لازمت حالة الاستقرار سعر صرف الدينار التونسي مقابل العملات الأجنبية خلال سنة 2025، مع تحقيقه بعض المكاسب في بعض الفترات. ويعكس هذا الاستقرار جملة من العوامل المتداخلة، من بينها تحسن نسبي في مداخيل البلاد من العملة الصعبة، خاصة من قطاعات السياحة والتحويلات، إلى جانب استمرار السياسة النقدية الحذرة التي انتهجها البنك المركزي للحد من الضغوط التضخمية والحفاظ على توازنات السوق.
وفي هذا الإطار تمكن الدينار التونسي مع موفى سنة 2025 من تحقيق مكاسب هامة حيث سجّل ارتفاعًا بنسبة 9,8 % مقابل الدولار الأمريكي و9,6 % إزاء الين الياباني مقارنة بسنة 2024، وهو ما يعكس تحسنا نسبيا في قدرته الشرائية الخارجية، غير أن هذه الديناميكية الإيجابية لم تشمل جميع العملات، إذ تراجع الدينار بنسبة 1,6 % أمام اليورو، في ظل ارتباط الاقتصاد التونسي الوثيق بمنطقة اليورو وتأثره بتقلبات هذه العملة.
وتحمل سنة 2026 في طيّاتها تحديات متزايدة تضغط على توازنات سوق الصرف في تونس في ظل سياق دولي مضطرب تحكمه تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة لعل أبرزها تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وما تفرزه من تقلبات حادة في أسعار الطاقة وسلاسل التوريد العالمية، وتنعكس هذه التطورات بشكل مباشر على الاقتصادات الناشئة ومنها الاقتصاد التونسي الذي يبقى حساسا تجاه تغيرات المحيط الخارجي بحكم ارتباطه الوثيق بالأسواق العالمية واعتماده النسبي على الواردات الأساسية.
ورغم الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية التي تميّز سنة 2026، تبرز في المقابل جملة من المؤشرات الإيجابية التي من شأنها دعم تماسك الدينار التونسي وتعزيز قدرته على الصمود، فمن المتوقع أن تواصل عائدات القطاع السياحي نسقها التصاعدي مدعومة بتحسن الطلب العالمي، إلى جانب استقرار تحويلات التونسيين بالخارج في مستويات مريحة وهو ما يوفر تدفقات هامة من العملة الصعبة.
كما أن تراجعا نسبيا في عجز الميزان التجاري، نتيجة تحسن الصادرات في بعض القطاعات الصناعية والفلاحية، من شأنه أن يخفف الضغط على سوق الصرف.
وتدعم هذه المعطيات أيضا سياسة نقدية يواصل من خلالها البنك المركزي السعي إلى احتواء التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار بما يعزز الثقة في العملة الوطنية.
تحسن ملحوظ في مؤشرات التوازنات الخارجية
وتُظهر أحدث بيانات البنك المركزي التونسي تحسنا ملحوظا في مؤشرات التوازنات الخارجية خلال الثلاثية الأولى من سنة 2026، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على دعم استقرار العملة المحلية. فقد بلغت العائدات السياحية وتحويلات التونسيين بالخارج، خلال الفترة الممتدة من 1 جانفي إلى 31 مارس 2026، ما قيمته 3583,4 مليون دينار، في مؤشر يعكس استمرار نسق التعافي في مصادر العملة الصعبة. وسجّلت العائدات السياحية بدورها ارتفاعًا بنسبة 4,6 %، لتنتقل من 1385,3 مليون دينار مع موفى مارس 2025 إلى 1449,2 مليون دينار خلال نفس الفترة من سنة 2026، مدفوعة بتحسن الطلب على الوجهة التونسية.
كما ارتفعت تحويلات التونسيين بالخارج بأكثر من 6 % على أساس سنوي لتبلغ 2134,2 مليون دينار، مؤكدة دورها الحيوي في دعم الاحتياطي من النقد الأجنبي.
وفي سياق متصل بلغت خدمة الدين الخارجي المتراكمة إلى حدود 31 مارس 2026 نحو 2134,2 مليون دينار، مقابل 6124,5 مليون دينار بتاريخ 10 مارس 2025، وهو ما يعكس تراجعًا نسبيًا في الضغوط المرتبطة بسداد الالتزامات الخارجية خلال هذه الفترة.
