إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

زيارات ميدانية تكشف الإخلالات الإدارية.. نحو استعادة الثقة بين المواطن والدولة

جاء إحياء الذكرى السادسة والعشرين لوفاة مؤسس الدولة الوطنية، الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، محملا بدلالات سياسية تربط بين إحياء مرحلة هامة من تاريخ بناء الدولة الحديثة، وبين معركة حمايتها اليوم من مظاهر التفكك والفساد التي نخرت مؤسساتها.

فالجولة الميدانية التي قام بها رئيس الجمهورية قيس سعيد على هامش إحياء هذه الذكرى، والتي شملت عددا من المرافق العمومية بمدينة المنستير، عكست توجها سياسيا واضحا يقوم على اعتبار أن الوفاء لرمزية مؤسس الدولة الوطنية لا يقتصر على استحضار إرثه التاريخي، وإنما يمتد إلى صون مؤسسات الدولة من العبث والتفكك، ومواصلة العمل على تطهيرها من مظاهر الفساد وسوء التصرف. وفي هذا الإطار، بدت الزيارة كأنها رسالة سياسية مفادها أن حماية الدولة الوطنية اليوم تمرّ عبر حماية مقدّراتها ومؤسساتها، وأن معركة مكافحة الفساد تمثل امتدادا مباشرا لمعركة بناء الدولة والحفاظ على ديمومتها ونجاعتها.

وبين رمزية الوقوف عند ضريح مؤسس الدولة الوطنية، وبين الزيارات الميدانية إلى الفضاءات البلدية والساحلية والتفاعل مباشرة مع المواطنين، يعيد رئيس الجمهورية قيس سعيد التأكيد على معادلة أساسية مفادها أن معركة الإصلاح والبناء لا يمكن أن تتحقق أو تتجسّم على أرض الواقع إلا عبر الجمع بين استعادة هيبة المؤسسات ومواصلة الحرب على الفساد، بالتوازي مع أهمية إرساء إدارة عصرية قريبة من المواطن، وقادرة على معاينة الإخلالات ورفعها.

الزيارات آلية للرقابة

وفي قراءة لأبعاد هذه الزيارة، جدير بالذكر أنها تندرج ضمن نسق سياسي متواصل يرافق أداء رئيس الجمهورية قيس سعيد منذ توليه زمام المسؤولية، ويقوم على توظيف الزيارات الميدانية باعتبارها آلية مباشرة للرقابة والتقييم والتصحيح. كما أنها تعتبر محطة لإعادة توجيه الرسائل إلى الإدارة والرأي العام ومختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين. وهو ما جعل من هذه الزيارة الأخيرة مناسبة متجددة لكشف رهانات المرحلة، سواء في ما يتعلق بمكافحة الفساد أو بإعادة تعريف آليات الحوكمة الناجعة ومتابعة دواليب تسيير المرفق العمومي.

مكافحة الفساد.. أولوية

يستشف من تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال جولته في ولاية المنستير أن مكافحة الفساد لم تعد بالنسبة إلى الدولة في أعلى هرمها مجرد عنوان سياسي ضمن خطابات الإصلاح، وإنما هي محور رئيسي في أجندة الدولة وأولوياتها. فالمصطلحات التي أشار إليها الرئيس، على غرار «إهدار فظيع للمال العام» و»الفساد المستشري في كل مكان» و»المتآمرين والمتمعشين بأموال الخارج»، تؤكد أن السلطة التنفيذية لا تنظر إلى الإخلالات التي تتم معاينتها باعتبارها حالات معزولة أو مجرد أخطاء إدارية ظرفية، وإنما تعتبرها جزءا من منظومة متعددة من سوء التصرف والفساد البنيوي الذي عطّل مؤسسات الدولة وأهدر مقدّراتها على مدار عقود.

