إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

وقع معلّقة الدورة الجديدة لمعرض تونس الدولي.. نجا المهداوي «خطاط الحروف الراقصة» وسفير الحداثة البصرية التونسية

 

  • المعلّقة لا تقتصر على الترويج البصري للتظاهرة، بل تتجاوزه لتصبح بيانا فنيا مكثفا يلخص روح المعرض ورؤيته.
  • تتشابك الحروف في المعلّقة وتتداخل ضمن نسيج تشكيلي يؤكد فكرة انفتاح الكتاب وتدفق المعنى واتساع أفق الخيال.
  • نجا المهداوي في مجمل أعماله لا يكتب نصوصا بقدر ما يقترح «موسيقى بصرية» قائمة على الإيقاع والتوازن والحركة.
  • يستعمل نجا المهداوي الرق والجلود، والمعادن والمنسوجات والزجاج، في مسار يكشف عن بحث دائم في العلاقة بين الحرف والمادة.

           

في خطوة تحمل أكثر من دلالة ثقافية ورمزية، أعلنت هيئة تنظيم معرض تونس الدولي للكتاب عن اعتماد المعلّقة الرسمية للدورة الأربعين للفنان التشكيلي التونسي العالمي نجا المهداوي، في اختيار يلتقي فيه البعد الجمالي بالرهان الفكري، ويؤكد من جديد موقع هذا الحدث بوصفه أحد أبرز الفضاءات العربية الحاضنة للمعرفة والإبداع والحوار بين الثقافات، إذ لا يقتصر دور المعلّقة على الترويج البصري للدورة، بل يتجاوز ذلك ليصبح بيانا فنيا مكثفا يلخص روح المعرض ورؤيته، وهو ما بدا واضحا في العمل الذي قدّمه نجا المهداوي، أين تتجسد رمزية الكتاب باعتباره وعاء للذاكرة الإنسانية وجسرا ممتدا بين الحضارات، في صيغة تشكيلية تستثمر الحرف العربي كعنصر بصري مستقل بذاته، محرَّرا من قيوده اللغوية ومحمَّلا بإمكانات تعبيرية مفتوحة.

المعلّقة، في تكوينها العام، تقوم على بنية بصرية متكاملة يتصدرها الرسم بوصفه مركز الثقل الدلالي، في إحالة واضحة إلى مركزية المعرفة وسمو فعل القراءة، بينما تتشابك الحروف وتتداخل ضمن نسيج تشكيلي ينبض بالحركة، مستحضرة فكرة انفتاح الكتاب وتدفق المعنى واتساع أفق الخيال، وهو ما يتناغم مع طبيعة المعرض كفضاء متعدد الأصوات والرؤى، لا يختزل المعرفة في بعد واحد، بل يفتحها على احتمالات لا نهائية من التأويل، وقد اختيرت خلفية تستلهم ورق البردي، لا كعنصر جمالي فقط، بل كإشارة واعية إلى الجذور الأولى لفعل الكتابة، وإلى المسارات الطويلة التي قطعتها الإنسانية في سبيل تدوين أفكارها وحفظ ذاكرتها، بما يضفي على العمل بعدا تاريخيا يربط بين البدايات الأولى للكتابة وأفقها المعاصر بوصفها أداة للتنوير والتواصل.

أما المعالجة اللونية، فقد جاءت قائمة على تدرجات شفافة وانسيابية تمنح الحروف طابعا حركيا، وكأنها في حالة تشكل دائم، وهو اختيار يعكس، في أحد مستوياته، تعدد الروافد الثقافية التي يحتضنها المعرض، ويؤكد طبيعته كمنصة تلتقي فيها التجارب الأدبية والفكرية المختلفة، دون أن تفقد خصوصيتها، بل تتجاور ضمن مشهد غني ومتنوع.

