-خبراء يؤكدون أهمية التدقيق والبحث في المعالجة الدرامية تلافيا للإخلالات وحفاظا على مصداقية الأعمال الفنية
لا يقتصر دور المختصين في القوانين، التاريخ، الطب، علوم النفس والاجتماع، وتدقيق اللهجات وغيرها، على منح المعلومة وتصحيح الأخطاء في الكتابة الدرامية للأعمال الفنية، ففي الكثير من الأحيان يكون لهؤلاء الخبراء مساهمة كبيرة في بناء أحداث المسلسلات والأفلام، وتحديد ملامح شخصياتها وردود أفعالها وأنماط عيشها وسلوكها. فمن المهم أن تكون الدراما، بعيدا عن جانبها الترفيهي، صادقة في مضامينها، وتحترم ذكاء المشاهد، وتدفع نحو تنمية فكره وتثقيفه على مستويات عديدة، منها التشريعية والطبية، وبالتالي لا تكون هذه الأعمال الفنية عاملا لتشويه الحقائق العلمية وغيرها. وقد تتسبب في بعض الأحيان في مأساة إذا تأثّر المتلقي بما يشاهده واعتبر ما تمرره الدراما من رسائل حقائق يمكنه تطبيقها على أرض الواقع.
ويشهد عالم الدراما أخطاء لا تعد في مشاهد للمستشفيات وغرف العمليات، أشهرها مشاهد الإنعاش واستخدام الصدمات الكهربائية. كما يتأثر بعض صناع الدراما بالأعمال الأمريكية، فيقلدون مشاهدها في المحاكم، وكأنها نسخة في بلادها، والأمر غير مطابق لواقعية الإطار المكاني والزماني للعمل، مع الكثير من الثغرات في توظيف القوانين خلال حوارات الأبطال. هذا دون إغفال الأخطاء الفادحة على مستوى إتقان الممثلين للهجات المختلفة، أو الكتابة الضعيفة لشخصيات غير نمطية تعاني من أزمات نفسية أو سلوك عدواني.
في الدراما التلفزية التونسية، يشيد عديد الممثلين بكتابة علي اللواتي على مستوى اهتمامه بأدق التفاصيل، منها عامل اللهجة، واستعانته بمدقق ومختص في هذا المجال في أعماله، على غرار مسلسل «حسابات وعقابات». ولنا أن نشير في هذا السياق إلى أن الاستعانة بخبراء ومستشارين في الأعمال الفنية، بهدف تقديم بناء درامي محكم ومصداقية تدعم الرؤية الفنية للعمل. وتقول الكاتبة والسيناريست بلقيس خليفة لـ»الصباح» في ذلك: «إن من أسوأ ما يمكن أن يقع فيه السيناريست من أخطاء هو استسهال الكتابة في مواضيع شتى، والخوض في عدة مسائل تهم الشخصيات، طبية كانت أو تاريخية أو قانونية، أو حتى تتعلق باللهجات أو العادات والتقاليد، دون أن يستشير أهل الذكر.. ذلك أنه يتعين على كاتب السيناريو أن يستعين بمختصين كلما استدعى الأمر ذلك.. فلا يعقل مثلا كتابة سيناريو تاريخي دون الاستعانة بمؤرخ مختص في تلك الحقبة، أو الاستعانة بكتب تاريخية درست على الأقل تلك المرحلة...» وأضافت في ذات الإطار: «ولا يمكن مثلا التعرض لحالة صحية تمر بها الشخصية، سواء كانت نفسية أو عضوية، دون الاستنجاد بأطباء مختصين، وقس على ذلك في عدة سياقات سياسية أو نقابية أو قانونية أو لغوية، إذا كان العمل بالفصحى أو بلهجات محلية، وهو ما يضفي على السيناريو مصداقية ويؤكد جدية صاحبه، لأنه بذلك يكون قد احترم المشاهد على اختلاف فئاته، وجنّب العمل انتقادات كان من السهل تفاديها ببذل جهد إضافي في استشارة أهل الاختصاص».
