يحظى قطاع الفلاحة بحيز كبير من الاهتمام في سياسة الدولة الإصلاحية وتوجهها التنموي اليوم، وقد شكل محورًا أساسيًا في جدول أعمال رئاستي الجمهورية والحكومة خلال السنوات الأخيرة، مما يؤكد السعي الجدي للمراهنة على هذا القطاع الحيوي الذي يعد أحد أسس الاقتصاد الوطني وعنوانًا للمسار التنموي المستشرف بما يحمله من آفاق تشغيلية واستثمارية واقتصادية وسيادية. وهو ما تترجمه السياسة الإصلاحية التي تعمل الدولة على تنفيذها وتوسيع قاعدتها في المجال على مستوى تشريعي وقانوني وتنظيمي وهيكلي وميداني وقطاعي وتكنولوجي، وذلك وفق التوجه الإصلاحي الشامل للقطاع الذي لطالما شدد رئيس الجمهورية قيس سعيد على ضرورة الإسراع في تنفيذه، لاسيما وأنه يضع الفلاحة بكل مكوناتها جزءًا من الأمن القومي للدولة ويؤكد في المقابل أن «كل من يريد المساس به بأي شكل من الأشكال لن يبقى خارج المحاسبة».
وقد كان لاستقبال رئيس الجمهورية قيس سعيد منذ يومين بقصر قرطاج كلّ من وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزالدين بن الشيخ، وكاتب الدولة لدى وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري المكلّف بالمياه حمّادي الحبيّب، موعد آخر في مسار الاهتمام الرسمي بهذا القطاع، وتأكيد على الأهمية التي يوليها أعلى هرم في السلطة للفلاحة كمجال نشاط وإنتاج على المستوى الوطني، وعلى اعتبار أنه ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني وعامل هام لتحقيق المعادلة الاجتماعية التي تعمل الدولة على تكريسها في المشروع الإصلاحي الشامل، الذي يحمل عديد الرهانات والأهداف اقتصاديًا وتنمويًا وأمنيًا وسياديًا واجتماعيًا.
ولئن شكلت مسألة الإحاطة بصغار الفلاحين على وجه الخصوص محور اللقاء الأخير لرئيس الجمهورية بوزير الفلاحة وكاتب الدولة لدى وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري المكلّف بالمياه، فإن اللقاء شكل مناسبة أخرى شدد فيها رئيس الدولة قيس سعيد على توجيهه للقائمين على الهياكل والمؤسسات المتعلقة بالقطاع الفلاحي في تفرعاتها المتعددة، لضرورة مضاعفة العمل وتذليل الصعوبات أمام هذه الفئة من الناشطين في القطاع وحمايتها من تغوّل «اللوبيات»، باعتبار أنها تمثل ركيزة أساسية في القطاع ككل.
كما كشف نفس اللقاء عن السياسة الاستباقية التي تنتهجها الدولة في التعاطي مع هذا القطاع الهام، خاصة أن كل المؤشرات تبين أن الموسم الفلاحي لهذا العام سيكون استثنائيًا بجميع المقاييس مقارنة بما كان عليه الوضع خلال السنوات الماضية، وذلك بعد تسجيل بلادنا نزول كميات هامة من الأمطار وخروج بلادنا نسبيًا من دائرة الجفاف التي ميزت المواسم الماضية.
خاصّة أن هذا اللقاء يأتي في مرحلة أدركت فيها الحكومة خطوة هامة في مسار مراجعة وتحيين القوانين ومنظومات العمل والتشريعات والبنية الهيكلية للمؤسسات والإدارة، وذلك بدخول عديد التشريعات الجديدة والقوانين حيز التنفيذ، إضافة إلى جملة الإجراءات والقرارات التي تم اتخاذها لفائدة القطاع بشكل عام، ودخلت كلها حيز التنفيذ منذ بداية العام الجاري، مع توجه الدولة للتشجيع على الاستثمار في المجال، خاصة بالنسبة للشباب. لعل أبرزها ما يتعلق بتشجيع المبادرة الخاصة، خاصة بين الشباب، وتطوير الآليات التكنولوجية والعصرية، بما يتيح المجال لمن سنهم دون أربعين سنة في دخول مجال العمل والاستثمار في القطاع الفلاحي، فضلًا عن التشجيعات والتسهيلات التي تم إقرارها لفائدة صغار الفلاحين والراغبين في دخول المجال في الأرياف وكامل ربوع الجمهورية.