أما صافي الموجودات من العملة الأجنبية، فقد استقر عند مستوى 24546,1 مليون دينار، بما يغطي 103 أيام توريد إلى حدود 2 أفريل 2026، مقارنة بـ22904,0 مليون دينار و100 يوم توريد قبل سنة، في دلالة واضحة على تحسن هامش الأمان المالي الخارجي وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة الصدمات المحتملة.
في هذا السياق، تبدو آفاق الدينار التونسي خلال سنة 2026 مدعومة بعوامل داخلية قادرة على امتصاص جزء من الصدمات الخارجية، مما يفتح المجال أمام الحفاظ على توازن نسبي في سوق الصرف رغم التحديات القائمة.
الدينار التونسي لا يتجه إلى الانزلاق
وحول هذا الموضوع أفاد الخبير الاقتصادي والمحلل المالي والأستاذ الجامعي سامي العرفاوي في تصريح لـ»الصباح» أن الدينار التونسي لا يتجه إلى الانزلاق وذلك رغم وجود مخاطر جديدة وتهديدات فرضتها الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط.
وأوضح سامي العرفاوي أن الأزمة الطاقية التي يشهدها العالم في الفترة الحالية والتي سيكون لها تأثير على العديد من الدول من ضمنها الدول غير المُنتجة والمُصدّرة للنفط، تستدعي فرض إجراءات تحول دون توسّع عجز الميزان التجاري الطاقي، إذ أنه في صورة ارتفاع قيمة عجز الميزان التجاري الطاقي فإن العملة المحلية قد تتأثر. ومن المؤشرات الجيدة، بخصوص سعر صرف الدينار مقابل العملة الأمريكية، فإن سعر صرف الدولار الأمريكي لم يرتفع إلى أكثر من 3 دنانير، ولا يزال إلى غاية الآن دون هذا المُستوى، رغم دخول الحرب شهرها الثاني مع توقّعات بأن تستمرّ لأسابيع أخرى.
التدخّل الناجع للبنك المركزي
وحسب الخبير الاقتصادي والمحلل المالي والأستاذ الجامعي فإن من أبرز الآليات التي أدت إلى استقرار الدينار التونسي، التدخّل الناجع والمُفيد للبنك المركزي من حيث سياساته النقدية الدقيقة، وذلك من خلال عدم الخفض من نسبة الفائدة المُديرية في الفترة الأخيرة. وكان مجلس إدارة البنك المركزي التونسي، خلال اجتماعه المنعقد يوم 30 مارس 2026، قد أعلن الإبقاء على نسبة الفائدة الرئيسية دون تغيير في مستوى 7 بالمائة، وبرّر المجلس اتخاذ هذا القرار زايد الضغوط التضخمية الخارجية واستمرار حالة عدم اليقين على الصعيد الدولي.
نحو التحكّم السليم في الواردات
واعتبر سامي العرفاوي، أنه بالتوازي مع الحفاظ على نسبة الفائدة المديرية على ماهي عليه، فإن البنك المركزي قد دفع نحو التحكم السليم في الواردات لكبح جماح انحدار الدينار التونسي وإبقاء سعر صرفه مقابل العملات الرئيسية في مُستويات معقولة، بالنظر إلى أن عمليات التوريد تكون بالعملة الصعبة.
وحدّدت مؤسسة الإصدار في منشور جديد أصدرته مؤخرا، شروط تمويل توريد المنتجات المصنفة ضمن المواد غير الأساسية للوسطاء الماليين المعتمدين، حيث نصّت المادة الأولى من المنشور على أنه لا يمكن للوسطاء المعتمدين تقديم تمويل لحرفائهم لاستيراد المنتجات المصنفة «غير ذات أولوية»، والمدرجة ضمن قائمة أرفقها البنك للمذكرة، إلا إذا قام المستوردون بإيداع كامل قيمة هذه الاستيرادات من أموالهم الخاصة، على أن هذا الشرط يشمل جميع طرق الدفع، سواء عن طريق الاعتماد المستندي أو التحصيل المستندي أو التحويل البنكي أو أي طريقة دفع أخرى، سواء كانت مضمونة (مصدقة) أم لا.
