بدأت اليوم جهود الدولة في أعلى هرمها تعطي أكلها في أكثر من مجال، وهو ما تعكسه بوضوح لغة الأرقام التي كشفت عن انتعاشة وديناميكية اقتصادية تجلت في تحسن نسق الصادرات وتقلص العجز التجاري، فضلًا عن تعزيز احتياطي العملة الصعبة وتنامي مداخيل القطاعات الاستراتيجية على غرار الفلاحة والسياحة.
هذه الانتعاشة لم تأت من فراغ، بل كانت في جوهرها ثمرة مسار سياسي إصلاحي يقوم على رؤية واضحة وتكامل في الأدوار، بما يؤكد أن الإرادة السياسية، متى اقترنت بمتابعة دقيقة وتقييم مستمر، من شأنها أن تؤشر إلى الإقلاع المنشود.
ثلاثية في إدارة الشأن العام
وفي هذا السياق، تبرز الثلاثية التي يتبناها رئيس الدولة قيس سعيد في إدارة الشأن العام، والتي ترتكز على: المتابعة، التقييم، والمحاسبة.
وهذه الثلاثية بدأت تثبت نجاعتها على أرض الواقع من خلال تحويل التوجهات الكبرى إلى نتائج ملموسة، فالمتابعة تضمن استمرارية التنفيذ وعدم تعطل المشاريع، والتقييم يتيح الوقوف على الإخلالات المرصودة ومعالجتها، أما المحاسبة فتكرس ثقافة المسؤولية وتحد من مظاهر التسيب والفساد.
هذا الخيار في تسيير دواليب الدولة، والذي يدفع باتجاهه رئيس الدولة قيس سعيد، بدأ ينعكس تدريجيًا على مؤشرات الاقتصاد الوطني، سواء من خلال تحسن الصادرات، أو تقليص العجز التجاري، أو تعزيز الموارد من العملة الصعبة. وهو ما يؤكد أن الإصلاح، حين يُدار برؤية واضحة وآليات ناجعة، قادر على بلوغ التحول المنشود ووضع البلاد على سكة انتعاشة حقيقية ومستدامة.
تقلص في العجز التجاري
في هذا الصدد، تكشف لغة الأرقام -الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء والبنك المركزي- أن مسار الإصلاح، رغم التحديات والصعوبات، قد أفرز نتائج ومؤشرات واضحة.
ويُعد تقلص العجز التجاري من أبرز المؤشرات التي تعكس تحسن الوضع الاقتصادي، فقد تراجع هذا العجز من 1764,6 مليون دينار في جانفي 2025 إلى 1287,6 مليون دينار في جانفي 2026، وهو ما يمثل تطورًا لافتًا لا يمكن اعتباره من قبيل الصدفة، وإنما هو نتيجة مباشرة لجملة من السياسات التي استهدفت التحكم في الواردات وتحفيز الصادرات.
ورافق هذا التراجع تحسن في نسبة تغطية الواردات بالصادرات لتبلغ 80,4 % مقابل 74 % خلال نفس الفترة من السنة الماضية، وهو مؤشر يعتبره أهل الاختصاص مهمًا، كونه يعكس بداية اقتراب الاقتصاد الوطني من تحقيق توازن أكبر في معاملاته مع الخارج، بما يؤشر عمليًا إلى أن الاقتصاد أصبح أقل اعتمادًا على التوريد وأكثر قدرة على تمويل حاجياته عبر موارده الذاتية.
وهنا تتجلى ثقافة التعويل على الذات التي دعا رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى ضرورة اعتمادها باعتبارها خيارًا استراتيجيًا يقوم على تثمين الإمكانيات الوطنية وتحرير الطاقات الموجودة. وهذه المقاربة تؤكد أن الدولة في أعلى هرمها لا تعني الانغلاق، بقدر ما تؤسس لنمط تنموي متوازن يقلص من التبعية للخارج ويعزز القدرة على الصمود أمام مختلف التقلبات الدولية.
