إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الزيادة في الأجور ومعالجة البطالة.. مقاربة شاملة لدعم القدرة الشرائية والمحافظة على السلم الاجتماعي

في ظل متطلبات الإصلاح الاقتصادي وضغوط الواقع الاجتماعي، جاء اجتماع قرطاج رفيع المستوى ليعيد التوازن إلى معادلة دقيقة يراهن عليها رئيس الجمهورية قيس سعيد، تجمع في جوهرها بين ضرورة الحفاظ على التوازنات المالية للدولة وتحسين ظروف العيش عبر إقرار زيادة في الأجور وإيجاد حلول ناجعة لمن طالت بطالتهم، بما يؤدي إلى استعادة الثقة في مؤسسات الدولة وهياكلها، وتهيئة مناخ مستقر يفضي إلى دفع عجلة التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة في إطار رؤية قيادية للدولة في أعلى هرمها، تسعى إلى التوفيق بين النجاعة الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي.

وفي هذا السياق، مثل اللقاء الذي أشرف عليه مؤخرا رئيس الجمهورية قيس سعيد، بحضور رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، ووزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي، ووزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، محطة هامة، أكد خلالها رئيس الدولة على أن المرحلة الراهنة تقتضي مقاربة شاملة تعيد ترتيب الأولويات على قاعدة الإنصاف الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي.

حضور رئيسة الحكومة وعدد من الوزراء المعنيين مباشرة بالملفات الاقتصادية والاجتماعية يؤشر إلى أن الاجتماع يحمل أبعادا ورسائل سياسية واضحة، باعتبار أن اختيار هذا الطيف من المسؤولين يعكس أولا إدراك رئيس الدولة بأن معالجة التحديات المطروحة، وفي مقدمتها مسألة الأجور والبطالة، لا يمكن أن تتم بمعزل عن رؤية شاملة تدمج مختلف السياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية، وثانيا وعيا بأن التحديات الراهنة مترابطة ومتداخلة، وأن أي معالجة جزئية أو ظرفية لن تكون كافية لتحقيق النتائج المرجوة.

وفي الإطار نفسه، يبرز هذا الاجتماع حرص الدولة في أعلى هرمها على ضمان تنسيق فعلي بين مختلف هياكل السلطة التنفيذية، بما يعزز نجاعة السياسات العمومية ويحدّ من التشتت على مستوى اتخاذ القرار، خاصة في الملفات ذات البعد الاجتماعي.

الزيادة في الأجور

في هذا الخصوص، يُعد تفعيل الفصل 15 من قانون المالية لسنة 2026، والمتعلق بالترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص، خطوة لافتة في اتجاه دعم الفئات المتضررة من تراجع المقدرة الشرائية. فاعتماد هذا الترفيع على مدى ثلاث سنوات (2026 - 2027 - 2028) يعكس توجها تدريجيا يهدف إلى تحقيق التوازن بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية والحفاظ على استقرار المالية العمومية.

كما أن هذا الإجراء، الذي يشمل المتقاعدين، يعكس بعدا إنسانيا واجتماعيا هاما، إذ يكرّس مبدأ عدم إقصاء أي فئة من مسار الزيادة التدريجية للدخل، خاصة الفئات التي تعتمد على موارد محدودة وثابتة. وهذا التوجه اقترن باتخاذ إجراءات مرافقة تضمن عدم تحوله إلى عبء إضافي على الاقتصاد الوطني، من خلال التحكم في التضخم وتعزيز الإنتاجية. وفي هذا الاتجاه، تعمل الدولة على تعبئة الموارد المالية، حيث يُتوقّع أن تبلغ مداخيل الجباية بين 45 و50 مليار دينار (زيادة بنسبة 7.3 ٪ مقارنة بالنتائج المنتظرة لسنة 2025)، مع تعزيز آليات الاستخلاص ومكافحة التهرب الضريبي.

سعي لمعالجة البطالة

من جانب آخر، تناول لقاء قرطاج ملفا دقيقا وحساسا، إذ يدرك رئيس الدولة قيس سعيد أن قضية العاطلين عن العمل، لا سيما من طالت بطالتهم، تشكّل اختبارا فعليا لمدى نجاعة السياسات العمومية وعمقها الاجتماعي، بما يعكس إدراكًا عميقًا لحجم التحديات التي يفرضها هذا الملف على المستويين الاجتماعي والسياسي.