وفي سياق، متصل، أفاد الخبير الاقتصادي والمحلل المالي أن تنظيم الاستيراد يُساهم بقُوّة في تراجع نسبة التضخم لا سيما من ناحية التضخّم المُستورد، مُعتبرا أن ترشيد الواردات، أمر في غاية من الأهمية، إذ أنه في حال الرفع من عمليات التوريد بشكل مُتواصل فإنه سيقع تباعا لا فقط تراجع سعر صرف العملة المحلية بل أيضا استنزاف رصيد تونس من العملة الأجنبية.
عدم استنزاف رصيد تونس من النقد الأجنبي
وقال سامي العرفاوي إن ترشيد الواردات، لا يهدف إلى كبح جماح إمكانية تراجع سعر صرف العملة. المحلية مقابل العملات الرئيسية، بل أيضا عدم استنزاف رصيد تونس من العملة الأجنبية، مُشيرا إلى أن استقرار سعر صرف الدينار التونسي، يرتبط بشكل وثيق بخفض الضغوط على احتياطي النقد الأجنبي. وأظهرت بيانات البنك المركزي التونسي أن احتياطات البلاد من العملة الأجنبية قد ارتفعت موفى فيفري 2026، لتصل إلى 25.1 مليار دينار، أي ما يعادل 106 أيام توريد، مقابل 23 مليار دينار قبل سنة، أي بفارق 2.1 مليار دينار.
ضرورة مساندة ومُرافقة المؤسسات المُصدّرة
ومن الحُلول التي اقترحها سامي العرفاوي من أجل مزيد تماسك الدينار التونسي، ضرورة مُساندة المؤسسات المُصدّرة ومرافقتها في جميع المراحل من بينها الإنتاج والتسويق والتوزيع، مُبرزا أن تنمية الصادرات يلعب دورا حقيقيا في توفير موارد من العملة الصعبة ينجم عنها تحقيق الدينار التونسي لمكاسب مقابل العملات الأجنبية. ودعا المُتحدّث ذاته، إلى تعميق الروابط التجارية والإفريقية مع العديد من الدول لا سيما الدول الإفريقية التي تُعدّ من أبرز الأسواق الجديدة والواعدة على المُستوى العالمي، بالنظر إلى قدرتها الاستهلاكية الكبيرة، مُشيرا إلى أن الأطر والاتفاقيات موجودة على أرض الواقع إلا أنه يجب المُضي بخطوات حثيثة نحو حسن استغلالها وعلى رأسها اتفاقيتان بارزتان وهما اتفاقية السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا «الكوميسا» واتفاقية إنشاء المنطقة القارية الإفريقية للتبادل الحر «زليكاف».
وأكد سامي العرفاوي، على أنه لابد من تشجيع زيادة نسق الاستثمارات الخارجية من خلال خلق شركات ذات رأس مال أجنبي، والدفع لتكون تونس بوابة للتصدير إلى أسواق القارة السمراء، إذ يُمكن لشركات أمريكية وأسيوية وأوروبية أن تفتح مشاريعها في تونس وتوجّه صادراتها إلى الدول الأوروبية، مُستغلّة بذلك الموقع الجغرافي الاستراتيجي والمُميّز لبلادنا.
جدير بالذكر، بأن بلادنا نجحت في تسجيل قُرابة 400 عمليات تجارية تصديرية لمؤسسات تونسية باعتماد شهادة المنشأ في اطار اتفاقية «زليكاف»، وهو ما يعني بأن تونس تُصنّف في خانة الدول الرائدة في منطقة «زليكاف». ويرى مُحدثنا أن التركيز على خفض عجز الميزان التجاري يُمثل أحد السُبل الكفيلة لإظهار مدى قوّة الدينار التونسي مقابل العملات الأجنبية، على خلفية أن الحساب الجاري يتضمّن أساسا مسائل تتعلّق بالتجارة الخارجية وأيضا بالتجارة الداخلية والتعهّدات المالية للبلاد من حيث الإيفاء بخلاص ديونها الخارجية. وبخصوص إشكالية عجز الميزان التجاري الطاقي خاصة مع تواصل الحرب في الشرق الأوسط، شدّد سامي العرفاوي على ضرورة مزيد التفاوض مع الجزائر من أجل بيع الغاز إلى تونس بأسعار تفاضلية بالنظر إلى أن الجزائر تُعدّ المُورّد الأول للغازي لتونس.