في سياق متصل، كان رئيس الجمهورية قيس سعيد قد أكّد في لقاء سابق قبل نهاية العام الماضي جمعه بكل من وزيري الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزالدين بالشيخ، وأملاك الدولة والشؤون العقارية وجدي الهذيلي، أن «تونس في حاجة اليوم إلى جلاء زراعي جديد ينتفع به المواطنون ويعود بالنفع على الوطن كله، وتونس يمكن أن تحقق الاكتفاء الفلاحي لما تزخر به من ثروات»، وذلك بوضع نصوص قانونية تمكن الشباب من استغلال الأراضي الدولية في مشاريع واستثمارات في هذا المجال.
ليجدد بذلك الرئيس قيس سعيد تأكيده على ضرورة الانطلاق مسبقًا في الاستعداد لضمان نجاح الموسم الفلاحي لهذا العام، خاصة أمام تأكيد ممثلي الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري على التحسّن المرتقب في المساحات المزروعة بالنسبة للزراعات الكبرى تحديدًا، واستجابة القائمين على القطاع الفلاحي لدعوة رئيس الجمهورية في استعادة بلادنا للأصول التراثية للبذور وبعض النباتات، خاصة في الحبوب.
وقد اختزلت اللقاءات المتعددة لرئيس الجمهورية المتمحورة بالأساس حول الفلاحة بممثلي السلطة التنفيذية في حكومته، سواء تعلق الأمر برئاسة الحكومة أو وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري أو غيرها من الوزارات المتداخلة في المجال، على غرار وزارة الداخلية والتجارة وتنمية الصادرات وغيرهما، المكانة التي يتحيزها هذا القطاع في سياسة الدولة في هذه المرحلة، فكان يولي اهتمامًا ومتابعة للفلاحة بجميع مجالاتها ويعتبرها مصدر الأمن الغذائي في الدولة، الأمر الذي يعلّل تشديده الدعوات على ضرورة التصدي للممارسات والمظاهر المضرة بالمجال.
فكان التشديد على ضرورة مقاومة الاحتكار، والتصدي للتلاعب بالأسعار، وفرض رقابة على مسالك التوزيع، وتزويد الأسواق بالمنتوجات وتوفير الحاجيات الضرورية للاستهلاك للمواطنين، وتيسير مهمة الفلاحين الصغار وغيرهم في مهامهم الزراعية أو في الجني، والتشجيع على الاستثمار في المجالات الفلاحية، خاصة بالنسبة للشباب، والدفع لمحافظة كل جهات الجمهورية على خصوصياتها من الإنتاجات الفلاحية حسب ما تمليه نوعية التربة والمناخ، وفق برامج ومبادرات جديدة تضع المقاربة الفلاحية ضمن أولويات سياسة الدولة في تكريس العدالة الاجتماعية والتنمية العادلة.
وتجسيمًا للبعد الاستراتيجي للقطاع الفلاحي، استطاعت الدولة من خلال بعض الهياكل المختصّة وضع برامج إقليمية واتفاقات دولية تنخرط في نفس الوجه لدعم وتشجيع الاستثمار والتشغيل في القطاع الفلاحي، إضافة إلى التشجيع على الفلاحة البيولوجية.