وذكرت الكاتبة بلقيس خليفة في تصريحها لنا أن كتابة جملة واحدة من روايتها الأخيرة «نافذة على الشمس»، وهي «صفاقس هذه المدينة الأبية التي استعصت على المحتلين منذ غزو النورمان...»، استدعى منها الأمر الاطلاع على أكثر من كتاب يؤرخ للمدينة منذ القرن الثاني عشر، وهو ما جعلها تتوسع في الفصل وتقدمه بتفاصيل أكثر ثراء.
وعن الحدود بين حرية الإبداع وضرورة الالتزام بمعايير المصداقية وواقعية الحكاية وضوابطها، أكدت بلقيس خليفة لـ«الصباح» أن مساحة الحرية تختلف في كتابة السيناريو بحسب الجمهور الذي يستهدفه العمل، فسيناريو الأفلام الذي يفترض أن يبث في قاعة سينما لجمهور معين يختار الذهاب لمشاهدته بمحض إرادته، تختلف عن المساحة المسموح بها في سيناريو عمل درامي يفترض أن يبث في قناة محلية تستهدف جمهورا عائليا بالأساس. وتابعت في الإطار: «وبما أنه ليس لتونس إنتاجات درامية خارج شهر رمضان، فإن أغلب الأعمال التي تبث في هذا الشهر ينبغي أن تراعي أمرين مهمين، الأول، أنها تتوجه لجمهور يتكون أغلبه من عائلات بأطفالها ومراهقيها وشيوخها، ويفترض أن تراعي الأعراف الاجتماعية والمسلمات الأخلاقية في مثل هذه الحالات. أما الأمر الثاني، فهو يتمثل في الحرمة الدينية لشهر الصيام، وما تستدعيه من احترام لقدسيته عند عموم الشعب المتابع للأعمال الدرامية. وعليه، فإن مساحة الحرية المسموح بها في شهر رمضان مساحة بقداسة الشهر من جهة، والمزاج العام من جهة ثانية».
المسؤولية المجتمعية
من جهته، وصف المحامي أحمد بن حسانة في تصريحه لـ«الصباح» الأخطاء القانونية في الدراما بالخطيرة، وأن وجود مستشارين في أي عمل فني ضروري، خاصة حين يتضمن السيناريو محاور في الأحداث تتعلق بقضايا أو قطاعات تحتاج للمعلومة الدقيقة.
وحذر محدثنا من أن بعض المعلومات الخاطئة الواردة على لسان شخصية ما في الدراما قد تضلل المتلقي للعمل الفني، موضحا أن بعض الأخطاء يمكن تجاوزها، على غرار هندام المحامي في مسلسل «أكسيدون» (بثته قناة نسمة في رمضان)، وأسلوب حديثه في مركز الشرطة، معتبرا أنها نوع من الهفوات وليست بالثغرات الخطيرة في العمل، ولكن هناك مشاهد عرضت في الدراما التونسية في السنوات الأخيرة يجب الوقوف على مدى خطورة مضامينها، ومنها معلومات طبية وتاريخية.
وشدد أحمد بن حسانة على أن هذه الأخطاء تعكس الاستسهال والجهل بمدى تأثيرها السلبي على قيمة العمل الفني وجودته من ناحية، ومن ناحية أخرى من الضروري الحرص على صورة المؤسسات والمهن في المشهد الدرامي التونسي، وهذه مسؤولية صناع الدراما المجتمعية، وفق محدثنا الذي أضاف أن السيناريست، في اعتقاده، صاحب الدور الكبير في هذا المستوى، وعليه البحث جيدا والتعمق في توظيف المعلومات القانونية وغيرها في طرحه، مؤكدا على أهمية الاستعانة بمستشارين وخبراء في مرحلة الكتابة والإنتاج في الدراما التونسية.
ونوه في المقابل، وفي سياق حديثه عن دراما رمضان 2026، بما أسماه بالتوظيف القانوني المتقن لمشهد الإيقاف في حالة الدفاع عن النفس (وتحديدا مشهد خلاف محمد مراد وفارس عبد الدايم في مسلسل «خطيفة» للمخرجة سوسن الجمني، الذي بثته قناة الحوار التونسي)، وأكد أن اعتماد النص القانوني ساهم في التسويق الصحيح للمعلومة وتوعية الجمهور بشكل سلس ومبسط.
