إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بعد التشغيل والفلاحة والنقل.. توفير الأدوية في صدارة الاهتمامات الوطنية

حين يصبح الحصول على الدواء أمرا صعب المنال، وحين تغدو رحلة العلاج كابوسا يوميا يثقل كاهل المواطنين، خاصة من ذوي الدخل المحدود، تتدخل الدولة في أعلى هرمها لتؤكد أنها لا تعيش في برج عاجي أو في قطيعة مع واقعها اليومي، مؤكدة أن الحق في الحياة هو أسمى درجات السيادة الوطنية، وأنه لا مجال مطلقا للتلاعب بحق المواطن في تلقي العلاج.

وقد تجلّى هذا الطرح بوضوح من خلال الزيارة الميدانية التي أداها رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى مصحة العمران ومقر الصيدلية المركزية، والتي كانت بمثابة «إعلان حرب» على البيروقراطية المقيتة وشبكات الفساد، ومؤشرا فعليا على القطع مع الحلول الترقيعية والظرفية في التعاطي مع ملف دقيق يمس حق المواطن في الصحة والكرامة، ويختبر في العمق قدرة الدولة على حماية أبسط مقوّمات العيش الكريم.

في هذا الخصوص، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد، وبعد اهتمامه بملفات حيوية على غرار التشغيل الفلاحة والنقل والصحة، وهو ما تجسّده جملة من القرارات التي اتخذت في هذا الصدد، يلتفت اليوم إلى ملف جوهري لا يقلّ أهمية عن القطاعات السابقة، ويتمثل في ملف الأدوية وما يطرحه من إشكاليات وتحديات متفاقمة أثّرت بشكل مباشر على المواطن وأثقلت كاهله.

وفي هذا السياق، تكتسي الزيارة التي أدّاها رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى مصحّة العمران ثم إلى الصيدلية المركزية، وما تلاها من اجتماع بقصر قرطاج مع رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، ووزير الصحة مصطفى الفرجاني، ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، دلالات سياسية تتجاوز في جوهرها البعد الميداني، لتكشف عن توجه واضح نحو وضع ملف الأدوية، الذي كان على مدار السنوات الماضية يحتكم إلى منطق اللوبيات، في صدارة الأولويات الوطنية عبر إقرار توجيهات واضحة تهدف إلى إصلاح المنظومة وتعزيز الشفافية وضمان وصول الأدوية الحيوية والضرورية إلى المواطنين دون تأخير أو تعقيدات.

زيارة ميدانية برسائل سياسية

تحمل زيارة رئيس الدولة قيس سعيد إلى مصحّة العمران بعدا رمزيا وعمليا في الوقت نفسه، فهي من جهة تعكس وعيا بأهمية النزول إلى الميدان والإصغاء مباشرة لمشاغل المواطنين، ومن جهة أخرى تعكس رغبة فعلية في إعادة ترتيب الأولويات انطلاقا من الواقع، بعيدا عن سياسة التقارير المرفوعة.

كما أن التوقف عند سير العمل، من ذلك طريقة توزيع الأدوية وآليات ضبط المواعيد، ومعاينة النقائص، يكشف عن توجه نحو تشخيص دقيق للإشكاليات بما يمهّد لاحقا لقرارات أكثر نجاعة. وفي هذا الإطار، يعكس اقتراح رئيس الدولة قيس سعيد توزيع الأدوية عبر وسائل نقل مخصّصة، لتجنيب المرضى مشقة التنقل وساعات الانتظار الطويلة تحت جنح الظلام، إيمانا بأن كرامة المواطن هي البوصلة الحقيقية لأي إصلاح، وأن الرقمنة وتعزيز آليات التفتيش والرقابة ليست مجرد إجراءات تقنية، بل هي أدوات ضرورية للقضاء على الفساد وضمان وصول كل حبة دواء إلى مستحقها الفعلي بعيدا عن أيدي العابثين والمضاربين بصحة التونسيين.

جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد يراهن على الزيارات الميدانية ويعتبرها بمثابة المرآة الحقيقية التي تعكس واقع المرافق العمومية، وقد تحوّلت هذه الزيارات على مدار السنوات الماضية إلى آلية هامة في إدارة الشأن العام، تؤشر إلى متابعة الأوضاع عن قرب والوقوف مباشرة على مشاغل المواطنين وإشكالياتهم، بما يساهم في اتخاذ قرارات أكثر دقة وارتباطا بالواقع ورهاناته.