درصاف اللموشي
لازمت حالة الاستقرار سعر صرف الدينار التونسي مقابل العملات الأجنبية خلال سنة 2025، مع تحقيقه بعض المكاسب في بعض الفترات. ويعكس هذا الاستقرار جملة من العوامل المتداخلة، من بينها تحسن نسبي في مداخيل البلاد من العملة الصعبة، خاصة من قطاعات السياحة والتحويلات، إلى جانب استمرار السياسة النقدية الحذرة التي انتهجها البنك المركزي للحد من الضغوط التضخمية والحفاظ على توازنات السوق.
وفي هذا الإطار تمكن الدينار التونسي مع موفى سنة 2025 من تحقيق مكاسب هامة حيث سجّل ارتفاعًا بنسبة 9,8 % مقابل الدولار الأمريكي و9,6 % إزاء الين الياباني مقارنة بسنة 2024، وهو ما يعكس تحسنا نسبيا في قدرته الشرائية الخارجية، غير أن هذه الديناميكية الإيجابية لم تشمل جميع العملات، إذ تراجع الدينار بنسبة 1,6 % أمام اليورو، في ظل ارتباط الاقتصاد التونسي الوثيق بمنطقة اليورو وتأثره بتقلبات هذه العملة.
وتحمل سنة 2026 في طيّاتها تحديات متزايدة تضغط على توازنات سوق الصرف في تونس في ظل سياق دولي مضطرب تحكمه تحولات جيوسياسية واقتصادية عميقة لعل أبرزها تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وما تفرزه من تقلبات حادة في أسعار الطاقة وسلاسل التوريد العالمية، وتنعكس هذه التطورات بشكل مباشر على الاقتصادات الناشئة ومنها الاقتصاد التونسي الذي يبقى حساسا تجاه تغيرات المحيط الخارجي بحكم ارتباطه الوثيق بالأسواق العالمية واعتماده النسبي على الواردات الأساسية.
ورغم الضغوط الجيوسياسية والاقتصادية التي تميّز سنة 2026، تبرز في المقابل جملة من المؤشرات الإيجابية التي من شأنها دعم تماسك الدينار التونسي وتعزيز قدرته على الصمود، فمن المتوقع أن تواصل عائدات القطاع السياحي نسقها التصاعدي مدعومة بتحسن الطلب العالمي، إلى جانب استقرار تحويلات التونسيين بالخارج في مستويات مريحة وهو ما يوفر تدفقات هامة من العملة الصعبة.
كما أن تراجعا نسبيا في عجز الميزان التجاري، نتيجة تحسن الصادرات في بعض القطاعات الصناعية والفلاحية، من شأنه أن يخفف الضغط على سوق الصرف.
وتدعم هذه المعطيات أيضا سياسة نقدية يواصل من خلالها البنك المركزي السعي إلى احتواء التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار بما يعزز الثقة في العملة الوطنية.
تحسن ملحوظ في مؤشرات التوازنات الخارجية
وتُظهر أحدث بيانات البنك المركزي التونسي تحسنا ملحوظا في مؤشرات التوازنات الخارجية خلال الثلاثية الأولى من سنة 2026، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على دعم استقرار العملة المحلية. فقد بلغت العائدات السياحية وتحويلات التونسيين بالخارج، خلال الفترة الممتدة من 1 جانفي إلى 31 مارس 2026، ما قيمته 3583,4 مليون دينار، في مؤشر يعكس استمرار نسق التعافي في مصادر العملة الصعبة. وسجّلت العائدات السياحية بدورها ارتفاعًا بنسبة 4,6 %، لتنتقل من 1385,3 مليون دينار مع موفى مارس 2025 إلى 1449,2 مليون دينار خلال نفس الفترة من سنة 2026، مدفوعة بتحسن الطلب على الوجهة التونسية.
كما ارتفعت تحويلات التونسيين بالخارج بأكثر من 6 % على أساس سنوي لتبلغ 2134,2 مليون دينار، مؤكدة دورها الحيوي في دعم الاحتياطي من النقد الأجنبي.
وفي سياق متصل بلغت خدمة الدين الخارجي المتراكمة إلى حدود 31 مارس 2026 نحو 2134,2 مليون دينار، مقابل 6124,5 مليون دينار بتاريخ 10 مارس 2025، وهو ما يعكس تراجعًا نسبيًا في الضغوط المرتبطة بسداد الالتزامات الخارجية خلال هذه الفترة.