من جانب متصل، سجلت نسبة الصادرات ارتفاعًا لافتًا حيث بلغت 5298,7 مليون دينار مقابل 5027,8 مليون دينار خلال جانفي 2025. وهذا النمو يعكس ديناميكية متعددة القطاعات، حيث برز قطاع الطاقة بارتفاع استثنائي بلغ 140 %، نتيجة تحسن صادرات المواد المكررة، وهو ما يعكس استعادة جزئية للقدرة الإنتاجية في هذا المجال الحيوي.
كما واصل قطاع الصناعات الميكانيكية والكهربائية أداءه الإيجابي بنسبة نمو بلغت 6,4 %، مما يؤكد أهمية ومتانة هذا القطاع وقدرته على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. أما القطاع الفلاحي والغذائي فقد سجل بدوره تحسنًا بنسبة 1 %، تعززه أساسًا ارتفاع نسبة صادرات زيت الزيتون التي بلغت 610,5 مليون دينار.
وهذا التنوع في مصادر النمو يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو تقليص الاعتماد على قطاع واحد، وبناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على امتصاص مختلف التغيرات والهزات.
التحكم في الواردات
في المقابل، تكشف الإحصائيات الرسمية عن تراجع الواردات إلى 6586,4 مليون دينار مقابل 6790,3 مليون دينار، وهو ما يعكس بداية تحول في نمط الاستهلاك والتوريد. فهذا التراجع لا يعني فقط تقليص النفقات، وإنما يطرح توجهًا نحو ترشيد الواردات وتعويضها تدريجيًا بالإنتاج المحلي.
كما يعكس هذا التوجه نجاحًا نسبيًا في فرض رقابة أكبر على التوريد العشوائي، وتشجيع الإنتاج الوطني، في إطار رؤية أوسع تهدف إلى تحقيق السيادة الاقتصادية، وهو ما دعا إليه في مناسبات عديدة رئيس الدولة قيس سعيد، معتبرًا أن السيادة لا تُختزل في بعدها السياسي فقط، بل تمتد بالضرورة إلى المجالين الاقتصادي والغذائي، حيث لا يمكن لدولة أن تكون حرة في قرارها الوطني وهي حبيسة للتوريد أو خاضعة لاختلال ميزانها التجاري.
ومن هذا المنطلق، يندرج العمل على تقليص الواردات غير الضرورية وتعزيز الإنتاج المحلي ضمن مسار استراتيجي يرمي إلى بناء اقتصاد وطني أكثر استقلالية، قادر على تلبية حاجياته الأساسية بنفسه، وغير خاضع لمختلف الضغوطات الخارجية والتقلبات الدولية.
ارتفاع احتياطي العملة الصعبة
من أبرز المؤشرات الإيجابية أيضًا، تطور مدخرات تونس من العملة الصعبة لتتجاوز 25,1 مليار دينار، أي ما يعادل 106 أيام توريد، مقارنة بـ22,9 مليار دينار (100 يوم توريد) مقارنة بالسنة الماضية. وهذا التحسن يعكس قدرة الاقتصاد التونسي على تعبئة موارد خارجية ويعزز قدرة البلاد على مواجهة مختلف التغيرات الخارجية.
ويعود هذا التحسن بالأساس إلى ارتفاع عائدات العملة الصعبة، سواء من تحويلات التونسيين بالخارج التي بلغت 1,9 مليار دينار (+6%)، أو من القطاع السياحي الذي حقق 1,3 مليار دينار (+4,7 %). وهي مؤشرات تؤكد استعادة الثقة في الاقتصاد الوطني، سواء من قبل الجالية التونسية أو مختلف الفاعلين الدوليين.
حركية مالية للقطاع البنكي
وفي نفس الاتجاه، سجلت المعاملات بين البنوك نموًا بنسبة 33 %، لتنتقل من 2,8 مليار دينار إلى 3,8 مليار دينار. هذه الحركية تعكس تحسنًا في السيولة على مستوى البنوك، كما تعكس ارتفاع مستوى النشاط الاقتصادي، حيث باتت البنوك تلعب دورًا محوريًا في تمويل الاستثمار ودعم الدورة الاقتصادية.
ويشير هذا التطور إلى بداية استعادة الثقة داخل المنظومة المالية، وهو ما يعتبر عنصراً وشرطًا هامًا في نجاح أي مسار إصلاحي.