ملامح إصلاح هيكلي

من جانب آخر، لم تتوقف دلالات الزيارات الميدانية التي قام بها رئيس الدولة قيس سعيد عند حدود المعاينة، بل امتدت إلى مستوى اتخاذ القرار، وهو ما ترجمه لاحقا الاجتماع الذي جمع رئيس الدولة بقصر قرطاج برئيسة الحكومة ووزيري الصحة والشؤون الاجتماعية. وهنا تتجلّى إرادة سياسية تكشف عن الانتقال من توصيف الأزمة وتشخيصها إلى معالجتها ضمن رؤية شاملة.

فتأكيد رئيس الدولة قيس سعيد على ضرورة اعتماد تصوّر جديد لمنظومة الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية يعكس وعيا بأن الإشكال يتجاوز قطاع الأدوية ليشمل بنية المنظومة برمّتها. كما أن الحديث عن القطع مع التراكمات السابقة يضع الإصلاح في إطار مراجعة عميقة لا تقتصر على الإجراءات الظرفية أو العاجلة. وضمن هذه المقاربة، وضع رئيس الدولة قيس سعيد إصبعه على مكمن الداء، بوصفه الصريح للمرافق الصحية بأنها أصبحت «مريضة»، وهو توصيف يتجاوز الوضع التقني أو اللوجستي للمؤسسات الاستشفائية ليشمل المنظومة برمتها التي عانت من سنوات طويلة من التخريب الممنهج والتراكمات التي أدت إلى فقدان الأدوية الأساسية.

ويربط رئيس الدولة قيس سعيد بين ندرة الأدوية وسوء التصرف والفساد الذي استشرى في مسالك التوزيع، مشددا على أن الحل لا يمكن أن يكون مجرد مسكنات ظرفية أو اعتمادات مالية عابرة، بل يتطلب رؤية إصلاحية شاملة تقطع مع الماضي وتؤسس لمنظومة ضمان اجتماعي تقوم على العدالة والإنصاف، لا على المحاباة والانتظار المهين.

وفي إطار هذا التمشي، يبرز تأكيد رئيس الجمهورية على ضرورة مقاومة الفساد وسوء التصرف في قطاع الأدوية، على اعتبار أن غياب الشفافية وضعف الرقابة ساهم في تعقيد الأزمة، بما يجعل من تعزيز آليات التفقد والرقابة أولوية لا تقل أهمية عن توفير الأدوية في حدّ ذاته.

كما أن دعوة رئيس الدولة قيس سعيد إلى تعميم المنظومات الرقمية لتتبّع مسالك توزيع الأدوية تمثل خطوة نوعية نحو إرساء حوكمة حديثة تضمن الشفافية والنجاعة وتحدّ من التجاوزات والإخلالات المرصودة.

نحو سيادة دوائية

من جهة أخرى، جدير بالذكر أن من بين أبرز الأبعاد الاستراتيجية التي حملتها تصريحات رئيس الدولة قيس سعيد، تأكيده على أهمية تكوين مخزون استراتيجي من الأدوية، خاصة الحياتية منها، كخطوة استباقية لتحصين الأمن القومي الصحي. فالأدوية الخاصة بأمراض السكري وضغط الدم والغدة الدرقية أضحت اليوم «كابوسا» فعليا للمرضى، وهو ما دفع الدولة للتحرك الفوري لتأمين الاعتمادات المالية اللازمة للصيدلية المركزية.

ويهدف هذا التحرك، في جوهره، إلى إنهاء حالة التبعية للخارج، خاصة وأن تونس، وفقا لما صرح به رئيس الدولة قيس سعيد، تمتلك من الكفاءات الطبية والعلمية ما يؤهلها ليس فقط للتكوين والبحث، وإنما للانتقال الفعلي نحو التصنيع والتصدير، مما من شأنه أن يحوّل قطاع الدواء من عبء مالي إلى قاطرة نمو وإشعاع دولي يعزز مكانة الدولة في المحافل العالمية.

وفي قراءة أوسع للزيارات الميدانية التي قام بها رئيس الدولة إلى جانب اللقاء الرسمي مع المسؤولين في الخطوط الأولى عن قطاع الأدوية، يُلاحظ أن رئيس الدولة يدرك تمام الإدراك أن هذا الملف، على أهميته، لم يتخلص بعد من براثن الفساد والمحسوبية، وما زال يواجه تحديات هيكلية معقدة تتداخل فيها أبعاد متعددة، منها ضعف آليات الرقابة، وتشتّت المسؤوليات بين مختلف المؤسسات، وتأخر التجاوب مع شكاوى المواطنين.

