في سياق الدورة الأربعين من معرض تونس الدولي للكتاب، جاء لقاء الروائية المصرية ريم بسيوني - الذي انتظم يوم الأربعاء 29 أفريل 2026 بجناح صفحات - ليؤسس لحظة فكرية تتجاوز حدود التعريف بكاتبة عربية مرموقة إلى مساءلة أعمق لعلاقة الأدب بالتاريخ، ولحدود التخييل حين يتقاطع مع البحث العلمي، ولرهانات الكتابة النسائية في سياق عربي معقد، حيث بدا الحوار، في امتداده وتفاصيله، أشبه برحلة داخل مشروع إبداعي يتغذى من المعرفة بقدر ما ينفتح على الأسئلة الوجودية.
وقد اختارت بسيوني منذ البداية أن تواجه سؤال التعريف بذاتها بنوع من التردد الذي يخفي وعيا عميقا باستحالة الإحاطة بالذات، معتبرة أنها في «رحلة بحث عن الإنسان»، وهي عبارة ليست مجرد استعارة، بل مفتاح قراءة لتجربتها التي لا ترى في الرواية غاية جمالية فحسب، بل وسيلة لفهم البشر عبر الزمن، وهو ما يفسر انحيازها الواضح إلى الرواية التاريخية بوصفها مختبرا لاستكشاف التحولات الإنسانية.
هذا البعد البحثي لم يظل نظريا أو مجرد تأمل، بل انعكس في اختياراتها واهتماماتها، ومنها حرصها على زيارة مقام «سيدي أبي الحسن الشاذلي» خلال وجودها في تونس، وهو اختيار لا يخلو من دلالة. فأبي الحسن الشاذلي بالنسبة إليها ليس مجرد شخصية صوفية عابرة، بل يمثل محورا أساسيا في اهتمامها العلمي والأدبي، إذ تعمل منذ سنوات على دراسة الفكر الصوفي، مستندة إلى تأثير هذا الرجل الذي لم يترك مؤلفات مكتوبة، لكنه ترك أثرا حيا في تلاميذه. وتستعيد في هذا السياق قوله الشهير «كتبي هم قلوب أصحابي»، لتكشف كيف شكّل هذا التصور منطلقا لعدد من أعمالها، سواء في كتاب «البحث عن السعادة» أو في رواية «ماريو وأبو العباس»، حيث تتقاطع المعرفة التاريخية مع البعد الإنساني.
وعلى مستوى الترجمة، تبدو تجربة ريم بسيوني متعددة ومفتوحة على أكثر من صوت، إذ عملت مع مترجمين مختلفين، من بينهم مترجمون عرب وأجانب، وصولا إلى تعاونها مع روجر آلن، مترجم أعمال نجيب محفوظ، الذي نقل إلى الإنقليزية عددا من رواياتها التاريخية مثل «القطائع» و«ماريو وأبو العباس». تجربة تصفها بالناجحة، بما يعكس أهمية الترجمة في نقل الأدب العربي إلى فضاءات أوسع.
غير أن هذا الحضور الأدبي لم يكن معزولا عن التقدير النقدي والمؤسساتي، فقد حصلت على جوائز مرموقة، من بينها جائزة نجيب محفوظ وجائزة الشيخ زايد، وهي جوائز لم تنظر إليها باعتبارها تتويجا نهائيا، بل حملا إضافيا من المسؤولية. فكلما ازداد التقدير، تقول، تضاعف الخوف من خذلان القارئ، وتنامى التردد أثناء الكتابة، في مفارقة تكشف الوجه الآخر للنجاح، حيث يصبح التحدي أكبر في الحفاظ على مستوى التوقعات.
وفي سياق قراءاتها، تميل ريم بسيوني أيضا إلى الأدب التونسي، خاصة الروايات التاريخية، كما تعود بشكل متكرر إلى الشعر القديم والكتب الصوفية، وهو ما ينسجم مع طبيعة مشروعها الكتابي. وتستحضر هنا تجربتها مع أبي حامد الغزالي، التي استغرقت منها ست سنوات من القراءة المتعمقة، في مثال واضح على طبيعة اشتغالها التي تقوم على البحث الطويل قبل الكتابة.
