إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ضرورة معالجتها وتثمينها لا مجرد رفعها.. 3.3 مليون طنّ من النفايات سنويًا.. «ثروة» مهملة قابلة للاستغلال والاستفادة منها

وضعت الاستراتيجية الوطنية المندمجة في النفايات المنزلية والمشابهة، المعلن عنها في مارس 2021، أهدافًا طموحة مثل رفع نسبة رسكلة المواد إلى 20 بالمائة بحلول سنة 2035، بالإضافة إلى رفع نسبة تثمين النفايات لإنتاج السماد والطاقة إلى حدود 40 بالمائة، وتقليص حجم النفايات التي يتم ردمها بنسبة 60 بالمائة.

ولكن اليوم، وبعد خمس سنوات من وضع هذه الاستراتيجية الوطنية، ما زالت النتائج المسجّلة دون المأمول لعدّة أسباب موضوعية لها علاقة بإمكانيات رفع النفايات المنزلية ومعالجتها لاحقًا.

وقد أكّد وزير البيئة، حبيب عبيد، في الجلسة البرلمانية التي انعقدت يوم الجمعة الماضي، أن حجم النفايات المنزلية في تونس يبلغ 3.3 مليون طن سنويًا، وأن كل تونسي ينتج حوالي كيلوغرام من النفايات كل يوم، مشيرًا إلى أن البلديات تقوم بمجهودها لرفع هذه الفضلات رغم محدودية الإمكانيات، حيث تستعمل كل البلديات على المستوى الوطني 3420 آلية. كما قال الوزير إن وزارة البيئة تعمل من خلال مخطط 2026-2030 على إيجاد حلول بديلة، منها التوجه نحو القطاع الخاص الذي يرفع الطن الواحد من الفضلات بسعر يتراوح بين 45 و75 دينارًا، وفق تصريحه في الجلسة العامة.

ولئن يطرح اليوم رفع النفايات إشكالًا حقيقيًا بسبب ضعف الإمكانيات، فإن الإشكال الأكبر يكمن في معالجة تلك النفايات والتصرّف فيها، خاصة مع تواصل أزمة عدد من المصبات على كامل تراب الجمهورية في استيعاب آلاف الأطنان اليومية من النفايات، بالإضافة إلى ضعف عمليات الفرز والتثمين والرسكلة اللاحقة، مما يجعل النفايات المنزلية التي تستغلها اليوم بعض البلدان كثروة لإنتاج الطاقة وغيرها من البدائل المفيدة، تتحوّل إلى عبء وملف حارق يبحث عن حلول منذ سنوات.

معالجة النفايات… الملف الأهمّ!

لم يخفِ وزير البيئة، حبيب عبيد، في تصريحات إعلامية، أن 80 بالمائة من النفايات المنزلية يتمّ تجميعها، بينما ما تزال الـ 20 بالمائة الأخرى في الطرقات ومجاري الأودية وعدد من الأماكن الأخرى، وذلك نتيجة نقص الإمكانيات وبسبب بعض السلوكيات التي تحول دون جمع الفضلات المنزلية بشكل فعّال، وأن البلديات تخصّص 45 بالمائة من مصاريفها في جمع النفايات، وهو ما قد يؤثّر سلبًا على بعض الخدمات الأخرى التي تقدّمها البلديات.

ورغم ما يطرحه الرفع من إشكاليات اليوم، إلا أن هذه الإشكاليات تقترن بأخرى لا تقلّ أهمية وتجعل من النفايات «ثروة مهدورة» كان يمكن استغلالها بعد تثمينها. وقد كشفت ورقة بحثية قدّمها «منتدى ابن خلدون للتنمية» منذ سنتين أن نسبة الفضلات المنزلية وما شابهها التي تتم رسكلتها وإعادة تثمينها في تونس تبلغ 8 بالمائة، في حين تُلقى 20 بالمائة من هذه الفضلات في الطبيعة، ويُرمى 70 بالمائة منها في المصبات التي توصف بالمراقبة، وذلك وفق البيانات التي كشفتها الدراسة البحثية.