كما أنّ تراكم سنوات من التسيير الجزئي والإصلاحات الترقيعية ساهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسة، مما أثر سلبًا على قدرة المنظومة الصحية على الاستجابة للحاجيات الأساسية للمواطن.

ولا يمكن في السياق ذاته قراءة تعاطي الدولة مع ملف الأدوية بمعزل عن مبدأ العدالة الاجتماعية الذي يعمل رئيس الدولة قيس سعيد على ترسيخه، إذ أن تأمين الدواء وضمان وصوله بشكل متساوٍ لكل المواطنين يُعدّ مؤشرا فعليا على مدى التزام الدولة بمبدأ المساواة والإنصاف، كما يعكس قدرة السياسات العامة على حماية الفئات الأكثر هشاشة وترسيخ كرامة الإنسان كحق أساسي.

الدواء.. أمن قومي

في هذا الخضم، أعادت الدولة في أعلى هرمها إلى قطاع الأدوية هذا الملف الاستراتيجي إلى مربعه الأساسي باعتباره قضية أمن قومي بامتياز، حيث لم يعد مقبولا اليوم أن تظل صحة المواطن رهينة تعطيل إداري أو نقص في المخزون الاستراتيجي.

وقد فتحت هذه الزيارات واللقاءات الوزارية المكثفة الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة مع الأزمات الهيكلية، مرحلة لا تعترف بالحلول الجزئية، وإنما تمضي قدما نحو استعادة عافية المرفق العمومي، ليبقى الدواء حقًا مقدسًا مكفولًا للجميع، ولتظل تونس عصية بكفاءاتها وإرادتها على كل أشكال التهميش والارتهان.

ومع الإرادة السياسية الملموسة، يبقى نجاح هذا المسار رهين القدرة على تحويل التوجّهات إلى سياسات ناجعة، تُترجم على أرض الواقع في شكل خدمات ذات جودة عالية، وأدوية متوفرة، ومنظومة أكثر عدلا وإنصافا، بما من شأنه أن يعيد الثقة للمواطن ويكرّس فعليا الحق في الصحة كحق لا يقبل التأجيل.

منال حرزي

بعد التشغيل والفلاحة والنقل..   توفير الأدوية في صدارة الاهتمامات الوطنية

حين يصبح الحصول على الدواء أمرا صعب المنال، وحين تغدو رحلة العلاج كابوسا يوميا يثقل كاهل المواطنين، خاصة من ذوي الدخل المحدود، تتدخل الدولة في أعلى هرمها لتؤكد أنها لا تعيش في برج عاجي أو في قطيعة مع واقعها اليومي، مؤكدة أن الحق في الحياة هو أسمى درجات السيادة الوطنية، وأنه لا مجال مطلقا للتلاعب بحق المواطن في تلقي العلاج.

وقد تجلّى هذا الطرح بوضوح من خلال الزيارة الميدانية التي أداها رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى مصحة العمران ومقر الصيدلية المركزية، والتي كانت بمثابة «إعلان حرب» على البيروقراطية المقيتة وشبكات الفساد، ومؤشرا فعليا على القطع مع الحلول الترقيعية والظرفية في التعاطي مع ملف دقيق يمس حق المواطن في الصحة والكرامة، ويختبر في العمق قدرة الدولة على حماية أبسط مقوّمات العيش الكريم.

في هذا الخصوص، جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد، وبعد اهتمامه بملفات حيوية على غرار التشغيل الفلاحة والنقل والصحة، وهو ما تجسّده جملة من القرارات التي اتخذت في هذا الصدد، يلتفت اليوم إلى ملف جوهري لا يقلّ أهمية عن القطاعات السابقة، ويتمثل في ملف الأدوية وما يطرحه من إشكاليات وتحديات متفاقمة أثّرت بشكل مباشر على المواطن وأثقلت كاهله.

وفي هذا السياق، تكتسي الزيارة التي أدّاها رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى مصحّة العمران ثم إلى الصيدلية المركزية، وما تلاها من اجتماع بقصر قرطاج مع رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، ووزير الصحة مصطفى الفرجاني، ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، دلالات سياسية تتجاوز في جوهرها البعد الميداني، لتكشف عن توجه واضح نحو وضع ملف الأدوية، الذي كان على مدار السنوات الماضية يحتكم إلى منطق اللوبيات، في صدارة الأولويات الوطنية عبر إقرار توجيهات واضحة تهدف إلى إصلاح المنظومة وتعزيز الشفافية وضمان وصول الأدوية الحيوية والضرورية إلى المواطنين دون تأخير أو تعقيدات.

