تنطلق اليوم الجمعة الأنشطة الثقافية بمعرض تونس الدولي للكتاب في دورته الأربعين (من 23 أفريل إلى 3 ماي) بقصر المعارض بالكرم بالعاصمة، ويتجاوز البرنامج الثقافي المكثف للمعرض عرض الإصدارات الجديدة، ليؤسس لمسار احتفائي يستعيد رموز الفكر والأدب والفنون في تونس، ويوازيه انفتاح لافت على ضيوف عرب وأجانب يعكس البعد الدولي المتنامي لهذه التظاهرة، في دورة تبدو أقرب إلى لحظة تقييم جماعي لذاكرة الثقافة الوطنية، بقدر ما هي منصة للحوار الكوني حول قضايا الكتاب والنشر والتحولات التي يعيشها المشهد الثقافي عالميا.
في قلب هذه الدورة، تبرز لحظة التكريم باعتبارها أحد أبرز مفاصل البرمجة، فقد اختارت الهيئة المنظمة الاحتفاء بقائمة واسعة من الأسماء التي صنعت، كل من موقعه، ملامح المشهد الثقافي التونسي. ويأتي في مقدمة هذه القائمة المؤرخ وعالم الآثار محمد حسين فنطر، الذي يعد من أبرز المختصين في تاريخ قرطاج والحضارة البونية، وقد ساهمت أعماله في إعادة قراءة التاريخ التونسي ضمن أفق متوسطي أوسع، مقابل حضور عالم الاجتماع الطاهر لبيب، أحد أهم المفكرين العرب المعاصرين، الذي اشتغل على قضايا الهوية والحداثة، وأدار لسنوات المنظمة العربية للترجمة، مساهما في نقل الفكر العالمي إلى اللغة العربية.
المعرض يكرم أيضا المؤرخ لطفي عيسى، الذي ارتبط اسمه بدراسات التاريخ الاجتماعي والسياسي، إلى جانب الموسيقي والملحن عبد الكريم صحابو، الذي أثرى المكتبة الموسيقية التونسية بأعمال جمعت بين الأصالة والتجديد، والباحث في الموسيقى محمود قطاط، أحد أبرز المختصين في التراث الموسيقي وآلاته، وهو الذي ساهم في توثيق جزء مهم من الذاكرة السمعية التونسية.
ويمتد التكريم إلى الحقل الأدبي، حيث يحضر اسم عز الدين المدني، أحد أبرز رواد الكتابة المسرحية في تونس، والذي تميز بأسلوبه القائم على استلهام التاريخ وإعادة صياغته دراميا، إلى جانب الشاعر منصف المزغني، الذي يمثل تجربة شعرية حداثية ذات طابع ساخر وناقد، فضلا عن الشاعرة فضيلة الشابي، التي عُرفت بنصوصها العميقة ذات النفس التأملي، والكاتبة عروسية النالوتي، التي تعد من الأصوات النسوية البارزة في السرد التونسي.
كما تشمل القائمة الروائية عزة الفيلالي، التي اشتغلت على التحولات الاجتماعية من خلال نصوص تجمع بين السرد والتحليل، إلى جانب فوزية العلوي وريم عيساوي، بما يعكس حضورا نسائيا لافتا داخل قائمة التكريم، فضلا عن أسماء أخرى مثل الباحث في التراث عبد الرزاق قراقب، والكاتب فرج لحوار، والأستاذ أحمد الحيزم، والكاتب محمد علي الحلواني، وهي أسماء تعكس تنوع الحقول التي يشملها التكريم، من البحث الأكاديمي إلى الإبداع الأدبي والفني.
هذا التنوع في قائمة المكرّمين لا يبدو اعتباطيا، بل يعكس توجها واعيا نحو تقديم صورة بانورامية للمشهد الثقافي التونسي، حيث تتجاور الأجيال والتخصصات، بما يحول التكريم إلى فعل ثقافي بامتياز، يطرح مسألة الذاكرة والاعتراف في آن واحد، خاصة وأن العديد من هذه الأسماء اشتغلت في سياقات متنوعة، وأسهمت في بناء تراكم معرفي وإبداعي.