فجملة الإجراءات والقرارات التي تم اتخاذها لفائدة القطاع في السنوات الأخيرة تعكس في تفاصيلها وأهدافها المقاربات الإصلاحية الهادفة التي تضع القطاع الفلاحي في صلب المسار الإصلاحي للجمهورية الجديدة، وتعكس رؤية استباقية تدفع لتغيير أدوات وآليات التعاطي مع الإنتاج الفلاحي في بلادنا، وتراهن على التوجه للتصدير وفتح أسواق خارجية واسعة، بما يحول جل المنتوجات الفلاحية والموارد الطبيعية في المجال إلى مصادر اقتصادية تدر العملة الصعبة وتساهم في إنعاش الاقتصاد الوطني.
ويكفي العودة إلى الإجراءات والقرارات التي تم اتخاذها في مجال زيت الزيتون التونسي، بما يخدم مصلحة الفلاحين الصغار وكل الناشطين في المجال من توجّه للتعليب، والأمر نفسه بالنسبة للتمور والقوارص وغيرها من المنتوجات الفلاحية الأخرى المعدة للتصدير، واختيار الدولة عدم الاكتفاء بالأسواق أو الشركاء التقليديين، بل دفعت إلى البحث عن أسواق وشركاء جدد للترويج للمنتوج التونسي، واعتماد الدبلوماسية الاقتصادية كخط ترويجي جديد يدعم المسارات المعتمدة من قبل الهياكل المعنية بالتوزيع والتصدير والإنتاج لتصبح من مهام هذه الدبلوماسية الترويج للمنتوج التونسي، وقد نجحت هذه المقاربة الجديدة إلى حد الآن في تحقيق جانب من الأهداف المنشودة في المجال.
فسياسة الدولة اليوم تحرص على تكريس القوانين وتنظيم القطاع في مجال مراحل الزراعة والإنتاج والحصاد والترويج، وتوظيف البحوث العلمية المختصة والتكنولوجيات الحديثة والتطور العلمي والصناعي والرقمنة في المجال، وتضع القطاع بما يضمه من مجالات إنتاج واختصاصات في خانة المحاور السيادية التي تتجاوز ما كان متعارفًا عليه حول اكتفاء القطاع بإنتاج ما يحتاجه الاستهلاك الداخلي حسب الإمكانيات المتاحة والممكنة للفلاحين الصغار بالأساس.
فرئيس الدولة قيس سعيد حريص على ضمان الانطلاق في التحضير لتجميع الحبوب قبل أشهر قليلة من موسم الحصاد دون تسجيل إشكاليات في المجال وتدارك النقائص المسجلة في المواسم الماضية، لأن ذلك يكشف الحرص على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الخضر والغلال واللحوم الحمراء والبيضاء والحليب، وتثمين ما تم التوصل إليه في مسار الترويج للمنتوج التونسي الفلاحي في الأسواق الخارجية، والتحكم في مسارات التوزيع والأسعار، كلها تحديات مطروحة أمام القائمين على القطاع والهياكل المتداخلة في منحى رسمي يؤكد أن الفلاحة هي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي.
ليصبح القطاع الفلاحي اليوم مجال إنتاج تنموي وعلمي وسيادي بالأساس، تحرص الدولة على وضع سياسات وبرامج هادفة ومحددة النتائج، تنسجم مع ما يدعو له رئيس الجمهورية، وتحرص على الدفع لتنفيذه وتكريسه في القطاع في لقاءاته المتعددة مع القائمين على هذا القطاع في السنوات الأخيرة، مشددًا على أن الأمن الغذائي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، وأن الأمن الغذائي أيضًا عامل أساسي في تكريس السيادة الوطنية.
ولم يقتصر تركيز الاهتمام على ما يخدم بعض المنتوجات الرائجة في الأسواق العالمية على غرار زيت الزيتون والتمور، بل تعداه لتشمل الثروات الحيوانية بجميع أنواعها، إذ لطالما شدد رئيس الجمهورية قيس سعيد على ضرورة مزيد مضاعفة الجهود من أجل المحافظة على ثروتنا الحيوانية بكل مكوناتها، وتعزيز القطاع في الأبقار والإبل والغنم، وقد كان لإحداث ديوان الأعلاف تأكيد على هذه العناية في السياسة الفلاحية للدولة، في مسعى لتكريس الشفافية وحماية المنتجين والفلاحين الصغار.