زيارة ميدانية برسائل سياسية

تحمل زيارة رئيس الدولة قيس سعيد إلى مصحّة العمران بعدا رمزيا وعمليا في الوقت نفسه، فهي من جهة تعكس وعيا بأهمية النزول إلى الميدان والإصغاء مباشرة لمشاغل المواطنين، ومن جهة أخرى تعكس رغبة فعلية في إعادة ترتيب الأولويات انطلاقا من الواقع، بعيدا عن سياسة التقارير المرفوعة.

كما أن التوقف عند سير العمل، من ذلك طريقة توزيع الأدوية وآليات ضبط المواعيد، ومعاينة النقائص، يكشف عن توجه نحو تشخيص دقيق للإشكاليات بما يمهّد لاحقا لقرارات أكثر نجاعة. وفي هذا الإطار، يعكس اقتراح رئيس الدولة قيس سعيد توزيع الأدوية عبر وسائل نقل مخصّصة، لتجنيب المرضى مشقة التنقل وساعات الانتظار الطويلة تحت جنح الظلام، إيمانا بأن كرامة المواطن هي البوصلة الحقيقية لأي إصلاح، وأن الرقمنة وتعزيز آليات التفتيش والرقابة ليست مجرد إجراءات تقنية، بل هي أدوات ضرورية للقضاء على الفساد وضمان وصول كل حبة دواء إلى مستحقها الفعلي بعيدا عن أيدي العابثين والمضاربين بصحة التونسيين.

جدير بالذكر أن رئيس الدولة قيس سعيد يراهن على الزيارات الميدانية ويعتبرها بمثابة المرآة الحقيقية التي تعكس واقع المرافق العمومية، وقد تحوّلت هذه الزيارات على مدار السنوات الماضية إلى آلية هامة في إدارة الشأن العام، تؤشر إلى متابعة الأوضاع عن قرب والوقوف مباشرة على مشاغل المواطنين وإشكالياتهم، بما يساهم في اتخاذ قرارات أكثر دقة وارتباطا بالواقع ورهاناته.

ملامح إصلاح هيكلي

من جانب آخر، لم تتوقف دلالات الزيارات الميدانية التي قام بها رئيس الدولة قيس سعيد عند حدود المعاينة، بل امتدت إلى مستوى اتخاذ القرار، وهو ما ترجمه لاحقا الاجتماع الذي جمع رئيس الدولة بقصر قرطاج برئيسة الحكومة ووزيري الصحة والشؤون الاجتماعية. وهنا تتجلّى إرادة سياسية تكشف عن الانتقال من توصيف الأزمة وتشخيصها إلى معالجتها ضمن رؤية شاملة.

فتأكيد رئيس الدولة قيس سعيد على ضرورة اعتماد تصوّر جديد لمنظومة الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية يعكس وعيا بأن الإشكال يتجاوز قطاع الأدوية ليشمل بنية المنظومة برمّتها. كما أن الحديث عن القطع مع التراكمات السابقة يضع الإصلاح في إطار مراجعة عميقة لا تقتصر على الإجراءات الظرفية أو العاجلة. وضمن هذه المقاربة، وضع رئيس الدولة قيس سعيد إصبعه على مكمن الداء، بوصفه الصريح للمرافق الصحية بأنها أصبحت «مريضة»، وهو توصيف يتجاوز الوضع التقني أو اللوجستي للمؤسسات الاستشفائية ليشمل المنظومة برمتها التي عانت من سنوات طويلة من التخريب الممنهج والتراكمات التي أدت إلى فقدان الأدوية الأساسية.

ويربط رئيس الدولة قيس سعيد بين ندرة الأدوية وسوء التصرف والفساد الذي استشرى في مسالك التوزيع، مشددا على أن الحل لا يمكن أن يكون مجرد مسكنات ظرفية أو اعتمادات مالية عابرة، بل يتطلب رؤية إصلاحية شاملة تقطع مع الماضي وتؤسس لمنظومة ضمان اجتماعي تقوم على العدالة والإنصاف، لا على المحاباة والانتظار المهين.

وفي إطار هذا التمشي، يبرز تأكيد رئيس الجمهورية على ضرورة مقاومة الفساد وسوء التصرف في قطاع الأدوية، على اعتبار أن غياب الشفافية وضعف الرقابة ساهم في تعقيد الأزمة، بما يجعل من تعزيز آليات التفقد والرقابة أولوية لا تقل أهمية عن توفير الأدوية في حدّ ذاته.

