تولي الدولة اليوم في أعلى هرمها أهمية بالغة للجالية التونسية بالخارج باعتبارها عنصراً فاعلاً في معادلة التنمية الوطنية. ومن هذا المنطلق لم يعد التعاطي مع هذه الجالية مقتصراً على البعد الرمزي أو المناسباتي فقط، بل تحول إلى خيار استراتيجي تتقاطع فيه الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في ظل إدراك متنامٍ للدور الذي يمكن أن تضطلع به الكفاءات التونسية بالخارج في دعم مسار الإصلاح وتعزيز إشعاع تونس إقليمياً ودولياً.
وضمن هذه المقاربة، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيد، برزت مقاربة جديدة في إدارة ملف التونسيين بالخارج، تقوم على مبدأ الرعاية الشاملة والمتواصلة، من تأمين الحماية في أوقات الأزمات إلى توفير الظروف الملائمة للاندماج الإيجابي في الدورة الاقتصادية الوطنية، بما يؤشر إلى تحول هذا الملف إلى أولوية مطلقة يتم التعاطي معها ضمن رؤية متكاملة تسعى إلى تثمين الرأسمال البشري التونسي في كل رقعة من العالم.
وهذا الطرح تجلى بوضوح مؤخراً في التعامل والتعاطي مع تداعيات الحرب الإيرانية–الأمريكية الراهنة، حيث تحركت الدولة على أكثر من واجهة لتأمين سلامة أفراد الجالية المقيمين في العواصم التي شهدت توتراً أو في المناطق القريبة منها. وفي هذا الصدد تم على مستوى وزارة الشؤون الخارجية إحداث خلية أزمة تعمل على مدار الساعة لمتابعة أوضاع الجالية التونسية في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
كما تم تفعيل خلايا متابعة ورصد مستمر للأوضاع، مع وضع خطط استباقية لإجلاء التونسيين عند الاقتضاء وضمان عودتهم في أفضل الظروف الممكنة.
استنفار ويقظة
وبالتوازي مع ذلك، شهدت مختلف البعثات التونسية بالخارج حالة استنفار ويقظة دبلوماسية لمتابعة أوضاع الجالية، سواء عبر توفير المعلومة الدقيقة والمُحينة حول تطورات الأوضاع الأمنية، أو من خلال وضع قنوات اتصال مباشرة مع أفراد الجالية لتلقي الاستفسارات والتدخل عند الحاجة. كما تم تعزيز التنسيق مع سلطات الدول المضيفة لضمان سلامة التونسيين وتسهيل تنقلهم عبر بلدان أخرى عند الضرورة، إلى جانب تنظيم عمليات إجلاء في بعض الحالات وفق خطط محكمة تراعي الأولويات والجاهزية اللوجستية. وقد عكس هذا التحرك حضوراً فعلياً للدولة خارج حدودها، وأكد قدرة الدبلوماسية التونسية على الاضطلاع بدورها الحمائي في الأوقات الحرجة، بما يعزز ثقة الجالية في مؤسساتها ويكرس مبدأ استمرارية الرعاية أينما وجد المواطن التونسي.
وهذا التحرك الدبلوماسي الذي كان بتوجيهات من رئيس الدولة قيس سعيد عكس في جوهره جاهزية مؤسسات الدولة وقدرتها على التدخل السريع والفعّال لحماية مواطنيها خارج الحدود. كما جسد في الآن ذاته حرصاً سياسياً على عدم ترك أي تونسي في مواجهة المخاطر بمفرده، في رسالة واضحة مفادها أن الانتماء الوطني يظل رابطاً قائماً لا تقطعه المسافات ولا تلغيه الحدود. وقد ساهمت هذه الجهود في تعزيز ثقة الجالية في مؤسسات الدولة، وترسيخ الشعور بالانتماء والاطمئنان، خاصة في سياقات دولية تتسم بعدم الاستقرار.
دعم قنصلي
وبعيداً عن تدخل الدولة الناجع إثر الحرب الراهنة، جدير بالذكر أن الدعم القنصلي والخدماتي يمثل أحد الأعمدة الأساسية في سياسة الدولة تجاه الجالية التونسية بالخارج، حيث تعمل وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، إلى جانب ديوان التونسيين بالخارج، كحلقة وصل فعّالة لتأمين جملة الخدمات الإدارية ونشر المعلومة الدقيقة، والتدخل لحل الإشكاليات التي قد يواجهها المواطنون خارج أرض الوطن. وفي هذا السياق، تندرج توجيهات رئيس الجمهورية قيس سعيد بضرورة الارتقاء بجودة الخدمات القنصلية وتبسيط الإجراءات وتقريب الإدارة من المواطن، بما يضمن سرعة الاستجابة ونجاعة التدخل، خاصة في الحالات الاستعجالية أو المعقدة.
