إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الدورة السادسة للمشاورات السياسية بين تونس والهند.. من التنسيق إلى شراكة متعددة الأبعاد

في خضم تحولات دولية متسارعة، تفرض على الدول إعادة بلورة أولوياتها وتنويع دوائر شراكاتها، يبرز اللقاء التونسي-الهندي الأخير كمحطة هامة يسعى من خلالها البلدان إلى ضخ حركية جديدة لمسار علاقاتهما الثنائية.

فانعقاد الدورة السادسة للمشاورات السياسية بين الجانبين، والتي التأمت أول أمس بمقر وزارة الشؤون الخارجية، وبحضور كل من وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، ووكيلة وزارة الشؤون الخارجية الهندية المكلفة بالتعاون مع بلدان الجنوب، Neena Malhotra، لا يعكس فقط استمرارية التواصل والتشاور، وإنما يمثل في جوهره مقاربة جديدة نحو إرساء شراكة أكثر تنوعا ونجاعة، قادرة على مواكبة رهانات المرحلة واستثمار الفرص المتاحة.

في هذا السياق، تدرك تونس كما الهند جيدا أهمية إعادة تموضع الشراكات بينهما على أسس أكثر توازنا وتنوعا، بما يضمن تحقيق مصالح متبادلة، وقد جعلت الجهود الحالية منصبّة على بناء نموذج شراكة قائم على التكامل الاقتصادي وتبادل الخبرات، خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، بما يعزز القدرة التنافسية ويواكب التحولات الدولية المتسارعة على مستوى الاقتصاد العالمي. كما يعكس هذا التوجّه وعيا مشتركا بأهمية تنويع الشركاء والانفتاح على فرص جديدة ضمن فضاء التعاون جنوب-جنوب، بما يتيح لتونس والهند توسيع آفاق حضورهما الاقتصادي والدبلوماسي على الساحة الدولية.

وضمن هذه المقاربة، يندرج اللقاء الذي جمع وزير الشؤون الخارجية مع وكيلة وزارة الشؤون الخارجية الهندية المكلفة بالتعاون مع بلدان الجنوب، باعتباره مؤشرا على إرادة سياسية مشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية نحو آفاق أرحب، بما يستجيب لمتطلبات المرحلة وتحدياتها.

وفي هذا الإطار، يكتسي التأكيد خلال هذا اللقاء على الإعداد للدورة الثالثة عشرة للجنة المشتركة التونسية-الهندية دلالة هامة، باعتباره يعكس توجها عمليا نحو هيكلة التعاون الثنائي ضمن آليات مؤسساتية قادرة على ضمان الاستمرارية والنجاعة. كما أن انتظام المشاورات السياسية يوفر أرضية لتقييم الواقع الراهن للعلاقات واستشراف مجالات جديدة للتكامل، بما يعزز قدرة البلدين على استثمار إمكانياتهما المتاحة في سياق دولي تنافسي.

تقاطع في الرؤى

وضمن هذا التمشي، كشفت الدورة السادسة للمشاورات السياسية بين البلدين عن تقاطع واضح في الرؤى بين تونس والهند بخصوص أهمية تعزيز التعاون جنوب-جنوب، باعتباره خيارا استراتيجيا يتيح للدول النامية تنويع شركائها وتقليص تبعيتها للمحاور التقليدية.

ويستمد هذا الطرح شرعيته على اعتبار أن الهند تمثل قوة اقتصادية صاعدة وفاعلا مؤثرا ضمن بلدان الجنوب، كما تعتبر شريكا واعدا لتونس في مجالات حيوية، ما يفسر التركيز على قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، على غرار الطاقات المتجددة والتعاون العلمي والأكاديمي.

ولا يمكن فصل هذا التوجّه عن سعي تونس إلى توظيف موقعها الجغرافي وإمكانياتها البشرية للاندماج بشكل أفضل في سلاسل القيمة العالمية، حيث تبدو الشراكة مع الهند مدخلا هاما لتعزيز القدرات والكفاءات الوطنية في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي. وفي هذا السياق، تمثل القطاعات التي تم التطرق إليها خلال المشاورات، من التجارة والاستثمار إلى التعليم العالي وصولا إلى تكنولوجيات الاتصال، دعائم أساسية لبناء تعاون متكامل يقوم على تبادل المصالح وتحقيق المنفعة المشتركة.

من جانب آخر، يعكس الاتفاق على مواصلة التنسيق في المحافل الدولية، خاصة ضمن منظمة الأمم المتحدة وفضاءات الجنوب العالمي، تقاربا في المواقف إزاء عدد من القضايا الدولية، بما يعزز من ثقل البلدين داخل منظومة متعددة الأطراف. كما يتجلى هذا التنسيق كآلية لدعم الحضور الدبلوماسي لتونس وتوسيع شبكة تحالفاتها في ظل تحولات تعيد تشكيل موازين القوى العالمية.