وفي هذا السياق، لا تبدو المعلّقة مجرد عمل فني معزول، بل خطابا بصريا متكاملا يعيد طرح سؤال العلاقة بين الكتاب والصورة، بين المعرفة وتمثلاتها الجمالية، وهو ما يجعل من اختيار نجا المهداوي تحديدا قرارا منسجما مع هذا التوجه، بالنظر إلى المسار الفني الذي راكمه على مدى عقود.

فنجا المهداوي، المولود بتونس سنة 1937، هو من أهم رواد الفن العربي الحديث والمعاصر، تخرج من أكاديمية الفنون في روما، ومن مدرسة اللوفر الفرنسية. وهو لا يُقرأ بوصفه مجرد فنان تشكيلي اشتغل على الحرف العربي، بل كأحد أبرز من أعادوا تعريف هذا الحرف داخل الفن المعاصر، إلى درجة أنه لُقّب بـ»خطاط الحروف الراقصة»، في توصيف يختزل جانبا أساسيا من تجربته القائمة على تحويل الحرف إلى كائن حي يتحرك داخل فضاء اللوحة وفق إيقاع خاص، وهو ما جعله يتجاوز حدود الخط العربي التقليدي، دون أن يقطع معه، ليؤسس ما يمكن اعتباره لغة بصرية قائمة بذاتها، تستمد جذورها من التراث لكنها تنفتح على أفق كوني، وقد تجلت هذه الخصوصية في مجمل أعماله التي لا تكتب نصوصا بقدر ما تقترح «موسيقى بصرية» قائمة على الإيقاع والتوازن والحركة.

على المستوى الوطني، ترك نجا المهداوي بصمته في عدد من الفضاءات والمؤسسات، من بينها تصميمه للواجهات الزجاجية لمقر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الالكسو) في تونس، وهي تجربة جمعت بين الفن والعمارة، وحوّلت الحرف إلى عنصر مكوّن للفضاء، كما شارك في معارض كبرى داخل البلاد، على غرار تلك التي احتضنها متحف باردو ومركز الفن الحي، وصولا إلى معارض استعادية مثل معرض «أوج» سنة 2018، الذي مثّل لحظة تأمل في مسيرته الطويلة، وسمح بقراءة تطور تجربته عبر الزمن، وهي تجربة توجت بحصوله على الجائزة الكبرى للفنون والآداب في تونس، تقديرا لإسهامه في إثراء المشهد التشكيلي.

غير أن حضور نجا المهداوي لم يظل حبيس الجغرافيا المحلية، بل سرعان ما اتخذ بعدا دوليا، حيث عرضت أعماله في مؤسسات ومتاحف مرموقة، من بينها المتحف البريطاني في لندن، ومتحف سميثسونيان في واشنطن، ومعهد العالم العربي في باريس، وهي فضاءات لا تستقبل عادة إلا التجارب التي نجحت في فرض نفسها ضمن السياق الفني العالمي.

كما امتدت أعماله إلى فضاءات غير تقليدية، مثل المطارات، حيث أنجز أعمالا ضخمة تزين مطاري جدة والرياض، في تجربة تنقل الفن من جدران المعارض إلى الفضاءات العامة، وتجعله جزءا من الحياة اليومية، وهو التوجه ذاته الذي تجلى في تعاونه مع شركة طيران الخليج التي اختارته لتزيين أسطول طائراتها سنة 2000، في مبادرة حولت الطائرة إلى حامل جمالي يعبر الحدود، حاملا معه أثرا من الثقافة العربية.

هذا الامتداد في الوسائط لم يكن مجرد تنويع شكلي، بل يعكس جوهر تجربة تقوم على اختبار الخامات وتطويعها، إذ اشتغل نجا المهداوي على مواد متعددة، من الرق والجلود إلى المعادن والمنسوجات والزجاج، في مسار يكشف عن بحث دائم في العلاقة بين الحرف والمادة. وقد كانت تجربته مع «الرق» تحديدا من أبرز محطاته، حيث تعامل مع هذا السطح الحساس بدقة بالغة، مستخدما الحبر الهندي لرسم تكوينات حروفية معقدة تقوم على إيقاع داخلي دقيق، بينما سمح له العمل على المعادن، مثل الألومنيوم والنحاس، باستكشاف تفاعلات الضوء مع الحرف، خاصة في الأعمال ذات الأحجام الكبيرة، حيث تتحول الكتابة إلى عنصر معماري.