كما شدد أيضاً رئيس الدولة قيس سعيد في أكثر من مناسبة على أن رعاية التونسيين بالخارج ليست خياراً ظرفياً، وإنما هي التزام ثابت يندرج ضمن مسؤوليات الدولة، داعياً إلى تطوير الأداء القنصلي ليواكب تطلعات الجالية ويستجيب لمتطلبات العصر، لا سيما عبر رقمنة الخدمات وتحسين آليات التواصل. وتبعاً لهذه التوجيهات، تم العمل على تعزيز الإحاطة الاجتماعية والإدارية، وتكثيف الحملات التوعوية، فضلاً عن دعم دور ديوان التونسيين بالخارج في مرافقة المواطنين وتقديم الإرشاد اللازم، بما يكرس علاقة ثقة مستدامة بين الدولة وجاليتها ويعزز شعور الانتماء والارتباط بالوطن.
الجالية قاطرة نحو الاستثمار
ولم تقتصر هذه المقاربة على الجانب الأمني والإنساني فقط، بل امتدت لتشمل بعداً اقتصادياً لا يقل أهمية، يتمثل في تشجيع التونسيين بالخارج على الاستثمار في بلادهم باعتبارهم فاعلين اقتصاديين قادرين على المساهمة في دفع عجلة التنمية. وفي هذا السياق، عملت الدولة وبتوصيات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيد على مراجعة جملة من الإجراءات والتشريعات بهدف تبسيط المسارات الإدارية، وتحفيز المبادرة الخاصة، وتوفير مناخ أعمال أكثر جاذبية وشفافية.
ومن بين أبرز هذه التوجهات، إقرار تسهيلات مالية وجبائية لفائدة المستثمرين من أبناء الجالية، إلى جانب إحداث آليات مرافقة وتوجيه تتيح لهم تحويل أفكارهم إلى مشاريع ملموسة. كما تم العمل على رقمنة عدد من الخدمات الإدارية، بما يختزل الوقت والجهد ويقلص من التعقيدات البيروقراطية التي كانت تشكل عائقاً أمام العديد من الراغبين في الاستثمار.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه الكفاءات التونسية بالخارج، ليس فقط كمستثمرين، بل أيضاً كحاملي معرفة وخبرة يمكن أن تسهم في نقل التكنولوجيا وتعزيز الابتكار داخل النسيج الاقتصادي الوطني. وبالتالي فإن استقطاب هذه الكفاءات أو ربطها بمشاريع داخل تونس يمثل رهاناً استراتيجياً، خاصة في ظل التحولات العالمية المتسارعة التي تجعل من المعرفة عاملاً حاسماً في تحقيق التنمية.
كما تسعى الدولة، من خلال سياساتها الجديدة، إلى إرساء علاقة أكثر توازناً مع الجالية التونسية بالخارج تقوم على الشراكة الفعلية. فالتونسي بالخارج لم يعد يُنظر إليه فقط كمصدر للتحويلات المالية، وإنما كشريك فاعل قادر على المساهمة في صياغة السياسات العمومية، خاصة تلك المتعلقة بمجالات الاستثمار والتنمية الجهوية.
وتعزيزاً لهذا الطرح، وانطلاقاً من بلوغ تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج مستوى 8761,6 مليون دينار مع نهاية سنة 2025، مقابل 8262,6 مليون دينار في سنة 2024، مسجلة بذلك زيادة بنسبة 6 بالمائة، يتأكد المنحى التصاعدي لهذا المورد الحيوي الذي يرسخ موقعه كأحد أهم دعائم التوازنات المالية في البلاد.
فهذه الأرقام لا تعكس فقط تحسناً، بل تؤشر أيضاً إلى استمرارية ارتباط الجالية التونسية بوطنها، واستعدادها للاضطلاع بدور اقتصادي فاعل، خاصة في ظل سياقات دولية معقدة تتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتذبذب الأوضاع الاقتصادية في بلدان الإقامة.
وتفتح هذه المؤشرات الباب أمام قراءة أعمق تتجاوز البعد المالي المباشر، لتطرح مسألة حسن توظيف هذه التدفقات في دعم الاستثمار والإنتاج، بدل الاقتصار على الاستهلاك، على اعتبار أن المحافظة على هذا النسق التصاعدي يتطلب سياسات عمومية قادرة على تحويل هذه التحويلات إلى رافعة تنموية حقيقية، عبر توفير مناخ محفز وثقة مستدامة، بما يعزز اندماج التونسيين بالخارج في الدورة الاقتصادية الوطنية كشركاء فاعلين في تحقيق النمو.
