افتتحت، مساء السبت 4 أفريل 2026، خشبة مسرح الفن الرابع بالعاصمة أبوابها لاستقبال مولود مسرحي جديد يحمل عنوان «سراب»، وهو العمل الذي صاغ رؤيته السينوغرافية والإخراجية الفنان حافظ خليفة، عن نص محكم للكاتبة فوزية ضيف الله، بدعم من وزارة الشؤون الثقافية . لم يكن هذا العرض مجرد موعد فني عابر، بل كان تظاهرة ثقافية استقطبت نخبة من المسرحيين والنقاد والإعلاميين، الذين جاؤوا لمشاهدة أحدث أعمال حافظ خليفة الجمالية، حيث تجسدت ملامح «سراب» بأداء كوكبة من الممثلين الذين صهروا خبراتهم لتأثيث هذا الفضاء الصحراوي، وهم: جلال الدين السعدي، جميلة كامارا، كمال زهيو، نزهة حسني، وخلود المونة.
تنطلق المسرحية من جغرافيا الرمل والريح، متخذة من الصحراء فضاء وجوديا وفلسفيا يتجاوز حدود المكان والزمان، ليغوص في كنه الذات البشرية، حيث تدور أحداث العمل حول ثلاث نساء صحراويات (ماتيا، تانيري، وسيليا) يجمعهن التيه والهروب من واقع مرير وقصور مجتمعية خانقة، ليجدن أنفسهن في مواجهة عاصفة رمت بهن في قلب المجهول بلا زاد أو أمان، قبل أن يتقاطع مسارهن مع «مصباح»، ذلك الجندي السابق والمتخصص في كشف الألغام، الذي يحاول حمايتهن وإضاءة عتمة مسالكهن، في رحلة درامية تمزج بين الواقعية السحرية والترميز الكوني لمعاناة المرأة التائقة للحرية في ظل مجتمعات مكبلة بالقيود.
بالنظر إلى البعد التحليلي لهذا العمل، نجد أن حافظ خليفة استطاع تحويل «الصحراء» من مجرد ديكور صامت إلى بطل درامي فاعل ومحرك للأحداث، فهي المكان الذي يجرّد الإنسان من أقنعته الاجتماعية ويعيده إلى إنسانيته الأولى، حيث تبرز الشخصيات في عريها النفسي والجسدي. ولقد نجح النص الذي صاغته فوزية ضيف الله في بناء حبكة سردية متينة، حيث لم تكن الأسماء المختارة للشخصيات اعتباطية، بل حملت دلالات أنثروبولوجية ولغوية عميقة؛ فـ»ماتيا» (جميلة كامارا) تمثل ذاكرة الوجع والحروب التي تفقد الإنسان أهله، بينما «تانيري» (نزهة حسني) تجسد الصراع مع الجهل والتقاليد البالية مثل ختان البنات، في حين تبرز «سيليا» (خلود المونة) كرمز للحب المتمرد الذي يرفض الوصاية والحدود. هذا التنوع النسوي خلق فسيفساء من المعاناة الإنسانية التي تتوحد في «سراب» الخلاص، ليأتي «مصباح» (جلال الدين السعدي) كخيط رفيع يربط بين الأمل والواقع، فهو الحكيم الذي يطارد لغمه الخاص المتمثل في فقدان ابنته، ويحاول، في الآن ذاته، نزع فتيل اليأس من قلوب النساء الهاربات.
إن المسرحية هنا لا تقدم حلولا جاهزة، بل تطرح سؤال الحرية كقيمة مطلقة، مرددة على لسان أبطالها أن «الحياة بلا حرية لا معنى لها»، وهو ما يجعل العمل صرخة أنثوية وكونية ضد كل أشكال التعصب والمنع، ودعوة للعودة إلى الذات المجردة بعيدا عن أحكام «القبيلة»، بمعناها الضيق أو الكوني.
على المستوى التقني والإخراجي، كشف العمل عن رؤية بصرية مدهشة اعتمد فيها حافظ خليفة على «السينوغرافيا الرقمية» كأداة تعبيرية رائدة، حيث استثمر في التصميم الرقمي لنور جلولي لإسقاط لوحات بصرية (Mapping) تحاكي الرسومات الصخرية والكهفية القديمة، مما أضفى طابعا «أنطولوجيا» على العرض، وكأن هؤلاء التائهين هم امتداد للإنسان الأول الذي كان يرسم مخاوفه وصراعاته على الجدران. وتضمن العمل أيضا توظيفا ذكيا للإضاءة التي صممها ونفذها محمد رشاد بلحم، والتي تراوحت بين العتمة الكلية وبقع الضوء المركزة، مما خلق جوا من الغموض والرهبة يتماشى مع طبيعة الصحراء. كما برز استخدام الستار الشفاف كتقنية إخراجية بارعة لتقسيم الخشبة إلى فضاءين متوازيين، حيث قام بتوضيب الركح جلال مصدق، مما سمح بتعدد الأزمنة والمساحات الدرامية في آن واحد، وهو ما منح العرض حركية سينمائية داخل فضاء مسرحي.
