إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

يفترض أن يحلّ مسألة الفراغ التشريعي.. ردود أفعال متباينة حول قانون الفنان والمهن الفنية واستفهامات كثيرة

* النقابة التونسية للمهن الموسيقية تشيد بـ«الحدث التاريخي» وفنانون يعبرون عن هواجس من وحي القانون الجديد

* قانون الفنان بعد صندوق التشجيع على الاستثمار في السينما وعمل كبير أمام سلطة الإشراف

* ملاحظات عديدة اهتمت بالشكل والمضمون وإشارات إلى صعوبة المقروئية لنص القانون الجديد

تتواصل ردود الأفعال حول قانون الفنان والمهن الفنية الذي تمت المصادقة عليه يوم 12 ماي، وصدر في الرائد الرسمي يوم 14 من نفس الشهر. ولئن كان من الطبيعي أن لا يحظى أي إنجاز بالإجماع، وعادي أن تكون ردود الأفعال مختلفة، وهي تتراوح في قضية الحال بين الإيجاب والسلب، وذلك وفق ما لاحظناه خاصة من خلال ما دونه فنانون ومبدعون في مجالات مختلفة على صفحات التواصل الاجتماعي أو في تصريحاتهم حول الموضوع، فإن ما يثير الفضول هو كمية النقد التي استقبل بها هذا القانون، وكمية الملاحظات والاستفهامات حول الشكل والمضمون، الأمر الذي جعل النقابة التونسية للمهن الموسيقية والمهن المجاورة تتفاعل مع الملاحظات، حيث دوّن النقيب ماهر الهمامي على صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي قائلا: «سنوافيكم قريبا بتاريخ عقد اجتماع عام يجمع كل أفراد العائلة الفنية، وذلك لقراءة النصوص القانونية المتعلقة بقانون الفنان والمهن الفنية، وتفسير مختلف الفصول، وتوضيح كل النقاط التي قد تبدو غير واضحة، في إطار الحرص على حسن فهم هذا المكسب التاريخي والاستفادة منه بالشكل الصحيح». مع العلم أن النقابة المذكورة هي من بين أبرز الهياكل النقابية المتحمسة للقانون الجديد، وقد عبر نقيبها عن الفرحة بالمصادقة عليه، وأشاد بالحدث الذي يستحق، حسب ما أعلنه، تنظيم احتفال للغرض، مع التذكير بأن المصادقة على القانون، وفق تأكيده، هي ثمرة نضالات كبيرة للفنانين.

في المقابل، كانت ردود الأفعال من هياكل نقابية أخرى أكثر حذرا، ولم يتردد العديد من الفنانين في مجالات فنية مختلفة مثل المسرح والسينما والفنون التشكيلية، في توجيه نقد شديد إلى قانون الفنان الجديد الذي اعتبره البعض مقيدا لحرية الإبداع. ولنا أن نعترف بأن النقد الصريح الذي تحدث به البعض حول القانون الجديد، لم يكن متوقعا، وعلى الأقل لم يكن متوقعا أن يكون النقد بهذا الحجم، حتى إن بعض الفنانين والمثقفين والمبدعين اعتبروا أن القانون يمكن أن يكبل عملية الإبداع برمتها.

نقول ذلك لأن المصادقة على قانون الفنان، على حد علمنا ووفق ما نادى به العديد من أهل الفن والإبداع، هي مطلب الأغلبية، حتى إنه في كل مناسبة يقع فيها تناول الوضعية الهشة للعديد من الفنانين، يتم التأكيد على الفراغ التشريعي في المجال، وعن حاجة الفنانين إلى إطار قانوني ينظم مهنتهم. فما الذي حدث حتى نجد أنفسنا أمام كم هائل من الملاحظات النقدية، حتى إن بعضها يرتقي إلى مستوى التشكيك في جدوى استصدار القانون؟

ولنا أن نوضح، قبل محاولة الإجابة، أن مشروع القانون الجديد للفنان والمهن الفنية، الذي وصفته نقابة الموسيقيين المذكورة بالتاريخي، قد أعدته لجنة متخصصة بالبرلمان بعد الاستماع إلى العديد من المتدخلين من أهل القطاع وممثلين عنهم، وتنظيم لقاءات وأيام دراسية، وانتهى عملها بعقد جلسة عامة بالبرلمان يوم الثلاثاء 12 ماي، حظي فيها مشروع القانون بالموافقة، مع احتفاظ نائب واحد بصوته، ليصدر نص القانون بعد يومين في الرائد الرسمي، مما يجعله وثيقة قانونية ملزمة. مع العلم أنه سبق أن أعدت وزارة الشؤون الثقافية سابقا مشاريع نصوص في السياق، لكن كل المبادرات تعثرت لأسباب مختلفة، من بينها مثلا تعاقب الحكومات في السنوات الأخيرة وعدم استقرارها على قرار حول المسألة، وأيضا عدم التوصل إلى صيغة قانونية ترضي جميع الأطراف.