مقاربة علم الاجتماع
وأقر الباحث في علم الاجتماع طارق السعيدي، في تصريحه لـ«الصباح»، بدور الدراما في تشكيل الوعي، ولكن بالنسبة له لا يمكن تحقيق ما أسماه بالتأطير المباشر للدراما في العموم، موضحا أنه يرفض المس من حرية الإبداع في المطلق، لكنه عندما يقرأ هذه الإنتاجات الدرامية على ضوء علم الاجتماع، فإنه يرى في مضامينها جرعة كبيرة من العنف، قائلا في السياق: «صناع المشهد الدرامي مطالبون بالاستعانة بمستشارين، خاصة في علم النفس، فالمضمون المقترح في رمضان عنيف جدا، وألفت النظر على هذا المستوى لتوقيت البث وخصوصية الشهر الكريم، علما وأن هذه المضامين تعرض دون تصنيف عمري.
المشاهد أحيانا صادمة، وعلم النفس مغيب في خانة الاستشارات، وشخصيا يهمني حماية الطفولة، لأن طقس المشاهدة في رمضان طقس خاص في تونس والعالم الإسلامي عموما، وهذه الخصوصية في رمضان، التي تؤدي لنمط استهلاكي وفرجوي معين، تتطلب حدا أدنى وآليات الفرز حتى تدرك العائلة ما الذي لا يستقيم لفئة عمرية معينة بذكر تصنيف عمري (أقل من 12 أو أقل من 16)، فمن المفروض أن الأعمال الكوميدية التي تعرض بعد آذان المغرب، على سبيل الذكر، لا تقدم العنف على الأقل، ومع ذلك كانت هناك مشاهد عنف فظيعة».
ودعا الباحث في علم الاجتماع صناع الدراما إلى استغلال شهر رمضان جيدا، فهو فرصة للتلفزيون لإعادة تشكيل موقعه، في زحمة انتشار وسائل الدعاية والإعلان، وهو فرصة للتطوير والابتعاد عن الاستسهال.
وشدد محدثنا على أن الدراما هي جزء من العمل الإبداعي، تنتمي للحقل الرمزي الكبير، وهو الثقافة، وأن الأعمال الدرامية التلفزية تضعنا أمام إشكالية وخصوصية تجمع بين رؤية الدراما كممارسة إبداعية ثقافية في بعد أول، وبين تأثيرات التلفزيون في بعد ثان، باعتبار تأثيره في المتلقي في سياق اجتماعي معين. وأكد الباحث أن القيود على الدراما، خاصة في نظام اجتماعي تحكمه قيم السوق، تجعلها تقدم مضامين تتبنى ثقافة السوق، على غرار المعاملات غير السوية وسياق الفردانية. وبالتالي، فإن الدراما تعيد إنتاج هذه القيم العاكسة لنظرة المدافعين عن هذا النمط من الإنتاج، قائلا: «إن الإخلالات في البناء الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع تجعل الدراما تعكس بالضرورة إكراهاتها، كالإشهار والسعي وراء نسب المشاهدة، ويصبح الرهان الأساسي لهذه الدراما ليس الرسالة والمضمون، وإنما حجم الجمهور (الثقافة الجماهيرية بعد تشيئتها والقائمة على قاعدة الاستهلاك)».
وتؤكد مقاربات المختصين من خبراء في كتابة السيناريو أو في القانون وعلم الاجتماع على ضرورة البحث والتدقيق قبل تقديم مضامين درامية ذات خصوصية، تعرض في الموسم الرمضاني الاستثنائي على مستوى الفرجة، كما التصنيف العمري، وأهمية الحرص على صورة المجتمع بمختلف مؤسساته وقطاعاته ونمط عيش شخوصه وأبعادهم النفسية والاجتماعية قبل طرح هذه الخيارات في أعمال موجهة للعائلة التونسية بمختلف أفرادها، كبارا وصغارا. وفي اعتقادنا أن الاشتغال العميق على تفاصيل السيناريو لا يمس من حرية المبدع، بقدر ما يعكس مدى وعي كاتبه والقائمين على تنفيذه بقيمة المصداقية وحرصهم على جودة العمل الفني.