وفي هذا السياق ذاته، يندرج تجديد الموقف التونسي الثابت من القضية الفلسطينية ضمن ثوابت الدبلوماسية التونسية، حيث يعكس تمسّكا بمبادئ الشرعية الدولية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. وهو موقف يضفي بعدا قيميا على التحرك الدبلوماسي التونسي ويعزز مصداقيته في تعاطيه مع مختلف القضايا العادلة.

زخم على مستوى العلاقات

من جهة أخرى، وبعيدا عن الدورة السادسة للمشاورات السياسية بين تونس والهند، يجدر بالذكر أن مسار العلاقات التونسية-الهندية يشهد في المرحلة الراهنة زخما لافتا، مدفوعا بإرادة سياسية مشتركة لتجاوز الأطر التقليدية للتعاون نحو شراكة أكثر ديناميكية وابتكارا. فتنويع مجالات التعاون وتكثيف الزيارات المتبادلة يعكسان إدراكا متناميا لدى الجانبين بأهمية استثمار الفرص التي تتيحها التحولات الاقتصادية العالمية.

ويتعزز هذا التوجه من خلال الحركية اللافتة التي طبعت في الآونة الأخيرة نسق التواصل والتعاون بين الجانبين، حيث تعكس اللقاءات المتعددة التي أجرتها سفيرة الهند بتونس، ديفياني كوبراغاد، مؤخرا مع عدد من أعضاء الحكومة، على غرار وزيرة الثقافة ووزيرة الصناعة والمناجم، بالتوازي مع لقائها مع رئيس مجلس نواب الشعب وعدد من الفاعلين الاقتصاديين في مجالات متنوعة، ديناميكية متنامية تشير إلى انتقال التعاون الثنائي من مستوى التنسيق التقليدي إلى مرحلة الفعل والإنجاز.

وتبرز هذه الحركية حرصا مشتركا على توسيع مجالات الشراكة لتشمل أبعادا اقتصادية وثقافية وصناعية أكثر عمقا، بما يعكس إرادة واضحة للارتقاء بالعلاقات التونسية-الهندية إلى مستوى شراكة متعددة الأبعاد، قادرة على مواكبة التحولات الراهنة والاستفادة من الإمكانيات والفرص المتاحة لدى البلدين.

ومن هذا المنطلق، يتضح أن لقاء وزير الخارجية مع وكيلة وزارة الشؤون الخارجية الهندية المكلفة بالتعاون مع بلدان الجنوب يمثل في جوهره حلقة جديدة في مسار بناء شراكة استراتيجية واعدة بين تونس والهند، شراكة تقوم على التوازن والتكامل، وتستجيب لتطلعات البلدين في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز حضورهما على الساحة الدولية.

منال حرزي

الدورة السادسة للمشاورات السياسية بين تونس والهند..   من التنسيق إلى شراكة متعددة الأبعاد

في خضم تحولات دولية متسارعة، تفرض على الدول إعادة بلورة أولوياتها وتنويع دوائر شراكاتها، يبرز اللقاء التونسي-الهندي الأخير كمحطة هامة يسعى من خلالها البلدان إلى ضخ حركية جديدة لمسار علاقاتهما الثنائية.

فانعقاد الدورة السادسة للمشاورات السياسية بين الجانبين، والتي التأمت أول أمس بمقر وزارة الشؤون الخارجية، وبحضور كل من وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، محمد علي النفطي، ووكيلة وزارة الشؤون الخارجية الهندية المكلفة بالتعاون مع بلدان الجنوب، Neena Malhotra، لا يعكس فقط استمرارية التواصل والتشاور، وإنما يمثل في جوهره مقاربة جديدة نحو إرساء شراكة أكثر تنوعا ونجاعة، قادرة على مواكبة رهانات المرحلة واستثمار الفرص المتاحة.

في هذا السياق، تدرك تونس كما الهند جيدا أهمية إعادة تموضع الشراكات بينهما على أسس أكثر توازنا وتنوعا، بما يضمن تحقيق مصالح متبادلة، وقد جعلت الجهود الحالية منصبّة على بناء نموذج شراكة قائم على التكامل الاقتصادي وتبادل الخبرات، خاصة في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، بما يعزز القدرة التنافسية ويواكب التحولات الدولية المتسارعة على مستوى الاقتصاد العالمي. كما يعكس هذا التوجّه وعيا مشتركا بأهمية تنويع الشركاء والانفتاح على فرص جديدة ضمن فضاء التعاون جنوب-جنوب، بما يتيح لتونس والهند توسيع آفاق حضورهما الاقتصادي والدبلوماسي على الساحة الدولية.

وضمن هذه المقاربة، يندرج اللقاء الذي جمع وزير الشؤون الخارجية مع وكيلة وزارة الشؤون الخارجية الهندية المكلفة بالتعاون مع بلدان الجنوب، باعتباره مؤشرا على إرادة سياسية مشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية نحو آفاق أرحب، بما يستجيب لمتطلبات المرحلة وتحدياتها.