ويعد الاهتمام بمجال المياه ضمن سياسة الدولة في تنفيذ إصلاحات شاملة في قطاع الفلاحة، بما يراعي الجانب الاجتماعي كعنصر أساسي في مسارات العمل والإصلاح والبناء والتأسيس الذي تنتهجه الدولة. فكانت القوانين الخاصة بالعاملات الفلاحيات مثل إحداث «صندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات»، وصندوق تعويض الأضرار الفلاحية الناجمة عن الجوائح الطبيعية، كالجفاف وغيرها.
ويأتي ذلك في الوقت الذي بدأت فيه أصوات المنظمات والهياكل الدولية والوطنية ذات الصلة بمجالات التغذية والصحة تنبه إلى مخاطر تداعيات الحروب التي يشهدها العالم، والتغيرات الجيوسياسية على مقدرات الشعوب والبلدان، لا سيما منها البلدان النامية التي يرتكز اقتصادها على التوريد والأسواق الخارجية.
لتضع بذلك السياسة الاستباقية للدولة القائمين على القطاع الفلاحي بجميع مجالاته أمام اختبار حقيقي لتأكيد مدى القدرة على تنفيذ وتفعيل المسار الإصلاحي من ناحية، ومن ناحية أخرى، مدى القدرة على تحويل الدعوات والبرامج الإصلاحية الهادفة وفق الرؤية الجديدة للدولة إلى برامج عملية نافذة وناجزة على أرض الواقع، خاصة أن كل المؤشرات تبين أن بلادنا قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في عديد الأنواع من المنتوجات الفلاحية، لا سيما في ظل سياسة التعافي المسجلة في بعض المجالات.
نزيهة الغضباني
يحظى قطاع الفلاحة بحيز كبير من الاهتمام في سياسة الدولة الإصلاحية وتوجهها التنموي اليوم، وقد شكل محورًا أساسيًا في جدول أعمال رئاستي الجمهورية والحكومة خلال السنوات الأخيرة، مما يؤكد السعي الجدي للمراهنة على هذا القطاع الحيوي الذي يعد أحد أسس الاقتصاد الوطني وعنوانًا للمسار التنموي المستشرف بما يحمله من آفاق تشغيلية واستثمارية واقتصادية وسيادية. وهو ما تترجمه السياسة الإصلاحية التي تعمل الدولة على تنفيذها وتوسيع قاعدتها في المجال على مستوى تشريعي وقانوني وتنظيمي وهيكلي وميداني وقطاعي وتكنولوجي، وذلك وفق التوجه الإصلاحي الشامل للقطاع الذي لطالما شدد رئيس الجمهورية قيس سعيد على ضرورة الإسراع في تنفيذه، لاسيما وأنه يضع الفلاحة بكل مكوناتها جزءًا من الأمن القومي للدولة ويؤكد في المقابل أن «كل من يريد المساس به بأي شكل من الأشكال لن يبقى خارج المحاسبة».
وقد كان لاستقبال رئيس الجمهورية قيس سعيد منذ يومين بقصر قرطاج كلّ من وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزالدين بن الشيخ، وكاتب الدولة لدى وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري المكلّف بالمياه حمّادي الحبيّب، موعد آخر في مسار الاهتمام الرسمي بهذا القطاع، وتأكيد على الأهمية التي يوليها أعلى هرم في السلطة للفلاحة كمجال نشاط وإنتاج على المستوى الوطني، وعلى اعتبار أنه ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني وعامل هام لتحقيق المعادلة الاجتماعية التي تعمل الدولة على تكريسها في المشروع الإصلاحي الشامل، الذي يحمل عديد الرهانات والأهداف اقتصاديًا وتنمويًا وأمنيًا وسياديًا واجتماعيًا.