نجلاء قموع
-خبراء يؤكدون أهمية التدقيق والبحث في المعالجة الدرامية تلافيا للإخلالات وحفاظا على مصداقية الأعمال الفنية
لا يقتصر دور المختصين في القوانين، التاريخ، الطب، علوم النفس والاجتماع، وتدقيق اللهجات وغيرها، على منح المعلومة وتصحيح الأخطاء في الكتابة الدرامية للأعمال الفنية، ففي الكثير من الأحيان يكون لهؤلاء الخبراء مساهمة كبيرة في بناء أحداث المسلسلات والأفلام، وتحديد ملامح شخصياتها وردود أفعالها وأنماط عيشها وسلوكها. فمن المهم أن تكون الدراما، بعيدا عن جانبها الترفيهي، صادقة في مضامينها، وتحترم ذكاء المشاهد، وتدفع نحو تنمية فكره وتثقيفه على مستويات عديدة، منها التشريعية والطبية، وبالتالي لا تكون هذه الأعمال الفنية عاملا لتشويه الحقائق العلمية وغيرها. وقد تتسبب في بعض الأحيان في مأساة إذا تأثّر المتلقي بما يشاهده واعتبر ما تمرره الدراما من رسائل حقائق يمكنه تطبيقها على أرض الواقع.
ويشهد عالم الدراما أخطاء لا تعد في مشاهد للمستشفيات وغرف العمليات، أشهرها مشاهد الإنعاش واستخدام الصدمات الكهربائية. كما يتأثر بعض صناع الدراما بالأعمال الأمريكية، فيقلدون مشاهدها في المحاكم، وكأنها نسخة في بلادها، والأمر غير مطابق لواقعية الإطار المكاني والزماني للعمل، مع الكثير من الثغرات في توظيف القوانين خلال حوارات الأبطال. هذا دون إغفال الأخطاء الفادحة على مستوى إتقان الممثلين للهجات المختلفة، أو الكتابة الضعيفة لشخصيات غير نمطية تعاني من أزمات نفسية أو سلوك عدواني.
في الدراما التلفزية التونسية، يشيد عديد الممثلين بكتابة علي اللواتي على مستوى اهتمامه بأدق التفاصيل، منها عامل اللهجة، واستعانته بمدقق ومختص في هذا المجال في أعماله، على غرار مسلسل «حسابات وعقابات». ولنا أن نشير في هذا السياق إلى أن الاستعانة بخبراء ومستشارين في الأعمال الفنية، بهدف تقديم بناء درامي محكم ومصداقية تدعم الرؤية الفنية للعمل. وتقول الكاتبة والسيناريست بلقيس خليفة لـ»الصباح» في ذلك: «إن من أسوأ ما يمكن أن يقع فيه السيناريست من أخطاء هو استسهال الكتابة في مواضيع شتى، والخوض في عدة مسائل تهم الشخصيات، طبية كانت أو تاريخية أو قانونية، أو حتى تتعلق باللهجات أو العادات والتقاليد، دون أن يستشير أهل الذكر.. ذلك أنه يتعين على كاتب السيناريو أن يستعين بمختصين كلما استدعى الأمر ذلك.. فلا يعقل مثلا كتابة سيناريو تاريخي دون الاستعانة بمؤرخ مختص في تلك الحقبة، أو الاستعانة بكتب تاريخية درست على الأقل تلك المرحلة...» وأضافت في ذات الإطار: «ولا يمكن مثلا التعرض لحالة صحية تمر بها الشخصية، سواء كانت نفسية أو عضوية، دون الاستنجاد بأطباء مختصين، وقس على ذلك في عدة سياقات سياسية أو نقابية أو قانونية أو لغوية، إذا كان العمل بالفصحى أو بلهجات محلية، وهو ما يضفي على السيناريو مصداقية ويؤكد جدية صاحبه، لأنه بذلك يكون قد احترم المشاهد على اختلاف فئاته، وجنّب العمل انتقادات كان من السهل تفاديها ببذل جهد إضافي في استشارة أهل الاختصاص».