هذا التداخل بين التاريخ والواقع يظهر بوضوح في رواية «سبيل الغارق»، التي تتحرك بين زمنين: العصر المملوكي ولحظة دخول البريطانيين إلى مصر وتفجير الإسكندرية عام 1882. ورغم هذا الامتداد الزمني، تبدو الرواية، كما تقول، قريبة من واقعنا الحالي، لأن جوهرها يقوم على الصراع حول الطرق والمنافذ البحرية، وهو صراع لم يتوقف. بهذا المعنى، تتحول الرواية إلى نص سياسي وإنساني في آن، يعيد قراءة الماضي لفهم الحاضر.
أما الصدفة، وفق قولها، فقد لعبت دورا حاسما في بعض أعمالها، كما في رواية «الغواص»، التي بدأت من قراءة كتاب لفيلسوف ألماني عن الغزالي، لتقودها الإشارة إلى مخطوطة مجهولة بعنوان «الأسد والغواص». ومن خلال تحليلها، توصلت إلى فرضية أن كاتبة المخطوطة امرأة لم تستطع الإفصاح عن اسمها، وهو ما شكّل منطلقا تخيليا للرواية.
وعن سؤال جريدة «الصباح» عن حضور المرأة في كتاباتها، فقد أقرت ريم بسيوني بأن المرأة تحضر بقوة في نصوصها، وتأمل أن يكون هذا الحضور حقيقيا، لكنها تشير في المقابل إلى أن التحدي الأكبر كان الكتابة عن الرجل. إذ ترى أن الكاتبات قد ينشغلن أحيانا بقضايا النساء على حساب فهم الرجل، لذلك سعت إلى كتابة شخصيات ذكورية من الداخل، كما في أعمالها عن الغزالي وأبو العباس المرسي وعباس حلمي. ومع ذلك، تظل المرأة حاضرة، ليس فقط كشخصية، بل كقوة كامنة في المجتمعات العربية، حيث يتحول الصبر والقدرة على الاحتمال إلى شكل من أشكال القوة التي يجب إيصالها إلى العالم.
وفي امتداد لهذا المحور، تتحدث عن قراءاتها الحالية، التي تتركز على التصوف والشعر القديم، مستحضرة حضور عنترة بن شداد وابن عطاء الله السكندري، في سياق اهتمامها المستمر بالتراث الروحي. أما شخصية «باحنس» في رواياتها، فهي مثال على تداخل التاريخ والأسطورة، إذ تستند إلى تصورات قديمة عن المصريات وقدرتهن على السحر، كما وردت في بعض كتابات المؤرخين العرب. وتكشف هذه الشخصية عن كيفية تشكل المخيال التاريخي، وكيف يمكن للأدب أن يعيد صياغته.
وعن الكتابة عن الغزالي، أشارت إلى التحدي المزدوج بين البحث العلمي والكتابة الروائية، حيث كان عليها أن تقاوم رغبتها في إدراج كل ما توصلت إليه من معلومات، حفاظا على البعد الإنساني للنص، وهو ما دفعها إلى الفصل بين الكتابة العلمية، كما في «إصلاح القلب»، والكتابة الروائية.
كما أبرزت صعوبة التعامل مع المصادر التاريخية، خاصة مع ظهور رسائل جديدة للغزالي كشفت جوانب غير معروفة من حياته، ما يؤكد أن البحث التاريخي عملية مستمرة تتطلب الصبر والدقة.
وفي حديثها عن منهجها، تؤكد أنها تعلمت من الغزالي قيمة التفكير النقدي، القائم على عدم التسليم المطلق، سواء مع من نحب أو من نختلف معهم، وهو ما تعتبره أساسا لأي بحث علمي. وعند العودة إلى بداياتها، تستعيد أولى محاولاتها في الكتابة وهي في سن الثانية عشرة، حيث كتبت رواية «أسابق الزمن» التي لم تُنشر، لتكشف أن تجربتها الأدبية بدأت مبكرا واستمرت عبر محاولات عديدة قبل النشر.
أما عن علاقتها بالتصوف والسعادة، فتربط بينهما من خلال مفهوم السعادة لدى الصوفيين، الذين رأوا فيها حالة روحية عميقة تتجاوز الظروف القاسية التي عاشوا فيها. وتستشهد بعباراتهم لتؤكد أن السعادة الحقيقية تنبع من الداخل.
وفي علاقتها بالمكان، ترى أن العمارة ليست مجرد خلفية، بل كيان حي يتفاعل مع الإنسان، كما في شوارع القاهرة التاريخية، حيث تتجاور المساجد والقلعة في حوار مستمر عبر الزمن. وتعترف أيضا بإمكانية الشعور بالراحة في أماكن مرتبطة بشخصيات تاريخية سلبية، في مفارقة تعكس استقلالية المكان عن صاحبه.