أما صافي الموجودات من العملة الأجنبية، فقد استقر عند مستوى 24546,1 مليون دينار، بما يغطي 103 أيام توريد إلى حدود 2 أفريل 2026، مقارنة بـ22904,0 مليون دينار و100 يوم توريد قبل سنة، في دلالة واضحة على تحسن هامش الأمان المالي الخارجي وتعزيز قدرة البلاد على مواجهة الصدمات المحتملة.
في هذا السياق، تبدو آفاق الدينار التونسي خلال سنة 2026 مدعومة بعوامل داخلية قادرة على امتصاص جزء من الصدمات الخارجية، مما يفتح المجال أمام الحفاظ على توازن نسبي في سوق الصرف رغم التحديات القائمة.
الدينار التونسي لا يتجه إلى الانزلاق
وحول هذا الموضوع أفاد الخبير الاقتصادي والمحلل المالي والأستاذ الجامعي سامي العرفاوي في تصريح لـ»الصباح» أن الدينار التونسي لا يتجه إلى الانزلاق وذلك رغم وجود مخاطر جديدة وتهديدات فرضتها الحرب الأخيرة في الشرق الأوسط.
وأوضح سامي العرفاوي أن الأزمة الطاقية التي يشهدها العالم في الفترة الحالية والتي سيكون لها تأثير على العديد من الدول من ضمنها الدول غير المُنتجة والمُصدّرة للنفط، تستدعي فرض إجراءات تحول دون توسّع عجز الميزان التجاري الطاقي، إذ أنه في صورة ارتفاع قيمة عجز الميزان التجاري الطاقي فإن العملة المحلية قد تتأثر. ومن المؤشرات الجيدة، بخصوص سعر صرف الدينار مقابل العملة الأمريكية، فإن سعر صرف الدولار الأمريكي لم يرتفع إلى أكثر من 3 دنانير، ولا يزال إلى غاية الآن دون هذا المُستوى، رغم دخول الحرب شهرها الثاني مع توقّعات بأن تستمرّ لأسابيع أخرى.
التدخّل الناجع للبنك المركزي
وحسب الخبير الاقتصادي والمحلل المالي والأستاذ الجامعي فإن من أبرز الآليات التي أدت إلى استقرار الدينار التونسي، التدخّل الناجع والمُفيد للبنك المركزي من حيث سياساته النقدية الدقيقة، وذلك من خلال عدم الخفض من نسبة الفائدة المُديرية في الفترة الأخيرة. وكان مجلس إدارة البنك المركزي التونسي، خلال اجتماعه المنعقد يوم 30 مارس 2026، قد أعلن الإبقاء على نسبة الفائدة الرئيسية دون تغيير في مستوى 7 بالمائة، وبرّر المجلس اتخاذ هذا القرار زايد الضغوط التضخمية الخارجية واستمرار حالة عدم اليقين على الصعيد الدولي.
نحو التحكّم السليم في الواردات
واعتبر سامي العرفاوي، أنه بالتوازي مع الحفاظ على نسبة الفائدة المديرية على ماهي عليه، فإن البنك المركزي قد دفع نحو التحكم السليم في الواردات لكبح جماح انحدار الدينار التونسي وإبقاء سعر صرفه مقابل العملات الرئيسية في مُستويات معقولة، بالنظر إلى أن عمليات التوريد تكون بالعملة الصعبة.
وحدّدت مؤسسة الإصدار في منشور جديد أصدرته مؤخرا، شروط تمويل توريد المنتجات المصنفة ضمن المواد غير الأساسية للوسطاء الماليين المعتمدين، حيث نصّت المادة الأولى من المنشور على أنه لا يمكن للوسطاء المعتمدين تقديم تمويل لحرفائهم لاستيراد المنتجات المصنفة «غير ذات أولوية»، والمدرجة ضمن قائمة أرفقها البنك للمذكرة، إلا إذا قام المستوردون بإيداع كامل قيمة هذه الاستيرادات من أموالهم الخاصة، على أن هذا الشرط يشمل جميع طرق الدفع، سواء عن طريق الاعتماد المستندي أو التحصيل المستندي أو التحويل البنكي أو أي طريقة دفع أخرى، سواء كانت مضمونة (مصدقة) أم لا.