أما الملابس التي صممتها آمال الصغير، فقد كانت جزءا لا يتجزأ من بقية عناصر العمل، بوشاحاتها الفضفاضة وحليها الأمازيغية، لتعكس هوية الشخصيات وارتباطها بالأرض من جهة، ومحافظة المجتمع الذي تحاول التحرر منه من جهة أخرى، بينما جاءت موسيقى كريم ثليبي لتتمم هذا المشهد عبر غوص عميق في التراث الصحراوي، محولة الأنغام إلى نبض يحكي وجع التيه.
ولا يمكن القراءة التحليلية لـ»سراب» دون التوقف عند شخصية «طاقع» التي أداها كمال زهيو ببراعة جسدية لافتة، حيث جسد دور الإنسان البدائي أو «وحش الصحراء» الذي يمتلك المعرفة الفطرية بالمكان، لكنه يفتقد لغة التواصل المنطوقة.
لقد قدم زهيو لوحات كوريغرافية حية، مستخدما جسده كأداة للتعبير عن الصراع من أجل البقاء، وكان موته، أو صرخته الأخيرة، بمثابة إعلان عن انكسار الفطرة أمام ألغام الواقع.
إن هذا التوظيف للشخصيات الصامتة أو البدائية يغني الرؤية الإخراجية لحافظ خليفة، الذي يميل دائما إلى المسرح الشامل الذي يشرك الجسد والضوء والكلمة في إنتاج المعنى. فأتت النهاية لتؤكد فلسفة «السراب» التي بني عليها العمل؛ فكل محاولات النجاة تنتهي بطريقة تراجيدية، حيث يتحول الأمل إلى عدم، وتنتهي رحلة سيليا بالموت، وتانيري بالشلل، ومصباح بالعودة لمواجهة «الرايات السوداء» التي ترمز للتطرف، وكأن المخرج يخبرنا أن الصحراء (والحياة) ليست مجرد رمال، بل هي حقل ألغام فكري واجتماعي يتطلب مواجهة دائمة، لا هروبا مستمرا، مما يجعل «سراب» وثيقة مسرحية بصرية وفكرية عميقة.
إيمان عبد اللطيف
افتتحت، مساء السبت 4 أفريل 2026، خشبة مسرح الفن الرابع بالعاصمة أبوابها لاستقبال مولود مسرحي جديد يحمل عنوان «سراب»، وهو العمل الذي صاغ رؤيته السينوغرافية والإخراجية الفنان حافظ خليفة، عن نص محكم للكاتبة فوزية ضيف الله، بدعم من وزارة الشؤون الثقافية . لم يكن هذا العرض مجرد موعد فني عابر، بل كان تظاهرة ثقافية استقطبت نخبة من المسرحيين والنقاد والإعلاميين، الذين جاؤوا لمشاهدة أحدث أعمال حافظ خليفة الجمالية، حيث تجسدت ملامح «سراب» بأداء كوكبة من الممثلين الذين صهروا خبراتهم لتأثيث هذا الفضاء الصحراوي، وهم: جلال الدين السعدي، جميلة كامارا، كمال زهيو، نزهة حسني، وخلود المونة.
تنطلق المسرحية من جغرافيا الرمل والريح، متخذة من الصحراء فضاء وجوديا وفلسفيا يتجاوز حدود المكان والزمان، ليغوص في كنه الذات البشرية، حيث تدور أحداث العمل حول ثلاث نساء صحراويات (ماتيا، تانيري، وسيليا) يجمعهن التيه والهروب من واقع مرير وقصور مجتمعية خانقة، ليجدن أنفسهن في مواجهة عاصفة رمت بهن في قلب المجهول بلا زاد أو أمان، قبل أن يتقاطع مسارهن مع «مصباح»، ذلك الجندي السابق والمتخصص في كشف الألغام، الذي يحاول حمايتهن وإضاءة عتمة مسالكهن، في رحلة درامية تمزج بين الواقعية السحرية والترميز الكوني لمعاناة المرأة التائقة للحرية في ظل مجتمعات مكبلة بالقيود.