هذه الانتعاشة المسجلة لا تقف عند حدود تراجع في عجز الميزان التجاري أو ارتفاع في نسبة مدخرات البلاد من العملة الصعبة وإنما طالت مجالات وقطاعات عززت هذا المنحى الايجابي، وضمن هذه المقاربة، يبرز قطاع زيت الزيتون كأحد أهم محركات الانتعاشة الاقتصادية، حيث بلغت الصادرات خلال الأشهر الأربعة الأولى من موسم 2025/2026 نحو 184,3 ألف طن، بزيادة تقارب 50 %. كما ارتفعت القيمة إلى 2263 مليون دينار (+33,8 %).
هذه الأرقام تؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع، ليس فقط كمصدر للعملة الصعبة، بل كرافعة للتنمية الفلاحية. غير أن المعطى اللافت هو أن 15,5 % فقط من الصادرات معلبة، وهو ما يطرح تحديًا كبيرًا يتعلق بضرورة تطوير سلاسل القيمة وتعزيز تثمين المنتوج الوطني.
مسار إصلاحي
في هذا الإطار، جدير بالذكر أنه لا يمكن فصل هذه المؤشرات الاقتصادية عن السياق الوطني العام للبلاد، حيث تعكس هذه المؤشرات في مجملها نتائج أولية لمسار إصلاحي تقوده الدولة بتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيد.
فهذا المسار الإصلاحي يرتكز على جملة من الآليات، أبرزها استعادة دور الدولة، مكافحة الفساد، وتعزيز السيادة الاقتصادية، حيث يعتبر رئيس الدولة أن تكريس العدالة الاجتماعية وبلوغ التنمية المنشودة رهين بمجموعة من العوامل، من أبرزها رصيد بشري يُدرِك تمامًا دقة المرحلة الراهنة وخصوصيتها، ويعي حجم التحديات المطروحة وما تقتضيه من انخراط جماعي في مسار الإصلاح، وذلك من خلال ترسيخ ثقافة العمل و تعزيز روح المبادرة والالتزام بقيم المسؤولية والانضباط.
ورغم التحديات الكبيرة، خاصة في ظل الضغوطات الاجتماعية والمالية، فإن الأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي ومعهد الإحصاء تشير في جوهرها إلى أن هذا التوجه بدأ يحقق نتائج ملموسة، على أرض الواقع ولو بشكل تدريجي.
ولكن ورغم هذه المؤشرات الإيجابية فإنه لا يمكن اعتبار أن الاقتصاد التونسي قد تجاوز كل الصعوبات بل إنه بلغ مرحلة التعافي التدريجي على اعتبار أن التحديات ما تزال قائمة، خاصة على مستوى الاستثمار الذي تكبله البيروقراطية في ظل كثرة الإجراءات الإدارية التي تعيق مساره. كما أن الحفاظ على هذه الديناميكية يتطلب مواصلة الإصلاحات وتعزيز مناخ الأعمال وهو ما تعمل الدولة في أعلى هرمها على ترسيخه وتجسيمه على أرض الواقع.
وفي هذا الخضم، تؤكد مختلف المؤشرات أن الاقتصاد الوطني بلغ تدريجيا مرحلة التعافي وهو ما يترجمه استعادة التوازنات في قطاعات ومجالات هامة.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلا، فإن ما تحقق في الوقت الراهن يمثل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها. فالرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تحقيق هذه النتائج، بل في ضمان استمراريتها وتحويلها إلى نسب نمو متطورة ومستدامة.
وفي ظل وجود إرادة سياسية واضحة لترسيخ نموذج اقتصادي جديد أكثر توازنا وعدالة، يكون فيه المواطن في صلب السياسات العمومية، وتكون فيه السيادة الاقتصادية هدفا استراتيجيا فإن الإقلاع المنشود في أكثر من مجال قد يكون يسير تدريجيا لكنه يسير بثبات وعلى أسس أكثر صلابة. وبالتالي فإن ما تحقق اليوم من مؤشرات إيجابية يؤسس في جوهره لمرحلة جديدة قوامها ترسيخ الثقة، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، بما يجعله صامدا أمام مختلف التغيرات والهزات الدولية.
