إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

احتضنها بيت الرواية بتونس.. انطلاق ندوة الرواية الليبية وتشخيص لتجربة سردية تتشكل بين الذاكرة والمنفى وأسئلة الهوية

 

  • من ابراهيم الكوني إلى محمد النعاس استمرار النفس الإبداعي وتجدده.
  • الأصوات النسائية أسهمت في تعميق التجربة السردية الليبية، وتوسيع أفقها الإنساني رغم حداثة التجربة نسبيا.
  • تأكيد على أهمية النقد الذي مازال بعيدا عن مواكبة نبض الإبداع أو نسقه.

افتتحت صباح أمس الجمعة 27 مارس الجاري بمقر “بيت الرواية” فعاليات الندوة العلمية الدولية “الرواية الليبية: مسارات التأصيل والتأويل والتأكيد”، في تظاهرة لا تكتفي بالاحتفاء بتجربة سردية عربية صاعدة، بل تسعى إلى إعادة التفكير في موقع الرواية الليبية داخل المشهدين العربي والعالمي، وإلى مساءلة علاقتها بالنقد والترجمة والذاكرة الجماعية، ضمن أفق أوسع من التضامن الثقافي العابر للحدود.

وقد شكلت هذه الندوة، التي انتظمت بالتعاون مع اللجنة الوطنية الليبية للتربية والثقافة والعلوم، فضاء لتقاطع الأصوات الأكاديمية والإبداعية، حيث تداخلت القراءات النقدية لتقديم صورة مركبة عن النقد والسرد والرواية الليبية.

وفي كلمته الافتتاحية، التي ألقاها نيابة عن وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي، أكد مدير عام معهد تونس للترجمة توفيق قريرة أن احتضان بيت الرواية لهذه التجربة لا يمكن اختزاله في مجرد احتفاء ثقافي عابر، بل هو اعتراف صريح بمسار إبداعي «شق طريقه شرقا نحو العرب وغربا نحو الكونية»، مبرزا أن السرد الليبي استطاع أن يتحول من هامش جغرافي إلى مركز دلالي في الكتابة العربية المعاصرة.

واستحضر قريرة تجربة إبراهيم الكوني بوصفه “فيلسوف الصحراء”، الذي نقل الرواية الليبية إلى العالمية من خلال أعمال تُرجمت إلى أربعين لغة، مثل “نزيف الحجر” و“التبر”، قبل أن يشير إلى الجيل الجديد الذي يمثله محمد النعاس، في دلالة على استمرارية هذا النفس الإبداعي وتجدده.

ولم يغفل المتحدث عن الإشارة إلى الحضور النسائي اللافت، مستحضرا أسماء مثل فوزية شلابي وغالية يونس الذرعاني وعائشة الأصفر وفاطمة سالم الحاجي، معتبرا أن هذه الأصوات النسائية أسهمت في تعميق التجربة السردية، وتوسيع أفقها الإنساني.

ولم يكن هذا الاحتفاء منفصلا عن رؤية أشمل تعتبر الثقافة جسرا للتقارب المغاربي، إذ شدد قريرة على أن «دعم الرواية لا يقتصر على تشجيع الكتابة فحسب، بل يشمل أيضا الدعوة إلى تطوير النقد الأدبي عموما، والسرديات العربية خصوصا، وتعزيز الترجمة والانفتاح على التجارب العالمية، بما يمكّن أدبنا العربي من احتلال مكانته التي يستحقها على الساحة الدولية».

وفي ذات السياق، أشار مدير بيت الرواية الكاتب يونس السلطاني في كلمته إلى أن هذه الندوة الفكرية تعد مناسبة للوقوف عند خصائص المدونة الروائية الليبية وملامح مساراتها، والتعرف على أهم رموزها، فضلا عن تسليط الضوء على جذورها ومميزات هويتها والقضايا التي تتناولها، معرجا على تحول الرواية الليبية في عديد الأعمال إلى فضاء لتأويل التاريخ وإعادة كتابته.

