الروائي الجزائري الحائز على جائزة «البوكر» العربية.. سعيد خطيبي لـ«الصباح»: الرواية المغاربية اليوم بصدد إنتاج سردياتها الخاصة بجيل جديد متحرر من الأيديولوجيا
الرواية ليست كتابة للتاريخ من خارجه، بل بحثٌ في ذاكرته الإنسانية وأسئلته المسكوت عنها
التاريخ لا يكتمل دون الأدب، لأن الرواية تمنح الوقائع حياة أخرى، وتعيد مساءلتها من الداخل.
جائزتي الكبرى هي «العزلة». فالجائزة قد تفتح باب الضوء، لكنه يعود سريعا إلى المسافة التي تسمح للنص بأن يُكتب بعيدا عن ضجيج الانتظارات.
الكتاب لا يبيع نفسه بنفسه، بل يحتاج إلى عناية بالكاتب وبالكتاب وبسوق ثقافية حقيقية.
لم يكن تتويج الروائي الجزائري سعيد خطيبي بالجائزة العالمية للرواية العربية، البوكر 2026، عن روايته «أُغالب مجرى النهر»، مجرد اعتراف برواية جديدة، بل بدا تكريسا لمسار أدبي ظل، على امتداد سنوات، يشتغل على الذاكرة والتاريخ والهوية، ويجعل من الرواية فضاءً لطرح الأسئلة أكثر من تقديم الأجوبة. فمنذ بداياته، اختار الكاتب أن يكتب من هوامش التاريخ، من المناطق التي تتركها السرديات الرسمية في الظل، وهو ما منح مشروعه الروائي خصوصية داخل المشهد الأدبي العربي، خاصة وهو الذي حصد، عبر مسيرته، عدة جوائز بارزة، وهي جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة (2015) عن «جنائن الشرق الملتهبة»، وجائزة كتارا للرواية العربية (2017) عن «أربعون عاما في انتظار إيزابيل»، وجائزة الشيخ زايد للكتاب (2023) عن «نهاية الصحراء»، وصولا إلى الجائزة العالمية للرواية العربية (2026) عن «أُغالب مجرى النهر».
وُلد صاحب «حطب سراييفو» في بوسعادة سنة 1984، ودرس الأدب الفرنسي في جامعة الجزائر، قبل أن يواصل دراسته في جامعة السوربون بباريس، حيث اتسعت علاقته بالفكر والترجمة والبحث. ومنذ سنة 2016، أصبح يقيم في ليوبليانا بسلوفينيا، وهي إقامة لم تكن تفصيلا في مساره، بل جزءا من تجربة أوسع عمّقت انشغاله بأسئلة الذاكرة والحروب والمنفى، ووسعت أفق مشروعه السردي بين الجزائر والبلقان.
في حديثه لـ«الصباح»، يعود سعيد خطيبي إلى ما يشبه الفكرة المؤسسة في تجربته، حين يؤكد أن الأدب يعيد للتاريخ إنسانيته. فالمؤرخ، في نظره، يكتب الحدث، بينما يكتب الروائي الإنسان داخل الحدث. وهو يوضح قائلا: «أنا دائما أقول إن للكاتب دورا لا يقل أهمية عن دور المؤرخ؛ لأن المؤرخ يكتب الأحداث، الأرقام، والوصف، بينما الكاتب يعيد للتاريخ إنسانيته. وبالتالي، التاريخ لا يصير تاريخا إذا لم يدخل من باب الأدب، ولا يصير حدثا مهما إذا لم يُكتب عنه الأدب».
وأضاف: «نحن نعرف ما حصل في أوروبا مثلا في الحرب العالمية الثانية من قتال وخسائر بشرية بملايين الضحايا، ولكن حين نتحدث عن هذه المرحلة، نتحدث عنها بما كُتب عنها في الأدب، وليس بما كتبه المؤرخون. إذاً، الأدب ضرورة للتاريخ، هو الذي يعيد له إنسانيته، وهو الذي يكتب عن الإنسان، بينما المؤرخ يكتب عن الحدث فقط». ولهذا يرى الكاتب أن التاريخ لا يكتمل دون الأدب، لأن الرواية تمنح الوقائع حياة أخرى، وتعيد مساءلتها من الداخل.
هذا التصور ينسحب أيضا في حديثه على الرواية المغاربية، التي يعتبرها اليوم بصدد إنتاج سردياتها الخاصة، فأكد قائلا: «أنا جد فخور بما يحصل في الأدب المغاربي الآن، في المغرب العربي، ففي كل دولة هناك أجيال جديدة من الكتاب تكتب بصدق وأمانة، تحب ما تفعل، وتكتب عن معرفة وبحث. وأهم شيء أن هذا الجيل الجديد في المغرب العربي يكتب الأدب بجمالية، وليس بناءً على موقف أو أيديولوجيا. هو جيل متحرر من الأيديولوجيا. أنا جد فخور بهذا الجيل، وعندي أمل كبير أن مستقبل الأدب المغاربي سيكون أجمل مما سبق.»