وفي هذا الإطار، يكتسي التأكيد خلال هذا اللقاء على الإعداد للدورة الثالثة عشرة للجنة المشتركة التونسية-الهندية دلالة هامة، باعتباره يعكس توجها عمليا نحو هيكلة التعاون الثنائي ضمن آليات مؤسساتية قادرة على ضمان الاستمرارية والنجاعة. كما أن انتظام المشاورات السياسية يوفر أرضية لتقييم الواقع الراهن للعلاقات واستشراف مجالات جديدة للتكامل، بما يعزز قدرة البلدين على استثمار إمكانياتهما المتاحة في سياق دولي تنافسي.

تقاطع في الرؤى

وضمن هذا التمشي، كشفت الدورة السادسة للمشاورات السياسية بين البلدين عن تقاطع واضح في الرؤى بين تونس والهند بخصوص أهمية تعزيز التعاون جنوب-جنوب، باعتباره خيارا استراتيجيا يتيح للدول النامية تنويع شركائها وتقليص تبعيتها للمحاور التقليدية.

ويستمد هذا الطرح شرعيته على اعتبار أن الهند تمثل قوة اقتصادية صاعدة وفاعلا مؤثرا ضمن بلدان الجنوب، كما تعتبر شريكا واعدا لتونس في مجالات حيوية، ما يفسر التركيز على قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، على غرار الطاقات المتجددة والتعاون العلمي والأكاديمي.

ولا يمكن فصل هذا التوجّه عن سعي تونس إلى توظيف موقعها الجغرافي وإمكانياتها البشرية للاندماج بشكل أفضل في سلاسل القيمة العالمية، حيث تبدو الشراكة مع الهند مدخلا هاما لتعزيز القدرات والكفاءات الوطنية في مجالات التكنولوجيا والبحث العلمي. وفي هذا السياق، تمثل القطاعات التي تم التطرق إليها خلال المشاورات، من التجارة والاستثمار إلى التعليم العالي وصولا إلى تكنولوجيات الاتصال، دعائم أساسية لبناء تعاون متكامل يقوم على تبادل المصالح وتحقيق المنفعة المشتركة.

من جانب آخر، يعكس الاتفاق على مواصلة التنسيق في المحافل الدولية، خاصة ضمن منظمة الأمم المتحدة وفضاءات الجنوب العالمي، تقاربا في المواقف إزاء عدد من القضايا الدولية، بما يعزز من ثقل البلدين داخل منظومة متعددة الأطراف. كما يتجلى هذا التنسيق كآلية لدعم الحضور الدبلوماسي لتونس وتوسيع شبكة تحالفاتها في ظل تحولات تعيد تشكيل موازين القوى العالمية.

وفي هذا السياق ذاته، يندرج تجديد الموقف التونسي الثابت من القضية الفلسطينية ضمن ثوابت الدبلوماسية التونسية، حيث يعكس تمسّكا بمبادئ الشرعية الدولية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. وهو موقف يضفي بعدا قيميا على التحرك الدبلوماسي التونسي ويعزز مصداقيته في تعاطيه مع مختلف القضايا العادلة.

زخم على مستوى العلاقات

من جهة أخرى، وبعيدا عن الدورة السادسة للمشاورات السياسية بين تونس والهند، يجدر بالذكر أن مسار العلاقات التونسية-الهندية يشهد في المرحلة الراهنة زخما لافتا، مدفوعا بإرادة سياسية مشتركة لتجاوز الأطر التقليدية للتعاون نحو شراكة أكثر ديناميكية وابتكارا. فتنويع مجالات التعاون وتكثيف الزيارات المتبادلة يعكسان إدراكا متناميا لدى الجانبين بأهمية استثمار الفرص التي تتيحها التحولات الاقتصادية العالمية.

ويتعزز هذا التوجه من خلال الحركية اللافتة التي طبعت في الآونة الأخيرة نسق التواصل والتعاون بين الجانبين، حيث تعكس اللقاءات المتعددة التي أجرتها سفيرة الهند بتونس، ديفياني كوبراغاد، مؤخرا مع عدد من أعضاء الحكومة، على غرار وزيرة الثقافة ووزيرة الصناعة والمناجم، بالتوازي مع لقائها مع رئيس مجلس نواب الشعب وعدد من الفاعلين الاقتصاديين في مجالات متنوعة، ديناميكية متنامية تشير إلى انتقال التعاون الثنائي من مستوى التنسيق التقليدي إلى مرحلة الفعل والإنجاز.

وتبرز هذه الحركية حرصا مشتركا على توسيع مجالات الشراكة لتشمل أبعادا اقتصادية وثقافية وصناعية أكثر عمقا، بما يعكس إرادة واضحة للارتقاء بالعلاقات التونسية-الهندية إلى مستوى شراكة متعددة الأبعاد، قادرة على مواكبة التحولات الراهنة والاستفادة من الإمكانيات والفرص المتاحة لدى البلدين.

ومن هذا المنطلق، يتضح أن لقاء وزير الخارجية مع وكيلة وزارة الشؤون الخارجية الهندية المكلفة بالتعاون مع بلدان الجنوب يمثل في جوهره حلقة جديدة في مسار بناء شراكة استراتيجية واعدة بين تونس والهند، شراكة تقوم على التوازن والتكامل، وتستجيب لتطلعات البلدين في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز حضورهما على الساحة الدولية.

منال حرزي