ولا تقتصر رمزية التكريم على الأسماء، بل تمتد إلى البعد الثقافي والدبلوماسي، من خلال تخصيص جلسة «من جاكرتا إلى قرطاج» في إطار اختيار إندونيسيا ضيف شرف، تكريما لذكرى الرشيد إدريس، وهي مبادرة تعكس رغبة في ربط الثقافة بالأبعاد الجيو-سياسية، واستحضار دور المثقف والدبلوماسي في بناء الجسور بين الشعوب.
في موازاة البعد الاحتفائي الذي يطبع قائمة المكرّمين، تستقطب الدورة الأربعون نخبة من الضيوف العرب الذين يمثلون تنوعا لافتا في التجارب السردية والفكرية، حيث يحضر من فلسطين الروائي والشاعر إبراهيم نصر الله، أحد أبرز الأصوات الأدبية العربية المعاصرة، إلى جانب الأسير والكاتب ناصر أبو سرور، والكاتبة آمنة محمود أبو حطب، فيما يمثل مصر وفد أدبي متنوع يضم الروائية ريم بسيوني، والكاتب خالد أبو الليل، والروائي أحمد خالد مصطفى، المعروف بانتشاره الواسع بين القراء الشباب، إلى جانب باسل رمسيس وميرنا المهدي، بينما تحضر الجزائر من خلال الكاتب سعيد خطيبي، المتوج بالجائزة العالمية للرواية العربية لسنة 2026، إلى جانب الكاتبة راوية اليحياوي، في حين يشارك من المغرب الكاتب محمد المصباحي، ومن الأردن الكاتب صلاح التلاوي، ومن السعودية الكاتب أحمد السماري، ومن اليمن الروائي حبيب عبد الرب سروري، وهو ما يمنح المشاركة العربية بعدا تمثيليا يعكس تنوع المدارس والمرجعيات داخل الفضاء الثقافي العربي.
أما على الصعيد الدولي، فتسجل الدورة حضورا واسعا لأسماء قادمة من فضاءات ثقافية متعددة، حيث تشارك من إيطاليا الأكاديمية فرانشيسكا ألبانيزي، ومن إسبانيا الكاتب إيغناسيو ديل فالي، إلى جانب أنطونيو دي دييغو، فيما تحضر روسيا عبر الكاتبة آنا ميتفييفا ومارغاريتا آل، وتشارك تركيا من خلال الكاتب يوسف يلدز، في حين تسجل إيران حضورها عبر عبد الله غبيشي، كما يبرز حضور إفريقي لافت من السنغال من خلال عمر دابو وباكاري سار وعبدولاي فودي وإبراهيم لو، إضافة إلى مشاركة من بوركينا فاسو عبر كوبا داو.
كما تحضر القارة الأوروبية بقوة، خاصة من فرنسا التي يمثلها كل من آن كلير ليجندر وبيار غاريغ وفرانك ميرميه وفيرجيني كلايسنوبيير جيرار وفيرونيك دوتريلو، إلى جانب حضور من بلجيكا عبر بول برتران وإيان دو هاس وميلاني رولاند وفابيين رينيك، فيما تشارك جورجيا من خلال غفانتسا جوبافا، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين، بما يضفي على المعرض بعدا مهنيا مرتبطا بصناعة النشر، ويؤكد انفتاح هذه الدورة على تقاطعات ثقافية متعددة تمتد من العالم العربي إلى أوروبا وإفريقيا وآسيا.
هذا الزخم في الأسماء والجنسيات لا يمكن فصله عن التحولات التي يشهدها معرض تونس الدولي للكتاب، حيث أصبح فضاء للنقاش الفكري بقدر ما هو سوق للكتاب، ومنصة للتفكير في مستقبل القراءة في ظل التحولات الرقمية، خاصة في سياق تتراجع فيه معدلات القراءة التقليدية مقابل صعود الوسائط الجديدة.