وتكتسي هذه الرسائل أهمية خاصة، لأن الزيارة جاءت لتربط بشكل مباشر بين مظاهر التدهور المادي في المرافق العمومية ووجود إخلالات في الحوكمة والتصرف الإداري. فالمعدات المهملة في المستودع البلدي، والمحجوزات المتروكة دون تسوية، وتراكم الفضلات على الشريط الساحلي، كلّها قُدّمت من قبل رئيس الدولة ليس بوصفها مظاهر فشل إداري فقط، وإنما كنتائج ملموسة لمنظومة فساد استشرت وتمددت في ظل غياب ثقافة المحاسبة. وضمن هذه المقاربة، يعتبر الرئيس قيس سعيد أن تدهور الخدمات العمومية هو في جوهره انعكاس مباشر لإخلالات الحوكمة واستفحال الفساد الإداري.

كما تكشف هذه المقاربة عن تطور لافت في خطاب السلطة وتعاطيها مع معضلة الفساد، عبر توسيع أبعاده؛ فمن مجرد الحديث عن مكافحة الفساد المالي التقليدي، تم توسيع مفهوم الفساد ليشمل أيضًا التعطيل الإداري، والبيروقراطية، والتباطؤ في اتخاذ القرار، وتعطّل الدراسات داخل اللجان، وكل ما من شأنه أن يحول دون تحويل الموارد العمومية إلى إنجازات ملموسة.

وفي هذا السياق، تندرج أيضا تصريحات الرئيس قيس سعيد بشأن الأموال المنهوبة والمؤسسات العمومية والثروات الوطنية ضمن محاولة لربط معركة مكافحة الفساد بمسألة السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. فرئيس الجمهورية يطرح بوضوح أن استرجاع الأموال المنهوبة ووقف إهدار المال العام، والحفاظ على المؤسسات العمومية، ليست مجرد إجراءات مالية أو إدارية، وإنما هي شروط ضرورية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتمكين الدولة من الاضطلاع بدورها الاجتماعي والتنموي.

ومن ثم، يمكن اعتبار أن زيارة المنستير أعادت التأكيد على أن مكافحة الفساد أصبحت جزءا من فلسفة حكم متكاملة تعتبر أن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والاستثماري لا يمكن أن يتحقق قبل تفكيك شبكات الفساد والتعطيل التي نخرت الإدارة ومؤسسات الدولة على مدار سنوات خلت.

الزيارات.. آلية لإدارة الشأن العام

من جانب آخر، وإذا كان البعد الأول للزيارة يتمثل في إعادة تثبيت أولوية مكافحة الفساد ضمن أولويات الدولة في أعلى هرمها، فإن بعدها الثاني لا يقل أهمية، ويتمثل في تحول الزيارات الميدانية إلى آلية مركزية من آليات إدارة الدولة للشأن العام.

فمنذ توليه المسؤولية، دأب رئيس الجمهورية قيس سعيد على القيام بجولات ميدانية فجئية أو معلنة إلى عدد كبير من الولايات والمؤسسات والمرافق العمومية، متخذا نمطا من العمل السياسي يقوم على المعاينة والنزول إلى الميدان ورصد الإخلالات مباشرة، بعيدا عن التقارير الإدارية التقليدية. وقد تحوّلت هذه الزيارات تدريجيًا إلى سمة ثابتة في إدارة الشأن العام، بما يجعلها تتجاوز الطابع الرمزي أو الاتصالي نحو وظيفة رقابية فعلية.

وتكمن أهمية هذه المقاربة في كونها تعكس إدراكا من الرئيس بأن جزءا من أزمة الإدارة العمومية يكمن في انفصال القرار المركزي عن الواقع الميداني، وفي محدودية نجاعة التقارير الإدارية الكلاسيكية في نقل حقيقة الأوضاع. لذلك، يعتمد الرئيس على المعاينة المباشرة كوسيلة لتجاوز الحواجز البيروقراطية ولمساءلة المسؤولين انطلاقا من الواقع، بعيدا عن سياسة التسويف والتبرير.

كما تسمح هذه الزيارات بكشف حجم التفاوت بين ما يُرفع من تقارير رسمية وبين حقيقة الأوضاع على الأرض، وهو ما يفسر اعتماد عنصر المفاجأة أمام حجم الإخلالات المرصودة في عدد من المرافق.