بالنظر إلى البعد التحليلي لهذا العمل، نجد أن حافظ خليفة استطاع تحويل «الصحراء» من مجرد ديكور صامت إلى بطل درامي فاعل ومحرك للأحداث، فهي المكان الذي يجرّد الإنسان من أقنعته الاجتماعية ويعيده إلى إنسانيته الأولى، حيث تبرز الشخصيات في عريها النفسي والجسدي. ولقد نجح النص الذي صاغته فوزية ضيف الله في بناء حبكة سردية متينة، حيث لم تكن الأسماء المختارة للشخصيات اعتباطية، بل حملت دلالات أنثروبولوجية ولغوية عميقة؛ فـ»ماتيا» (جميلة كامارا) تمثل ذاكرة الوجع والحروب التي تفقد الإنسان أهله، بينما «تانيري» (نزهة حسني) تجسد الصراع مع الجهل والتقاليد البالية مثل ختان البنات، في حين تبرز «سيليا» (خلود المونة) كرمز للحب المتمرد الذي يرفض الوصاية والحدود. هذا التنوع النسوي خلق فسيفساء من المعاناة الإنسانية التي تتوحد في «سراب» الخلاص، ليأتي «مصباح» (جلال الدين السعدي) كخيط رفيع يربط بين الأمل والواقع، فهو الحكيم الذي يطارد لغمه الخاص المتمثل في فقدان ابنته، ويحاول، في الآن ذاته، نزع فتيل اليأس من قلوب النساء الهاربات.
إن المسرحية هنا لا تقدم حلولا جاهزة، بل تطرح سؤال الحرية كقيمة مطلقة، مرددة على لسان أبطالها أن «الحياة بلا حرية لا معنى لها»، وهو ما يجعل العمل صرخة أنثوية وكونية ضد كل أشكال التعصب والمنع، ودعوة للعودة إلى الذات المجردة بعيدا عن أحكام «القبيلة»، بمعناها الضيق أو الكوني.
على المستوى التقني والإخراجي، كشف العمل عن رؤية بصرية مدهشة اعتمد فيها حافظ خليفة على «السينوغرافيا الرقمية» كأداة تعبيرية رائدة، حيث استثمر في التصميم الرقمي لنور جلولي لإسقاط لوحات بصرية (Mapping) تحاكي الرسومات الصخرية والكهفية القديمة، مما أضفى طابعا «أنطولوجيا» على العرض، وكأن هؤلاء التائهين هم امتداد للإنسان الأول الذي كان يرسم مخاوفه وصراعاته على الجدران. وتضمن العمل أيضا توظيفا ذكيا للإضاءة التي صممها ونفذها محمد رشاد بلحم، والتي تراوحت بين العتمة الكلية وبقع الضوء المركزة، مما خلق جوا من الغموض والرهبة يتماشى مع طبيعة الصحراء. كما برز استخدام الستار الشفاف كتقنية إخراجية بارعة لتقسيم الخشبة إلى فضاءين متوازيين، حيث قام بتوضيب الركح جلال مصدق، مما سمح بتعدد الأزمنة والمساحات الدرامية في آن واحد، وهو ما منح العرض حركية سينمائية داخل فضاء مسرحي.
أما الملابس التي صممتها آمال الصغير، فقد كانت جزءا لا يتجزأ من بقية عناصر العمل، بوشاحاتها الفضفاضة وحليها الأمازيغية، لتعكس هوية الشخصيات وارتباطها بالأرض من جهة، ومحافظة المجتمع الذي تحاول التحرر منه من جهة أخرى، بينما جاءت موسيقى كريم ثليبي لتتمم هذا المشهد عبر غوص عميق في التراث الصحراوي، محولة الأنغام إلى نبض يحكي وجع التيه.
ولا يمكن القراءة التحليلية لـ»سراب» دون التوقف عند شخصية «طاقع» التي أداها كمال زهيو ببراعة جسدية لافتة، حيث جسد دور الإنسان البدائي أو «وحش الصحراء» الذي يمتلك المعرفة الفطرية بالمكان، لكنه يفتقد لغة التواصل المنطوقة.
لقد قدم زهيو لوحات كوريغرافية حية، مستخدما جسده كأداة للتعبير عن الصراع من أجل البقاء، وكان موته، أو صرخته الأخيرة، بمثابة إعلان عن انكسار الفطرة أمام ألغام الواقع.
إن هذا التوظيف للشخصيات الصامتة أو البدائية يغني الرؤية الإخراجية لحافظ خليفة، الذي يميل دائما إلى المسرح الشامل الذي يشرك الجسد والضوء والكلمة في إنتاج المعنى. فأتت النهاية لتؤكد فلسفة «السراب» التي بني عليها العمل؛ فكل محاولات النجاة تنتهي بطريقة تراجيدية، حيث يتحول الأمل إلى عدم، وتنتهي رحلة سيليا بالموت، وتانيري بالشلل، ومصباح بالعودة لمواجهة «الرايات السوداء» التي ترمز للتطرف، وكأن المخرج يخبرنا أن الصحراء (والحياة) ليست مجرد رمال، بل هي حقل ألغام فكري واجتماعي يتطلب مواجهة دائمة، لا هروبا مستمرا، مما يجعل «سراب» وثيقة مسرحية بصرية وفكرية عميقة.