وذكرت الكاتبة بلقيس خليفة في تصريحها لنا أن كتابة جملة واحدة من روايتها الأخيرة «نافذة على الشمس»، وهي «صفاقس هذه المدينة الأبية التي استعصت على المحتلين منذ غزو النورمان...»، استدعى منها الأمر الاطلاع على أكثر من كتاب يؤرخ للمدينة منذ القرن الثاني عشر، وهو ما جعلها تتوسع في الفصل وتقدمه بتفاصيل أكثر ثراء.
وعن الحدود بين حرية الإبداع وضرورة الالتزام بمعايير المصداقية وواقعية الحكاية وضوابطها، أكدت بلقيس خليفة لـ«الصباح» أن مساحة الحرية تختلف في كتابة السيناريو بحسب الجمهور الذي يستهدفه العمل، فسيناريو الأفلام الذي يفترض أن يبث في قاعة سينما لجمهور معين يختار الذهاب لمشاهدته بمحض إرادته، تختلف عن المساحة المسموح بها في سيناريو عمل درامي يفترض أن يبث في قناة محلية تستهدف جمهورا عائليا بالأساس. وتابعت في الإطار: «وبما أنه ليس لتونس إنتاجات درامية خارج شهر رمضان، فإن أغلب الأعمال التي تبث في هذا الشهر ينبغي أن تراعي أمرين مهمين، الأول، أنها تتوجه لجمهور يتكون أغلبه من عائلات بأطفالها ومراهقيها وشيوخها، ويفترض أن تراعي الأعراف الاجتماعية والمسلمات الأخلاقية في مثل هذه الحالات. أما الأمر الثاني، فهو يتمثل في الحرمة الدينية لشهر الصيام، وما تستدعيه من احترام لقدسيته عند عموم الشعب المتابع للأعمال الدرامية. وعليه، فإن مساحة الحرية المسموح بها في شهر رمضان مساحة بقداسة الشهر من جهة، والمزاج العام من جهة ثانية».
المسؤولية المجتمعية
من جهته، وصف المحامي أحمد بن حسانة في تصريحه لـ«الصباح» الأخطاء القانونية في الدراما بالخطيرة، وأن وجود مستشارين في أي عمل فني ضروري، خاصة حين يتضمن السيناريو محاور في الأحداث تتعلق بقضايا أو قطاعات تحتاج للمعلومة الدقيقة.
وحذر محدثنا من أن بعض المعلومات الخاطئة الواردة على لسان شخصية ما في الدراما قد تضلل المتلقي للعمل الفني، موضحا أن بعض الأخطاء يمكن تجاوزها، على غرار هندام المحامي في مسلسل «أكسيدون» (بثته قناة نسمة في رمضان)، وأسلوب حديثه في مركز الشرطة، معتبرا أنها نوع من الهفوات وليست بالثغرات الخطيرة في العمل، ولكن هناك مشاهد عرضت في الدراما التونسية في السنوات الأخيرة يجب الوقوف على مدى خطورة مضامينها، ومنها معلومات طبية وتاريخية.
وشدد أحمد بن حسانة على أن هذه الأخطاء تعكس الاستسهال والجهل بمدى تأثيرها السلبي على قيمة العمل الفني وجودته من ناحية، ومن ناحية أخرى من الضروري الحرص على صورة المؤسسات والمهن في المشهد الدرامي التونسي، وهذه مسؤولية صناع الدراما المجتمعية، وفق محدثنا الذي أضاف أن السيناريست، في اعتقاده، صاحب الدور الكبير في هذا المستوى، وعليه البحث جيدا والتعمق في توظيف المعلومات القانونية وغيرها في طرحه، مؤكدا على أهمية الاستعانة بمستشارين وخبراء في مرحلة الكتابة والإنتاج في الدراما التونسية.
ونوه في المقابل، وفي سياق حديثه عن دراما رمضان 2026، بما أسماه بالتوظيف القانوني المتقن لمشهد الإيقاف في حالة الدفاع عن النفس (وتحديدا مشهد خلاف محمد مراد وفارس عبد الدايم في مسلسل «خطيفة» للمخرجة سوسن الجمني، الذي بثته قناة الحوار التونسي)، وأكد أن اعتماد النص القانوني ساهم في التسويق الصحيح للمعلومة وتوعية الجمهور بشكل سلس ومبسط.
