إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

عبر اعتماد سياسة صحية استباقية.. تونس تتمسك بدور القيادة الدولية في مسار اتفاق الجوائح الصحية

تُعدّ تونس من الدول التي اختارت منذ عقود أن تجعل من انخراطها في القضايا الدولية، وخاصة ذات الطابع الإنساني والصحي، امتدادا طبيعيا لسياساتها الوطنية. فبفضل موقعها الجغرافي وتاريخها الدبلوماسي، عملت تونس على ترسيخ صورة الدولة التي توازن بين الدفاع عن مصالحها السيادية والمساهمة الفاعلة في بناء منظومة دولية أكثر عدلا وتضامنا.

وقد تجلّى هذا التوجه في تعاملها مع الأزمات العالمية، حيث لم تكتف تونس بدور المتلقّي، بل سعت إلى أن تكون طرفا مبادرا ومؤثرا في صياغة الحلول.

وتلعب تونس دورا مهما في مواجهة الجوائح من خلال تبني سياسات صحية قائمة على الوقاية والتعاون الدولي. فقد عملت الدولة، خاصة خلال جائحة كوفيد-19، على تعزيز قدرات المنظومة الصحية، وتكثيف حملات التلقيح، وتوعية المواطنين بأهمية الالتزام بالإجراءات الوقائية.

كما تعاونت تونس مع منظمات دولية، مثل منظمة الصحة العالمية، للحصول على الدعم الفني واللقاحات. إلى جانب ذلك، أظهرت الكفاءات الطبية التونسية قدرة كبيرة على التكيف مع الأزمات الصحية من خلال تطوير بروتوكولات علاجية والاستفادة من البحث العلمي. ورغم التحديات، مثل محدودية الموارد، فإن تجربة تونس تعكس أهمية التخطيط المسبق والتضامن المجتمعي في الحد من آثار الجوائح.

ازدادت أهمية هذا الدور في ظل التحولات التي فرضتها جائحة كوفيد-19، التي كشفت هشاشة المنظومة الصحية العالمية وأبرزت الفجوة الكبيرة بين الدول فيما يتعلق بالنفاذ إلى الأدوية واللقاحات.

وفي هذا السياق، برزت تونس كصوت يدعو إلى إصلاح قواعد التعاون الدولي في المجال الصحي، من خلال التأكيد على ضرورة إرساء مبادئ العدالة والإنصاف، خاصة للدول النامية التي عانت من التهميش خلال فترات الطوارئ الصحية، ما جعلها تنخرط بفاعلية في مختلف المبادرات الدولية ذات الصلة.

ويأتي هذا التمشي في إطار رؤية سياسية واضحة تبنتها القيادة التونسية، حيث ساهمت تونس في إطلاق مبادرة دولية سنة 2021 بمشاركة قادة 27 دولة، بهدف وضع أسس اتفاق دولي جديد يُعنى بالوقاية من الجوائح والاستجابة لها.

وقد ارتكزت هذه المبادرة على مبادئ أساسية، من بينها تعزيز السيادة الصحية للدول، وضمان تقاسم عادل للموارد الطبية، وتكريس التضامن الدولي كآلية فعلية وليس مجرد شعار، بما يعكس إدراكا عميقا لطبيعة التحديات الصحية المعاصرة.

وفي هذا الإطار، يتنزل البلاغ الصادر عن البعثة الدائمة التونسية بجنيف بتاريخ 23 مارس الجاري، الذي يعكس تمسك بلادنا بالاستمرار في هذا الالتزام والعمل على تطويره. فقد شاركت تونس في الاجتماع السادس للفريق العامل الحكومي الدولي المعني باتفاق منظمة الصحة العالمية بشأن الجوائح الصحية، وهو مسار تفاوضي يهدف إلى صياغة إطار قانوني دولي يعزز جاهزية العالم لمواجهة الأزمات الصحية المستقبلية.

