شكل انعقاد الدورة الخامسة من المشاورات السياسية التونسية–الفنلندية، أول أمس بالعاصمة هلسنكي، محطة لافتة في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، بالنظر إلى طبيعة الملفات المطروحة، والتي تعكس تحوّلا تدريجيا نحو شراكة أكثر تنوعا تقوم على مجالات استراتيجية، بالتوازي مع مواصلة التنسيق السياسي حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
ويكتسي هذا الاجتماع، الذي ترأسه عن الجانب التونسي المدير العام للعلاقات الثنائية مع الدول الأوروبية بوزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل بن خذر، وعن الجانب الفنلندي المديرة العامة لإدارة شؤون إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية بوزارة الخارجية الفنلندية، آنا-كايسا هيكينين، أهمية خاصة باعتباره يلتئم بعد أقل من سنة من الزيارة التي أداها وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي، إلى فنلندا يوم 3 جوان 2025، والتي كانت بمثابة نقطة انطلاق فعلية لمرحلة جديدة في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين.
متابعة للزيارة
ووفقا للبيان الصادر، أمس، عن سفارة تونس بهلسنكي، فإن المشاورات سلّطت الضوء بشكل واضح على متابعة نتائج زيارة وزير الخارجية، بما يعكس وجود إرادة مشتركة لتحويل اللقاءات الملتئمة على أعلى مستوى إلى مسارات عملية، لا سيما وأن الزيارة حملت آنذاك رسائل سياسية واقتصادية هامة، أبرزها حرص تونس على تنويع شراكاتها الأوروبية والانفتاح على تجارب جديدة قادرة على دعم مسارها التنموي والاقتصادي.
كما أبدى الجانب الفنلندي، بدوره، إثر هذه الزيارة، اهتماما متزايدا بتونس باعتبارها شريكا مستقرا في منطقة جنوب المتوسط، لاسيما في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة. ومن هذا المنطلق، تبدو المشاورات الأخيرة بهلسنكي استكمالا لمسار بدأ منذ زيارة جوان 2025، هدفه ضخ دماء جديدة في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين.
كما مثّلت أشغال الدورة الخامسة للمشاورات السياسية التونسية–الفنلندية مناسبة للتأكيد على الالتزام المشترك بتعزيز التعاون في مجالات هامة، لاسيما الاقتصادية والتجارية والطاقات المتجددة وتكنولوجيات الاتصال والاستثمار، علاوة على أهمية تبادل الزيارات على أعلى مستوى، بما يؤشر إلى أن العلاقات التونسية–الفنلندية بدأت تتحرك تدريجيا نحو مقاربة نشيطة تتجاوز البعد التقليدي للعلاقات الثنائية المحدودة.
وهذا الحرص من الجانبين يكشف أن تونس تسعى إلى استثمار الإمكانيات التي توفرها البرامج الفنلندية الموجهة لدعم الشراكات الاقتصادية والتنموية. وفي هذا السياق، يعتبر برنامج “Finnpartnership” من أبرز الآليات التي تعتمدها فنلندا لدعم انفتاح شركاتها على الأسواق الخارجية، وتكمن أهمية هذا البرنامج في كونه لا يقتصر على التمويل فقط، وإنما يعمل على تشجيع الشراكات الاقتصادية، ونقل الخبرات، وتحفيز المؤسسات الصغرى والمتوسطة على الاستثمار والتوسع الخارجي.
وضمن هذا التمشي، يعكس اهتمام تونس بهذا البرنامج توجها واضحا نحو استقطاب شراكات اقتصادية جديدة قادرة على دعم الاستثمار وخلق فرص التعاون بين المؤسسات التونسية ونظيرتها الفنلندية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة، والاقتصاد الأخضر، والطاقات المتجددة، والرقمنة، والتعليم، والصناعات الذكية.
وتبدو هذه المجالات في جوهرها منسجمة مع أولويات تونس في المرحلة الراهنة، في ظل سعي الدولة، في أعلى هرمها، إلى تعزيز مناخ الأعمال، وتطوير الاقتصاد الرقمي، ودعم الانتقال الطاقي والبيئي. كما أن التجربة الفنلندية في مجالات الابتكار والتعليم والحوكمة الرقمية تمثل نموذجا يمكن لتونس الاستفادة منه في إطار برامج التعاون الثنائي، أو عبر الشراكات بين مختلف الجامعات والمؤسسات الاقتصادية ومراكز البحث العلمي. وتعكس هذه المشاورات إدراكا تونسيا متزايدا بأهمية الدبلوماسية الاقتصادية اليوم كأداة أساسية لدعم التنمية الوطنية.