أما إذا ما عدنا إلى أسباب التفاعل الحذر مع نص القانون الجديد، فإن المسألة، على ما يبدو، لها علاقة بالشكل والمضمون. فأغلب المتدخلين لا اعتراض لديهم على فكرة إصدار قانون ينظم المهن الفنية، الذي هو أصلا، وكما ذكرنا، مطلب ملح كان الفنانون، على امتداد السنوات الماضية، لا يفوتون فرصة دون التعبير عن الحاجة إلى إطار تشريعي ينظم المهن الفنية، ويضمن الحقوق ويحدد الواجبات. ولكن، وفق ما تابعناه من ملاحظات، فإن نسبة هامة من الملاحظين شددت على صعوبة مقروئية نص القانون، الذي جاء على مستوى الشكل بصيغة طويلة مبالغ فيها، أما على مستوى المضمون فقد اعتبرت بعض البنود غير دقيقة، مع وجود تداخل أحيانا بين المصنفات الفنية.

ولم يخف البعض تخوفه من أن يحد هذا القانون من حرية الإبداع، خاصة مع وضع شروط إلزامية، مع التنصيص على عقوبات مالية في صورة عدم الامتثال، واعتبر البعض أن هذه الشروط يمكن أن تقيد عملية الإبداع، وخاصة اشتراط البطاقة المهنية. والبطاقة المهنية كانت ومازالت موضوع جدل بين من يعتبرها ملزمة وبين من يعتبرها غير ضرورية، وهناك مجالات لا تشترط وجودها، ولا تتم المطالبة بها أصلا، مثل مجال الفنون التشكيلية مثلا. وتعود القضية إلى السطح مع القانون الجديد، لكن بإلحاح أكبر. البعض علّق أيضا على إدراج بعض الاختصاصات الأدبية في خانة المهن الفنية، كما عبر آخرون عن احترازهم على مسألة التداخل بين المهن الفنية والإدارية.

وإذ نذكر بأن نص القانون الجديد حول الفنان والمهن الفنية، الذي حاول أن يحيط بكل الجوانب، بما في ذلك الجانب الاجتماعي الذي يمثل هاجسا حقيقيا في الساحة الفنية والثقافية، هو نتيجة عمل كبير لمختصين وأهل الذكر وخبراء، بما في ذلك في القانون، وهو إنصات بطريقة ما إلى حاجة الفنانين إلى نص قانوني يسد الفراغ التشريعي في المجال، وينظم المهن الفنية، ويضمن بالخصوص الحقوق، ويحدد موقع الفنان داخل المجتمع، ذلك أن وضعية الفنان في تونس ظلت طويلا غير واضحة وغير مقننة بشكل دقيق، إلا أن أهل الذكر من فنانين ومبدعين ومثقفين، يظلون هم أدرى بما يحتاجونه حقا. وربما كان من المحبذ أن يكون نص القانون أكثر إيجازا وأكثر وضوحا، وكان من الممكن تجنب كل ما من شأنه أن يمثل لبسا أو يمثل عائقا أمام الفهم الصحيح للفصول والبنود. بقي السؤال الآن: كيف يمكن أن يجد هذا القانون سبيله إلى التنفيذ؟ السؤال يطرح لأن القانون الجديد، ووفق ما ورد فيه من فصول (45 فصلا، من بينها ما يتعلق بالتكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والمهن الفنية الجديدة)، يتطلب تهيئة أرضية جديدة وإمكانيات وإرادة خاصة من سلطة الإشراف وهياكل التنفيذ وكل الأطراف المتداخلة، من أجل المرور من مرحلة النص إلى مرحلة التنفيذ. ولنا أن نذكر، في هذا السياق، بأن مجلس نواب الشعب سبق له أن صادق في نوفمبر من العام الماضي على إنشاء صندوق للتشجيع على الاستثمار في القطاع السينمائي والسمعي البصري، وذلك ضمن مناقشاته لميزانية الدولة للعام الحالي (2026). وإذا ما أضفنا اليوم القانون الجديد المتعلق بالفنان والمهن الفنية، فإنه يمكن القول إنه أمام سلطة الإشراف، أي وزارة الشؤون الثقافية، عمل كبير لتهيئة الأرضية لتحويل النصوص القانونية إلى حقيقة ملموسة، قد يكون من نتائجها تغيير واقع القطاع الفني والثقافي عموما، وهذا أمر يطالب به أهل الذكر أيضا.

