام لمخرجين من إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، وتعاون مع أسماء بارزة من مدارس سينمائية مختلفة، واستطاع أن يكيف لغته الموسيقية مع كل بيئة ثقافية دون أن يفقد بصمته الشخصية.
على المستوى العربي، تحول أمين بوحافة إلى اسم مألوف لدى جمهور واسع بفضل أعمال درامية رسخت في الذاكرة، على غرار موسيقى مسلسل «حارة اليهود»، الذي كشف عن قدرة نادرة على استحضار أجواء تاريخية وإنسانية معقدة. أما في «جراند أوتيل»، فقد صاغ موسيقى مفعمة بالأناقة والغموض، وفي «ونوس» نسج عالما صوتيا يتأرجح بين العبث والفلسفة، بينما حملت موسيقى «لا تطفئ الشمس» شحنة وجدانية عالية، ووصل حضوره إلى جيل جديد من المشاهدين من خلال مسلسل «الحشاشين»، الذي قدّم فيه توليفة صوتية ملحمية مزجت بين البعد التاريخي والدرامي.
هذا الانتشار الجماهيري لم يغيّر من طبيعته الهادئة ولا من انحيازه إلى العمل في الظل. فهو من الفنانين الذين يتركون للموسيقى أن تتحدث عنهم، بعيدا عن الصخب الإعلامي والاستعراض. فأمين بوحافة يظهر نادرا، ويتحدث بتواضع العالم الذي يعرف أن الإبداع الحقيقي لا يقاس بعدد المقابلات أو الصور، بل بما يبقى في الذاكرة بعد انتهاء العمل.
وما يميزه هو قدرته على بناء جسور بين الثقافات. في أعماله يمكن سماع أثر المالوف التونسي إلى جانب الأوركسترا السيمفونية، ونبض الصحراء إلى جانب الجاز، والروح الصوفية إلى جانب الحداثة الإلكترونية. وهو لا يستخدم هذه العناصر بوصفها زينة فولكلورية، بل بوصفها لغة درامية حية. لذلك تبدو موسيقاه مفهومة في باريس والقاهرة ونواكشوط ولوس أنجلوس على حد سواء، لأنها تخاطب المشاعر الإنسانية الأساسية.
وإلى جانب جائزة «السيزار»، حصد بوحافة مجموعة من الجوائز والتكريمات العربية والدولية، ونال وسام الفنون والآداب الفرنسي تقديرا لإسهامه في الثقافة الموسيقية والسينمائية، كما احتفت به مهرجانات ومؤسسات عديدة باعتباره أحد أبرز سفراء الموسيقى العربية في العالم. ومع كل تتويج جديد، يتأكد أن نجاحه ليس وليد الصدفة، بل ثمرة عمل طويل وانضباط صارم ورؤية فنية واضحة.