في هذا المسار الذي يتقاطع فيه البحث بالتخييل، والوثيقة بالسرد، تبرز سيرة ريم بسيوني بوصفها امتدادا طبيعيا لكل ما سبق، إذ ولدت في الإسكندرية سنة 1973، وبدأت الكتابة في سن مبكرة قبل أن تصقل أدواتها الأكاديمية في مجال اللغويات وصولا إلى جامعة أكسفورد، لتدخل عالم النشر برواية «رائحة البحر» سنة 2005. تنقلت بعدها بين الرواية الاجتماعية والتاريخية، فلفتت الأنظار بأعمال مثل «بائع الفستق» و«الدكتورة هناء» اللتين حصدتا جوائز مهمة، قبل أن تشكل رواية «أولاد الناس: ثلاثية المماليك» نقطة تحول حاسمة في مسيرتها، تُوّجت عنها بجائزة نجيب محفوظ وترشحت بفضلها لجائزة «دبلن». ومع تعمقها في الكتابة التاريخية عبر «ثلاثية ابن طولون» و»الحلواني: ثلاثية الفاطميين»، التي نالت عنها جائزة الشيخ زايد للكتاب سنة 2024 بعد جائزة الدولة للتفوق في الآداب سنة 2022، واصلت مشروعها في استعادة التاريخ من زاوية إنسانية، وصولا إلى روايتها «الغواص: في بحر التصوف» التي تناولت فيها سيرة أبي حامد الغزالي. وبين عملها الأكاديمي كرئيسة لقسم اللغويات في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأعمالها المترجمة إلى عدة لغات، رسخت ريم بسيوني مكانتها كإحدى أبرز الأصوات في الرواية التاريخية العربية، وكاتبة استطاعت أن تعيد للتاريخ روحه، وأن تقرّبه من القارئ المعاصر بلغة تجمع بين عمق البحث وجاذبية السرد.
عملت مع مترجمين مختلفين من بينهم مترجمون عرب وأجانب، وصولا إلى تعاونها مع روجر آلن، مترجم أعمال نجيب محفوظ، الذي نقل إلى الإنقليزية عددا من رواياتها التاريخية مثل «القطائع» و«ماريو وأبو العباس».
إيمان عبد اللطيف
في سياق الدورة الأربعين من معرض تونس الدولي للكتاب، جاء لقاء الروائية المصرية ريم بسيوني - الذي انتظم يوم الأربعاء 29 أفريل 2026 بجناح صفحات - ليؤسس لحظة فكرية تتجاوز حدود التعريف بكاتبة عربية مرموقة إلى مساءلة أعمق لعلاقة الأدب بالتاريخ، ولحدود التخييل حين يتقاطع مع البحث العلمي، ولرهانات الكتابة النسائية في سياق عربي معقد، حيث بدا الحوار، في امتداده وتفاصيله، أشبه برحلة داخل مشروع إبداعي يتغذى من المعرفة بقدر ما ينفتح على الأسئلة الوجودية.
وقد اختارت بسيوني منذ البداية أن تواجه سؤال التعريف بذاتها بنوع من التردد الذي يخفي وعيا عميقا باستحالة الإحاطة بالذات، معتبرة أنها في «رحلة بحث عن الإنسان»، وهي عبارة ليست مجرد استعارة، بل مفتاح قراءة لتجربتها التي لا ترى في الرواية غاية جمالية فحسب، بل وسيلة لفهم البشر عبر الزمن، وهو ما يفسر انحيازها الواضح إلى الرواية التاريخية بوصفها مختبرا لاستكشاف التحولات الإنسانية.
هذا البعد البحثي لم يظل نظريا أو مجرد تأمل، بل انعكس في اختياراتها واهتماماتها، ومنها حرصها على زيارة مقام «سيدي أبي الحسن الشاذلي» خلال وجودها في تونس، وهو اختيار لا يخلو من دلالة. فأبي الحسن الشاذلي بالنسبة إليها ليس مجرد شخصية صوفية عابرة، بل يمثل محورا أساسيا في اهتمامها العلمي والأدبي، إذ تعمل منذ سنوات على دراسة الفكر الصوفي، مستندة إلى تأثير هذا الرجل الذي لم يترك مؤلفات مكتوبة، لكنه ترك أثرا حيا في تلاميذه. وتستعيد في هذا السياق قوله الشهير «كتبي هم قلوب أصحابي»، لتكشف كيف شكّل هذا التصور منطلقا لعدد من أعمالها، سواء في كتاب «البحث عن السعادة» أو في رواية «ماريو وأبو العباس»، حيث تتقاطع المعرفة التاريخية مع البعد الإنساني.