مراهنة الدولة على الجالية
يعتبر رئيس الدولة قيس سعيد أن الجالية التونسية بالخارج «جزء لا يتجزأ من الوطن»، مشيراً في أكثر من مناسبة إلى أن هذه الجالية تمثل قوة اقتصادية هامة ورافعة استراتيجية يمكن الاعتماد عليها في دفع عجلة التنمية داخل البلاد. وهذا التوجه يعكس إدراكاً لأهمية ربط الجالية بالوطن، وتفعيل إمكانياتها في خدمة التنمية المستدامة وتحقيق التوازن الاقتصادي.
كما أكد أيضاً رئيس الدولة قيس سعيد أن البعثات الدبلوماسية التونسية بالخارج تمثل خط الدفاع الأول للجالية، وأن مهمتها ليست فقط تقديم الخدمات القنصلية، بل أيضاً دعم الاستثمار وتعزيز فرص التعاون الاقتصادي. ومن خلال هذه الرؤية، تم تكريس دور الجالية كشريك اقتصادي استراتيجي، مع تشجيعها على المساهمة في خلق فرص الشغل وتمويل المشاريع الوطنية، بما يجعل من حضورها الخارجي امتداداً حقيقياً للإمكانات الاقتصادية للبلاد. ويجسد هذا الموقف رؤية متكاملة ترى في التونسيين بالخارج قوة اقتصادية يمكن أن تتحول إلى محرك حقيقي للنمو والتنمية.
وضمن هذا التمشي، فإن العناية التي توليها الدولة في أعلى هرمها للجالية التونسية بالخارج تعكس تحولاً نوعياً في فهم الدور الريادي الذي يمكن أن تلعبه هذه الفئة.
وفي صورة الحفاظ على هذا النسق وتعزيزه، فإن الجالية التونسية بالخارج يمكن أن تتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية، تسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وتعزز حضور تونس في العالم، في إطار علاقة تقوم على الثقة المتبادلة والمصلحة المشتركة.
منال حرزي
تولي الدولة اليوم في أعلى هرمها أهمية بالغة للجالية التونسية بالخارج باعتبارها عنصراً فاعلاً في معادلة التنمية الوطنية. ومن هذا المنطلق لم يعد التعاطي مع هذه الجالية مقتصراً على البعد الرمزي أو المناسباتي فقط، بل تحول إلى خيار استراتيجي تتقاطع فيه الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في ظل إدراك متنامٍ للدور الذي يمكن أن تضطلع به الكفاءات التونسية بالخارج في دعم مسار الإصلاح وتعزيز إشعاع تونس إقليمياً ودولياً.
وضمن هذه المقاربة، وبتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيد، برزت مقاربة جديدة في إدارة ملف التونسيين بالخارج، تقوم على مبدأ الرعاية الشاملة والمتواصلة، من تأمين الحماية في أوقات الأزمات إلى توفير الظروف الملائمة للاندماج الإيجابي في الدورة الاقتصادية الوطنية، بما يؤشر إلى تحول هذا الملف إلى أولوية مطلقة يتم التعاطي معها ضمن رؤية متكاملة تسعى إلى تثمين الرأسمال البشري التونسي في كل رقعة من العالم.
وهذا الطرح تجلى بوضوح مؤخراً في التعامل والتعاطي مع تداعيات الحرب الإيرانية–الأمريكية الراهنة، حيث تحركت الدولة على أكثر من واجهة لتأمين سلامة أفراد الجالية المقيمين في العواصم التي شهدت توتراً أو في المناطق القريبة منها. وفي هذا الصدد تم على مستوى وزارة الشؤون الخارجية إحداث خلية أزمة تعمل على مدار الساعة لمتابعة أوضاع الجالية التونسية في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
كما تم تفعيل خلايا متابعة ورصد مستمر للأوضاع، مع وضع خطط استباقية لإجلاء التونسيين عند الاقتضاء وضمان عودتهم في أفضل الظروف الممكنة.