وتعكس هذه البيانات نقصًا حادًا في التصرف في النفايات رغم أهميتها اقتصاديًا على أصعدة مختلفة، لاسيما في مجال توليد الطاقة البديلة التي تحتاجها تونس. كما أشار المنتدى إلى أن تونس تنتج 350 ألف طن من النفايات الصناعية الخطيرة، والتي يفترض أن يكون ثلثها قابلاً للرسكلة الإيكولوجية، غير أن أغلب النفايات الصناعية تبقى مخزنة بجانب المصانع، وذلك في ظل تواصل إغلاق مصب جرادو للنفايات الخطيرة في زغوان منذ 2011 بسبب رفض المواطنين لوجوده.

وقد شدّدت الورقة البحثية لمنتدى ابن خلدون على أن وجود الفضلات المنزلية والصناعية يشكل إحدى أهم أسباب التلوث، سواء في المحيط الحضري أو الريفي، وعاملاً مهمًا في تدهور المحيط وجودة حياة المواطنين، مؤكدة أهمية تفعيل ديناميكية الاقتصاد الأخضر والدائري القائم على رسكلة النفايات، إلى جانب تعزيز المردودية الفنية للتصرف في جمع النفايات ونقلها وتثمينها. كما أشار المنتدى إلى أن التصرف في النفايات اليوم يواجه عقبات تنظيمية ومؤسساتية عديدة بسبب تشتت المسألة بين وزارة البيئة ووكالة التصرف في النفايات من ناحية، ووزارة الداخلية والشؤون المحلية من ناحية أخرى، مما أعاق خلق ديناميكية مدمجة تطور التصرف في النفايات بالأساس على المستوى المحلي.

ويعتبر الاقتصاد الأخضر والدائري من الحلول الناجعة في معالجة النفايات بأنواعها، إلا أن الإقبال على هذا النوع من المشاريع الاقتصادية وضعف التمويل البنكي لمثل هذه المشاريع يؤخّر مسألة تثمين ورسكلة النفايات والاستفادة منها.

وتطرح اليوم منظومة التصرف في النفايات مشكلة كبيرة على مستوى معالجة هذه النفايات، حيث لا يزال العمل يتم بتقنية الردم بالرغم من كل مخاطرها على التربة والمياه والطبيعة، ورغم أن الكثير من الدول توجهت إلى رسكلة هذه النفايات بالحرق وتحويلها إلى طاقة. ولكن هذه التقنية مكلفة وغير مربحة بالنسبة للشركات التي تعمل على رسكلة هذه النفايات، لذلك لا يوجد إقبال كبير على التصرف في النفايات باستعمال هذه التقنية على أهميتها في حماية البيئة والمحيط، التي تواجه أزمات كبيرة في تونس أثرت على التربة والمائدة المائية والشريط الساحلي ونوعية الهواء.

وترتبط إشكاليات الرفع بمشكل آخر لا يقلّ أهمية، وهو مشكل المصبات ووصول بعضها إلى نهاية عمرها الافتراضي، بالإضافة إلى الانتشار الكبير للمصبات العشوائية، خاصة في المناطق الريفية وغير الحضرية. ويعتبر مصب برج شاكير أكبر مصبّ نفايات في تونس، إذ يستقبل نفايات ولايات تونس، منوبة، أريانة وبن عروس، ويمتدّ على مساحة 124 هكتارًا، ويستقبل آلاف الأطنان من النفايات يوميًا من 38 بلدية. ويرى الخبراء والمختصون في الشأن البيئي أن هذا المصب بات يشكّل مشكلًا بيئيًا خطيرًا لأنه يساهم في ارتفاع مستوى التلوث في المناطق المحيطة به.

وتعاني الأحياء المجاورة للمصب، ومنها الضواحي الغربية للعاصمة وخاصة مناطق العطار، وسيدي حسين، والجيارة، صعوبة في التنفّس، خاصة للأطفال، بسبب الانبعاثات الغازية الملوّثة من المصبّ. وكانت العديد من الأطراف قد شددت خلال أزمة مصب برج شاكير على ضرورة القطع مع منظومة الردم الصحي للنفايات، وإيجاد هيكلة جديدة للتصرف في النفايات، وعلى أهمية تركيز وحدات لفرز وتثمين النفايات.

الاستراتيجية الوطنية تواجه صعوبات كبيرة!

