يحيي التونسيون اليوم الذكرى السبعين لاستقلال تونس من ربقة الاستعمار الفرنسي الذي سيطر على القرار ومفاصل الدولة اقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا وفكريًا. وتتزامن هذه الذكرى مع الاحتفال اليوم بعيد الفطر المبارك لسنة 2026. فعيد الاستقلال ليس مجرد مناسبة تاريخية تُطوى صفحتها بمرور الزمن، وإنما تظل محطة تاريخية مفصلية في تاريخ تونس، ومناسبة وطنية راسخة في أذهان كل الأجيال وعبر كل الأزمان، نظرًا لما تحمله من رمزية تاريخية وتحيل إليه من أحداث ووقائع ونضالات أجيال من أبناء تونس، سواء في إطار الحركة الوطنية أو في الجبال وداخل الجهات الداخلية، طيلة فترة الاستعمار، ممن قدموا أرواحهم فداء لتحرير هذا الوطن لينعم أبناؤه بالحرية ورفع رايته عاليًا بين البلدان والأمم.
تأتي الذكرى السبعون للاستقلال في وقت يعيش فيه العالم على وقع مستجدات وأحداث وتغيرات متسارعة تهدد الشعوب والبلدان والقوانين الدولية التي كانت سندًا متينًا لتحركات الشعوب من أجل نصرتها ونيل استقلال بلدانها. وتحرص فيه الدولة على تثبيت توجهها في تكريس مفهوم السيادة الوطنية على أرض الواقع التونسي، سواء على مستوى وطني أو خارجي، من خلال تنفيذ برامج الإصلاحات الشاملة التي تعمل منظومة الحكم القائمة اليوم بقيادة رئيس الجمهورية قيس سعيّد على تفعيلها.
وتجدر الإشارة إلى أن فترة الحماية الفرنسية على تونس بدأت في 12 ماي 1881، عقب توقيع محمد الصادق باي على معاهدة باردو (قصر السعيد) تحت ضغط القوات الفرنسية، وتدعمت باتفاقية المرسى في 8 جوان 1883، وشملت الحماية هيمنة عسكرية وخارجية، وانتهت بإعلان الاستقلال في 20 مارس 1956.
وقد عايشت بلادنا خلال مدة الاستعمار الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكانت ربوعها مسرحًا لأحداث الحربين وما عرفه العالم من أزمة اقتصادية في الثلاثينات وغيرها من الأزمات والأحداث الأخرى. لكن ذلك لم يحل دون همة أبناء تونس الغيورين عليها في التحرك والنضال ضد المستعمر والتعلق برغبة التحرر كهدف أسمى.
يقف اليوم الجميع في لحظة إكبار لما قدمه أجدادنا لفائدة الدولة وأبنائها خلال 75 عامًا من فترة الاستعمار الفرنسي، من نضالات وتضحيات وصمود وعدم استكانة لسلطة المستعمر. وإذا كان تاريخ الحركة الوطنية في فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي يحتفظ بأبرز المحطات والمراحل التي قادها رموز هذه المرحلة المتقدمة في النضال من أجل التحرر، وما تطلبه الأمر من تنظيم وتنسيق على مستوى وطني وتحركات على مستوى إقليمي ودولي، فإن الذاكرة الوطنية لم تغفل عن الاحتفاظ بتضحيات أبناء وبنات الداخل التونسي في رحلات النضال الطويلة ضد المستعمر.
إذ ظهرت بين ربيع 1952 و1954 حركة المقاومة المسلحة، تشكلت من مجموعات صغيرة خاضت معارك عديدة ضد الأهداف الاستعمارية، وخاصة في الجنوب والغرب التونسيين، قادها العديد من المقاتلين ممن عُرفوا بـ»الفلاقة»، وبرز منهم الساسي لسود ولزهر الشرايطي، ليكون الحبيب بورقيبة من منفاه في جزيرة جالطة مفاوضًا لفرنسا حول الاستقلال الفعلي والناجع.