استنفار ويقظة
وبالتوازي مع ذلك، شهدت مختلف البعثات التونسية بالخارج حالة استنفار ويقظة دبلوماسية لمتابعة أوضاع الجالية، سواء عبر توفير المعلومة الدقيقة والمُحينة حول تطورات الأوضاع الأمنية، أو من خلال وضع قنوات اتصال مباشرة مع أفراد الجالية لتلقي الاستفسارات والتدخل عند الحاجة. كما تم تعزيز التنسيق مع سلطات الدول المضيفة لضمان سلامة التونسيين وتسهيل تنقلهم عبر بلدان أخرى عند الضرورة، إلى جانب تنظيم عمليات إجلاء في بعض الحالات وفق خطط محكمة تراعي الأولويات والجاهزية اللوجستية. وقد عكس هذا التحرك حضوراً فعلياً للدولة خارج حدودها، وأكد قدرة الدبلوماسية التونسية على الاضطلاع بدورها الحمائي في الأوقات الحرجة، بما يعزز ثقة الجالية في مؤسساتها ويكرس مبدأ استمرارية الرعاية أينما وجد المواطن التونسي.
وهذا التحرك الدبلوماسي الذي كان بتوجيهات من رئيس الدولة قيس سعيد عكس في جوهره جاهزية مؤسسات الدولة وقدرتها على التدخل السريع والفعّال لحماية مواطنيها خارج الحدود. كما جسد في الآن ذاته حرصاً سياسياً على عدم ترك أي تونسي في مواجهة المخاطر بمفرده، في رسالة واضحة مفادها أن الانتماء الوطني يظل رابطاً قائماً لا تقطعه المسافات ولا تلغيه الحدود. وقد ساهمت هذه الجهود في تعزيز ثقة الجالية في مؤسسات الدولة، وترسيخ الشعور بالانتماء والاطمئنان، خاصة في سياقات دولية تتسم بعدم الاستقرار.
دعم قنصلي
وبعيداً عن تدخل الدولة الناجع إثر الحرب الراهنة، جدير بالذكر أن الدعم القنصلي والخدماتي يمثل أحد الأعمدة الأساسية في سياسة الدولة تجاه الجالية التونسية بالخارج، حيث تعمل وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، إلى جانب ديوان التونسيين بالخارج، كحلقة وصل فعّالة لتأمين جملة الخدمات الإدارية ونشر المعلومة الدقيقة، والتدخل لحل الإشكاليات التي قد يواجهها المواطنون خارج أرض الوطن. وفي هذا السياق، تندرج توجيهات رئيس الجمهورية قيس سعيد بضرورة الارتقاء بجودة الخدمات القنصلية وتبسيط الإجراءات وتقريب الإدارة من المواطن، بما يضمن سرعة الاستجابة ونجاعة التدخل، خاصة في الحالات الاستعجالية أو المعقدة.
كما شدد أيضاً رئيس الدولة قيس سعيد في أكثر من مناسبة على أن رعاية التونسيين بالخارج ليست خياراً ظرفياً، وإنما هي التزام ثابت يندرج ضمن مسؤوليات الدولة، داعياً إلى تطوير الأداء القنصلي ليواكب تطلعات الجالية ويستجيب لمتطلبات العصر، لا سيما عبر رقمنة الخدمات وتحسين آليات التواصل. وتبعاً لهذه التوجيهات، تم العمل على تعزيز الإحاطة الاجتماعية والإدارية، وتكثيف الحملات التوعوية، فضلاً عن دعم دور ديوان التونسيين بالخارج في مرافقة المواطنين وتقديم الإرشاد اللازم، بما يكرس علاقة ثقة مستدامة بين الدولة وجاليتها ويعزز شعور الانتماء والارتباط بالوطن.
الجالية قاطرة نحو الاستثمار
ولم تقتصر هذه المقاربة على الجانب الأمني والإنساني فقط، بل امتدت لتشمل بعداً اقتصادياً لا يقل أهمية، يتمثل في تشجيع التونسيين بالخارج على الاستثمار في بلادهم باعتبارهم فاعلين اقتصاديين قادرين على المساهمة في دفع عجلة التنمية. وفي هذا السياق، عملت الدولة وبتوصيات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيد على مراجعة جملة من الإجراءات والتشريعات بهدف تبسيط المسارات الإدارية، وتحفيز المبادرة الخاصة، وتوفير مناخ أعمال أكثر جاذبية وشفافية.