كما أن دعوة رئيس الدولة قيس سعيد إلى تعميم المنظومات الرقمية لتتبّع مسالك توزيع الأدوية تمثل خطوة نوعية نحو إرساء حوكمة حديثة تضمن الشفافية والنجاعة وتحدّ من التجاوزات والإخلالات المرصودة.

نحو سيادة دوائية

من جهة أخرى، جدير بالذكر أن من بين أبرز الأبعاد الاستراتيجية التي حملتها تصريحات رئيس الدولة قيس سعيد، تأكيده على أهمية تكوين مخزون استراتيجي من الأدوية، خاصة الحياتية منها، كخطوة استباقية لتحصين الأمن القومي الصحي. فالأدوية الخاصة بأمراض السكري وضغط الدم والغدة الدرقية أضحت اليوم «كابوسا» فعليا للمرضى، وهو ما دفع الدولة للتحرك الفوري لتأمين الاعتمادات المالية اللازمة للصيدلية المركزية.

ويهدف هذا التحرك، في جوهره، إلى إنهاء حالة التبعية للخارج، خاصة وأن تونس، وفقا لما صرح به رئيس الدولة قيس سعيد، تمتلك من الكفاءات الطبية والعلمية ما يؤهلها ليس فقط للتكوين والبحث، وإنما للانتقال الفعلي نحو التصنيع والتصدير، مما من شأنه أن يحوّل قطاع الدواء من عبء مالي إلى قاطرة نمو وإشعاع دولي يعزز مكانة الدولة في المحافل العالمية.

وفي قراءة أوسع للزيارات الميدانية التي قام بها رئيس الدولة إلى جانب اللقاء الرسمي مع المسؤولين في الخطوط الأولى عن قطاع الأدوية، يُلاحظ أن رئيس الدولة يدرك تمام الإدراك أن هذا الملف، على أهميته، لم يتخلص بعد من براثن الفساد والمحسوبية، وما زال يواجه تحديات هيكلية معقدة تتداخل فيها أبعاد متعددة، منها ضعف آليات الرقابة، وتشتّت المسؤوليات بين مختلف المؤسسات، وتأخر التجاوب مع شكاوى المواطنين.

كما أنّ تراكم سنوات من التسيير الجزئي والإصلاحات الترقيعية ساهم في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسة، مما أثر سلبًا على قدرة المنظومة الصحية على الاستجابة للحاجيات الأساسية للمواطن.

ولا يمكن في السياق ذاته قراءة تعاطي الدولة مع ملف الأدوية بمعزل عن مبدأ العدالة الاجتماعية الذي يعمل رئيس الدولة قيس سعيد على ترسيخه، إذ أن تأمين الدواء وضمان وصوله بشكل متساوٍ لكل المواطنين يُعدّ مؤشرا فعليا على مدى التزام الدولة بمبدأ المساواة والإنصاف، كما يعكس قدرة السياسات العامة على حماية الفئات الأكثر هشاشة وترسيخ كرامة الإنسان كحق أساسي.

الدواء.. أمن قومي

في هذا الخضم، أعادت الدولة في أعلى هرمها إلى قطاع الأدوية هذا الملف الاستراتيجي إلى مربعه الأساسي باعتباره قضية أمن قومي بامتياز، حيث لم يعد مقبولا اليوم أن تظل صحة المواطن رهينة تعطيل إداري أو نقص في المخزون الاستراتيجي.

وقد فتحت هذه الزيارات واللقاءات الوزارية المكثفة الباب أمام مرحلة جديدة من المواجهة المباشرة مع الأزمات الهيكلية، مرحلة لا تعترف بالحلول الجزئية، وإنما تمضي قدما نحو استعادة عافية المرفق العمومي، ليبقى الدواء حقًا مقدسًا مكفولًا للجميع، ولتظل تونس عصية بكفاءاتها وإرادتها على كل أشكال التهميش والارتهان.

ومع الإرادة السياسية الملموسة، يبقى نجاح هذا المسار رهين القدرة على تحويل التوجّهات إلى سياسات ناجعة، تُترجم على أرض الواقع في شكل خدمات ذات جودة عالية، وأدوية متوفرة، ومنظومة أكثر عدلا وإنصافا، بما من شأنه أن يعيد الثقة للمواطن ويكرّس فعليا الحق في الصحة كحق لا يقبل التأجيل.

منال حرزي