وفي هذا الإطار، يؤكد رئيس الدولة قيس سعيد وجود إرادة راسخة لإيجاد حلول منصفة، توجّه نحو مقاربة شاملة تقوم على تجاوز المعالجات الظرفية، عبر تنفيذ سياسات دائمة تُعيد الأمل لهذه الفئات، سواء عبر إدماجهم في الدورة الاقتصادية أو تمكينهم من آليات جديدة للمبادرة والعمل، بما يكرّس مبدأ تكافؤ الفرص ويعزز الشعور بالإنصاف والاندماج داخل المجتمع.

واللافت في هذا الطرح هو البعد الإنساني الذي أضفاه رئيس الدولة من خلال دعوته المسؤولين إلى التماهي مع معاناة العاطلين عن العمل، ما يحوّل المعضلة من مجرد أرقام وإحصائيات إلى قضية إنسانية تتطلب حلولا شاملة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد النفسية والاجتماعية للبطالة، إلى جانب بعدها الاقتصادي.

وفي هذا السياق، دعا رئيس الجمهورية قيس سعيد في مناسبات عديدة إلى أهمية تطوير وبعث سياسات نشيطة للتشغيل تقوم على دعم المبادرة الخاصة، وتحفيز الاستثمار، وربط التكوين بحاجيات السوق، بما يساهم في تقليص الفجوة بين العرض والطلب في سوق الشغل.

توجه نحو تحسين المقدرة الشرائية

من جهة أخرى، وفي قراءة لأبعاد لقاء قرطاج الأخير ودلالاته، يجدر بالذكر أن رئيس الجمهورية قيس سعيد يدرك تمام الإدراك أن أغلب المواطنين يستنكرون غلاء الأسعار، خاصة المواد الاستهلاكية، وبالتالي تجلى هذا اللقاء في المجالات التي تناولها، لا سيما إقرار الزيادة في الأجور، كمحطة عملية تؤكد أن تحسين المقدرة الشرائية للمواطن ليس مجرد شعار سياسي، وإنما خيار استراتيجي تعمل الدولة ومؤسساتها على ترجمته إلى سياسات ملموسة.

ويعتبر رئيس الجمهورية أن الترفيع في كتلة الأجور يمثل أحد أدوات تحسين المقدرة الشرائية وترسيخ مقومات العيش الكريم، لكنه وحده غير كاف ما لم يكن مدعوما بإصلاحات جوهرية تشمل تنظيم الأسواق، ومقاومة الاحتكار، وتحسين مسالك التوزيع، إلى جانب دعم الإنتاج الوطني. فالمقدرة الشرائية ترتبط بشكل وثيق بتوازن العرض والطلب، وبمدى قدرة الدولة على ضبط الأسعار وضمان توفر المواد الأساسية. وهو ما يسعى رئيس الدولة إلى تكريسه من خلال إجراءات سابقة تم إقرارها للغرض، بما يعكس مقاربة لإعادة الاعتبار للدور الاجتماعي للدولة وتعزيز ثقة المواطن في مؤسساتها وهياكلها.

الاستقرار الاجتماعي كمدخل أساسي

ويكشف لقاء قرطاج أن رئيس الجمهورية قيس سعيد يراهن على تحقيق الاستقرار الاجتماعي كمدخل أساسي لإنجاح أي إصلاح اقتصادي، إذ أن غياب هذا الاستقرار قد يعرقل تنفيذ الإصلاحات المنشودة ويحدّ من نجاعتها.

غير أن تحقيق هذا التوازن يظل رهين القدرة على تعبئة الموارد، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الحوكمة، بما يضمن ديمومة السياسات الاجتماعية دون الإخلال بالتوازنات الكبرى، وهو ما يؤكد عليه رئيس الدولة من خلال التشديد على ضرورة التعويل على الذات، وإحكام توظيف الإمكانيات البشرية، ومقاومة مظاهر الفساد والاحتكار، إلى جانب الدفع نحو إدارة أكثر نجاعة وشفافية، قادرة على تنفيذ الإصلاحات بكفاءة، بما يترجم التوجهات المعلنة إلى نتائج ملموسة تعود بالنفع على المواطن وتدعم أسس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

نحو تكريس دور الدولة الاجتماعية

ويعكس هذا الاجتماع توجها واضحا نحو تعزيز دور الدولة كفاعل اجتماعي أساسي يسعى إلى حماية الفئات الهشة وتحقيق العدالة الاجتماعية. وتتجلى الدولة، وفق هذا التوجه وهذه الرؤية السياسية، كضامن رئيسي لمختلف التوازنات الاجتماعية ومحرّك أساسي للتنمية.