من بين الصعوبات التي تواجهها الاستراتيجية الوطنية لتثمين ورسكلة النفايات نجد ضعف نسبة التثمين، فرغم بعض الجهود المبذولة تبقى نسبة تدوير النفايات منخفضة، مما يجعل القطاع هامشيًا ويعتمد بشكل كبير على الردم العشوائي أو المراقب. إلى جانب ذلك، تعاني منظومة «إيكولف» (Eco-Lef) العمومية، التي تعمل على استعادة وتثمين المعلبات البلاستيكية المستعملة، من ضعف الأداء، حيث لم تنجح في الحد من إلقاء النفايات البلاستيكية في الطبيعة رغم كل المجهودات.

وبالنسبة للرسكلة غير الرسمية، فإن الدور الأكبر يقوم به «البرباشة» في جمع البلاستيك والورق والمعادن، حيث يجمعون جزءًا كبيرًا من المواد القابلة للتدوير ويعيدون بيعها لمصانع الرسكلة، ولكن هذا الدور لم يرتق بعد إلى المستوى المطلوب في رسكلة وتثمين النفايات، بالإضافة إلى وجود آلاف الأطنان من النفايات لا تدخل ضمن المواد التي يهتم البرباشة بتجميعها.

تعمل الدولة من خلال الوكالة الوطنية للتصرّف في النفايات على تثمين النفايات العضوية من خلال إرساء تجارب نموذجية لتحويل النفايات العضوية إلى سماد أو طاقة، مثل المشاريع التي أطلقتها الوكالة في صفاقس وسوسة. حيث تم افتتاح أول وحدة تجريبية لإنتاج الكهرباء من النفايات المنزلية في سوسة بكلفة تقارب 400 ألف دينار.

كما ظهرت مؤخرًا شركات تكنولوجية ناشئة تتيح للمواطنين بيع قمامتهم المنزلية المفروزة (بلاستيك، ورق، معادن) مقابل حافز مادي، كوسيلة لتشجيع الفرز من المصدر. ودعم هذه الشركات ضروري لإتمام عمليات فرز ناجحة يمكن أن تسهّل لاحقًا عمليات التثمين والرسكلة.

وكانت الحكومة السابقة، ومن خلال لجنة المشاريع الكبرى، قد اتخذت جملة من القرارات المتعلّقة بالمجال البيئي وإزالة التلوّث والتصرّف في النفايات المنزلية والمشابهة، ومتابعة إنجاز وتهذيب منشآت التطهير. من ذلك، الإذن باعتماد نتائج المرحلة الأولى للدراسة الفنية المتعلقة بتحديد موقع تركيز وحدة معالجة وتثمين النفايات المنزلية والمشابهة بولايات تونس الكبرى وفق المعايير الفنية والبيئية والاقتصادية، إضافة إلى التسريع في نسق إنجاز الدراسة الفنية لتحديد موقع ثان لتركيز وحدة معالجة وتثمين النفايات المنزلية والمشابهة، خاصة بولايات أريانة ومنوبة وبنزرت، وتأهيل موقع المصب الحالي ببرج شاكير من خلال برمجة تهيئته وتشجيره.

كما تم الإذن باستكمال الإجراءات المستوجبة للانطلاق في إنجاز وحدة معالجة وتثمين النفايات المنزلية والمشابهة بولاية قفصة، وتخصيص 19 هكتارًا لتوسعة وحدة معالجة وتثمين النفايات المنزلية والمشابهة بولاية صفاقس. وأيضا الإذن باستكمال الدراسات المستوجبة لإنجاز مشروع وحدة تجميع وفرز ومعالجة النفايات المنزلية والمشابهة بجزيرة جربة، والانطلاق في الدراسات المتعلقة بإنجاز وحدة معالجة وتثمين النفايات المنزلية والمشابهة بولايات الساحل (القيروان، المهدية، المنستير، وسوسة)، والانطلاق في ضخ الغازات البيولوجية المستخرجة من النفايات المنزلية بالمصب المراقب «وادي لاية» من ولاية سوسة.

واليوم، من الضروري متابعة إنجاز هذه المشاريع، لأن معالجة النفايات المنزلية لم تعد خيارًا، بل ضرورة يحتّمها ارتفاع مستويات التلوّث التي تؤثر على البيئة والمناخ بشكل مباشر، وتخلق إشكاليات أخرى على مستوى الانحباس الحراري وتآكل الشواطئ، وهي مشاكل أصبحت تعاني منها تونس في السنوات الأخيرة.