وبين أن الرواية الليبية ساهمت، رغم حداثتها وندرة إنتاجها، في تأكيد حضور الأدب الليبي على الساحة الثقافية العربية، معددا بعض الأمثلة على ذلك، على غرار الكاتب العالمي الكبير إبراهيم الكوني، الحائز على عديد التكريمات والجوائز العربية والعالمية، والأديب الشاب محمد النعاس، المتوج بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر 2022) عن روايته خبز على طاولة الخال ميلاد، والكاتب هشام مطر، المتوج بجائزة أورويل الأدبية سنة 2024.

ضمن هذا الأفق، وضمن الجلسة العلمية الأولى تحت عنوان «الرواية الليبية: مداخل مفاهيمية»، قدمت الروائية الليبية فاطمة الحاجي قراءة نقدية للعلاقة بين الإبداع والنقد في ليبيا، معتبرة أن هذه العلاقة تظل علاقة وجودية لا يمكن فصل أحد طرفيها عن الآخر. وأوضحت أن الرواية الليبية، رغم حداثة نشأتها، استطاعت أن تحقق قفزات نوعية مكنتها من بلوغ مشارف العالمية، مستندة في ذلك إلى مسار تطوري بدأ بمحاولات مبكرة، مثل “مبروكة” لـ حسن ظافر بن موسى، و“اعترافات إنسان” لـ محمد فريد سيالة، قبل أن يتبلور في تجارب أكثر نضجا مع أسماء مثل أحمد إبراهيم الفقيه وخليفة حسين مصطفى ومنصور بوشناف.

غير أن هذا الثراء الإبداعي، بحسب المتحدثة، لم يواكبه تطور مماثل في الحقل النقدي، الذي لا يزال يعاني من إشكالات بنيوية، أبرزها فوضى المصطلح وضعف الترجمة وغياب المؤسسات الداعمة. وأشارت إلى أن النقد الليبي ظل لفترة طويلة أسير المقالات الانطباعية، قبل أن ينتقل إلى الدراسات الأكاديمية، لكنه لم يستطع بعد استيعاب المناهج الحديثة، خاصة تلك المرتبطة «بالعلوم العرفانية»، التي تفتح آفاقا جديدة لفهم علاقة القارئ بالنص. وانتهت إلى أن الرواية الليبية تعيش اليوم ما يمكن وصفه بـ”العصر الذهبي” من حيث الإنتاج، لكنها في حاجة ماسة إلى حركة نقدية مؤسساتية قادرة على تأطير هذا التراكم ومنحه عمقه النظري.

من جهة أخرى، أعادت مداخلة الروائي منصور بوشناف طرح سؤال المنفى بوصفه أحد المفاتيح المركزية لفهم السرد الليبي، حيث اعتبر أن تاريخ ليبيا هو في جوهره تاريخ تنقل دائم بين الجغرافيا والذاكرة. وقسم بوشناف تجربة المنفى إلى مستويين: الأول مرتبط بالرحيل الفيزيائي الذي فرضته قسوة الطبيعة الصحراوية، حيث يصبح الترحال شرطا للبقاء، والثاني يتعلق بالاغتراب الروحي الذي يطال المثقف داخل وطنه أو خارجه. وتبرز هذه الثنائية في الأدب الليبي عبر تمثلات متعددة، من قصائد أحمد رفيق المهدوي التي عبرت عن لوعة المنفى خلال فترة الاستعمار، إلى روايات معاصرة مثل أعمال عائشة إبراهيم ومحمد النعاس، التي تستحضر ذاكرة التهجير القسري، وصولا إلى نصوص هشام مطر، التي تجعل من المنفى فضاء للتأمل في الهوية والذاكرة.

وفي مستوى آخر من التحليل، تناولت دراسة قدمها الباحث التونسي لمجد بن رمضان تحولات الخطاب الروائي في ليبيا من خلال تجربة غالية يونس الذرعاني، مبرزا أن الرواية الليبية انتقلت من نمط التسجيل الواقعي إلى فضاءات أكثر تعقيدا تقوم على التأويل والتفاعل مع القارئ. وأوضح أن نصوص الذرعاني تعتمد استراتيجيات سردية متقدمة، من بينها الصوت السردي وتعدد الأصوات، وكسر خطية الزمن من خلال تقنية الزمن السردي والفلاش باك، فضلا عن توظيف “العتبات النصية” كالعناوين والإهداءات لتوجيه القراءة وإثارة الأسئلة. وفي هذا السياق، تتحول الرواية من حكاية مغلقة إلى فضاء مفتوح لإنتاج المعنى، حيث يصبح القارئ شريكا في بناء الدلالة.