في قلب هذه التجربة، تبرز فلسفة يمكن اختزالها في مفهوم «تحرير الحرف»، كما يرى العديد من النقاد ذلك، وهو تصور يقوم على فك الارتباط بين الحرف ومعناه اللغوي المباشر، ليصبح عنصرا بصريا قائما بذاته، لا يحتاج إلى أن يُقرأ بقدر ما يُرى ويُحسّ، وهو ما يفسر قدرة أعمال المهداوي على مخاطبة جمهور عالمي، لا يشترط معرفة اللغة العربية لفهمها، فالتجربة هنا حسية بالأساس، تقوم على الإيقاع والتوازن، وعلى توزيع الكتل والفراغات داخل اللوحة، بما يخلق حالة من الحركة المستمرة، وكأن الحروف في حالة رقص دائم، وهو ما يفسر أيضا وصفه لعمله بـ»كوريغرافيا الحروف»، حيث لا تصطف العناصر في خطوط مستقيمة، بل تتداخل وتتصادم وتنساب في فضاء مفتوح.

هذا التمشي لا يعني القطيعة مع التراث، بل إعادة قراءته خارج القوالب الجامدة، إذ يستلهم المهداوي من الخطوط التقليدية، مثل الثلث والكوفي، لكنه يعيد تفكيكها وإعادة تركيبها في صيغ تجريدية، لتكون منفتحة على أفق جديد، وهو ما يجعل تجربته مثالا على حداثة متجذرة، لا تنكر الماضي بل تعيد تفعيله داخل الحاضر، وهو ما يتقاطع، بشكل أو بآخر، مع الرؤية التي يسعى معرض تونس الدولي للكتاب إلى تكريسها، بوصفه فضاء لا يكتفي بعرض الكتب، بل يطرح أسئلة حول المعرفة وأشكال تمثّلها.

في هذا الإطار، يمكن قراءة المعلّقة الرسمية للدورة الأربعين كامتداد طبيعي لمسار نجا المهداوي، حيث تتجسد فيها معظم عناصر تجربته، من الاشتغال على الحرف كعنصر بصري، إلى توظيف الإيقاع والتكرار، وصولا إلى استحضار البعد الروحي للكتابة، وهو ما يمنح العمل بعدا تأمليا يتجاوز وظيفته الإشهارية، ليصبح مدخلا لقراءة أعمق للعلاقة بين الفن والمعرفة، وبين الصورة والنص، وبين الماضي والحاضر.

هكذا، لا يبدو اختيار المهداوي مجرد تكريم لمسيرة فنية حافلة، بقدر ما هو استثمار في تجربة قادرة على اختزال رهانات المعرض، وعلى تقديم صورة عن الثقافة التونسية في بعدها المنفتح والمتعدد، ثقافة لا تنغلق على ذاتها، بل تحاور العالم بلغتها الخاصة، وهي لغة يجد فيها الحرف العربي، كما يقدمه نجا المهداوي، إمكانا لا ينضب للتجدد، ومساحة لا نهائية للابتكار، بما يجعل من هذه المعلّقة، في نهاية المطاف، أكثر من مجرد واجهة بصرية، بل علامة دالة على لحظة ثقافية تتقاطع فيها الأسئلة الجمالية مع الرهانات الفكرية، في أفق بحث دائم عن معنى جديد للكتاب في زمن تتغير فيه وسائط المعرفة، دون أن تفقد جوهرها.