منية العرفاوي

ضرورة معالجتها وتثمينها لا مجرد رفعها..   3.3 مليون طنّ من النفايات سنويًا.. «ثروة» مهملة قابلة للاستغلال والاستفادة منها

وضعت الاستراتيجية الوطنية المندمجة في النفايات المنزلية والمشابهة، المعلن عنها في مارس 2021، أهدافًا طموحة مثل رفع نسبة رسكلة المواد إلى 20 بالمائة بحلول سنة 2035، بالإضافة إلى رفع نسبة تثمين النفايات لإنتاج السماد والطاقة إلى حدود 40 بالمائة، وتقليص حجم النفايات التي يتم ردمها بنسبة 60 بالمائة.

ولكن اليوم، وبعد خمس سنوات من وضع هذه الاستراتيجية الوطنية، ما زالت النتائج المسجّلة دون المأمول لعدّة أسباب موضوعية لها علاقة بإمكانيات رفع النفايات المنزلية ومعالجتها لاحقًا.

وقد أكّد وزير البيئة، حبيب عبيد، في الجلسة البرلمانية التي انعقدت يوم الجمعة الماضي، أن حجم النفايات المنزلية في تونس يبلغ 3.3 مليون طن سنويًا، وأن كل تونسي ينتج حوالي كيلوغرام من النفايات كل يوم، مشيرًا إلى أن البلديات تقوم بمجهودها لرفع هذه الفضلات رغم محدودية الإمكانيات، حيث تستعمل كل البلديات على المستوى الوطني 3420 آلية. كما قال الوزير إن وزارة البيئة تعمل من خلال مخطط 2026-2030 على إيجاد حلول بديلة، منها التوجه نحو القطاع الخاص الذي يرفع الطن الواحد من الفضلات بسعر يتراوح بين 45 و75 دينارًا، وفق تصريحه في الجلسة العامة.

ولئن يطرح اليوم رفع النفايات إشكالًا حقيقيًا بسبب ضعف الإمكانيات، فإن الإشكال الأكبر يكمن في معالجة تلك النفايات والتصرّف فيها، خاصة مع تواصل أزمة عدد من المصبات على كامل تراب الجمهورية في استيعاب آلاف الأطنان اليومية من النفايات، بالإضافة إلى ضعف عمليات الفرز والتثمين والرسكلة اللاحقة، مما يجعل النفايات المنزلية التي تستغلها اليوم بعض البلدان كثروة لإنتاج الطاقة وغيرها من البدائل المفيدة، تتحوّل إلى عبء وملف حارق يبحث عن حلول منذ سنوات.

معالجة النفايات… الملف الأهمّ!

لم يخفِ وزير البيئة، حبيب عبيد، في تصريحات إعلامية، أن 80 بالمائة من النفايات المنزلية يتمّ تجميعها، بينما ما تزال الـ 20 بالمائة الأخرى في الطرقات ومجاري الأودية وعدد من الأماكن الأخرى، وذلك نتيجة نقص الإمكانيات وبسبب بعض السلوكيات التي تحول دون جمع الفضلات المنزلية بشكل فعّال، وأن البلديات تخصّص 45 بالمائة من مصاريفها في جمع النفايات، وهو ما قد يؤثّر سلبًا على بعض الخدمات الأخرى التي تقدّمها البلديات.

ورغم ما يطرحه الرفع من إشكاليات اليوم، إلا أن هذه الإشكاليات تقترن بأخرى لا تقلّ أهمية وتجعل من النفايات «ثروة مهدورة» كان يمكن استغلالها بعد تثمينها. وقد كشفت ورقة بحثية قدّمها «منتدى ابن خلدون للتنمية» منذ سنتين أن نسبة الفضلات المنزلية وما شابهها التي تتم رسكلتها وإعادة تثمينها في تونس تبلغ 8 بالمائة، في حين تُلقى 20 بالمائة من هذه الفضلات في الطبيعة، ويُرمى 70 بالمائة منها في المصبات التي توصف بالمراقبة، وذلك وفق البيانات التي كشفتها الدراسة البحثية.