مشاريع مشتركة
وفي هذا الاتجاه، مثل بحث السبل الكفيلة بإرساء مشاريع مشتركة في إطار مسودة خطة العمل المقترحة للفترة 2026–2028 توجّها نحو إضفاء طابع أكثر استدامة على واقع التعاون الثنائي، بالتوازي مع حرص الجانبين على بناء تعاون قائم على نتائج ملموسة وبرامج عملية.
من جهة أخرى، تعكس أشغال الدورة الخامسة من المشاورات السياسية بين البلدين حرص تونس على الحفاظ على انتظام وتواصل قنوات الحوار السياسي مع شركائها الأوروبيين. فاستمرارية المشاورات الثنائية تكشف عن إرادة سياسية مشتركة لمواصلة التنسيق والتشاور حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، سواء تعلق الأمر بالتعاون الثنائي أو بالتطورات الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، فإن اختيار هلسنكي لاحتضان هذه الجولة الجديدة من المشاورات يحمل بعدا رمزيا، على اعتبار أن فنلندا أصبحت خلال السنوات الأخيرة فاعلا أوروبيا أكثر حضورا في ملفات السياسة الخارجية والأمن الأوروبي، خاصة بعد انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي وتزايد دورها داخل الاتحاد الأوروبي في قضايا الأمن والطاقة والرقمنة.
وبالنسبة إلى تونس، فإن تعزيز العلاقات مع دولة مثل فنلندا قد يفتح آفاقا جديدة للتعاون في مجالات متقدمة، خصوصا وأن هلسنكي تعد من أبرز العواصم الأوروبية الرائدة في مجالات الابتكار والتكنولوجيا والتعليم الذكي والتحول الرقمي، وهي قطاعات تحتاج تونس إلى تطويرها بشكل أكبر لمواكبة مختلف التحولات الاقتصادية العالمية.
وبين المشاورات السياسية والانفتاح الاقتصادي والبحث عن شراكات تنموية جديدة، تعيش العلاقات التونسية–الفنلندية مرحلة أكثر حيوية وفاعلية، عنوانها الأساسي بناء تعاون قائم على الابتكار والمعرفة والاستثمار في المستقبل، بما يعكس توجها تونسيا متزايدا نحو تنويع وتوسيع دائرة الشركاء الأوروبيين والانفتاح على تجارب تنموية جديدة قادرة على دعم مسار الإصلاح والانطلاق الاقتصادي.
منال حرزي
شكل انعقاد الدورة الخامسة من المشاورات السياسية التونسية–الفنلندية، أول أمس بالعاصمة هلسنكي، محطة لافتة في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، بالنظر إلى طبيعة الملفات المطروحة، والتي تعكس تحوّلا تدريجيا نحو شراكة أكثر تنوعا تقوم على مجالات استراتيجية، بالتوازي مع مواصلة التنسيق السياسي حول القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
ويكتسي هذا الاجتماع، الذي ترأسه عن الجانب التونسي المدير العام للعلاقات الثنائية مع الدول الأوروبية بوزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج نبيل بن خذر، وعن الجانب الفنلندي المديرة العامة لإدارة شؤون إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية بوزارة الخارجية الفنلندية، آنا-كايسا هيكينين، أهمية خاصة باعتباره يلتئم بعد أقل من سنة من الزيارة التي أداها وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي، إلى فنلندا يوم 3 جوان 2025، والتي كانت بمثابة نقطة انطلاق فعلية لمرحلة جديدة في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين.
متابعة للزيارة
ووفقا للبيان الصادر، أمس، عن سفارة تونس بهلسنكي، فإن المشاورات سلّطت الضوء بشكل واضح على متابعة نتائج زيارة وزير الخارجية، بما يعكس وجود إرادة مشتركة لتحويل اللقاءات الملتئمة على أعلى مستوى إلى مسارات عملية، لا سيما وأن الزيارة حملت آنذاك رسائل سياسية واقتصادية هامة، أبرزها حرص تونس على تنويع شراكاتها الأوروبية والانفتاح على تجارب جديدة قادرة على دعم مسارها التنموي والاقتصادي.
كما أبدى الجانب الفنلندي، بدوره، إثر هذه الزيارة، اهتماما متزايدا بتونس باعتبارها شريكا مستقرا في منطقة جنوب المتوسط، لاسيما في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة. ومن هذا المنطلق، تبدو المشاورات الأخيرة بهلسنكي استكمالا لمسار بدأ منذ زيارة جوان 2025، هدفه ضخ دماء جديدة في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين.