منال حرزي
بدأت اليوم جهود الدولة في أعلى هرمها تعطي أكلها في أكثر من مجال، وهو ما تعكسه بوضوح لغة الأرقام التي كشفت عن انتعاشة وديناميكية اقتصادية تجلت في تحسن نسق الصادرات وتقلص العجز التجاري، فضلًا عن تعزيز احتياطي العملة الصعبة وتنامي مداخيل القطاعات الاستراتيجية على غرار الفلاحة والسياحة.
هذه الانتعاشة لم تأت من فراغ، بل كانت في جوهرها ثمرة مسار سياسي إصلاحي يقوم على رؤية واضحة وتكامل في الأدوار، بما يؤكد أن الإرادة السياسية، متى اقترنت بمتابعة دقيقة وتقييم مستمر، من شأنها أن تؤشر إلى الإقلاع المنشود.
ثلاثية في إدارة الشأن العام
وفي هذا السياق، تبرز الثلاثية التي يتبناها رئيس الدولة قيس سعيد في إدارة الشأن العام، والتي ترتكز على: المتابعة، التقييم، والمحاسبة.
وهذه الثلاثية بدأت تثبت نجاعتها على أرض الواقع من خلال تحويل التوجهات الكبرى إلى نتائج ملموسة، فالمتابعة تضمن استمرارية التنفيذ وعدم تعطل المشاريع، والتقييم يتيح الوقوف على الإخلالات المرصودة ومعالجتها، أما المحاسبة فتكرس ثقافة المسؤولية وتحد من مظاهر التسيب والفساد.
هذا الخيار في تسيير دواليب الدولة، والذي يدفع باتجاهه رئيس الدولة قيس سعيد، بدأ ينعكس تدريجيًا على مؤشرات الاقتصاد الوطني، سواء من خلال تحسن الصادرات، أو تقليص العجز التجاري، أو تعزيز الموارد من العملة الصعبة. وهو ما يؤكد أن الإصلاح، حين يُدار برؤية واضحة وآليات ناجعة، قادر على بلوغ التحول المنشود ووضع البلاد على سكة انتعاشة حقيقية ومستدامة.
تقلص في العجز التجاري
في هذا الصدد، تكشف لغة الأرقام -الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء والبنك المركزي- أن مسار الإصلاح، رغم التحديات والصعوبات، قد أفرز نتائج ومؤشرات واضحة.
ويُعد تقلص العجز التجاري من أبرز المؤشرات التي تعكس تحسن الوضع الاقتصادي، فقد تراجع هذا العجز من 1764,6 مليون دينار في جانفي 2025 إلى 1287,6 مليون دينار في جانفي 2026، وهو ما يمثل تطورًا لافتًا لا يمكن اعتباره من قبيل الصدفة، وإنما هو نتيجة مباشرة لجملة من السياسات التي استهدفت التحكم في الواردات وتحفيز الصادرات.
ورافق هذا التراجع تحسن في نسبة تغطية الواردات بالصادرات لتبلغ 80,4 % مقابل 74 % خلال نفس الفترة من السنة الماضية، وهو مؤشر يعتبره أهل الاختصاص مهمًا، كونه يعكس بداية اقتراب الاقتصاد الوطني من تحقيق توازن أكبر في معاملاته مع الخارج، بما يؤشر عمليًا إلى أن الاقتصاد أصبح أقل اعتمادًا على التوريد وأكثر قدرة على تمويل حاجياته عبر موارده الذاتية.
وهنا تتجلى ثقافة التعويل على الذات التي دعا رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى ضرورة اعتمادها باعتبارها خيارًا استراتيجيًا يقوم على تثمين الإمكانيات الوطنية وتحرير الطاقات الموجودة. وهذه المقاربة تؤكد أن الدولة في أعلى هرمها لا تعني الانغلاق، بقدر ما تؤسس لنمط تنموي متوازن يقلص من التبعية للخارج ويعزز القدرة على الصمود أمام مختلف التقلبات الدولية.
من جانب متصل، سجلت نسبة الصادرات ارتفاعًا لافتًا حيث بلغت 5298,7 مليون دينار مقابل 5027,8 مليون دينار خلال جانفي 2025. وهذا النمو يعكس ديناميكية متعددة القطاعات، حيث برز قطاع الطاقة بارتفاع استثنائي بلغ 140 %، نتيجة تحسن صادرات المواد المكررة، وهو ما يعكس استعادة جزئية للقدرة الإنتاجية في هذا المجال الحيوي.