وتعكس هذه البيانات نقصًا حادًا في التصرف في النفايات رغم أهميتها اقتصاديًا على أصعدة مختلفة، لاسيما في مجال توليد الطاقة البديلة التي تحتاجها تونس. كما أشار المنتدى إلى أن تونس تنتج 350 ألف طن من النفايات الصناعية الخطيرة، والتي يفترض أن يكون ثلثها قابلاً للرسكلة الإيكولوجية، غير أن أغلب النفايات الصناعية تبقى مخزنة بجانب المصانع، وذلك في ظل تواصل إغلاق مصب جرادو للنفايات الخطيرة في زغوان منذ 2011 بسبب رفض المواطنين لوجوده.

وقد شدّدت الورقة البحثية لمنتدى ابن خلدون على أن وجود الفضلات المنزلية والصناعية يشكل إحدى أهم أسباب التلوث، سواء في المحيط الحضري أو الريفي، وعاملاً مهمًا في تدهور المحيط وجودة حياة المواطنين، مؤكدة أهمية تفعيل ديناميكية الاقتصاد الأخضر والدائري القائم على رسكلة النفايات، إلى جانب تعزيز المردودية الفنية للتصرف في جمع النفايات ونقلها وتثمينها. كما أشار المنتدى إلى أن التصرف في النفايات اليوم يواجه عقبات تنظيمية ومؤسساتية عديدة بسبب تشتت المسألة بين وزارة البيئة ووكالة التصرف في النفايات من ناحية، ووزارة الداخلية والشؤون المحلية من ناحية أخرى، مما أعاق خلق ديناميكية مدمجة تطور التصرف في النفايات بالأساس على المستوى المحلي.

ويعتبر الاقتصاد الأخضر والدائري من الحلول الناجعة في معالجة النفايات بأنواعها، إلا أن الإقبال على هذا النوع من المشاريع الاقتصادية وضعف التمويل البنكي لمثل هذه المشاريع يؤخّر مسألة تثمين ورسكلة النفايات والاستفادة منها.

وتطرح اليوم منظومة التصرف في النفايات مشكلة كبيرة على مستوى معالجة هذه النفايات، حيث لا يزال العمل يتم بتقنية الردم بالرغم من كل مخاطرها على التربة والمياه والطبيعة، ورغم أن الكثير من الدول توجهت إلى رسكلة هذه النفايات بالحرق وتحويلها إلى طاقة. ولكن هذه التقنية مكلفة وغير مربحة بالنسبة للشركات التي تعمل على رسكلة هذه النفايات، لذلك لا يوجد إقبال كبير على التصرف في النفايات باستعمال هذه التقنية على أهميتها في حماية البيئة والمحيط، التي تواجه أزمات كبيرة في تونس أثرت على التربة والمائدة المائية والشريط الساحلي ونوعية الهواء.

وترتبط إشكاليات الرفع بمشكل آخر لا يقلّ أهمية، وهو مشكل المصبات ووصول بعضها إلى نهاية عمرها الافتراضي، بالإضافة إلى الانتشار الكبير للمصبات العشوائية، خاصة في المناطق الريفية وغير الحضرية. ويعتبر مصب برج شاكير أكبر مصبّ نفايات في تونس، إذ يستقبل نفايات ولايات تونس، منوبة، أريانة وبن عروس، ويمتدّ على مساحة 124 هكتارًا، ويستقبل آلاف الأطنان من النفايات يوميًا من 38 بلدية. ويرى الخبراء والمختصون في الشأن البيئي أن هذا المصب بات يشكّل مشكلًا بيئيًا خطيرًا لأنه يساهم في ارتفاع مستوى التلوث في المناطق المحيطة به.

وتعاني الأحياء المجاورة للمصب، ومنها الضواحي الغربية للعاصمة وخاصة مناطق العطار، وسيدي حسين، والجيارة، صعوبة في التنفّس، خاصة للأطفال، بسبب الانبعاثات الغازية الملوّثة من المصبّ. وكانت العديد من الأطراف قد شددت خلال أزمة مصب برج شاكير على ضرورة القطع مع منظومة الردم الصحي للنفايات، وإيجاد هيكلة جديدة للتصرف في النفايات، وعلى أهمية تركيز وحدات لفرز وتثمين النفايات.

الاستراتيجية الوطنية تواجه صعوبات كبيرة!