مقاربة علم الاجتماع
وأقر الباحث في علم الاجتماع طارق السعيدي، في تصريحه لـ«الصباح»، بدور الدراما في تشكيل الوعي، ولكن بالنسبة له لا يمكن تحقيق ما أسماه بالتأطير المباشر للدراما في العموم، موضحا أنه يرفض المس من حرية الإبداع في المطلق، لكنه عندما يقرأ هذه الإنتاجات الدرامية على ضوء علم الاجتماع، فإنه يرى في مضامينها جرعة كبيرة من العنف، قائلا في السياق: «صناع المشهد الدرامي مطالبون بالاستعانة بمستشارين، خاصة في علم النفس، فالمضمون المقترح في رمضان عنيف جدا، وألفت النظر على هذا المستوى لتوقيت البث وخصوصية الشهر الكريم، علما وأن هذه المضامين تعرض دون تصنيف عمري.
المشاهد أحيانا صادمة، وعلم النفس مغيب في خانة الاستشارات، وشخصيا يهمني حماية الطفولة، لأن طقس المشاهدة في رمضان طقس خاص في تونس والعالم الإسلامي عموما، وهذه الخصوصية في رمضان، التي تؤدي لنمط استهلاكي وفرجوي معين، تتطلب حدا أدنى وآليات الفرز حتى تدرك العائلة ما الذي لا يستقيم لفئة عمرية معينة بذكر تصنيف عمري (أقل من 12 أو أقل من 16)، فمن المفروض أن الأعمال الكوميدية التي تعرض بعد آذان المغرب، على سبيل الذكر، لا تقدم العنف على الأقل، ومع ذلك كانت هناك مشاهد عنف فظيعة».
ودعا الباحث في علم الاجتماع صناع الدراما إلى استغلال شهر رمضان جيدا، فهو فرصة للتلفزيون لإعادة تشكيل موقعه، في زحمة انتشار وسائل الدعاية والإعلان، وهو فرصة للتطوير والابتعاد عن الاستسهال.
وشدد محدثنا على أن الدراما هي جزء من العمل الإبداعي، تنتمي للحقل الرمزي الكبير، وهو الثقافة، وأن الأعمال الدرامية التلفزية تضعنا أمام إشكالية وخصوصية تجمع بين رؤية الدراما كممارسة إبداعية ثقافية في بعد أول، وبين تأثيرات التلفزيون في بعد ثان، باعتبار تأثيره في المتلقي في سياق اجتماعي معين. وأكد الباحث أن القيود على الدراما، خاصة في نظام اجتماعي تحكمه قيم السوق، تجعلها تقدم مضامين تتبنى ثقافة السوق، على غرار المعاملات غير السوية وسياق الفردانية. وبالتالي، فإن الدراما تعيد إنتاج هذه القيم العاكسة لنظرة المدافعين عن هذا النمط من الإنتاج، قائلا: «إن الإخلالات في البناء الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع تجعل الدراما تعكس بالضرورة إكراهاتها، كالإشهار والسعي وراء نسب المشاهدة، ويصبح الرهان الأساسي لهذه الدراما ليس الرسالة والمضمون، وإنما حجم الجمهور (الثقافة الجماهيرية بعد تشيئتها والقائمة على قاعدة الاستهلاك)».
وتؤكد مقاربات المختصين من خبراء في كتابة السيناريو أو في القانون وعلم الاجتماع على ضرورة البحث والتدقيق قبل تقديم مضامين درامية ذات خصوصية، تعرض في الموسم الرمضاني الاستثنائي على مستوى الفرجة، كما التصنيف العمري، وأهمية الحرص على صورة المجتمع بمختلف مؤسساته وقطاعاته ونمط عيش شخوصه وأبعادهم النفسية والاجتماعية قبل طرح هذه الخيارات في أعمال موجهة للعائلة التونسية بمختلف أفرادها، كبارا وصغارا. وفي اعتقادنا أن الاشتغال العميق على تفاصيل السيناريو لا يمس من حرية المبدع، بقدر ما يعكس مدى وعي كاتبه والقائمين على تنفيذه بقيمة المصداقية وحرصهم على جودة العمل الفني.