لذلك كان تتويج إعلان حصول تونس على الاستقلال إنجازًا كبيرًا نتيجة مسار نضالي طويل جمع بين السياسي والنضال المسلح، بدأ منذ أوائل القرن العشرين ضد المستعمر الفرنسي. ليكون توقيع وثيقة الاستقلال في باريس من قبل رئيس الوزراء التونسي آنذاك الطاهر بن عمار ووزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو تأكيدًا عمليًا لحق أبناء هذه الدولة في العيش في كنف السيادة الوطنية والحرية والتمتع بمقدرات وثروات بلادهم.
لتدخل بذلك تونس منذ 20 مارس 1956 منعرجًا حاسمًا في مسار بناء الدولة الحديثة، بعد أن أقر المجلس القومي التأسيسي التونسي يوم 25 جويلية 1957 إلغاء النظام الملكي الحسيني وإعلان الجمهورية، وأصدر المجلس، برئاسة جلولي فارس، قرارًا بالإجماع يُعلن تونس دولة جمهورية، وتكليف الحبيب بورقيبة كأول رئيس للجمهورية التونسية.
وقد استطاعت منظومة الحكم في السنوات الأولى للاستقلال إرساء بوادر بناء الدولة الحديثة، بعد وضع دستور للجمهورية والانطلاق في خيار تعميم التعليم واعتماد خيارات اقتصادية واجتماعية واسعة، وإقرار مجلة الأحوال الشخصية التي كانت بمثابة ثورة حقيقية في مسار الإصلاح وبناء الدولة الحديثة.
لتكون الاحتفالات بذكرى سبعة عقود من الاستقلال مناسبة استثنائية في تاريخ تونس المعاصر، بعد أن تعاقب على حكمها سبعة رؤساء جمهورية، بدءًا بالراحل الحبيب بورقيبة، فالراحل زين العابدين بن علي، مرورًا بالفترة الاستثنائية في تونس ما بعد ثورة 2011، وكل من الرئيسين المؤقتين الراحل فؤاد المبزع ومنصف المرزوقي، فأول رئيس تم انتخابه الراحل الباجي قائد السبسي، ليخلفه بعد وفاته محمد الناصر، وصولًا إلى الرئيس الحالي قيس سعيّد.
ولعل ما يُحسب للرئيس الحالي الذي باشر مهامه إثر انتخابه رئيسًا للجمهورية في أكتوبر سنة 2019، ثم انتخابه لمدة رئاسية ثانية سنة 2024، هو اختياره المنهج الإصلاحي للدولة بعد أن نخرها الفساد، وأصبحت مسألة السيادة الوطنية مهددة أكثر من أي وقت مضى.
واستطاعت منظومته خلال السنوات الأخيرة وضع برامج هادفة راهنت من خلالها على توسيع التنمية لتشمل كامل جهات الجمهورية، في توجه لتكريس العدالة الاجتماعية بين الجهات وفسح المجال للشباب في كامل ربوع الدولة للانخراط في خيارات التنمية والعمل والإنتاج في مختلف المجالات الفلاحية والاقتصادية والصناعية، وذلك حسب خصوصيات كل جهة، خاصة أنه تم وضع دستور جديد وقانون انتخابي يجعل من الوظيفة التشريعية عاملًا أساسيًا في تكريس هذه الإصلاحات القاعدية في الدولة.
وهو توجه يترجم خيار الدولة في تكريس السيادة الوطنية عبر مداخل مختلفة، منها توفير الأمن الغذائي والعدالة الاجتماعية والتنمية العادلة وتنفيذ إصلاحات تشريعية وقانونية وتنظيمية، مواصلةً لمشاريع الإصلاحات التي بدأتها دولة الاستقلال في مراحلها الأولى، وكان لها الدور الكبير في بناء مؤسسات الدولة.
فتونس اليوم تحيي ذكرى الاستقلال وسط مناخ استثنائي يضع السيادة الوطنية وحرية القرار الوطني كهدف أساسي في جملة المقاربات الإصلاحية التي تعمل على تنفيذها وتعميمها في مسار بناء الجمهورية الجديدة.