غير أن أهمية هذه الآلية لا تقتصر على كشف الإخلالات، بل تشمل أيضًا بعدها التنفيذي، إذ غالبًا ما تكون هذه الزيارات مرفقة بإجراءات أو تعليمات فورية، أو بفتح ملفات واتخاذ قرارات، أو بإعادة ترتيب الأولويات على المستوى الحكومي والإداري، ما يجعل منها أداة مزدوجة للمعاينة والتدارك في الوقت ذاته.

كما تكرّس هذه المقاربة نمطا خاصا في الحوكمة يقوم على مركزية القرار السياسي ومباشرته للرقابة الميدانية، بما يعكس توجها نحو إعادة بناء العلاقة بين رأس السلطة التنفيذية والإدارة على أساس المتابعة المباشرة والمساءلة الآنية.

وفي المقابل، يحمّل هذا التوجه الإدارة العمومية مسؤولية مضاعفة، لأنه يضعها تحت رقابة سياسية وشعبية مستمرة، ويجعل أي تقصير أو تهاون قابلا لأن يتحول إلى موضوع مساءلة علنية، كما يدفع المسؤولين المحليين والجهويين إلى التعامل مع ملفاتهم بجدية أكبر.

مسؤولون أكفاء

وهنا يبرز مجددا رهان الرئيس على عنصر بشري يستوعب فعليا تحديات المرحلة ودقة استحقاقاتها. إذ لا يمكن إعادة ترميم الثقة بين المواطن والدولة إلا عبر مسؤولين يمتلكون الكفاءة والوعي والالتزام اللازم لتحمّل أعباء المرحلة، وترجمة التوجّهات والسياسات الإصلاحية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

فنجاح أي مشروع إصلاحي، مهما بلغت أهميته ووجاهة أهدافه، يظل رهين إدارة عمومية ناجعة، وإطارات قادرة على القطع مع منطق التسيّب واللامبالاة، والانخراط في منطق جديد يقوم على تحمّل المسؤولية، وحسن التصرّف، وخدمة المواطن باعتبارها جوهر الوظيفة العمومية.

من جهة أخرى، لا يمكن التغافل عن أن رئيس الجمهورية قيس سعيد، ومن خلال تكريسه المتواصل لسياسة الزيارات الميدانية، يرسخ تدريجيًا ثقافة المحاسبة التي غابت لسنوات داخل عدد من مؤسسات الدولة وهياكلها المحلية والجهوية.

فهذه المقاربة لا تكتفي بكشف الإخلالات، بل تعيد ترتيب العلاقة بين المسؤولية والمحاسبة، من خلال وضع المسؤولين أمام واقع أدائهم اليومي، وربط استمراريتهم في مواقعهم بمدى قدرتهم على الاستجابة لمشاغل المواطنين واحترام مقتضيات المرفق العمومي.

وهذا التمشي من شأنه الحد من منطق الإفلات من العقاب الذي ساهم في تعميق الإشكاليات، ويؤسس تدريجيا لإدارة عمومية تقوم على الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمساءلة، بما يعزز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ويؤكد أن المرحلة الراهنة تتجه نحو القطع مع ممارسات الماضي، وإرساء قواعد حوكمة أكثر صرامة وانضباطًا.

تفكيك شبكات الهدر وسوء التصرف

في هذا الخضم، ليس المطلوب اليوم فقط إزالة الفضلات من الشارع، أو إصلاح معدات معطلة، أو تسوية محجوزات متراكمة، بل مراجعة المنظومات التي سمحت بحدوث تلك الإخلالات واستمرارها.

ومن هنا، فإن زيارة المنستير – كما غيرها من الجولات السابقة – تؤكد أن المعركة ضد الفساد لا تزال في صميم أولويات رئيس الدولة، وأن الدولة ماضية في ربط مسار الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي بتفكيك شبكات الهدر وسوء التصرف داخل مؤسساتها، على أن الرهان الفعلي هو تحويل ما يتم رصده ميدانيًا إلى إصلاحات هيكلية تعيد بناء الإدارة على أسس النجاعة والانضباط والشفافية، بما يضمن ترسيخ دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سياساتها، وقادرة على الاستجابة لتطلعات التونسيين في التنمية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

منال حرزي

زيارات ميدانية تكشف الإخلالات الإدارية..   نحو استعادة الثقة بين المواطن والدولة

جاء إحياء الذكرى السادسة والعشرين لوفاة مؤسس الدولة الوطنية، الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، محملا بدلالات سياسية تربط بين إحياء مرحلة هامة من تاريخ بناء الدولة الحديثة، وبين معركة حمايتها اليوم من مظاهر التفكك والفساد التي نخرت مؤسساتها.