وعن التتويج بالبوكر، لا يتحدث خطيبي بلغة الاحتفاء المعتادة، بل يعيد النقاش إلى جوهر علاقته بالكتابة، فقال: «جائزتي الكبرى في الحقيقة هي «العزلة». طبعا الجائزة تخرجك إلى الأضواء، ولكني سرعان ما أعود إلى عزلتي. أنا حين أكتب أنسى كل هذه الأمور المتعلقة بالجائزة، والأصوات، والأضواء، أنساها كلها. ما يهمني حين أكتب هو أن أكون صادقا في الكتابة، وهو شرط لم أتخلَّ عنه منذ اليوم الأول».
وحين يتحدث عن الكتابة نفسها، لا يقدم طقوسا أو وصفات، بل يعود إلى هذا المعنى نفسه: عزلة ضرورية، واتصال دائم بالعالم، وصدق تجاه القارئ. وهي عناصر تبدو حاضرة في كامل مشروعه، الذي جمع بين الرواية وأدب الرحلة والبحث الصحفي.
وخلال وجوده في تونس، بدا حديثه عن الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب جزءا من هذه النظرة نفسها إلى الثقافة بوصفها فضاءً حيا. فتحدث بإعجاب عن أجواء المعرض، التي وصفها بالعائلية، وعن مشهد الأطفال الذين يشترون الكتب، معتبرا أن هذا ما يمنح المعرض طابعه العالمي، ويجعل تونس جديرة بالفخر بهذا الحدث.
ومن هذا التقدير، انتقل إلى ملاحظة أوسع تتعلق بواقع الكتاب في العالم العربي، معتبرا أن عدد التظاهرات ومعارض الكتاب قليل مقارنة باتساع المجال العربي، وأن المؤسسات مطالبة بالاهتمام أكثر بهذا القطاع. فالكتاب، كما يقول، لا يبيع نفسه بنفسه، بل يحتاج إلى عناية بالكاتب وبالكتاب وبسوق ثقافية حقيقية. ومن هنا اقترح أن يتحول معرض تونس الدولي للكتاب إلى نموذج تتوسع روحه إلى معارض مشابهة في مختلف الجهات التونسية.
وعن تونس، يشير إلى أنها ليست زيارته الأولى، فهو يزورها باستمرار، لكنها المرة الأولى التي يحضر فيها معرض الكتاب بتونس، وهو ما منحه فرصة مختلفة لرؤية المشهد الثقافي التونسي من الداخل.
وفي موضوع يثير كثيرا من الجدل، وهو حضور الكتّاب عبر انستغرام ومختلف منصات التواصل الاجتماعي، بدا موقفه هادئا وخاليا من الأحكام القاطعة. إذ يقر بأن هذه الظاهرة موجودة في كل الثقافات، لا في الثقافة العربية فقط، ويرى أن وجود كتّاب تجاريين أو أسماء صنعت جمهورها عبر المنصات الرقمية أمر طبيعي وصحي. ورغم أنه لا يملك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه لا يرى في هذه التحولات تهديدا للأدب، بل جزءا من تغيرات المشهد الثقافي العالمي.
أما «أُغالب مجرى النهر»، الرواية التي حملته إلى البوكر، فتبدو، في كثير من القراءات، ذروة نضج هذا المسار. فهي رواية تنطلق من حبكة مشوقة، قوامها اتهام الطبيبة عقيلة تومي بتسميم زوجها المتورط في سرقة قرنيات الموتى، لكن هذا الخيط البوليسي ليس سوى باب للدخول إلى طبقات أعمق من الحكاية.
فالرواية، في بنيتها، ليست رواية جريمة بالمفهوم التقليدي، بل عمل يستثمر التشويق ليطرح أسئلة عن العدالة، والفساد، والعمى الفردي والجماعي، وعما يظل مخفيا في ذاكرة مجتمع كامل.
من خلال هذا المسار السردي، يفتح سعيد خطيبي الرواية على نصف قرن من التاريخ الجزائري، لا عبر السرد التوثيقي المباشر، وإنما عبر مصائر شخصياتها، وعبر ما يتكشف تدريجيا من علاقات السلطة والعنف والصمت. هنا يتجلى ما يقوله عن الأدب والتاريخ: الرواية لا تعيد كتابة الوقائع، بل تمنحها وجوهاً وأصواتاً وحياة.