حياة السايب

يفترض أن يحلّ مسألة  الفراغ التشريعي.. ردود أفعال متباينة حول قانون الفنان والمهن الفنية واستفهامات كثيرة

* النقابة التونسية للمهن الموسيقية تشيد بـ«الحدث التاريخي» وفنانون يعبرون عن هواجس من وحي القانون الجديد

* قانون الفنان بعد صندوق التشجيع على الاستثمار في السينما وعمل كبير أمام سلطة الإشراف

* ملاحظات عديدة اهتمت بالشكل والمضمون وإشارات إلى صعوبة المقروئية لنص القانون الجديد

تتواصل ردود الأفعال حول قانون الفنان والمهن الفنية الذي تمت المصادقة عليه يوم 12 ماي، وصدر في الرائد الرسمي يوم 14 من نفس الشهر. ولئن كان من الطبيعي أن لا يحظى أي إنجاز بالإجماع، وعادي أن تكون ردود الأفعال مختلفة، وهي تتراوح في قضية الحال بين الإيجاب والسلب، وذلك وفق ما لاحظناه خاصة من خلال ما دونه فنانون ومبدعون في مجالات مختلفة على صفحات التواصل الاجتماعي أو في تصريحاتهم حول الموضوع، فإن ما يثير الفضول هو كمية النقد التي استقبل بها هذا القانون، وكمية الملاحظات والاستفهامات حول الشكل والمضمون، الأمر الذي جعل النقابة التونسية للمهن الموسيقية والمهن المجاورة تتفاعل مع الملاحظات، حيث دوّن النقيب ماهر الهمامي على صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي قائلا: «سنوافيكم قريبا بتاريخ عقد اجتماع عام يجمع كل أفراد العائلة الفنية، وذلك لقراءة النصوص القانونية المتعلقة بقانون الفنان والمهن الفنية، وتفسير مختلف الفصول، وتوضيح كل النقاط التي قد تبدو غير واضحة، في إطار الحرص على حسن فهم هذا المكسب التاريخي والاستفادة منه بالشكل الصحيح». مع العلم أن النقابة المذكورة هي من بين أبرز الهياكل النقابية المتحمسة للقانون الجديد، وقد عبر نقيبها عن الفرحة بالمصادقة عليه، وأشاد بالحدث الذي يستحق، حسب ما أعلنه، تنظيم احتفال للغرض، مع التذكير بأن المصادقة على القانون، وفق تأكيده، هي ثمرة نضالات كبيرة للفنانين.

في المقابل، كانت ردود الأفعال من هياكل نقابية أخرى أكثر حذرا، ولم يتردد العديد من الفنانين في مجالات فنية مختلفة مثل المسرح والسينما والفنون التشكيلية، في توجيه نقد شديد إلى قانون الفنان الجديد الذي اعتبره البعض مقيدا لحرية الإبداع. ولنا أن نعترف بأن النقد الصريح الذي تحدث به البعض حول القانون الجديد، لم يكن متوقعا، وعلى الأقل لم يكن متوقعا أن يكون النقد بهذا الحجم، حتى إن بعض الفنانين والمثقفين والمبدعين اعتبروا أن القانون يمكن أن يكبل عملية الإبداع برمتها.

نقول ذلك لأن المصادقة على قانون الفنان، على حد علمنا ووفق ما نادى به العديد من أهل الفن والإبداع، هي مطلب الأغلبية، حتى إنه في كل مناسبة يقع فيها تناول الوضعية الهشة للعديد من الفنانين، يتم التأكيد على الفراغ التشريعي في المجال، وعن حاجة الفنانين إلى إطار قانوني ينظم مهنتهم. فما الذي حدث حتى نجد أنفسنا أمام كم هائل من الملاحظات النقدية، حتى إن بعضها يرتقي إلى مستوى التشكيك في جدوى استصدار القانون؟

ولنا أن نوضح، قبل محاولة الإجابة، أن مشروع القانون الجديد للفنان والمهن الفنية، الذي وصفته نقابة الموسيقيين المذكورة بالتاريخي، قد أعدته لجنة متخصصة بالبرلمان بعد الاستماع إلى العديد من المتدخلين من أهل القطاع وممثلين عنهم، وتنظيم لقاءات وأيام دراسية، وانتهى عملها بعقد جلسة عامة بالبرلمان يوم الثلاثاء 12 ماي، حظي فيها مشروع القانون بالموافقة، مع احتفاظ نائب واحد بصوته، ليصدر نص القانون بعد يومين في الرائد الرسمي، مما يجعله وثيقة قانونية ملزمة. مع العلم أنه سبق أن أعدت وزارة الشؤون الثقافية سابقا مشاريع نصوص في السياق، لكن كل المبادرات تعثرت لأسباب مختلفة، من بينها مثلا تعاقب الحكومات في السنوات الأخيرة وعدم استقرارها على قرار حول المسألة، وأيضا عدم التوصل إلى صيغة قانونية ترضي جميع الأطراف.