نزيهة الغضباني
يحيي التونسيون اليوم الذكرى السبعين لاستقلال تونس من ربقة الاستعمار الفرنسي الذي سيطر على القرار ومفاصل الدولة اقتصاديًا وعسكريًا وثقافيًا وفكريًا. وتتزامن هذه الذكرى مع الاحتفال اليوم بعيد الفطر المبارك لسنة 2026. فعيد الاستقلال ليس مجرد مناسبة تاريخية تُطوى صفحتها بمرور الزمن، وإنما تظل محطة تاريخية مفصلية في تاريخ تونس، ومناسبة وطنية راسخة في أذهان كل الأجيال وعبر كل الأزمان، نظرًا لما تحمله من رمزية تاريخية وتحيل إليه من أحداث ووقائع ونضالات أجيال من أبناء تونس، سواء في إطار الحركة الوطنية أو في الجبال وداخل الجهات الداخلية، طيلة فترة الاستعمار، ممن قدموا أرواحهم فداء لتحرير هذا الوطن لينعم أبناؤه بالحرية ورفع رايته عاليًا بين البلدان والأمم.
تأتي الذكرى السبعون للاستقلال في وقت يعيش فيه العالم على وقع مستجدات وأحداث وتغيرات متسارعة تهدد الشعوب والبلدان والقوانين الدولية التي كانت سندًا متينًا لتحركات الشعوب من أجل نصرتها ونيل استقلال بلدانها. وتحرص فيه الدولة على تثبيت توجهها في تكريس مفهوم السيادة الوطنية على أرض الواقع التونسي، سواء على مستوى وطني أو خارجي، من خلال تنفيذ برامج الإصلاحات الشاملة التي تعمل منظومة الحكم القائمة اليوم بقيادة رئيس الجمهورية قيس سعيّد على تفعيلها.
وتجدر الإشارة إلى أن فترة الحماية الفرنسية على تونس بدأت في 12 ماي 1881، عقب توقيع محمد الصادق باي على معاهدة باردو (قصر السعيد) تحت ضغط القوات الفرنسية، وتدعمت باتفاقية المرسى في 8 جوان 1883، وشملت الحماية هيمنة عسكرية وخارجية، وانتهت بإعلان الاستقلال في 20 مارس 1956.
وقد عايشت بلادنا خلال مدة الاستعمار الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكانت ربوعها مسرحًا لأحداث الحربين وما عرفه العالم من أزمة اقتصادية في الثلاثينات وغيرها من الأزمات والأحداث الأخرى. لكن ذلك لم يحل دون همة أبناء تونس الغيورين عليها في التحرك والنضال ضد المستعمر والتعلق برغبة التحرر كهدف أسمى.
يقف اليوم الجميع في لحظة إكبار لما قدمه أجدادنا لفائدة الدولة وأبنائها خلال 75 عامًا من فترة الاستعمار الفرنسي، من نضالات وتضحيات وصمود وعدم استكانة لسلطة المستعمر. وإذا كان تاريخ الحركة الوطنية في فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي يحتفظ بأبرز المحطات والمراحل التي قادها رموز هذه المرحلة المتقدمة في النضال من أجل التحرر، وما تطلبه الأمر من تنظيم وتنسيق على مستوى وطني وتحركات على مستوى إقليمي ودولي، فإن الذاكرة الوطنية لم تغفل عن الاحتفاظ بتضحيات أبناء وبنات الداخل التونسي في رحلات النضال الطويلة ضد المستعمر.
إذ ظهرت بين ربيع 1952 و1954 حركة المقاومة المسلحة، تشكلت من مجموعات صغيرة خاضت معارك عديدة ضد الأهداف الاستعمارية، وخاصة في الجنوب والغرب التونسيين، قادها العديد من المقاتلين ممن عُرفوا بـ»الفلاقة»، وبرز منهم الساسي لسود ولزهر الشرايطي، ليكون الحبيب بورقيبة من منفاه في جزيرة جالطة مفاوضًا لفرنسا حول الاستقلال الفعلي والناجع.