مثلّت هذه المشاركة فرصة لتجديد التأكيد على الموقف التونسي الداعي إلى إرساء آلية عادلة لتقاسم المنافع، تضمن النفاذ السريع والمنصف إلى الأدوية واللقاحات، خاصة في أوقات الأزمات.

كما برز الدور التونسي من خلال المداخلة التي قدّمتها الدكتورة نادية بلحاج عمار، والتي شدّدت على أهمية التزام تونس بالمساهمة الفاعلة في هذه المفاوضات، ليس فقط من منطلق وطني، بل أيضا انطلاقا من مسؤوليتها كعضو في المجتمع الدولي.

ويعكس هذا الحضور الدبلوماسي حرص تونس على أن تكون جزءا من صياغة الحلول، لا مجرد متلق لها، بما يعزز مكانتها كطرف فاعل في الحوكمة الصحية العالمية.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الصحة في دعم هذا التوجه، من خلال تنسيق الجهود الوطنية وتعزيز الجاهزية لمواجهة الطوارئ الصحية. إذ تعمل الوزارة على تطوير السياسات الصحية، وتحسين منظومة الرصد والاستجابة للأوبئة، إلى جانب تمثيل تونس في مختلف الهياكل الدولية المختصة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وشركاء آخرين. كما تسهم الوزارة في توفير الخبرات الفنية اللازمة لدعم المفاوضات الدولية وضمان توافق الالتزامات العالمية مع الأولويات الوطنية، بما يعزز قدرة البلاد على الاستفادة من أي اتفاق دولي مستقبلي بشأن الجوائح.

وبذلك، تؤكد تونس من جديد تمسكها بمبادئ السيادة الصحية والعدالة الدولية والتضامن الفعلي، في عالم أصبحت فيه الأزمات الصحية عابرة للحدود، ولا يمكن مواجهتها إلا عبر اعتماد رؤية جماعية ومسؤولية مشتركة.

أميرة الدريدي

عبر اعتماد سياسة صحية استباقية..   تونس تتمسك بدور القيادة الدولية في مسار اتفاق الجوائح الصحية

تُعدّ تونس من الدول التي اختارت منذ عقود أن تجعل من انخراطها في القضايا الدولية، وخاصة ذات الطابع الإنساني والصحي، امتدادا طبيعيا لسياساتها الوطنية. فبفضل موقعها الجغرافي وتاريخها الدبلوماسي، عملت تونس على ترسيخ صورة الدولة التي توازن بين الدفاع عن مصالحها السيادية والمساهمة الفاعلة في بناء منظومة دولية أكثر عدلا وتضامنا.

وقد تجلّى هذا التوجه في تعاملها مع الأزمات العالمية، حيث لم تكتف تونس بدور المتلقّي، بل سعت إلى أن تكون طرفا مبادرا ومؤثرا في صياغة الحلول.

وتلعب تونس دورا مهما في مواجهة الجوائح من خلال تبني سياسات صحية قائمة على الوقاية والتعاون الدولي. فقد عملت الدولة، خاصة خلال جائحة كوفيد-19، على تعزيز قدرات المنظومة الصحية، وتكثيف حملات التلقيح، وتوعية المواطنين بأهمية الالتزام بالإجراءات الوقائية.

كما تعاونت تونس مع منظمات دولية، مثل منظمة الصحة العالمية، للحصول على الدعم الفني واللقاحات. إلى جانب ذلك، أظهرت الكفاءات الطبية التونسية قدرة كبيرة على التكيف مع الأزمات الصحية من خلال تطوير بروتوكولات علاجية والاستفادة من البحث العلمي. ورغم التحديات، مثل محدودية الموارد، فإن تجربة تونس تعكس أهمية التخطيط المسبق والتضامن المجتمعي في الحد من آثار الجوائح.