كما مثّلت أشغال الدورة الخامسة للمشاورات السياسية التونسية–الفنلندية مناسبة للتأكيد على الالتزام المشترك بتعزيز التعاون في مجالات هامة، لاسيما الاقتصادية والتجارية والطاقات المتجددة وتكنولوجيات الاتصال والاستثمار، علاوة على أهمية تبادل الزيارات على أعلى مستوى، بما يؤشر إلى أن العلاقات التونسية–الفنلندية بدأت تتحرك تدريجيا نحو مقاربة نشيطة تتجاوز البعد التقليدي للعلاقات الثنائية المحدودة.
وهذا الحرص من الجانبين يكشف أن تونس تسعى إلى استثمار الإمكانيات التي توفرها البرامج الفنلندية الموجهة لدعم الشراكات الاقتصادية والتنموية. وفي هذا السياق، يعتبر برنامج “Finnpartnership” من أبرز الآليات التي تعتمدها فنلندا لدعم انفتاح شركاتها على الأسواق الخارجية، وتكمن أهمية هذا البرنامج في كونه لا يقتصر على التمويل فقط، وإنما يعمل على تشجيع الشراكات الاقتصادية، ونقل الخبرات، وتحفيز المؤسسات الصغرى والمتوسطة على الاستثمار والتوسع الخارجي.
وضمن هذا التمشي، يعكس اهتمام تونس بهذا البرنامج توجها واضحا نحو استقطاب شراكات اقتصادية جديدة قادرة على دعم الاستثمار وخلق فرص التعاون بين المؤسسات التونسية ونظيرتها الفنلندية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا الحديثة، والاقتصاد الأخضر، والطاقات المتجددة، والرقمنة، والتعليم، والصناعات الذكية.
وتبدو هذه المجالات في جوهرها منسجمة مع أولويات تونس في المرحلة الراهنة، في ظل سعي الدولة، في أعلى هرمها، إلى تعزيز مناخ الأعمال، وتطوير الاقتصاد الرقمي، ودعم الانتقال الطاقي والبيئي. كما أن التجربة الفنلندية في مجالات الابتكار والتعليم والحوكمة الرقمية تمثل نموذجا يمكن لتونس الاستفادة منه في إطار برامج التعاون الثنائي، أو عبر الشراكات بين مختلف الجامعات والمؤسسات الاقتصادية ومراكز البحث العلمي. وتعكس هذه المشاورات إدراكا تونسيا متزايدا بأهمية الدبلوماسية الاقتصادية اليوم كأداة أساسية لدعم التنمية الوطنية.
مشاريع مشتركة
وفي هذا الاتجاه، مثل بحث السبل الكفيلة بإرساء مشاريع مشتركة في إطار مسودة خطة العمل المقترحة للفترة 2026–2028 توجّها نحو إضفاء طابع أكثر استدامة على واقع التعاون الثنائي، بالتوازي مع حرص الجانبين على بناء تعاون قائم على نتائج ملموسة وبرامج عملية.
من جهة أخرى، تعكس أشغال الدورة الخامسة من المشاورات السياسية بين البلدين حرص تونس على الحفاظ على انتظام وتواصل قنوات الحوار السياسي مع شركائها الأوروبيين. فاستمرارية المشاورات الثنائية تكشف عن إرادة سياسية مشتركة لمواصلة التنسيق والتشاور حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، سواء تعلق الأمر بالتعاون الثنائي أو بالتطورات الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، فإن اختيار هلسنكي لاحتضان هذه الجولة الجديدة من المشاورات يحمل بعدا رمزيا، على اعتبار أن فنلندا أصبحت خلال السنوات الأخيرة فاعلا أوروبيا أكثر حضورا في ملفات السياسة الخارجية والأمن الأوروبي، خاصة بعد انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي وتزايد دورها داخل الاتحاد الأوروبي في قضايا الأمن والطاقة والرقمنة.
وبالنسبة إلى تونس، فإن تعزيز العلاقات مع دولة مثل فنلندا قد يفتح آفاقا جديدة للتعاون في مجالات متقدمة، خصوصا وأن هلسنكي تعد من أبرز العواصم الأوروبية الرائدة في مجالات الابتكار والتكنولوجيا والتعليم الذكي والتحول الرقمي، وهي قطاعات تحتاج تونس إلى تطويرها بشكل أكبر لمواكبة مختلف التحولات الاقتصادية العالمية.
وبين المشاورات السياسية والانفتاح الاقتصادي والبحث عن شراكات تنموية جديدة، تعيش العلاقات التونسية–الفنلندية مرحلة أكثر حيوية وفاعلية، عنوانها الأساسي بناء تعاون قائم على الابتكار والمعرفة والاستثمار في المستقبل، بما يعكس توجها تونسيا متزايدا نحو تنويع وتوسيع دائرة الشركاء الأوروبيين والانفتاح على تجارب تنموية جديدة قادرة على دعم مسار الإصلاح والانطلاق الاقتصادي.