فالجولة الميدانية التي قام بها رئيس الجمهورية قيس سعيد على هامش إحياء هذه الذكرى، والتي شملت عددا من المرافق العمومية بمدينة المنستير، عكست توجها سياسيا واضحا يقوم على اعتبار أن الوفاء لرمزية مؤسس الدولة الوطنية لا يقتصر على استحضار إرثه التاريخي، وإنما يمتد إلى صون مؤسسات الدولة من العبث والتفكك، ومواصلة العمل على تطهيرها من مظاهر الفساد وسوء التصرف. وفي هذا الإطار، بدت الزيارة كأنها رسالة سياسية مفادها أن حماية الدولة الوطنية اليوم تمرّ عبر حماية مقدّراتها ومؤسساتها، وأن معركة مكافحة الفساد تمثل امتدادا مباشرا لمعركة بناء الدولة والحفاظ على ديمومتها ونجاعتها.

وبين رمزية الوقوف عند ضريح مؤسس الدولة الوطنية، وبين الزيارات الميدانية إلى الفضاءات البلدية والساحلية والتفاعل مباشرة مع المواطنين، يعيد رئيس الجمهورية قيس سعيد التأكيد على معادلة أساسية مفادها أن معركة الإصلاح والبناء لا يمكن أن تتحقق أو تتجسّم على أرض الواقع إلا عبر الجمع بين استعادة هيبة المؤسسات ومواصلة الحرب على الفساد، بالتوازي مع أهمية إرساء إدارة عصرية قريبة من المواطن، وقادرة على معاينة الإخلالات ورفعها.

الزيارات آلية للرقابة

وفي قراءة لأبعاد هذه الزيارة، جدير بالذكر أنها تندرج ضمن نسق سياسي متواصل يرافق أداء رئيس الجمهورية قيس سعيد منذ توليه زمام المسؤولية، ويقوم على توظيف الزيارات الميدانية باعتبارها آلية مباشرة للرقابة والتقييم والتصحيح. كما أنها تعتبر محطة لإعادة توجيه الرسائل إلى الإدارة والرأي العام ومختلف الفاعلين السياسيين والاقتصاديين. وهو ما جعل من هذه الزيارة الأخيرة مناسبة متجددة لكشف رهانات المرحلة، سواء في ما يتعلق بمكافحة الفساد أو بإعادة تعريف آليات الحوكمة الناجعة ومتابعة دواليب تسيير المرفق العمومي.

مكافحة الفساد.. أولوية

يستشف من تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيد خلال جولته في ولاية المنستير أن مكافحة الفساد لم تعد بالنسبة إلى الدولة في أعلى هرمها مجرد عنوان سياسي ضمن خطابات الإصلاح، وإنما هي محور رئيسي في أجندة الدولة وأولوياتها. فالمصطلحات التي أشار إليها الرئيس، على غرار «إهدار فظيع للمال العام» و»الفساد المستشري في كل مكان» و»المتآمرين والمتمعشين بأموال الخارج»، تؤكد أن السلطة التنفيذية لا تنظر إلى الإخلالات التي تتم معاينتها باعتبارها حالات معزولة أو مجرد أخطاء إدارية ظرفية، وإنما تعتبرها جزءا من منظومة متعددة من سوء التصرف والفساد البنيوي الذي عطّل مؤسسات الدولة وأهدر مقدّراتها على مدار عقود.