ولئن شكلت مسألة الإحاطة بصغار الفلاحين على وجه الخصوص محور اللقاء الأخير لرئيس الجمهورية بوزير الفلاحة وكاتب الدولة لدى وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري المكلّف بالمياه، فإن اللقاء شكل مناسبة أخرى شدد فيها رئيس الدولة قيس سعيد على توجيهه للقائمين على الهياكل والمؤسسات المتعلقة بالقطاع الفلاحي في تفرعاتها المتعددة، لضرورة مضاعفة العمل وتذليل الصعوبات أمام هذه الفئة من الناشطين في القطاع وحمايتها من تغوّل «اللوبيات»، باعتبار أنها تمثل ركيزة أساسية في القطاع ككل.
كما كشف نفس اللقاء عن السياسة الاستباقية التي تنتهجها الدولة في التعاطي مع هذا القطاع الهام، خاصة أن كل المؤشرات تبين أن الموسم الفلاحي لهذا العام سيكون استثنائيًا بجميع المقاييس مقارنة بما كان عليه الوضع خلال السنوات الماضية، وذلك بعد تسجيل بلادنا نزول كميات هامة من الأمطار وخروج بلادنا نسبيًا من دائرة الجفاف التي ميزت المواسم الماضية.
خاصّة أن هذا اللقاء يأتي في مرحلة أدركت فيها الحكومة خطوة هامة في مسار مراجعة وتحيين القوانين ومنظومات العمل والتشريعات والبنية الهيكلية للمؤسسات والإدارة، وذلك بدخول عديد التشريعات الجديدة والقوانين حيز التنفيذ، إضافة إلى جملة الإجراءات والقرارات التي تم اتخاذها لفائدة القطاع بشكل عام، ودخلت كلها حيز التنفيذ منذ بداية العام الجاري، مع توجه الدولة للتشجيع على الاستثمار في المجال، خاصة بالنسبة للشباب. لعل أبرزها ما يتعلق بتشجيع المبادرة الخاصة، خاصة بين الشباب، وتطوير الآليات التكنولوجية والعصرية، بما يتيح المجال لمن سنهم دون أربعين سنة في دخول مجال العمل والاستثمار في القطاع الفلاحي، فضلًا عن التشجيعات والتسهيلات التي تم إقرارها لفائدة صغار الفلاحين والراغبين في دخول المجال في الأرياف وكامل ربوع الجمهورية.
في سياق متصل، كان رئيس الجمهورية قيس سعيد قد أكّد في لقاء سابق قبل نهاية العام الماضي جمعه بكل من وزيري الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عزالدين بالشيخ، وأملاك الدولة والشؤون العقارية وجدي الهذيلي، أن «تونس في حاجة اليوم إلى جلاء زراعي جديد ينتفع به المواطنون ويعود بالنفع على الوطن كله، وتونس يمكن أن تحقق الاكتفاء الفلاحي لما تزخر به من ثروات»، وذلك بوضع نصوص قانونية تمكن الشباب من استغلال الأراضي الدولية في مشاريع واستثمارات في هذا المجال.
ليجدد بذلك الرئيس قيس سعيد تأكيده على ضرورة الانطلاق مسبقًا في الاستعداد لضمان نجاح الموسم الفلاحي لهذا العام، خاصة أمام تأكيد ممثلي الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري على التحسّن المرتقب في المساحات المزروعة بالنسبة للزراعات الكبرى تحديدًا، واستجابة القائمين على القطاع الفلاحي لدعوة رئيس الجمهورية في استعادة بلادنا للأصول التراثية للبذور وبعض النباتات، خاصة في الحبوب.