وعلى مستوى الترجمة، تبدو تجربة ريم بسيوني متعددة ومفتوحة على أكثر من صوت، إذ عملت مع مترجمين مختلفين، من بينهم مترجمون عرب وأجانب، وصولا إلى تعاونها مع روجر آلن، مترجم أعمال نجيب محفوظ، الذي نقل إلى الإنقليزية عددا من رواياتها التاريخية مثل «القطائع» و«ماريو وأبو العباس». تجربة تصفها بالناجحة، بما يعكس أهمية الترجمة في نقل الأدب العربي إلى فضاءات أوسع.
غير أن هذا الحضور الأدبي لم يكن معزولا عن التقدير النقدي والمؤسساتي، فقد حصلت على جوائز مرموقة، من بينها جائزة نجيب محفوظ وجائزة الشيخ زايد، وهي جوائز لم تنظر إليها باعتبارها تتويجا نهائيا، بل حملا إضافيا من المسؤولية. فكلما ازداد التقدير، تقول، تضاعف الخوف من خذلان القارئ، وتنامى التردد أثناء الكتابة، في مفارقة تكشف الوجه الآخر للنجاح، حيث يصبح التحدي أكبر في الحفاظ على مستوى التوقعات.
وفي سياق قراءاتها، تميل ريم بسيوني أيضا إلى الأدب التونسي، خاصة الروايات التاريخية، كما تعود بشكل متكرر إلى الشعر القديم والكتب الصوفية، وهو ما ينسجم مع طبيعة مشروعها الكتابي. وتستحضر هنا تجربتها مع أبي حامد الغزالي، التي استغرقت منها ست سنوات من القراءة المتعمقة، في مثال واضح على طبيعة اشتغالها التي تقوم على البحث الطويل قبل الكتابة.
هذا التداخل بين التاريخ والواقع يظهر بوضوح في رواية «سبيل الغارق»، التي تتحرك بين زمنين: العصر المملوكي ولحظة دخول البريطانيين إلى مصر وتفجير الإسكندرية عام 1882. ورغم هذا الامتداد الزمني، تبدو الرواية، كما تقول، قريبة من واقعنا الحالي، لأن جوهرها يقوم على الصراع حول الطرق والمنافذ البحرية، وهو صراع لم يتوقف. بهذا المعنى، تتحول الرواية إلى نص سياسي وإنساني في آن، يعيد قراءة الماضي لفهم الحاضر.
أما الصدفة، وفق قولها، فقد لعبت دورا حاسما في بعض أعمالها، كما في رواية «الغواص»، التي بدأت من قراءة كتاب لفيلسوف ألماني عن الغزالي، لتقودها الإشارة إلى مخطوطة مجهولة بعنوان «الأسد والغواص». ومن خلال تحليلها، توصلت إلى فرضية أن كاتبة المخطوطة امرأة لم تستطع الإفصاح عن اسمها، وهو ما شكّل منطلقا تخيليا للرواية.
وعن سؤال جريدة «الصباح» عن حضور المرأة في كتاباتها، فقد أقرت ريم بسيوني بأن المرأة تحضر بقوة في نصوصها، وتأمل أن يكون هذا الحضور حقيقيا، لكنها تشير في المقابل إلى أن التحدي الأكبر كان الكتابة عن الرجل. إذ ترى أن الكاتبات قد ينشغلن أحيانا بقضايا النساء على حساب فهم الرجل، لذلك سعت إلى كتابة شخصيات ذكورية من الداخل، كما في أعمالها عن الغزالي وأبو العباس المرسي وعباس حلمي. ومع ذلك، تظل المرأة حاضرة، ليس فقط كشخصية، بل كقوة كامنة في المجتمعات العربية، حيث يتحول الصبر والقدرة على الاحتمال إلى شكل من أشكال القوة التي يجب إيصالها إلى العالم.
وفي امتداد لهذا المحور، تتحدث عن قراءاتها الحالية، التي تتركز على التصوف والشعر القديم، مستحضرة حضور عنترة بن شداد وابن عطاء الله السكندري، في سياق اهتمامها المستمر بالتراث الروحي. أما شخصية «باحنس» في رواياتها، فهي مثال على تداخل التاريخ والأسطورة، إذ تستند إلى تصورات قديمة عن المصريات وقدرتهن على السحر، كما وردت في بعض كتابات المؤرخين العرب. وتكشف هذه الشخصية عن كيفية تشكل المخيال التاريخي، وكيف يمكن للأدب أن يعيد صياغته.