وتكتسي هذه الرسائل أهمية خاصة، لأن الزيارة جاءت لتربط بشكل مباشر بين مظاهر التدهور المادي في المرافق العمومية ووجود إخلالات في الحوكمة والتصرف الإداري. فالمعدات المهملة في المستودع البلدي، والمحجوزات المتروكة دون تسوية، وتراكم الفضلات على الشريط الساحلي، كلّها قُدّمت من قبل رئيس الدولة ليس بوصفها مظاهر فشل إداري فقط، وإنما كنتائج ملموسة لمنظومة فساد استشرت وتمددت في ظل غياب ثقافة المحاسبة. وضمن هذه المقاربة، يعتبر الرئيس قيس سعيد أن تدهور الخدمات العمومية هو في جوهره انعكاس مباشر لإخلالات الحوكمة واستفحال الفساد الإداري.

كما تكشف هذه المقاربة عن تطور لافت في خطاب السلطة وتعاطيها مع معضلة الفساد، عبر توسيع أبعاده؛ فمن مجرد الحديث عن مكافحة الفساد المالي التقليدي، تم توسيع مفهوم الفساد ليشمل أيضًا التعطيل الإداري، والبيروقراطية، والتباطؤ في اتخاذ القرار، وتعطّل الدراسات داخل اللجان، وكل ما من شأنه أن يحول دون تحويل الموارد العمومية إلى إنجازات ملموسة.

وفي هذا السياق، تندرج أيضا تصريحات الرئيس قيس سعيد بشأن الأموال المنهوبة والمؤسسات العمومية والثروات الوطنية ضمن محاولة لربط معركة مكافحة الفساد بمسألة السيادة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. فرئيس الجمهورية يطرح بوضوح أن استرجاع الأموال المنهوبة ووقف إهدار المال العام، والحفاظ على المؤسسات العمومية، ليست مجرد إجراءات مالية أو إدارية، وإنما هي شروط ضرورية لتحقيق العدالة الاجتماعية وتمكين الدولة من الاضطلاع بدورها الاجتماعي والتنموي.

ومن ثم، يمكن اعتبار أن زيارة المنستير أعادت التأكيد على أن مكافحة الفساد أصبحت جزءا من فلسفة حكم متكاملة تعتبر أن الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والاستثماري لا يمكن أن يتحقق قبل تفكيك شبكات الفساد والتعطيل التي نخرت الإدارة ومؤسسات الدولة على مدار سنوات خلت.

الزيارات.. آلية لإدارة الشأن العام

من جانب آخر، وإذا كان البعد الأول للزيارة يتمثل في إعادة تثبيت أولوية مكافحة الفساد ضمن أولويات الدولة في أعلى هرمها، فإن بعدها الثاني لا يقل أهمية، ويتمثل في تحول الزيارات الميدانية إلى آلية مركزية من آليات إدارة الدولة للشأن العام.

فمنذ توليه المسؤولية، دأب رئيس الجمهورية قيس سعيد على القيام بجولات ميدانية فجئية أو معلنة إلى عدد كبير من الولايات والمؤسسات والمرافق العمومية، متخذا نمطا من العمل السياسي يقوم على المعاينة والنزول إلى الميدان ورصد الإخلالات مباشرة، بعيدا عن التقارير الإدارية التقليدية. وقد تحوّلت هذه الزيارات تدريجيًا إلى سمة ثابتة في إدارة الشأن العام، بما يجعلها تتجاوز الطابع الرمزي أو الاتصالي نحو وظيفة رقابية فعلية.

وتكمن أهمية هذه المقاربة في كونها تعكس إدراكا من الرئيس بأن جزءا من أزمة الإدارة العمومية يكمن في انفصال القرار المركزي عن الواقع الميداني، وفي محدودية نجاعة التقارير الإدارية الكلاسيكية في نقل حقيقة الأوضاع. لذلك، يعتمد الرئيس على المعاينة المباشرة كوسيلة لتجاوز الحواجز البيروقراطية ولمساءلة المسؤولين انطلاقا من الواقع، بعيدا عن سياسة التسويف والتبرير.

كما تسمح هذه الزيارات بكشف حجم التفاوت بين ما يُرفع من تقارير رسمية وبين حقيقة الأوضاع على الأرض، وهو ما يفسر اعتماد عنصر المفاجأة أمام حجم الإخلالات المرصودة في عدد من المرافق.