هذا التحول في بنية الخطاب السردي يتقاطع مع ما ذهبت إليه الكاتبة الليبية حكمت المختار في مداخلتها حول «العلاقة بين الرواية الليبية والرواية العربية المعاصرة»، فاعتبرت أن هذه العلاقة تقوم على جدلية التفاعل لا التبعية.

فأكدت في مقدمة مداخلتها أنّ «الرواية الليبية تُعد جزءا فاعلا من تيار الرواية العربية المعاصرة، وقد تطورت عبر مراحل تاريخية وثقافية جعلتها ترتبط بالسياق العربي العام مع احتفاظها بخصوصيتها المحلية».

كما أشارت إلى أن الرواية الليبية، رغم تأخرها التاريخي بسبب ظروف الاستعمار وغياب المؤسسات، استطاعت أن تطور خصوصيتها من خلال استثمار فضاء الصحراء كرمز وجودي يتجاوز البعد الجغرافي ليطرح أسئلة كونية حول الحرية والانتماء. وقد تجلى هذا البعد الفلسفي بوضوح في أعمال إبراهيم الكوني، حيث تتحول الصحراء إلى مسرح للتأمل في المصير الإنساني.

كما توقفت حكمت المختار عند التحولات التي عرفتها الرواية الليبية بعد 2011، معتبرة أن هذه المرحلة فتحت المجال أمام جيل جديد من الكتاب، الذين تناولوا قضايا الهوية والسلطة والمنفى من زوايا مختلفة، في ما يمكن تسميته بـ”أدب ما بعد الثورة”. وفي هذا السياق، برزت أسماء نسائية مثل نجوى بن شتوان وعائشة إبراهيم، التي استطاعت أن تنقل السرد من الانشغال بالذات إلى مساءلة المجتمع والتاريخ، في تقاطع واضح مع تجارب نسائية تونسية مماثلة.

إيمان عبد اللطيف

احتضنها بيت الرواية بتونس..   انطلاق ندوة الرواية الليبية وتشخيص لتجربة سردية تتشكل بين الذاكرة والمنفى وأسئلة الهوية

 

  • من ابراهيم الكوني إلى محمد النعاس استمرار النفس الإبداعي وتجدده.
  • الأصوات النسائية أسهمت في تعميق التجربة السردية الليبية، وتوسيع أفقها الإنساني رغم حداثة التجربة نسبيا.
  • تأكيد على أهمية النقد الذي مازال بعيدا عن مواكبة نبض الإبداع أو نسقه.

افتتحت صباح أمس الجمعة 27 مارس الجاري بمقر “بيت الرواية” فعاليات الندوة العلمية الدولية “الرواية الليبية: مسارات التأصيل والتأويل والتأكيد”، في تظاهرة لا تكتفي بالاحتفاء بتجربة سردية عربية صاعدة، بل تسعى إلى إعادة التفكير في موقع الرواية الليبية داخل المشهدين العربي والعالمي، وإلى مساءلة علاقتها بالنقد والترجمة والذاكرة الجماعية، ضمن أفق أوسع من التضامن الثقافي العابر للحدود.

وقد شكلت هذه الندوة، التي انتظمت بالتعاون مع اللجنة الوطنية الليبية للتربية والثقافة والعلوم، فضاء لتقاطع الأصوات الأكاديمية والإبداعية، حيث تداخلت القراءات النقدية لتقديم صورة مركبة عن النقد والسرد والرواية الليبية.

وفي كلمته الافتتاحية، التي ألقاها نيابة عن وزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي، أكد مدير عام معهد تونس للترجمة توفيق قريرة أن احتضان بيت الرواية لهذه التجربة لا يمكن اختزاله في مجرد احتفاء ثقافي عابر، بل هو اعتراف صريح بمسار إبداعي «شق طريقه شرقا نحو العرب وغربا نحو الكونية»، مبرزا أن السرد الليبي استطاع أن يتحول من هامش جغرافي إلى مركز دلالي في الكتابة العربية المعاصرة.