وفي سياق، متصل، أفاد الخبير الاقتصادي والمحلل المالي أن تنظيم الاستيراد يُساهم بقُوّة في تراجع نسبة التضخم لا سيما من ناحية التضخّم المُستورد، مُعتبرا أن ترشيد الواردات، أمر في غاية من الأهمية، إذ أنه في حال الرفع من عمليات التوريد بشكل مُتواصل فإنه سيقع تباعا لا فقط تراجع سعر صرف العملة المحلية بل أيضا استنزاف رصيد تونس من العملة الأجنبية.
عدم استنزاف رصيد تونس من النقد الأجنبي
وقال سامي العرفاوي إن ترشيد الواردات، لا يهدف إلى كبح جماح إمكانية تراجع سعر صرف العملة. المحلية مقابل العملات الرئيسية، بل أيضا عدم استنزاف رصيد تونس من العملة الأجنبية، مُشيرا إلى أن استقرار سعر صرف الدينار التونسي، يرتبط بشكل وثيق بخفض الضغوط على احتياطي النقد الأجنبي. وأظهرت بيانات البنك المركزي التونسي أن احتياطات البلاد من العملة الأجنبية قد ارتفعت موفى فيفري 2026، لتصل إلى 25.1 مليار دينار، أي ما يعادل 106 أيام توريد، مقابل 23 مليار دينار قبل سنة، أي بفارق 2.1 مليار دينار.
ضرورة مساندة ومُرافقة المؤسسات المُصدّرة
ومن الحُلول التي اقترحها سامي العرفاوي من أجل مزيد تماسك الدينار التونسي، ضرورة مُساندة المؤسسات المُصدّرة ومرافقتها في جميع المراحل من بينها الإنتاج والتسويق والتوزيع، مُبرزا أن تنمية الصادرات يلعب دورا حقيقيا في توفير موارد من العملة الصعبة ينجم عنها تحقيق الدينار التونسي لمكاسب مقابل العملات الأجنبية. ودعا المُتحدّث ذاته، إلى تعميق الروابط التجارية والإفريقية مع العديد من الدول لا سيما الدول الإفريقية التي تُعدّ من أبرز الأسواق الجديدة والواعدة على المُستوى العالمي، بالنظر إلى قدرتها الاستهلاكية الكبيرة، مُشيرا إلى أن الأطر والاتفاقيات موجودة على أرض الواقع إلا أنه يجب المُضي بخطوات حثيثة نحو حسن استغلالها وعلى رأسها اتفاقيتان بارزتان وهما اتفاقية السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا «الكوميسا» واتفاقية إنشاء المنطقة القارية الإفريقية للتبادل الحر «زليكاف».
وأكد سامي العرفاوي، على أنه لابد من تشجيع زيادة نسق الاستثمارات الخارجية من خلال خلق شركات ذات رأس مال أجنبي، والدفع لتكون تونس بوابة للتصدير إلى أسواق القارة السمراء، إذ يُمكن لشركات أمريكية وأسيوية وأوروبية أن تفتح مشاريعها في تونس وتوجّه صادراتها إلى الدول الأوروبية، مُستغلّة بذلك الموقع الجغرافي الاستراتيجي والمُميّز لبلادنا.
جدير بالذكر، بأن بلادنا نجحت في تسجيل قُرابة 400 عمليات تجارية تصديرية لمؤسسات تونسية باعتماد شهادة المنشأ في اطار اتفاقية «زليكاف»، وهو ما يعني بأن تونس تُصنّف في خانة الدول الرائدة في منطقة «زليكاف». ويرى مُحدثنا أن التركيز على خفض عجز الميزان التجاري يُمثل أحد السُبل الكفيلة لإظهار مدى قوّة الدينار التونسي مقابل العملات الأجنبية، على خلفية أن الحساب الجاري يتضمّن أساسا مسائل تتعلّق بالتجارة الخارجية وأيضا بالتجارة الداخلية والتعهّدات المالية للبلاد من حيث الإيفاء بخلاص ديونها الخارجية. وبخصوص إشكالية عجز الميزان التجاري الطاقي خاصة مع تواصل الحرب في الشرق الأوسط، شدّد سامي العرفاوي على ضرورة مزيد التفاوض مع الجزائر من أجل بيع الغاز إلى تونس بأسعار تفاضلية بالنظر إلى أن الجزائر تُعدّ المُورّد الأول للغازي لتونس.