وقد اختزلت اللقاءات المتعددة لرئيس الجمهورية المتمحورة بالأساس حول الفلاحة بممثلي السلطة التنفيذية في حكومته، سواء تعلق الأمر برئاسة الحكومة أو وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري أو غيرها من الوزارات المتداخلة في المجال، على غرار وزارة الداخلية والتجارة وتنمية الصادرات وغيرهما، المكانة التي يتحيزها هذا القطاع في سياسة الدولة في هذه المرحلة، فكان يولي اهتمامًا ومتابعة للفلاحة بجميع مجالاتها ويعتبرها مصدر الأمن الغذائي في الدولة، الأمر الذي يعلّل تشديده الدعوات على ضرورة التصدي للممارسات والمظاهر المضرة بالمجال.
فكان التشديد على ضرورة مقاومة الاحتكار، والتصدي للتلاعب بالأسعار، وفرض رقابة على مسالك التوزيع، وتزويد الأسواق بالمنتوجات وتوفير الحاجيات الضرورية للاستهلاك للمواطنين، وتيسير مهمة الفلاحين الصغار وغيرهم في مهامهم الزراعية أو في الجني، والتشجيع على الاستثمار في المجالات الفلاحية، خاصة بالنسبة للشباب، والدفع لمحافظة كل جهات الجمهورية على خصوصياتها من الإنتاجات الفلاحية حسب ما تمليه نوعية التربة والمناخ، وفق برامج ومبادرات جديدة تضع المقاربة الفلاحية ضمن أولويات سياسة الدولة في تكريس العدالة الاجتماعية والتنمية العادلة.
وتجسيمًا للبعد الاستراتيجي للقطاع الفلاحي، استطاعت الدولة من خلال بعض الهياكل المختصّة وضع برامج إقليمية واتفاقات دولية تنخرط في نفس الوجه لدعم وتشجيع الاستثمار والتشغيل في القطاع الفلاحي، إضافة إلى التشجيع على الفلاحة البيولوجية.
فجملة الإجراءات والقرارات التي تم اتخاذها لفائدة القطاع في السنوات الأخيرة تعكس في تفاصيلها وأهدافها المقاربات الإصلاحية الهادفة التي تضع القطاع الفلاحي في صلب المسار الإصلاحي للجمهورية الجديدة، وتعكس رؤية استباقية تدفع لتغيير أدوات وآليات التعاطي مع الإنتاج الفلاحي في بلادنا، وتراهن على التوجه للتصدير وفتح أسواق خارجية واسعة، بما يحول جل المنتوجات الفلاحية والموارد الطبيعية في المجال إلى مصادر اقتصادية تدر العملة الصعبة وتساهم في إنعاش الاقتصاد الوطني.
ويكفي العودة إلى الإجراءات والقرارات التي تم اتخاذها في مجال زيت الزيتون التونسي، بما يخدم مصلحة الفلاحين الصغار وكل الناشطين في المجال من توجّه للتعليب، والأمر نفسه بالنسبة للتمور والقوارص وغيرها من المنتوجات الفلاحية الأخرى المعدة للتصدير، واختيار الدولة عدم الاكتفاء بالأسواق أو الشركاء التقليديين، بل دفعت إلى البحث عن أسواق وشركاء جدد للترويج للمنتوج التونسي، واعتماد الدبلوماسية الاقتصادية كخط ترويجي جديد يدعم المسارات المعتمدة من قبل الهياكل المعنية بالتوزيع والتصدير والإنتاج لتصبح من مهام هذه الدبلوماسية الترويج للمنتوج التونسي، وقد نجحت هذه المقاربة الجديدة إلى حد الآن في تحقيق جانب من الأهداف المنشودة في المجال.
فسياسة الدولة اليوم تحرص على تكريس القوانين وتنظيم القطاع في مجال مراحل الزراعة والإنتاج والحصاد والترويج، وتوظيف البحوث العلمية المختصة والتكنولوجيات الحديثة والتطور العلمي والصناعي والرقمنة في المجال، وتضع القطاع بما يضمه من مجالات إنتاج واختصاصات في خانة المحاور السيادية التي تتجاوز ما كان متعارفًا عليه حول اكتفاء القطاع بإنتاج ما يحتاجه الاستهلاك الداخلي حسب الإمكانيات المتاحة والممكنة للفلاحين الصغار بالأساس.