ويتجلى هذا التوجه في السياسات التي تركز على تحسين الدخل، ودعم الفئات الضعيفة، وتعزيز الخدمات الأساسية، إلى جانب الخطاب السياسي الذي يضع المواطن في صميم الاهتمامات الوطنية.

صحيح أن اجتماع قرطاج يعبّر عن إرادة سياسية واضحة لإعادة التوازن بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي، خاصة من خلال التركيز على تحسين المقدرة الشرائية ومعالجة البطالة، غير أن التحدي الفعلي يكمن في القدرة على ترجمة هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة.

فنجاح هذه السياسات، كما يؤكد رئيس الدولة، يتطلب نجاعة في التنفيذ وتنسيقا محكما بين مختلف الهياكل، إلى جانب انخراط فعلي من الجميع.

وبين إقرار الزيادة في الأجور والالتفات الجدي إلى ملف العاطلين عن العمل ممن طالت بطالتهم، تتبلور ملامح مقاربة متكاملة تهدف إلى ترسيخ دولة أكثر إنصافا وعدالة، وقادرة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها، بما يمهّد لمرحلة عنوانها الاستقرار وتعزيز الثقة في المستقبل. ورغم التحديات القائمة، فإن الإرادة السياسية التي ترافقها توجهات واضحة ومتسقة من شأنها أن تعزز الثقة في قدرة الدولة على تجاوز الصعوبات وفتح آفاق واعدة لبناء نموذج تنموي عادل ومتزن يضع المواطن في صميم الأولويات وفي قلب السياسات الوطنية.

منال حرزي

الزيادة في الأجور ومعالجة البطالة..    مقاربة شاملة لدعم القدرة الشرائية والمحافظة على السلم الاجتماعي

في ظل متطلبات الإصلاح الاقتصادي وضغوط الواقع الاجتماعي، جاء اجتماع قرطاج رفيع المستوى ليعيد التوازن إلى معادلة دقيقة يراهن عليها رئيس الجمهورية قيس سعيد، تجمع في جوهرها بين ضرورة الحفاظ على التوازنات المالية للدولة وتحسين ظروف العيش عبر إقرار زيادة في الأجور وإيجاد حلول ناجعة لمن طالت بطالتهم، بما يؤدي إلى استعادة الثقة في مؤسسات الدولة وهياكلها، وتهيئة مناخ مستقر يفضي إلى دفع عجلة التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية المنشودة في إطار رؤية قيادية للدولة في أعلى هرمها، تسعى إلى التوفيق بين النجاعة الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي.

وفي هذا السياق، مثل اللقاء الذي أشرف عليه مؤخرا رئيس الجمهورية قيس سعيد، بحضور رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، ووزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي، ووزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، ووزير الشؤون الاجتماعية عصام الأحمر، محطة هامة، أكد خلالها رئيس الدولة على أن المرحلة الراهنة تقتضي مقاربة شاملة تعيد ترتيب الأولويات على قاعدة الإنصاف الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي.

حضور رئيسة الحكومة وعدد من الوزراء المعنيين مباشرة بالملفات الاقتصادية والاجتماعية يؤشر إلى أن الاجتماع يحمل أبعادا ورسائل سياسية واضحة، باعتبار أن اختيار هذا الطيف من المسؤولين يعكس أولا إدراك رئيس الدولة بأن معالجة التحديات المطروحة، وفي مقدمتها مسألة الأجور والبطالة، لا يمكن أن تتم بمعزل عن رؤية شاملة تدمج مختلف السياسات المالية والاقتصادية والاجتماعية، وثانيا وعيا بأن التحديات الراهنة مترابطة ومتداخلة، وأن أي معالجة جزئية أو ظرفية لن تكون كافية لتحقيق النتائج المرجوة.