واستحضر قريرة تجربة إبراهيم الكوني بوصفه “فيلسوف الصحراء”، الذي نقل الرواية الليبية إلى العالمية من خلال أعمال تُرجمت إلى أربعين لغة، مثل “نزيف الحجر” و“التبر”، قبل أن يشير إلى الجيل الجديد الذي يمثله محمد النعاس، في دلالة على استمرارية هذا النفس الإبداعي وتجدده.

ولم يغفل المتحدث عن الإشارة إلى الحضور النسائي اللافت، مستحضرا أسماء مثل فوزية شلابي وغالية يونس الذرعاني وعائشة الأصفر وفاطمة سالم الحاجي، معتبرا أن هذه الأصوات النسائية أسهمت في تعميق التجربة السردية، وتوسيع أفقها الإنساني.

ولم يكن هذا الاحتفاء منفصلا عن رؤية أشمل تعتبر الثقافة جسرا للتقارب المغاربي، إذ شدد قريرة على أن «دعم الرواية لا يقتصر على تشجيع الكتابة فحسب، بل يشمل أيضا الدعوة إلى تطوير النقد الأدبي عموما، والسرديات العربية خصوصا، وتعزيز الترجمة والانفتاح على التجارب العالمية، بما يمكّن أدبنا العربي من احتلال مكانته التي يستحقها على الساحة الدولية».

وفي ذات السياق، أشار مدير بيت الرواية الكاتب يونس السلطاني في كلمته إلى أن هذه الندوة الفكرية تعد مناسبة للوقوف عند خصائص المدونة الروائية الليبية وملامح مساراتها، والتعرف على أهم رموزها، فضلا عن تسليط الضوء على جذورها ومميزات هويتها والقضايا التي تتناولها، معرجا على تحول الرواية الليبية في عديد الأعمال إلى فضاء لتأويل التاريخ وإعادة كتابته.

وبين أن الرواية الليبية ساهمت، رغم حداثتها وندرة إنتاجها، في تأكيد حضور الأدب الليبي على الساحة الثقافية العربية، معددا بعض الأمثلة على ذلك، على غرار الكاتب العالمي الكبير إبراهيم الكوني، الحائز على عديد التكريمات والجوائز العربية والعالمية، والأديب الشاب محمد النعاس، المتوج بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر 2022) عن روايته خبز على طاولة الخال ميلاد، والكاتب هشام مطر، المتوج بجائزة أورويل الأدبية سنة 2024.

ضمن هذا الأفق، وضمن الجلسة العلمية الأولى تحت عنوان «الرواية الليبية: مداخل مفاهيمية»، قدمت الروائية الليبية فاطمة الحاجي قراءة نقدية للعلاقة بين الإبداع والنقد في ليبيا، معتبرة أن هذه العلاقة تظل علاقة وجودية لا يمكن فصل أحد طرفيها عن الآخر. وأوضحت أن الرواية الليبية، رغم حداثة نشأتها، استطاعت أن تحقق قفزات نوعية مكنتها من بلوغ مشارف العالمية، مستندة في ذلك إلى مسار تطوري بدأ بمحاولات مبكرة، مثل “مبروكة” لـ حسن ظافر بن موسى، و“اعترافات إنسان” لـ محمد فريد سيالة، قبل أن يتبلور في تجارب أكثر نضجا مع أسماء مثل أحمد إبراهيم الفقيه وخليفة حسين مصطفى ومنصور بوشناف.

غير أن هذا الثراء الإبداعي، بحسب المتحدثة، لم يواكبه تطور مماثل في الحقل النقدي، الذي لا يزال يعاني من إشكالات بنيوية، أبرزها فوضى المصطلح وضعف الترجمة وغياب المؤسسات الداعمة. وأشارت إلى أن النقد الليبي ظل لفترة طويلة أسير المقالات الانطباعية، قبل أن ينتقل إلى الدراسات الأكاديمية، لكنه لم يستطع بعد استيعاب المناهج الحديثة، خاصة تلك المرتبطة «بالعلوم العرفانية»، التي تفتح آفاقا جديدة لفهم علاقة القارئ بالنص. وانتهت إلى أن الرواية الليبية تعيش اليوم ما يمكن وصفه بـ”العصر الذهبي” من حيث الإنتاج، لكنها في حاجة ماسة إلى حركة نقدية مؤسساتية قادرة على تأطير هذا التراكم ومنحه عمقه النظري.