وفي هذا السياق، تبدو الدورة الأربعون لحظة مفصلية، ليس فقط لأنها تحتفي بأربعة عقود من تاريخ المعرض، بل لأنها تعيد طرح سؤال الدور الثقافي لمثل هذه التظاهرات: هل تظل مجرد موعد سنوي لاقتناء الكتب، أم تتحول إلى مختبر للأفكار ومنصة لصياغة سياسات ثقافية جديدة؟
إيمان عبد اللطيف
تنطلق اليوم الجمعة الأنشطة الثقافية بمعرض تونس الدولي للكتاب في دورته الأربعين (من 23 أفريل إلى 3 ماي) بقصر المعارض بالكرم بالعاصمة، ويتجاوز البرنامج الثقافي المكثف للمعرض عرض الإصدارات الجديدة، ليؤسس لمسار احتفائي يستعيد رموز الفكر والأدب والفنون في تونس، ويوازيه انفتاح لافت على ضيوف عرب وأجانب يعكس البعد الدولي المتنامي لهذه التظاهرة، في دورة تبدو أقرب إلى لحظة تقييم جماعي لذاكرة الثقافة الوطنية، بقدر ما هي منصة للحوار الكوني حول قضايا الكتاب والنشر والتحولات التي يعيشها المشهد الثقافي عالميا.
في قلب هذه الدورة، تبرز لحظة التكريم باعتبارها أحد أبرز مفاصل البرمجة، فقد اختارت الهيئة المنظمة الاحتفاء بقائمة واسعة من الأسماء التي صنعت، كل من موقعه، ملامح المشهد الثقافي التونسي. ويأتي في مقدمة هذه القائمة المؤرخ وعالم الآثار محمد حسين فنطر، الذي يعد من أبرز المختصين في تاريخ قرطاج والحضارة البونية، وقد ساهمت أعماله في إعادة قراءة التاريخ التونسي ضمن أفق متوسطي أوسع، مقابل حضور عالم الاجتماع الطاهر لبيب، أحد أهم المفكرين العرب المعاصرين، الذي اشتغل على قضايا الهوية والحداثة، وأدار لسنوات المنظمة العربية للترجمة، مساهما في نقل الفكر العالمي إلى اللغة العربية.
المعرض يكرم أيضا المؤرخ لطفي عيسى، الذي ارتبط اسمه بدراسات التاريخ الاجتماعي والسياسي، إلى جانب الموسيقي والملحن عبد الكريم صحابو، الذي أثرى المكتبة الموسيقية التونسية بأعمال جمعت بين الأصالة والتجديد، والباحث في الموسيقى محمود قطاط، أحد أبرز المختصين في التراث الموسيقي وآلاته، وهو الذي ساهم في توثيق جزء مهم من الذاكرة السمعية التونسية.
ويمتد التكريم إلى الحقل الأدبي، حيث يحضر اسم عز الدين المدني، أحد أبرز رواد الكتابة المسرحية في تونس، والذي تميز بأسلوبه القائم على استلهام التاريخ وإعادة صياغته دراميا، إلى جانب الشاعر منصف المزغني، الذي يمثل تجربة شعرية حداثية ذات طابع ساخر وناقد، فضلا عن الشاعرة فضيلة الشابي، التي عُرفت بنصوصها العميقة ذات النفس التأملي، والكاتبة عروسية النالوتي، التي تعد من الأصوات النسوية البارزة في السرد التونسي.
كما تشمل القائمة الروائية عزة الفيلالي، التي اشتغلت على التحولات الاجتماعية من خلال نصوص تجمع بين السرد والتحليل، إلى جانب فوزية العلوي وريم عيساوي، بما يعكس حضورا نسائيا لافتا داخل قائمة التكريم، فضلا عن أسماء أخرى مثل الباحث في التراث عبد الرزاق قراقب، والكاتب فرج لحوار، والأستاذ أحمد الحيزم، والكاتب محمد علي الحلواني، وهي أسماء تعكس تنوع الحقول التي يشملها التكريم، من البحث الأكاديمي إلى الإبداع الأدبي والفني.
هذا التنوع في قائمة المكرّمين لا يبدو اعتباطيا، بل يعكس توجها واعيا نحو تقديم صورة بانورامية للمشهد الثقافي التونسي، حيث تتجاور الأجيال والتخصصات، بما يحول التكريم إلى فعل ثقافي بامتياز، يطرح مسألة الذاكرة والاعتراف في آن واحد، خاصة وأن العديد من هذه الأسماء اشتغلت في سياقات متنوعة، وأسهمت في بناء تراكم معرفي وإبداعي.