إيمان عبد اللطيف
الرواية ليست كتابة للتاريخ من خارجه، بل بحثٌ في ذاكرته الإنسانية وأسئلته المسكوت عنها
التاريخ لا يكتمل دون الأدب، لأن الرواية تمنح الوقائع حياة أخرى، وتعيد مساءلتها من الداخل.
جائزتي الكبرى هي «العزلة». فالجائزة قد تفتح باب الضوء، لكنه يعود سريعا إلى المسافة التي تسمح للنص بأن يُكتب بعيدا عن ضجيج الانتظارات.
الكتاب لا يبيع نفسه بنفسه، بل يحتاج إلى عناية بالكاتب وبالكتاب وبسوق ثقافية حقيقية.
لم يكن تتويج الروائي الجزائري سعيد خطيبي بالجائزة العالمية للرواية العربية، البوكر 2026، عن روايته «أُغالب مجرى النهر»، مجرد اعتراف برواية جديدة، بل بدا تكريسا لمسار أدبي ظل، على امتداد سنوات، يشتغل على الذاكرة والتاريخ والهوية، ويجعل من الرواية فضاءً لطرح الأسئلة أكثر من تقديم الأجوبة. فمنذ بداياته، اختار الكاتب أن يكتب من هوامش التاريخ، من المناطق التي تتركها السرديات الرسمية في الظل، وهو ما منح مشروعه الروائي خصوصية داخل المشهد الأدبي العربي، خاصة وهو الذي حصد، عبر مسيرته، عدة جوائز بارزة، وهي جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة (2015) عن «جنائن الشرق الملتهبة»، وجائزة كتارا للرواية العربية (2017) عن «أربعون عاما في انتظار إيزابيل»، وجائزة الشيخ زايد للكتاب (2023) عن «نهاية الصحراء»، وصولا إلى الجائزة العالمية للرواية العربية (2026) عن «أُغالب مجرى النهر».
وُلد صاحب «حطب سراييفو» في بوسعادة سنة 1984، ودرس الأدب الفرنسي في جامعة الجزائر، قبل أن يواصل دراسته في جامعة السوربون بباريس، حيث اتسعت علاقته بالفكر والترجمة والبحث. ومنذ سنة 2016، أصبح يقيم في ليوبليانا بسلوفينيا، وهي إقامة لم تكن تفصيلا في مساره، بل جزءا من تجربة أوسع عمّقت انشغاله بأسئلة الذاكرة والحروب والمنفى، ووسعت أفق مشروعه السردي بين الجزائر والبلقان.
في حديثه لـ«الصباح»، يعود سعيد خطيبي إلى ما يشبه الفكرة المؤسسة في تجربته، حين يؤكد أن الأدب يعيد للتاريخ إنسانيته. فالمؤرخ، في نظره، يكتب الحدث، بينما يكتب الروائي الإنسان داخل الحدث. وهو يوضح قائلا: «أنا دائما أقول إن للكاتب دورا لا يقل أهمية عن دور المؤرخ؛ لأن المؤرخ يكتب الأحداث، الأرقام، والوصف، بينما الكاتب يعيد للتاريخ إنسانيته. وبالتالي، التاريخ لا يصير تاريخا إذا لم يدخل من باب الأدب، ولا يصير حدثا مهما إذا لم يُكتب عنه الأدب».
وأضاف: «نحن نعرف ما حصل في أوروبا مثلا في الحرب العالمية الثانية من قتال وخسائر بشرية بملايين الضحايا، ولكن حين نتحدث عن هذه المرحلة، نتحدث عنها بما كُتب عنها في الأدب، وليس بما كتبه المؤرخون. إذاً، الأدب ضرورة للتاريخ، هو الذي يعيد له إنسانيته، وهو الذي يكتب عن الإنسان، بينما المؤرخ يكتب عن الحدث فقط». ولهذا يرى الكاتب أن التاريخ لا يكتمل دون الأدب، لأن الرواية تمنح الوقائع حياة أخرى، وتعيد مساءلتها من الداخل.
هذا التصور ينسحب أيضا في حديثه على الرواية المغاربية، التي يعتبرها اليوم بصدد إنتاج سردياتها الخاصة، فأكد قائلا: «أنا جد فخور بما يحصل في الأدب المغاربي الآن، في المغرب العربي، ففي كل دولة هناك أجيال جديدة من الكتاب تكتب بصدق وأمانة، تحب ما تفعل، وتكتب عن معرفة وبحث. وأهم شيء أن هذا الجيل الجديد في المغرب العربي يكتب الأدب بجمالية، وليس بناءً على موقف أو أيديولوجيا. هو جيل متحرر من الأيديولوجيا. أنا جد فخور بهذا الجيل، وعندي أمل كبير أن مستقبل الأدب المغاربي سيكون أجمل مما سبق.»