من جهة أخرى، أعادت مداخلة الروائي منصور بوشناف طرح سؤال المنفى بوصفه أحد المفاتيح المركزية لفهم السرد الليبي، حيث اعتبر أن تاريخ ليبيا هو في جوهره تاريخ تنقل دائم بين الجغرافيا والذاكرة. وقسم بوشناف تجربة المنفى إلى مستويين: الأول مرتبط بالرحيل الفيزيائي الذي فرضته قسوة الطبيعة الصحراوية، حيث يصبح الترحال شرطا للبقاء، والثاني يتعلق بالاغتراب الروحي الذي يطال المثقف داخل وطنه أو خارجه. وتبرز هذه الثنائية في الأدب الليبي عبر تمثلات متعددة، من قصائد أحمد رفيق المهدوي التي عبرت عن لوعة المنفى خلال فترة الاستعمار، إلى روايات معاصرة مثل أعمال عائشة إبراهيم ومحمد النعاس، التي تستحضر ذاكرة التهجير القسري، وصولا إلى نصوص هشام مطر، التي تجعل من المنفى فضاء للتأمل في الهوية والذاكرة.

وفي مستوى آخر من التحليل، تناولت دراسة قدمها الباحث التونسي لمجد بن رمضان تحولات الخطاب الروائي في ليبيا من خلال تجربة غالية يونس الذرعاني، مبرزا أن الرواية الليبية انتقلت من نمط التسجيل الواقعي إلى فضاءات أكثر تعقيدا تقوم على التأويل والتفاعل مع القارئ. وأوضح أن نصوص الذرعاني تعتمد استراتيجيات سردية متقدمة، من بينها الصوت السردي وتعدد الأصوات، وكسر خطية الزمن من خلال تقنية الزمن السردي والفلاش باك، فضلا عن توظيف “العتبات النصية” كالعناوين والإهداءات لتوجيه القراءة وإثارة الأسئلة. وفي هذا السياق، تتحول الرواية من حكاية مغلقة إلى فضاء مفتوح لإنتاج المعنى، حيث يصبح القارئ شريكا في بناء الدلالة.

هذا التحول في بنية الخطاب السردي يتقاطع مع ما ذهبت إليه الكاتبة الليبية حكمت المختار في مداخلتها حول «العلاقة بين الرواية الليبية والرواية العربية المعاصرة»، فاعتبرت أن هذه العلاقة تقوم على جدلية التفاعل لا التبعية.

فأكدت في مقدمة مداخلتها أنّ «الرواية الليبية تُعد جزءا فاعلا من تيار الرواية العربية المعاصرة، وقد تطورت عبر مراحل تاريخية وثقافية جعلتها ترتبط بالسياق العربي العام مع احتفاظها بخصوصيتها المحلية».

كما أشارت إلى أن الرواية الليبية، رغم تأخرها التاريخي بسبب ظروف الاستعمار وغياب المؤسسات، استطاعت أن تطور خصوصيتها من خلال استثمار فضاء الصحراء كرمز وجودي يتجاوز البعد الجغرافي ليطرح أسئلة كونية حول الحرية والانتماء. وقد تجلى هذا البعد الفلسفي بوضوح في أعمال إبراهيم الكوني، حيث تتحول الصحراء إلى مسرح للتأمل في المصير الإنساني.

كما توقفت حكمت المختار عند التحولات التي عرفتها الرواية الليبية بعد 2011، معتبرة أن هذه المرحلة فتحت المجال أمام جيل جديد من الكتاب، الذين تناولوا قضايا الهوية والسلطة والمنفى من زوايا مختلفة، في ما يمكن تسميته بـ”أدب ما بعد الثورة”. وفي هذا السياق، برزت أسماء نسائية مثل نجوى بن شتوان وعائشة إبراهيم، التي استطاعت أن تنقل السرد من الانشغال بالذات إلى مساءلة المجتمع والتاريخ، في تقاطع واضح مع تجارب نسائية تونسية مماثلة.

إيمان عبد اللطيف