ومن بين أبرز هذه التوجهات، إقرار تسهيلات مالية وجبائية لفائدة المستثمرين من أبناء الجالية، إلى جانب إحداث آليات مرافقة وتوجيه تتيح لهم تحويل أفكارهم إلى مشاريع ملموسة. كما تم العمل على رقمنة عدد من الخدمات الإدارية، بما يختزل الوقت والجهد ويقلص من التعقيدات البيروقراطية التي كانت تشكل عائقاً أمام العديد من الراغبين في الاستثمار.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي تلعبه الكفاءات التونسية بالخارج، ليس فقط كمستثمرين، بل أيضاً كحاملي معرفة وخبرة يمكن أن تسهم في نقل التكنولوجيا وتعزيز الابتكار داخل النسيج الاقتصادي الوطني. وبالتالي فإن استقطاب هذه الكفاءات أو ربطها بمشاريع داخل تونس يمثل رهاناً استراتيجياً، خاصة في ظل التحولات العالمية المتسارعة التي تجعل من المعرفة عاملاً حاسماً في تحقيق التنمية.
كما تسعى الدولة، من خلال سياساتها الجديدة، إلى إرساء علاقة أكثر توازناً مع الجالية التونسية بالخارج تقوم على الشراكة الفعلية. فالتونسي بالخارج لم يعد يُنظر إليه فقط كمصدر للتحويلات المالية، وإنما كشريك فاعل قادر على المساهمة في صياغة السياسات العمومية، خاصة تلك المتعلقة بمجالات الاستثمار والتنمية الجهوية.
وتعزيزاً لهذا الطرح، وانطلاقاً من بلوغ تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج مستوى 8761,6 مليون دينار مع نهاية سنة 2025، مقابل 8262,6 مليون دينار في سنة 2024، مسجلة بذلك زيادة بنسبة 6 بالمائة، يتأكد المنحى التصاعدي لهذا المورد الحيوي الذي يرسخ موقعه كأحد أهم دعائم التوازنات المالية في البلاد.
فهذه الأرقام لا تعكس فقط تحسناً، بل تؤشر أيضاً إلى استمرارية ارتباط الجالية التونسية بوطنها، واستعدادها للاضطلاع بدور اقتصادي فاعل، خاصة في ظل سياقات دولية معقدة تتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتذبذب الأوضاع الاقتصادية في بلدان الإقامة.
وتفتح هذه المؤشرات الباب أمام قراءة أعمق تتجاوز البعد المالي المباشر، لتطرح مسألة حسن توظيف هذه التدفقات في دعم الاستثمار والإنتاج، بدل الاقتصار على الاستهلاك، على اعتبار أن المحافظة على هذا النسق التصاعدي يتطلب سياسات عمومية قادرة على تحويل هذه التحويلات إلى رافعة تنموية حقيقية، عبر توفير مناخ محفز وثقة مستدامة، بما يعزز اندماج التونسيين بالخارج في الدورة الاقتصادية الوطنية كشركاء فاعلين في تحقيق النمو.
مراهنة الدولة على الجالية
يعتبر رئيس الدولة قيس سعيد أن الجالية التونسية بالخارج «جزء لا يتجزأ من الوطن»، مشيراً في أكثر من مناسبة إلى أن هذه الجالية تمثل قوة اقتصادية هامة ورافعة استراتيجية يمكن الاعتماد عليها في دفع عجلة التنمية داخل البلاد. وهذا التوجه يعكس إدراكاً لأهمية ربط الجالية بالوطن، وتفعيل إمكانياتها في خدمة التنمية المستدامة وتحقيق التوازن الاقتصادي.
كما أكد أيضاً رئيس الدولة قيس سعيد أن البعثات الدبلوماسية التونسية بالخارج تمثل خط الدفاع الأول للجالية، وأن مهمتها ليست فقط تقديم الخدمات القنصلية، بل أيضاً دعم الاستثمار وتعزيز فرص التعاون الاقتصادي. ومن خلال هذه الرؤية، تم تكريس دور الجالية كشريك اقتصادي استراتيجي، مع تشجيعها على المساهمة في خلق فرص الشغل وتمويل المشاريع الوطنية، بما يجعل من حضورها الخارجي امتداداً حقيقياً للإمكانات الاقتصادية للبلاد. ويجسد هذا الموقف رؤية متكاملة ترى في التونسيين بالخارج قوة اقتصادية يمكن أن تتحول إلى محرك حقيقي للنمو والتنمية.
وضمن هذا التمشي، فإن العناية التي توليها الدولة في أعلى هرمها للجالية التونسية بالخارج تعكس تحولاً نوعياً في فهم الدور الريادي الذي يمكن أن تلعبه هذه الفئة.
وفي صورة الحفاظ على هذا النسق وتعزيزه، فإن الجالية التونسية بالخارج يمكن أن تتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية، تسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وتعزز حضور تونس في العالم، في إطار علاقة تقوم على الثقة المتبادلة والمصلحة المشتركة.