وفي الإطار نفسه، يبرز هذا الاجتماع حرص الدولة في أعلى هرمها على ضمان تنسيق فعلي بين مختلف هياكل السلطة التنفيذية، بما يعزز نجاعة السياسات العمومية ويحدّ من التشتت على مستوى اتخاذ القرار، خاصة في الملفات ذات البعد الاجتماعي.

الزيادة في الأجور

في هذا الخصوص، يُعد تفعيل الفصل 15 من قانون المالية لسنة 2026، والمتعلق بالترفيع في الأجور في القطاعين العام والخاص، خطوة لافتة في اتجاه دعم الفئات المتضررة من تراجع المقدرة الشرائية. فاعتماد هذا الترفيع على مدى ثلاث سنوات (2026 - 2027 - 2028) يعكس توجها تدريجيا يهدف إلى تحقيق التوازن بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية والحفاظ على استقرار المالية العمومية.

كما أن هذا الإجراء، الذي يشمل المتقاعدين، يعكس بعدا إنسانيا واجتماعيا هاما، إذ يكرّس مبدأ عدم إقصاء أي فئة من مسار الزيادة التدريجية للدخل، خاصة الفئات التي تعتمد على موارد محدودة وثابتة. وهذا التوجه اقترن باتخاذ إجراءات مرافقة تضمن عدم تحوله إلى عبء إضافي على الاقتصاد الوطني، من خلال التحكم في التضخم وتعزيز الإنتاجية. وفي هذا الاتجاه، تعمل الدولة على تعبئة الموارد المالية، حيث يُتوقّع أن تبلغ مداخيل الجباية بين 45 و50 مليار دينار (زيادة بنسبة 7.3 ٪ مقارنة بالنتائج المنتظرة لسنة 2025)، مع تعزيز آليات الاستخلاص ومكافحة التهرب الضريبي.

سعي لمعالجة البطالة

من جانب آخر، تناول لقاء قرطاج ملفا دقيقا وحساسا، إذ يدرك رئيس الدولة قيس سعيد أن قضية العاطلين عن العمل، لا سيما من طالت بطالتهم، تشكّل اختبارا فعليا لمدى نجاعة السياسات العمومية وعمقها الاجتماعي، بما يعكس إدراكًا عميقًا لحجم التحديات التي يفرضها هذا الملف على المستويين الاجتماعي والسياسي.

وفي هذا الإطار، يؤكد رئيس الدولة قيس سعيد وجود إرادة راسخة لإيجاد حلول منصفة، توجّه نحو مقاربة شاملة تقوم على تجاوز المعالجات الظرفية، عبر تنفيذ سياسات دائمة تُعيد الأمل لهذه الفئات، سواء عبر إدماجهم في الدورة الاقتصادية أو تمكينهم من آليات جديدة للمبادرة والعمل، بما يكرّس مبدأ تكافؤ الفرص ويعزز الشعور بالإنصاف والاندماج داخل المجتمع.

واللافت في هذا الطرح هو البعد الإنساني الذي أضفاه رئيس الدولة من خلال دعوته المسؤولين إلى التماهي مع معاناة العاطلين عن العمل، ما يحوّل المعضلة من مجرد أرقام وإحصائيات إلى قضية إنسانية تتطلب حلولا شاملة تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد النفسية والاجتماعية للبطالة، إلى جانب بعدها الاقتصادي.

وفي هذا السياق، دعا رئيس الجمهورية قيس سعيد في مناسبات عديدة إلى أهمية تطوير وبعث سياسات نشيطة للتشغيل تقوم على دعم المبادرة الخاصة، وتحفيز الاستثمار، وربط التكوين بحاجيات السوق، بما يساهم في تقليص الفجوة بين العرض والطلب في سوق الشغل.

توجه نحو تحسين المقدرة الشرائية

من جهة أخرى، وفي قراءة لأبعاد لقاء قرطاج الأخير ودلالاته، يجدر بالذكر أن رئيس الجمهورية قيس سعيد يدرك تمام الإدراك أن أغلب المواطنين يستنكرون غلاء الأسعار، خاصة المواد الاستهلاكية، وبالتالي تجلى هذا اللقاء في المجالات التي تناولها، لا سيما إقرار الزيادة في الأجور، كمحطة عملية تؤكد أن تحسين المقدرة الشرائية للمواطن ليس مجرد شعار سياسي، وإنما خيار استراتيجي تعمل الدولة ومؤسساتها على ترجمته إلى سياسات ملموسة.