إيمان عبد اللطيف

وقع معلّقة الدورة الجديدة لمعرض تونس الدولي..   نجا المهداوي «خطاط الحروف الراقصة» وسفير الحداثة البصرية التونسية

 

  • المعلّقة لا تقتصر على الترويج البصري للتظاهرة، بل تتجاوزه لتصبح بيانا فنيا مكثفا يلخص روح المعرض ورؤيته.
  • تتشابك الحروف في المعلّقة وتتداخل ضمن نسيج تشكيلي يؤكد فكرة انفتاح الكتاب وتدفق المعنى واتساع أفق الخيال.
  • نجا المهداوي في مجمل أعماله لا يكتب نصوصا بقدر ما يقترح «موسيقى بصرية» قائمة على الإيقاع والتوازن والحركة.
  • يستعمل نجا المهداوي الرق والجلود، والمعادن والمنسوجات والزجاج، في مسار يكشف عن بحث دائم في العلاقة بين الحرف والمادة.

           

في خطوة تحمل أكثر من دلالة ثقافية ورمزية، أعلنت هيئة تنظيم معرض تونس الدولي للكتاب عن اعتماد المعلّقة الرسمية للدورة الأربعين للفنان التشكيلي التونسي العالمي نجا المهداوي، في اختيار يلتقي فيه البعد الجمالي بالرهان الفكري، ويؤكد من جديد موقع هذا الحدث بوصفه أحد أبرز الفضاءات العربية الحاضنة للمعرفة والإبداع والحوار بين الثقافات، إذ لا يقتصر دور المعلّقة على الترويج البصري للدورة، بل يتجاوز ذلك ليصبح بيانا فنيا مكثفا يلخص روح المعرض ورؤيته، وهو ما بدا واضحا في العمل الذي قدّمه نجا المهداوي، أين تتجسد رمزية الكتاب باعتباره وعاء للذاكرة الإنسانية وجسرا ممتدا بين الحضارات، في صيغة تشكيلية تستثمر الحرف العربي كعنصر بصري مستقل بذاته، محرَّرا من قيوده اللغوية ومحمَّلا بإمكانات تعبيرية مفتوحة.

المعلّقة، في تكوينها العام، تقوم على بنية بصرية متكاملة يتصدرها الرسم بوصفه مركز الثقل الدلالي، في إحالة واضحة إلى مركزية المعرفة وسمو فعل القراءة، بينما تتشابك الحروف وتتداخل ضمن نسيج تشكيلي ينبض بالحركة، مستحضرة فكرة انفتاح الكتاب وتدفق المعنى واتساع أفق الخيال، وهو ما يتناغم مع طبيعة المعرض كفضاء متعدد الأصوات والرؤى، لا يختزل المعرفة في بعد واحد، بل يفتحها على احتمالات لا نهائية من التأويل، وقد اختيرت خلفية تستلهم ورق البردي، لا كعنصر جمالي فقط، بل كإشارة واعية إلى الجذور الأولى لفعل الكتابة، وإلى المسارات الطويلة التي قطعتها الإنسانية في سبيل تدوين أفكارها وحفظ ذاكرتها، بما يضفي على العمل بعدا تاريخيا يربط بين البدايات الأولى للكتابة وأفقها المعاصر بوصفها أداة للتنوير والتواصل.

أما المعالجة اللونية، فقد جاءت قائمة على تدرجات شفافة وانسيابية تمنح الحروف طابعا حركيا، وكأنها في حالة تشكل دائم، وهو اختيار يعكس، في أحد مستوياته، تعدد الروافد الثقافية التي يحتضنها المعرض، ويؤكد طبيعته كمنصة تلتقي فيها التجارب الأدبية والفكرية المختلفة، دون أن تفقد خصوصيتها، بل تتجاور ضمن مشهد غني ومتنوع.