وعن التتويج بالبوكر، لا يتحدث خطيبي بلغة الاحتفاء المعتادة، بل يعيد النقاش إلى جوهر علاقته بالكتابة، فقال: «جائزتي الكبرى في الحقيقة هي «العزلة». طبعا الجائزة تخرجك إلى الأضواء، ولكني سرعان ما أعود إلى عزلتي. أنا حين أكتب أنسى كل هذه الأمور المتعلقة بالجائزة، والأصوات، والأضواء، أنساها كلها. ما يهمني حين أكتب هو أن أكون صادقا في الكتابة، وهو شرط لم أتخلَّ عنه منذ اليوم الأول».
وحين يتحدث عن الكتابة نفسها، لا يقدم طقوسا أو وصفات، بل يعود إلى هذا المعنى نفسه: عزلة ضرورية، واتصال دائم بالعالم، وصدق تجاه القارئ. وهي عناصر تبدو حاضرة في كامل مشروعه، الذي جمع بين الرواية وأدب الرحلة والبحث الصحفي.
وخلال وجوده في تونس، بدا حديثه عن الدورة الأربعين لمعرض تونس الدولي للكتاب جزءا من هذه النظرة نفسها إلى الثقافة بوصفها فضاءً حيا. فتحدث بإعجاب عن أجواء المعرض، التي وصفها بالعائلية، وعن مشهد الأطفال الذين يشترون الكتب، معتبرا أن هذا ما يمنح المعرض طابعه العالمي، ويجعل تونس جديرة بالفخر بهذا الحدث.
ومن هذا التقدير، انتقل إلى ملاحظة أوسع تتعلق بواقع الكتاب في العالم العربي، معتبرا أن عدد التظاهرات ومعارض الكتاب قليل مقارنة باتساع المجال العربي، وأن المؤسسات مطالبة بالاهتمام أكثر بهذا القطاع. فالكتاب، كما يقول، لا يبيع نفسه بنفسه، بل يحتاج إلى عناية بالكاتب وبالكتاب وبسوق ثقافية حقيقية. ومن هنا اقترح أن يتحول معرض تونس الدولي للكتاب إلى نموذج تتوسع روحه إلى معارض مشابهة في مختلف الجهات التونسية.
وعن تونس، يشير إلى أنها ليست زيارته الأولى، فهو يزورها باستمرار، لكنها المرة الأولى التي يحضر فيها معرض الكتاب بتونس، وهو ما منحه فرصة مختلفة لرؤية المشهد الثقافي التونسي من الداخل.
وفي موضوع يثير كثيرا من الجدل، وهو حضور الكتّاب عبر انستغرام ومختلف منصات التواصل الاجتماعي، بدا موقفه هادئا وخاليا من الأحكام القاطعة. إذ يقر بأن هذه الظاهرة موجودة في كل الثقافات، لا في الثقافة العربية فقط، ويرى أن وجود كتّاب تجاريين أو أسماء صنعت جمهورها عبر المنصات الرقمية أمر طبيعي وصحي. ورغم أنه لا يملك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، فإنه لا يرى في هذه التحولات تهديدا للأدب، بل جزءا من تغيرات المشهد الثقافي العالمي.
أما «أُغالب مجرى النهر»، الرواية التي حملته إلى البوكر، فتبدو، في كثير من القراءات، ذروة نضج هذا المسار. فهي رواية تنطلق من حبكة مشوقة، قوامها اتهام الطبيبة عقيلة تومي بتسميم زوجها المتورط في سرقة قرنيات الموتى، لكن هذا الخيط البوليسي ليس سوى باب للدخول إلى طبقات أعمق من الحكاية.
فالرواية، في بنيتها، ليست رواية جريمة بالمفهوم التقليدي، بل عمل يستثمر التشويق ليطرح أسئلة عن العدالة، والفساد، والعمى الفردي والجماعي، وعما يظل مخفيا في ذاكرة مجتمع كامل.
من خلال هذا المسار السردي، يفتح سعيد خطيبي الرواية على نصف قرن من التاريخ الجزائري، لا عبر السرد التوثيقي المباشر، وإنما عبر مصائر شخصياتها، وعبر ما يتكشف تدريجيا من علاقات السلطة والعنف والصمت. هنا يتجلى ما يقوله عن الأدب والتاريخ: الرواية لا تعيد كتابة الوقائع، بل تمنحها وجوهاً وأصواتاً وحياة.