وعن الكتابة عن الغزالي، أشارت إلى التحدي المزدوج بين البحث العلمي والكتابة الروائية، حيث كان عليها أن تقاوم رغبتها في إدراج كل ما توصلت إليه من معلومات، حفاظا على البعد الإنساني للنص، وهو ما دفعها إلى الفصل بين الكتابة العلمية، كما في «إصلاح القلب»، والكتابة الروائية.
كما أبرزت صعوبة التعامل مع المصادر التاريخية، خاصة مع ظهور رسائل جديدة للغزالي كشفت جوانب غير معروفة من حياته، ما يؤكد أن البحث التاريخي عملية مستمرة تتطلب الصبر والدقة.
وفي حديثها عن منهجها، تؤكد أنها تعلمت من الغزالي قيمة التفكير النقدي، القائم على عدم التسليم المطلق، سواء مع من نحب أو من نختلف معهم، وهو ما تعتبره أساسا لأي بحث علمي. وعند العودة إلى بداياتها، تستعيد أولى محاولاتها في الكتابة وهي في سن الثانية عشرة، حيث كتبت رواية «أسابق الزمن» التي لم تُنشر، لتكشف أن تجربتها الأدبية بدأت مبكرا واستمرت عبر محاولات عديدة قبل النشر.
أما عن علاقتها بالتصوف والسعادة، فتربط بينهما من خلال مفهوم السعادة لدى الصوفيين، الذين رأوا فيها حالة روحية عميقة تتجاوز الظروف القاسية التي عاشوا فيها. وتستشهد بعباراتهم لتؤكد أن السعادة الحقيقية تنبع من الداخل.
وفي علاقتها بالمكان، ترى أن العمارة ليست مجرد خلفية، بل كيان حي يتفاعل مع الإنسان، كما في شوارع القاهرة التاريخية، حيث تتجاور المساجد والقلعة في حوار مستمر عبر الزمن. وتعترف أيضا بإمكانية الشعور بالراحة في أماكن مرتبطة بشخصيات تاريخية سلبية، في مفارقة تعكس استقلالية المكان عن صاحبه.
في هذا المسار الذي يتقاطع فيه البحث بالتخييل، والوثيقة بالسرد، تبرز سيرة ريم بسيوني بوصفها امتدادا طبيعيا لكل ما سبق، إذ ولدت في الإسكندرية سنة 1973، وبدأت الكتابة في سن مبكرة قبل أن تصقل أدواتها الأكاديمية في مجال اللغويات وصولا إلى جامعة أكسفورد، لتدخل عالم النشر برواية «رائحة البحر» سنة 2005. تنقلت بعدها بين الرواية الاجتماعية والتاريخية، فلفتت الأنظار بأعمال مثل «بائع الفستق» و«الدكتورة هناء» اللتين حصدتا جوائز مهمة، قبل أن تشكل رواية «أولاد الناس: ثلاثية المماليك» نقطة تحول حاسمة في مسيرتها، تُوّجت عنها بجائزة نجيب محفوظ وترشحت بفضلها لجائزة «دبلن». ومع تعمقها في الكتابة التاريخية عبر «ثلاثية ابن طولون» و»الحلواني: ثلاثية الفاطميين»، التي نالت عنها جائزة الشيخ زايد للكتاب سنة 2024 بعد جائزة الدولة للتفوق في الآداب سنة 2022، واصلت مشروعها في استعادة التاريخ من زاوية إنسانية، وصولا إلى روايتها «الغواص: في بحر التصوف» التي تناولت فيها سيرة أبي حامد الغزالي. وبين عملها الأكاديمي كرئيسة لقسم اللغويات في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأعمالها المترجمة إلى عدة لغات، رسخت ريم بسيوني مكانتها كإحدى أبرز الأصوات في الرواية التاريخية العربية، وكاتبة استطاعت أن تعيد للتاريخ روحه، وأن تقرّبه من القارئ المعاصر بلغة تجمع بين عمق البحث وجاذبية السرد.
عملت مع مترجمين مختلفين من بينهم مترجمون عرب وأجانب، وصولا إلى تعاونها مع روجر آلن، مترجم أعمال نجيب محفوظ، الذي نقل إلى الإنقليزية عددا من رواياتها التاريخية مثل «القطائع» و«ماريو وأبو العباس».