من بين الصعوبات التي تواجهها الاستراتيجية الوطنية لتثمين ورسكلة النفايات نجد ضعف نسبة التثمين، فرغم بعض الجهود المبذولة تبقى نسبة تدوير النفايات منخفضة، مما يجعل القطاع هامشيًا ويعتمد بشكل كبير على الردم العشوائي أو المراقب. إلى جانب ذلك، تعاني منظومة «إيكولف» (Eco-Lef) العمومية، التي تعمل على استعادة وتثمين المعلبات البلاستيكية المستعملة، من ضعف الأداء، حيث لم تنجح في الحد من إلقاء النفايات البلاستيكية في الطبيعة رغم كل المجهودات.

وبالنسبة للرسكلة غير الرسمية، فإن الدور الأكبر يقوم به «البرباشة» في جمع البلاستيك والورق والمعادن، حيث يجمعون جزءًا كبيرًا من المواد القابلة للتدوير ويعيدون بيعها لمصانع الرسكلة، ولكن هذا الدور لم يرتق بعد إلى المستوى المطلوب في رسكلة وتثمين النفايات، بالإضافة إلى وجود آلاف الأطنان من النفايات لا تدخل ضمن المواد التي يهتم البرباشة بتجميعها.

تعمل الدولة من خلال الوكالة الوطنية للتصرّف في النفايات على تثمين النفايات العضوية من خلال إرساء تجارب نموذجية لتحويل النفايات العضوية إلى سماد أو طاقة، مثل المشاريع التي أطلقتها الوكالة في صفاقس وسوسة. حيث تم افتتاح أول وحدة تجريبية لإنتاج الكهرباء من النفايات المنزلية في سوسة بكلفة تقارب 400 ألف دينار.

كما ظهرت مؤخرًا شركات تكنولوجية ناشئة تتيح للمواطنين بيع قمامتهم المنزلية المفروزة (بلاستيك، ورق، معادن) مقابل حافز مادي، كوسيلة لتشجيع الفرز من المصدر. ودعم هذه الشركات ضروري لإتمام عمليات فرز ناجحة يمكن أن تسهّل لاحقًا عمليات التثمين والرسكلة.

وكانت الحكومة السابقة، ومن خلال لجنة المشاريع الكبرى، قد اتخذت جملة من القرارات المتعلّقة بالمجال البيئي وإزالة التلوّث والتصرّف في النفايات المنزلية والمشابهة، ومتابعة إنجاز وتهذيب منشآت التطهير. من ذلك، الإذن باعتماد نتائج المرحلة الأولى للدراسة الفنية المتعلقة بتحديد موقع تركيز وحدة معالجة وتثمين النفايات المنزلية والمشابهة بولايات تونس الكبرى وفق المعايير الفنية والبيئية والاقتصادية، إضافة إلى التسريع في نسق إنجاز الدراسة الفنية لتحديد موقع ثان لتركيز وحدة معالجة وتثمين النفايات المنزلية والمشابهة، خاصة بولايات أريانة ومنوبة وبنزرت، وتأهيل موقع المصب الحالي ببرج شاكير من خلال برمجة تهيئته وتشجيره.

كما تم الإذن باستكمال الإجراءات المستوجبة للانطلاق في إنجاز وحدة معالجة وتثمين النفايات المنزلية والمشابهة بولاية قفصة، وتخصيص 19 هكتارًا لتوسعة وحدة معالجة وتثمين النفايات المنزلية والمشابهة بولاية صفاقس. وأيضا الإذن باستكمال الدراسات المستوجبة لإنجاز مشروع وحدة تجميع وفرز ومعالجة النفايات المنزلية والمشابهة بجزيرة جربة، والانطلاق في الدراسات المتعلقة بإنجاز وحدة معالجة وتثمين النفايات المنزلية والمشابهة بولايات الساحل (القيروان، المهدية، المنستير، وسوسة)، والانطلاق في ضخ الغازات البيولوجية المستخرجة من النفايات المنزلية بالمصب المراقب «وادي لاية» من ولاية سوسة.

واليوم، من الضروري متابعة إنجاز هذه المشاريع، لأن معالجة النفايات المنزلية لم تعد خيارًا، بل ضرورة يحتّمها ارتفاع مستويات التلوّث التي تؤثر على البيئة والمناخ بشكل مباشر، وتخلق إشكاليات أخرى على مستوى الانحباس الحراري وتآكل الشواطئ، وهي مشاكل أصبحت تعاني منها تونس في السنوات الأخيرة.

منية العرفاوي