أما إذا ما عدنا إلى أسباب التفاعل الحذر مع نص القانون الجديد، فإن المسألة، على ما يبدو، لها علاقة بالشكل والمضمون. فأغلب المتدخلين لا اعتراض لديهم على فكرة إصدار قانون ينظم المهن الفنية، الذي هو أصلا، وكما ذكرنا، مطلب ملح كان الفنانون، على امتداد السنوات الماضية، لا يفوتون فرصة دون التعبير عن الحاجة إلى إطار تشريعي ينظم المهن الفنية، ويضمن الحقوق ويحدد الواجبات. ولكن، وفق ما تابعناه من ملاحظات، فإن نسبة هامة من الملاحظين شددت على صعوبة مقروئية نص القانون، الذي جاء على مستوى الشكل بصيغة طويلة مبالغ فيها، أما على مستوى المضمون فقد اعتبرت بعض البنود غير دقيقة، مع وجود تداخل أحيانا بين المصنفات الفنية.

ولم يخف البعض تخوفه من أن يحد هذا القانون من حرية الإبداع، خاصة مع وضع شروط إلزامية، مع التنصيص على عقوبات مالية في صورة عدم الامتثال، واعتبر البعض أن هذه الشروط يمكن أن تقيد عملية الإبداع، وخاصة اشتراط البطاقة المهنية. والبطاقة المهنية كانت ومازالت موضوع جدل بين من يعتبرها ملزمة وبين من يعتبرها غير ضرورية، وهناك مجالات لا تشترط وجودها، ولا تتم المطالبة بها أصلا، مثل مجال الفنون التشكيلية مثلا. وتعود القضية إلى السطح مع القانون الجديد، لكن بإلحاح أكبر. البعض علّق أيضا على إدراج بعض الاختصاصات الأدبية في خانة المهن الفنية، كما عبر آخرون عن احترازهم على مسألة التداخل بين المهن الفنية والإدارية.

وإذ نذكر بأن نص القانون الجديد حول الفنان والمهن الفنية، الذي حاول أن يحيط بكل الجوانب، بما في ذلك الجانب الاجتماعي الذي يمثل هاجسا حقيقيا في الساحة الفنية والثقافية، هو نتيجة عمل كبير لمختصين وأهل الذكر وخبراء، بما في ذلك في القانون، وهو إنصات بطريقة ما إلى حاجة الفنانين إلى نص قانوني يسد الفراغ التشريعي في المجال، وينظم المهن الفنية، ويضمن بالخصوص الحقوق، ويحدد موقع الفنان داخل المجتمع، ذلك أن وضعية الفنان في تونس ظلت طويلا غير واضحة وغير مقننة بشكل دقيق، إلا أن أهل الذكر من فنانين ومبدعين ومثقفين، يظلون هم أدرى بما يحتاجونه حقا. وربما كان من المحبذ أن يكون نص القانون أكثر إيجازا وأكثر وضوحا، وكان من الممكن تجنب كل ما من شأنه أن يمثل لبسا أو يمثل عائقا أمام الفهم الصحيح للفصول والبنود. بقي السؤال الآن: كيف يمكن أن يجد هذا القانون سبيله إلى التنفيذ؟ السؤال يطرح لأن القانون الجديد، ووفق ما ورد فيه من فصول (45 فصلا، من بينها ما يتعلق بالتكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي والمهن الفنية الجديدة)، يتطلب تهيئة أرضية جديدة وإمكانيات وإرادة خاصة من سلطة الإشراف وهياكل التنفيذ وكل الأطراف المتداخلة، من أجل المرور من مرحلة النص إلى مرحلة التنفيذ. ولنا أن نذكر، في هذا السياق، بأن مجلس نواب الشعب سبق له أن صادق في نوفمبر من العام الماضي على إنشاء صندوق للتشجيع على الاستثمار في القطاع السينمائي والسمعي البصري، وذلك ضمن مناقشاته لميزانية الدولة للعام الحالي (2026). وإذا ما أضفنا اليوم القانون الجديد المتعلق بالفنان والمهن الفنية، فإنه يمكن القول إنه أمام سلطة الإشراف، أي وزارة الشؤون الثقافية، عمل كبير لتهيئة الأرضية لتحويل النصوص القانونية إلى حقيقة ملموسة، قد يكون من نتائجها تغيير واقع القطاع الفني والثقافي عموما، وهذا أمر يطالب به أهل الذكر أيضا.

حياة السايب