فرئيس الدولة قيس سعيد حريص على ضمان الانطلاق في التحضير لتجميع الحبوب قبل أشهر قليلة من موسم الحصاد دون تسجيل إشكاليات في المجال وتدارك النقائص المسجلة في المواسم الماضية، لأن ذلك يكشف الحرص على تحقيق الاكتفاء الذاتي في الخضر والغلال واللحوم الحمراء والبيضاء والحليب، وتثمين ما تم التوصل إليه في مسار الترويج للمنتوج التونسي الفلاحي في الأسواق الخارجية، والتحكم في مسارات التوزيع والأسعار، كلها تحديات مطروحة أمام القائمين على القطاع والهياكل المتداخلة في منحى رسمي يؤكد أن الفلاحة هي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي.
ليصبح القطاع الفلاحي اليوم مجال إنتاج تنموي وعلمي وسيادي بالأساس، تحرص الدولة على وضع سياسات وبرامج هادفة ومحددة النتائج، تنسجم مع ما يدعو له رئيس الجمهورية، وتحرص على الدفع لتنفيذه وتكريسه في القطاع في لقاءاته المتعددة مع القائمين على هذا القطاع في السنوات الأخيرة، مشددًا على أن الأمن الغذائي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، وأن الأمن الغذائي أيضًا عامل أساسي في تكريس السيادة الوطنية.
ولم يقتصر تركيز الاهتمام على ما يخدم بعض المنتوجات الرائجة في الأسواق العالمية على غرار زيت الزيتون والتمور، بل تعداه لتشمل الثروات الحيوانية بجميع أنواعها، إذ لطالما شدد رئيس الجمهورية قيس سعيد على ضرورة مزيد مضاعفة الجهود من أجل المحافظة على ثروتنا الحيوانية بكل مكوناتها، وتعزيز القطاع في الأبقار والإبل والغنم، وقد كان لإحداث ديوان الأعلاف تأكيد على هذه العناية في السياسة الفلاحية للدولة، في مسعى لتكريس الشفافية وحماية المنتجين والفلاحين الصغار.
ويعد الاهتمام بمجال المياه ضمن سياسة الدولة في تنفيذ إصلاحات شاملة في قطاع الفلاحة، بما يراعي الجانب الاجتماعي كعنصر أساسي في مسارات العمل والإصلاح والبناء والتأسيس الذي تنتهجه الدولة. فكانت القوانين الخاصة بالعاملات الفلاحيات مثل إحداث «صندوق الحماية الاجتماعية للعاملات الفلاحيات»، وصندوق تعويض الأضرار الفلاحية الناجمة عن الجوائح الطبيعية، كالجفاف وغيرها.
ويأتي ذلك في الوقت الذي بدأت فيه أصوات المنظمات والهياكل الدولية والوطنية ذات الصلة بمجالات التغذية والصحة تنبه إلى مخاطر تداعيات الحروب التي يشهدها العالم، والتغيرات الجيوسياسية على مقدرات الشعوب والبلدان، لا سيما منها البلدان النامية التي يرتكز اقتصادها على التوريد والأسواق الخارجية.
لتضع بذلك السياسة الاستباقية للدولة القائمين على القطاع الفلاحي بجميع مجالاته أمام اختبار حقيقي لتأكيد مدى القدرة على تنفيذ وتفعيل المسار الإصلاحي من ناحية، ومن ناحية أخرى، مدى القدرة على تحويل الدعوات والبرامج الإصلاحية الهادفة وفق الرؤية الجديدة للدولة إلى برامج عملية نافذة وناجزة على أرض الواقع، خاصة أن كل المؤشرات تبين أن بلادنا قادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي في عديد الأنواع من المنتوجات الفلاحية، لا سيما في ظل سياسة التعافي المسجلة في بعض المجالات.