كما واصل قطاع الصناعات الميكانيكية والكهربائية أداءه الإيجابي بنسبة نمو بلغت 6,4 %، مما يؤكد أهمية ومتانة هذا القطاع وقدرته على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية. أما القطاع الفلاحي والغذائي فقد سجل بدوره تحسنًا بنسبة 1 %، تعززه أساسًا ارتفاع نسبة صادرات زيت الزيتون التي بلغت 610,5 مليون دينار.
وهذا التنوع في مصادر النمو يعكس توجهًا استراتيجيًا نحو تقليص الاعتماد على قطاع واحد، وبناء اقتصاد أكثر مرونة وقدرة على امتصاص مختلف التغيرات والهزات.
التحكم في الواردات
في المقابل، تكشف الإحصائيات الرسمية عن تراجع الواردات إلى 6586,4 مليون دينار مقابل 6790,3 مليون دينار، وهو ما يعكس بداية تحول في نمط الاستهلاك والتوريد. فهذا التراجع لا يعني فقط تقليص النفقات، وإنما يطرح توجهًا نحو ترشيد الواردات وتعويضها تدريجيًا بالإنتاج المحلي.
كما يعكس هذا التوجه نجاحًا نسبيًا في فرض رقابة أكبر على التوريد العشوائي، وتشجيع الإنتاج الوطني، في إطار رؤية أوسع تهدف إلى تحقيق السيادة الاقتصادية، وهو ما دعا إليه في مناسبات عديدة رئيس الدولة قيس سعيد، معتبرًا أن السيادة لا تُختزل في بعدها السياسي فقط، بل تمتد بالضرورة إلى المجالين الاقتصادي والغذائي، حيث لا يمكن لدولة أن تكون حرة في قرارها الوطني وهي حبيسة للتوريد أو خاضعة لاختلال ميزانها التجاري.
ومن هذا المنطلق، يندرج العمل على تقليص الواردات غير الضرورية وتعزيز الإنتاج المحلي ضمن مسار استراتيجي يرمي إلى بناء اقتصاد وطني أكثر استقلالية، قادر على تلبية حاجياته الأساسية بنفسه، وغير خاضع لمختلف الضغوطات الخارجية والتقلبات الدولية.
ارتفاع احتياطي العملة الصعبة
من أبرز المؤشرات الإيجابية أيضًا، تطور مدخرات تونس من العملة الصعبة لتتجاوز 25,1 مليار دينار، أي ما يعادل 106 أيام توريد، مقارنة بـ22,9 مليار دينار (100 يوم توريد) مقارنة بالسنة الماضية. وهذا التحسن يعكس قدرة الاقتصاد التونسي على تعبئة موارد خارجية ويعزز قدرة البلاد على مواجهة مختلف التغيرات الخارجية.
ويعود هذا التحسن بالأساس إلى ارتفاع عائدات العملة الصعبة، سواء من تحويلات التونسيين بالخارج التي بلغت 1,9 مليار دينار (+6%)، أو من القطاع السياحي الذي حقق 1,3 مليار دينار (+4,7 %). وهي مؤشرات تؤكد استعادة الثقة في الاقتصاد الوطني، سواء من قبل الجالية التونسية أو مختلف الفاعلين الدوليين.
حركية مالية للقطاع البنكي
وفي نفس الاتجاه، سجلت المعاملات بين البنوك نموًا بنسبة 33 %، لتنتقل من 2,8 مليار دينار إلى 3,8 مليار دينار. هذه الحركية تعكس تحسنًا في السيولة على مستوى البنوك، كما تعكس ارتفاع مستوى النشاط الاقتصادي، حيث باتت البنوك تلعب دورًا محوريًا في تمويل الاستثمار ودعم الدورة الاقتصادية.
ويشير هذا التطور إلى بداية استعادة الثقة داخل المنظومة المالية، وهو ما يعتبر عنصراً وشرطًا هامًا في نجاح أي مسار إصلاحي.