ازدادت أهمية هذا الدور في ظل التحولات التي فرضتها جائحة كوفيد-19، التي كشفت هشاشة المنظومة الصحية العالمية وأبرزت الفجوة الكبيرة بين الدول فيما يتعلق بالنفاذ إلى الأدوية واللقاحات.

وفي هذا السياق، برزت تونس كصوت يدعو إلى إصلاح قواعد التعاون الدولي في المجال الصحي، من خلال التأكيد على ضرورة إرساء مبادئ العدالة والإنصاف، خاصة للدول النامية التي عانت من التهميش خلال فترات الطوارئ الصحية، ما جعلها تنخرط بفاعلية في مختلف المبادرات الدولية ذات الصلة.

ويأتي هذا التمشي في إطار رؤية سياسية واضحة تبنتها القيادة التونسية، حيث ساهمت تونس في إطلاق مبادرة دولية سنة 2021 بمشاركة قادة 27 دولة، بهدف وضع أسس اتفاق دولي جديد يُعنى بالوقاية من الجوائح والاستجابة لها.

وقد ارتكزت هذه المبادرة على مبادئ أساسية، من بينها تعزيز السيادة الصحية للدول، وضمان تقاسم عادل للموارد الطبية، وتكريس التضامن الدولي كآلية فعلية وليس مجرد شعار، بما يعكس إدراكا عميقا لطبيعة التحديات الصحية المعاصرة.

وفي هذا الإطار، يتنزل البلاغ الصادر عن البعثة الدائمة التونسية بجنيف بتاريخ 23 مارس الجاري، الذي يعكس تمسك بلادنا بالاستمرار في هذا الالتزام والعمل على تطويره. فقد شاركت تونس في الاجتماع السادس للفريق العامل الحكومي الدولي المعني باتفاق منظمة الصحة العالمية بشأن الجوائح الصحية، وهو مسار تفاوضي يهدف إلى صياغة إطار قانوني دولي يعزز جاهزية العالم لمواجهة الأزمات الصحية المستقبلية.

مثلّت هذه المشاركة فرصة لتجديد التأكيد على الموقف التونسي الداعي إلى إرساء آلية عادلة لتقاسم المنافع، تضمن النفاذ السريع والمنصف إلى الأدوية واللقاحات، خاصة في أوقات الأزمات.

كما برز الدور التونسي من خلال المداخلة التي قدّمتها الدكتورة نادية بلحاج عمار، والتي شدّدت على أهمية التزام تونس بالمساهمة الفاعلة في هذه المفاوضات، ليس فقط من منطلق وطني، بل أيضا انطلاقا من مسؤوليتها كعضو في المجتمع الدولي.

ويعكس هذا الحضور الدبلوماسي حرص تونس على أن تكون جزءا من صياغة الحلول، لا مجرد متلق لها، بما يعزز مكانتها كطرف فاعل في الحوكمة الصحية العالمية.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الصحة في دعم هذا التوجه، من خلال تنسيق الجهود الوطنية وتعزيز الجاهزية لمواجهة الطوارئ الصحية. إذ تعمل الوزارة على تطوير السياسات الصحية، وتحسين منظومة الرصد والاستجابة للأوبئة، إلى جانب تمثيل تونس في مختلف الهياكل الدولية المختصة بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية وشركاء آخرين. كما تسهم الوزارة في توفير الخبرات الفنية اللازمة لدعم المفاوضات الدولية وضمان توافق الالتزامات العالمية مع الأولويات الوطنية، بما يعزز قدرة البلاد على الاستفادة من أي اتفاق دولي مستقبلي بشأن الجوائح.

وبذلك، تؤكد تونس من جديد تمسكها بمبادئ السيادة الصحية والعدالة الدولية والتضامن الفعلي، في عالم أصبحت فيه الأزمات الصحية عابرة للحدود، ولا يمكن مواجهتها إلا عبر اعتماد رؤية جماعية ومسؤولية مشتركة.

أميرة الدريدي