ويعتبر رئيس الجمهورية أن الترفيع في كتلة الأجور يمثل أحد أدوات تحسين المقدرة الشرائية وترسيخ مقومات العيش الكريم، لكنه وحده غير كاف ما لم يكن مدعوما بإصلاحات جوهرية تشمل تنظيم الأسواق، ومقاومة الاحتكار، وتحسين مسالك التوزيع، إلى جانب دعم الإنتاج الوطني. فالمقدرة الشرائية ترتبط بشكل وثيق بتوازن العرض والطلب، وبمدى قدرة الدولة على ضبط الأسعار وضمان توفر المواد الأساسية. وهو ما يسعى رئيس الدولة إلى تكريسه من خلال إجراءات سابقة تم إقرارها للغرض، بما يعكس مقاربة لإعادة الاعتبار للدور الاجتماعي للدولة وتعزيز ثقة المواطن في مؤسساتها وهياكلها.

الاستقرار الاجتماعي كمدخل أساسي

ويكشف لقاء قرطاج أن رئيس الجمهورية قيس سعيد يراهن على تحقيق الاستقرار الاجتماعي كمدخل أساسي لإنجاح أي إصلاح اقتصادي، إذ أن غياب هذا الاستقرار قد يعرقل تنفيذ الإصلاحات المنشودة ويحدّ من نجاعتها.

غير أن تحقيق هذا التوازن يظل رهين القدرة على تعبئة الموارد، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الحوكمة، بما يضمن ديمومة السياسات الاجتماعية دون الإخلال بالتوازنات الكبرى، وهو ما يؤكد عليه رئيس الدولة من خلال التشديد على ضرورة التعويل على الذات، وإحكام توظيف الإمكانيات البشرية، ومقاومة مظاهر الفساد والاحتكار، إلى جانب الدفع نحو إدارة أكثر نجاعة وشفافية، قادرة على تنفيذ الإصلاحات بكفاءة، بما يترجم التوجهات المعلنة إلى نتائج ملموسة تعود بالنفع على المواطن وتدعم أسس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

نحو تكريس دور الدولة الاجتماعية

ويعكس هذا الاجتماع توجها واضحا نحو تعزيز دور الدولة كفاعل اجتماعي أساسي يسعى إلى حماية الفئات الهشة وتحقيق العدالة الاجتماعية. وتتجلى الدولة، وفق هذا التوجه وهذه الرؤية السياسية، كضامن رئيسي لمختلف التوازنات الاجتماعية ومحرّك أساسي للتنمية.

ويتجلى هذا التوجه في السياسات التي تركز على تحسين الدخل، ودعم الفئات الضعيفة، وتعزيز الخدمات الأساسية، إلى جانب الخطاب السياسي الذي يضع المواطن في صميم الاهتمامات الوطنية.

صحيح أن اجتماع قرطاج يعبّر عن إرادة سياسية واضحة لإعادة التوازن بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي، خاصة من خلال التركيز على تحسين المقدرة الشرائية ومعالجة البطالة، غير أن التحدي الفعلي يكمن في القدرة على ترجمة هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة.

فنجاح هذه السياسات، كما يؤكد رئيس الدولة، يتطلب نجاعة في التنفيذ وتنسيقا محكما بين مختلف الهياكل، إلى جانب انخراط فعلي من الجميع.

وبين إقرار الزيادة في الأجور والالتفات الجدي إلى ملف العاطلين عن العمل ممن طالت بطالتهم، تتبلور ملامح مقاربة متكاملة تهدف إلى ترسيخ دولة أكثر إنصافا وعدالة، وقادرة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها، بما يمهّد لمرحلة عنوانها الاستقرار وتعزيز الثقة في المستقبل. ورغم التحديات القائمة، فإن الإرادة السياسية التي ترافقها توجهات واضحة ومتسقة من شأنها أن تعزز الثقة في قدرة الدولة على تجاوز الصعوبات وفتح آفاق واعدة لبناء نموذج تنموي عادل ومتزن يضع المواطن في صميم الأولويات وفي قلب السياسات الوطنية.

منال حرزي