وفي هذا السياق، لا تبدو المعلّقة مجرد عمل فني معزول، بل خطابا بصريا متكاملا يعيد طرح سؤال العلاقة بين الكتاب والصورة، بين المعرفة وتمثلاتها الجمالية، وهو ما يجعل من اختيار نجا المهداوي تحديدا قرارا منسجما مع هذا التوجه، بالنظر إلى المسار الفني الذي راكمه على مدى عقود.

فنجا المهداوي، المولود بتونس سنة 1937، هو من أهم رواد الفن العربي الحديث والمعاصر، تخرج من أكاديمية الفنون في روما، ومن مدرسة اللوفر الفرنسية. وهو لا يُقرأ بوصفه مجرد فنان تشكيلي اشتغل على الحرف العربي، بل كأحد أبرز من أعادوا تعريف هذا الحرف داخل الفن المعاصر، إلى درجة أنه لُقّب بـ»خطاط الحروف الراقصة»، في توصيف يختزل جانبا أساسيا من تجربته القائمة على تحويل الحرف إلى كائن حي يتحرك داخل فضاء اللوحة وفق إيقاع خاص، وهو ما جعله يتجاوز حدود الخط العربي التقليدي، دون أن يقطع معه، ليؤسس ما يمكن اعتباره لغة بصرية قائمة بذاتها، تستمد جذورها من التراث لكنها تنفتح على أفق كوني، وقد تجلت هذه الخصوصية في مجمل أعماله التي لا تكتب نصوصا بقدر ما تقترح «موسيقى بصرية» قائمة على الإيقاع والتوازن والحركة.

على المستوى الوطني، ترك نجا المهداوي بصمته في عدد من الفضاءات والمؤسسات، من بينها تصميمه للواجهات الزجاجية لمقر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الالكسو) في تونس، وهي تجربة جمعت بين الفن والعمارة، وحوّلت الحرف إلى عنصر مكوّن للفضاء، كما شارك في معارض كبرى داخل البلاد، على غرار تلك التي احتضنها متحف باردو ومركز الفن الحي، وصولا إلى معارض استعادية مثل معرض «أوج» سنة 2018، الذي مثّل لحظة تأمل في مسيرته الطويلة، وسمح بقراءة تطور تجربته عبر الزمن، وهي تجربة توجت بحصوله على الجائزة الكبرى للفنون والآداب في تونس، تقديرا لإسهامه في إثراء المشهد التشكيلي.

غير أن حضور نجا المهداوي لم يظل حبيس الجغرافيا المحلية، بل سرعان ما اتخذ بعدا دوليا، حيث عرضت أعماله في مؤسسات ومتاحف مرموقة، من بينها المتحف البريطاني في لندن، ومتحف سميثسونيان في واشنطن، ومعهد العالم العربي في باريس، وهي فضاءات لا تستقبل عادة إلا التجارب التي نجحت في فرض نفسها ضمن السياق الفني العالمي.

كما امتدت أعماله إلى فضاءات غير تقليدية، مثل المطارات، حيث أنجز أعمالا ضخمة تزين مطاري جدة والرياض، في تجربة تنقل الفن من جدران المعارض إلى الفضاءات العامة، وتجعله جزءا من الحياة اليومية، وهو التوجه ذاته الذي تجلى في تعاونه مع شركة طيران الخليج التي اختارته لتزيين أسطول طائراتها سنة 2000، في مبادرة حولت الطائرة إلى حامل جمالي يعبر الحدود، حاملا معه أثرا من الثقافة العربية.

هذا الامتداد في الوسائط لم يكن مجرد تنويع شكلي، بل يعكس جوهر تجربة تقوم على اختبار الخامات وتطويعها، إذ اشتغل نجا المهداوي على مواد متعددة، من الرق والجلود إلى المعادن والمنسوجات والزجاج، في مسار يكشف عن بحث دائم في العلاقة بين الحرف والمادة. وقد كانت تجربته مع «الرق» تحديدا من أبرز محطاته، حيث تعامل مع هذا السطح الحساس بدقة بالغة، مستخدما الحبر الهندي لرسم تكوينات حروفية معقدة تقوم على إيقاع داخلي دقيق، بينما سمح له العمل على المعادن، مثل الألومنيوم والنحاس، باستكشاف تفاعلات الضوء مع الحرف، خاصة في الأعمال ذات الأحجام الكبيرة، حيث تتحول الكتابة إلى عنصر معماري.