لذلك كان تتويج إعلان حصول تونس على الاستقلال إنجازًا كبيرًا نتيجة مسار نضالي طويل جمع بين السياسي والنضال المسلح، بدأ منذ أوائل القرن العشرين ضد المستعمر الفرنسي. ليكون توقيع وثيقة الاستقلال في باريس من قبل رئيس الوزراء التونسي آنذاك الطاهر بن عمار ووزير الخارجية الفرنسي كريستيان بينو تأكيدًا عمليًا لحق أبناء هذه الدولة في العيش في كنف السيادة الوطنية والحرية والتمتع بمقدرات وثروات بلادهم.
لتدخل بذلك تونس منذ 20 مارس 1956 منعرجًا حاسمًا في مسار بناء الدولة الحديثة، بعد أن أقر المجلس القومي التأسيسي التونسي يوم 25 جويلية 1957 إلغاء النظام الملكي الحسيني وإعلان الجمهورية، وأصدر المجلس، برئاسة جلولي فارس، قرارًا بالإجماع يُعلن تونس دولة جمهورية، وتكليف الحبيب بورقيبة كأول رئيس للجمهورية التونسية.
وقد استطاعت منظومة الحكم في السنوات الأولى للاستقلال إرساء بوادر بناء الدولة الحديثة، بعد وضع دستور للجمهورية والانطلاق في خيار تعميم التعليم واعتماد خيارات اقتصادية واجتماعية واسعة، وإقرار مجلة الأحوال الشخصية التي كانت بمثابة ثورة حقيقية في مسار الإصلاح وبناء الدولة الحديثة.
لتكون الاحتفالات بذكرى سبعة عقود من الاستقلال مناسبة استثنائية في تاريخ تونس المعاصر، بعد أن تعاقب على حكمها سبعة رؤساء جمهورية، بدءًا بالراحل الحبيب بورقيبة، فالراحل زين العابدين بن علي، مرورًا بالفترة الاستثنائية في تونس ما بعد ثورة 2011، وكل من الرئيسين المؤقتين الراحل فؤاد المبزع ومنصف المرزوقي، فأول رئيس تم انتخابه الراحل الباجي قائد السبسي، ليخلفه بعد وفاته محمد الناصر، وصولًا إلى الرئيس الحالي قيس سعيّد.
ولعل ما يُحسب للرئيس الحالي الذي باشر مهامه إثر انتخابه رئيسًا للجمهورية في أكتوبر سنة 2019، ثم انتخابه لمدة رئاسية ثانية سنة 2024، هو اختياره المنهج الإصلاحي للدولة بعد أن نخرها الفساد، وأصبحت مسألة السيادة الوطنية مهددة أكثر من أي وقت مضى.
واستطاعت منظومته خلال السنوات الأخيرة وضع برامج هادفة راهنت من خلالها على توسيع التنمية لتشمل كامل جهات الجمهورية، في توجه لتكريس العدالة الاجتماعية بين الجهات وفسح المجال للشباب في كامل ربوع الدولة للانخراط في خيارات التنمية والعمل والإنتاج في مختلف المجالات الفلاحية والاقتصادية والصناعية، وذلك حسب خصوصيات كل جهة، خاصة أنه تم وضع دستور جديد وقانون انتخابي يجعل من الوظيفة التشريعية عاملًا أساسيًا في تكريس هذه الإصلاحات القاعدية في الدولة.
وهو توجه يترجم خيار الدولة في تكريس السيادة الوطنية عبر مداخل مختلفة، منها توفير الأمن الغذائي والعدالة الاجتماعية والتنمية العادلة وتنفيذ إصلاحات تشريعية وقانونية وتنظيمية، مواصلةً لمشاريع الإصلاحات التي بدأتها دولة الاستقلال في مراحلها الأولى، وكان لها الدور الكبير في بناء مؤسسات الدولة.
فتونس اليوم تحيي ذكرى الاستقلال وسط مناخ استثنائي يضع السيادة الوطنية وحرية القرار الوطني كهدف أساسي في جملة المقاربات الإصلاحية التي تعمل على تنفيذها وتعميمها في مسار بناء الجمهورية الجديدة.