غير أن أهمية هذه الآلية لا تقتصر على كشف الإخلالات، بل تشمل أيضًا بعدها التنفيذي، إذ غالبًا ما تكون هذه الزيارات مرفقة بإجراءات أو تعليمات فورية، أو بفتح ملفات واتخاذ قرارات، أو بإعادة ترتيب الأولويات على المستوى الحكومي والإداري، ما يجعل منها أداة مزدوجة للمعاينة والتدارك في الوقت ذاته.

كما تكرّس هذه المقاربة نمطا خاصا في الحوكمة يقوم على مركزية القرار السياسي ومباشرته للرقابة الميدانية، بما يعكس توجها نحو إعادة بناء العلاقة بين رأس السلطة التنفيذية والإدارة على أساس المتابعة المباشرة والمساءلة الآنية.

وفي المقابل، يحمّل هذا التوجه الإدارة العمومية مسؤولية مضاعفة، لأنه يضعها تحت رقابة سياسية وشعبية مستمرة، ويجعل أي تقصير أو تهاون قابلا لأن يتحول إلى موضوع مساءلة علنية، كما يدفع المسؤولين المحليين والجهويين إلى التعامل مع ملفاتهم بجدية أكبر.

مسؤولون أكفاء

وهنا يبرز مجددا رهان الرئيس على عنصر بشري يستوعب فعليا تحديات المرحلة ودقة استحقاقاتها. إذ لا يمكن إعادة ترميم الثقة بين المواطن والدولة إلا عبر مسؤولين يمتلكون الكفاءة والوعي والالتزام اللازم لتحمّل أعباء المرحلة، وترجمة التوجّهات والسياسات الإصلاحية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

فنجاح أي مشروع إصلاحي، مهما بلغت أهميته ووجاهة أهدافه، يظل رهين إدارة عمومية ناجعة، وإطارات قادرة على القطع مع منطق التسيّب واللامبالاة، والانخراط في منطق جديد يقوم على تحمّل المسؤولية، وحسن التصرّف، وخدمة المواطن باعتبارها جوهر الوظيفة العمومية.

من جهة أخرى، لا يمكن التغافل عن أن رئيس الجمهورية قيس سعيد، ومن خلال تكريسه المتواصل لسياسة الزيارات الميدانية، يرسخ تدريجيًا ثقافة المحاسبة التي غابت لسنوات داخل عدد من مؤسسات الدولة وهياكلها المحلية والجهوية.

فهذه المقاربة لا تكتفي بكشف الإخلالات، بل تعيد ترتيب العلاقة بين المسؤولية والمحاسبة، من خلال وضع المسؤولين أمام واقع أدائهم اليومي، وربط استمراريتهم في مواقعهم بمدى قدرتهم على الاستجابة لمشاغل المواطنين واحترام مقتضيات المرفق العمومي.

وهذا التمشي من شأنه الحد من منطق الإفلات من العقاب الذي ساهم في تعميق الإشكاليات، ويؤسس تدريجيا لإدارة عمومية تقوم على الشفافية والنجاعة وربط المسؤولية بالمساءلة، بما يعزز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، ويؤكد أن المرحلة الراهنة تتجه نحو القطع مع ممارسات الماضي، وإرساء قواعد حوكمة أكثر صرامة وانضباطًا.

تفكيك شبكات الهدر وسوء التصرف

في هذا الخضم، ليس المطلوب اليوم فقط إزالة الفضلات من الشارع، أو إصلاح معدات معطلة، أو تسوية محجوزات متراكمة، بل مراجعة المنظومات التي سمحت بحدوث تلك الإخلالات واستمرارها.

ومن هنا، فإن زيارة المنستير – كما غيرها من الجولات السابقة – تؤكد أن المعركة ضد الفساد لا تزال في صميم أولويات رئيس الدولة، وأن الدولة ماضية في ربط مسار الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي بتفكيك شبكات الهدر وسوء التصرف داخل مؤسساتها، على أن الرهان الفعلي هو تحويل ما يتم رصده ميدانيًا إلى إصلاحات هيكلية تعيد بناء الإدارة على أسس النجاعة والانضباط والشفافية، بما يضمن ترسيخ دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في سياساتها، وقادرة على الاستجابة لتطلعات التونسيين في التنمية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

منال حرزي