في قلب هذه التجربة، تبرز فلسفة يمكن اختزالها في مفهوم «تحرير الحرف»، كما يرى العديد من النقاد ذلك، وهو تصور يقوم على فك الارتباط بين الحرف ومعناه اللغوي المباشر، ليصبح عنصرا بصريا قائما بذاته، لا يحتاج إلى أن يُقرأ بقدر ما يُرى ويُحسّ، وهو ما يفسر قدرة أعمال المهداوي على مخاطبة جمهور عالمي، لا يشترط معرفة اللغة العربية لفهمها، فالتجربة هنا حسية بالأساس، تقوم على الإيقاع والتوازن، وعلى توزيع الكتل والفراغات داخل اللوحة، بما يخلق حالة من الحركة المستمرة، وكأن الحروف في حالة رقص دائم، وهو ما يفسر أيضا وصفه لعمله بـ»كوريغرافيا الحروف»، حيث لا تصطف العناصر في خطوط مستقيمة، بل تتداخل وتتصادم وتنساب في فضاء مفتوح.

هذا التمشي لا يعني القطيعة مع التراث، بل إعادة قراءته خارج القوالب الجامدة، إذ يستلهم المهداوي من الخطوط التقليدية، مثل الثلث والكوفي، لكنه يعيد تفكيكها وإعادة تركيبها في صيغ تجريدية، لتكون منفتحة على أفق جديد، وهو ما يجعل تجربته مثالا على حداثة متجذرة، لا تنكر الماضي بل تعيد تفعيله داخل الحاضر، وهو ما يتقاطع، بشكل أو بآخر، مع الرؤية التي يسعى معرض تونس الدولي للكتاب إلى تكريسها، بوصفه فضاء لا يكتفي بعرض الكتب، بل يطرح أسئلة حول المعرفة وأشكال تمثّلها.

في هذا الإطار، يمكن قراءة المعلّقة الرسمية للدورة الأربعين كامتداد طبيعي لمسار نجا المهداوي، حيث تتجسد فيها معظم عناصر تجربته، من الاشتغال على الحرف كعنصر بصري، إلى توظيف الإيقاع والتكرار، وصولا إلى استحضار البعد الروحي للكتابة، وهو ما يمنح العمل بعدا تأمليا يتجاوز وظيفته الإشهارية، ليصبح مدخلا لقراءة أعمق للعلاقة بين الفن والمعرفة، وبين الصورة والنص، وبين الماضي والحاضر.

هكذا، لا يبدو اختيار المهداوي مجرد تكريم لمسيرة فنية حافلة، بقدر ما هو استثمار في تجربة قادرة على اختزال رهانات المعرض، وعلى تقديم صورة عن الثقافة التونسية في بعدها المنفتح والمتعدد، ثقافة لا تنغلق على ذاتها، بل تحاور العالم بلغتها الخاصة، وهي لغة يجد فيها الحرف العربي، كما يقدمه نجا المهداوي، إمكانا لا ينضب للتجدد، ومساحة لا نهائية للابتكار، بما يجعل من هذه المعلّقة، في نهاية المطاف، أكثر من مجرد واجهة بصرية، بل علامة دالة على لحظة ثقافية تتقاطع فيها الأسئلة الجمالية مع الرهانات الفكرية، في أفق بحث دائم عن معنى جديد للكتاب في زمن تتغير فيه وسائط المعرفة، دون أن تفقد جوهرها.

إيمان عبد اللطيف