ولا تقتصر رمزية التكريم على الأسماء، بل تمتد إلى البعد الثقافي والدبلوماسي، من خلال تخصيص جلسة «من جاكرتا إلى قرطاج» في إطار اختيار إندونيسيا ضيف شرف، تكريما لذكرى الرشيد إدريس، وهي مبادرة تعكس رغبة في ربط الثقافة بالأبعاد الجيو-سياسية، واستحضار دور المثقف والدبلوماسي في بناء الجسور بين الشعوب.
في موازاة البعد الاحتفائي الذي يطبع قائمة المكرّمين، تستقطب الدورة الأربعون نخبة من الضيوف العرب الذين يمثلون تنوعا لافتا في التجارب السردية والفكرية، حيث يحضر من فلسطين الروائي والشاعر إبراهيم نصر الله، أحد أبرز الأصوات الأدبية العربية المعاصرة، إلى جانب الأسير والكاتب ناصر أبو سرور، والكاتبة آمنة محمود أبو حطب، فيما يمثل مصر وفد أدبي متنوع يضم الروائية ريم بسيوني، والكاتب خالد أبو الليل، والروائي أحمد خالد مصطفى، المعروف بانتشاره الواسع بين القراء الشباب، إلى جانب باسل رمسيس وميرنا المهدي، بينما تحضر الجزائر من خلال الكاتب سعيد خطيبي، المتوج بالجائزة العالمية للرواية العربية لسنة 2026، إلى جانب الكاتبة راوية اليحياوي، في حين يشارك من المغرب الكاتب محمد المصباحي، ومن الأردن الكاتب صلاح التلاوي، ومن السعودية الكاتب أحمد السماري، ومن اليمن الروائي حبيب عبد الرب سروري، وهو ما يمنح المشاركة العربية بعدا تمثيليا يعكس تنوع المدارس والمرجعيات داخل الفضاء الثقافي العربي.
أما على الصعيد الدولي، فتسجل الدورة حضورا واسعا لأسماء قادمة من فضاءات ثقافية متعددة، حيث تشارك من إيطاليا الأكاديمية فرانشيسكا ألبانيزي، ومن إسبانيا الكاتب إيغناسيو ديل فالي، إلى جانب أنطونيو دي دييغو، فيما تحضر روسيا عبر الكاتبة آنا ميتفييفا ومارغاريتا آل، وتشارك تركيا من خلال الكاتب يوسف يلدز، في حين تسجل إيران حضورها عبر عبد الله غبيشي، كما يبرز حضور إفريقي لافت من السنغال من خلال عمر دابو وباكاري سار وعبدولاي فودي وإبراهيم لو، إضافة إلى مشاركة من بوركينا فاسو عبر كوبا داو.
كما تحضر القارة الأوروبية بقوة، خاصة من فرنسا التي يمثلها كل من آن كلير ليجندر وبيار غاريغ وفرانك ميرميه وفيرجيني كلايسنوبيير جيرار وفيرونيك دوتريلو، إلى جانب حضور من بلجيكا عبر بول برتران وإيان دو هاس وميلاني رولاند وفابيين رينيك، فيما تشارك جورجيا من خلال غفانتسا جوبافا، رئيسة الاتحاد الدولي للناشرين، بما يضفي على المعرض بعدا مهنيا مرتبطا بصناعة النشر، ويؤكد انفتاح هذه الدورة على تقاطعات ثقافية متعددة تمتد من العالم العربي إلى أوروبا وإفريقيا وآسيا.
هذا الزخم في الأسماء والجنسيات لا يمكن فصله عن التحولات التي يشهدها معرض تونس الدولي للكتاب، حيث أصبح فضاء للنقاش الفكري بقدر ما هو سوق للكتاب، ومنصة للتفكير في مستقبل القراءة في ظل التحولات الرقمية، خاصة في سياق تتراجع فيه معدلات القراءة التقليدية مقابل صعود الوسائط الجديدة.
وفي هذا السياق، تبدو الدورة الأربعون لحظة مفصلية، ليس فقط لأنها تحتفي بأربعة عقود من تاريخ المعرض، بل لأنها تعيد طرح سؤال الدور الثقافي لمثل هذه التظاهرات: هل تظل مجرد موعد سنوي لاقتناء الكتب، أم تتحول إلى مختبر للأفكار ومنصة لصياغة سياسات ثقافية جديدة؟