هذه الانتعاشة المسجلة لا تقف عند حدود تراجع في عجز الميزان التجاري أو ارتفاع في نسبة مدخرات البلاد من العملة الصعبة وإنما طالت مجالات وقطاعات عززت هذا المنحى الايجابي، وضمن هذه المقاربة، يبرز قطاع زيت الزيتون كأحد أهم محركات الانتعاشة الاقتصادية، حيث بلغت الصادرات خلال الأشهر الأربعة الأولى من موسم 2025/2026 نحو 184,3 ألف طن، بزيادة تقارب 50 %. كما ارتفعت القيمة إلى 2263 مليون دينار (+33,8 %).
هذه الأرقام تؤكد الأهمية الاستراتيجية لهذا القطاع، ليس فقط كمصدر للعملة الصعبة، بل كرافعة للتنمية الفلاحية. غير أن المعطى اللافت هو أن 15,5 % فقط من الصادرات معلبة، وهو ما يطرح تحديًا كبيرًا يتعلق بضرورة تطوير سلاسل القيمة وتعزيز تثمين المنتوج الوطني.
مسار إصلاحي
في هذا الإطار، جدير بالذكر أنه لا يمكن فصل هذه المؤشرات الاقتصادية عن السياق الوطني العام للبلاد، حيث تعكس هذه المؤشرات في مجملها نتائج أولية لمسار إصلاحي تقوده الدولة بتوجيهات مباشرة من رئيس الجمهورية قيس سعيد.
فهذا المسار الإصلاحي يرتكز على جملة من الآليات، أبرزها استعادة دور الدولة، مكافحة الفساد، وتعزيز السيادة الاقتصادية، حيث يعتبر رئيس الدولة أن تكريس العدالة الاجتماعية وبلوغ التنمية المنشودة رهين بمجموعة من العوامل، من أبرزها رصيد بشري يُدرِك تمامًا دقة المرحلة الراهنة وخصوصيتها، ويعي حجم التحديات المطروحة وما تقتضيه من انخراط جماعي في مسار الإصلاح، وذلك من خلال ترسيخ ثقافة العمل و تعزيز روح المبادرة والالتزام بقيم المسؤولية والانضباط.
ورغم التحديات الكبيرة، خاصة في ظل الضغوطات الاجتماعية والمالية، فإن الأرقام الرسمية الصادرة عن البنك المركزي ومعهد الإحصاء تشير في جوهرها إلى أن هذا التوجه بدأ يحقق نتائج ملموسة، على أرض الواقع ولو بشكل تدريجي.
ولكن ورغم هذه المؤشرات الإيجابية فإنه لا يمكن اعتبار أن الاقتصاد التونسي قد تجاوز كل الصعوبات بل إنه بلغ مرحلة التعافي التدريجي على اعتبار أن التحديات ما تزال قائمة، خاصة على مستوى الاستثمار الذي تكبله البيروقراطية في ظل كثرة الإجراءات الإدارية التي تعيق مساره. كما أن الحفاظ على هذه الديناميكية يتطلب مواصلة الإصلاحات وتعزيز مناخ الأعمال وهو ما تعمل الدولة في أعلى هرمها على ترسيخه وتجسيمه على أرض الواقع.
وفي هذا الخضم، تؤكد مختلف المؤشرات أن الاقتصاد الوطني بلغ تدريجيا مرحلة التعافي وهو ما يترجمه استعادة التوازنات في قطاعات ومجالات هامة.
ورغم أن الطريق لا يزال طويلا، فإن ما تحقق في الوقت الراهن يمثل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها. فالرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في تحقيق هذه النتائج، بل في ضمان استمراريتها وتحويلها إلى نسب نمو متطورة ومستدامة.
وفي ظل وجود إرادة سياسية واضحة لترسيخ نموذج اقتصادي جديد أكثر توازنا وعدالة، يكون فيه المواطن في صلب السياسات العمومية، وتكون فيه السيادة الاقتصادية هدفا استراتيجيا فإن الإقلاع المنشود في أكثر من مجال قد يكون يسير تدريجيا لكنه يسير بثبات وعلى أسس أكثر صلابة. وبالتالي فإن ما تحقق اليوم من مؤشرات إيجابية يؤسس في جوهره لمرحلة جديدة قوامها ترسيخ الثقة، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، بما يجعله صامدا أمام مختلف التغيرات والهزات الدولية.