تحت قباب المدينة العتيقة بتونس، وفي أحد الأزقة التي لا تزال تحفظ في جدرانها ذاكرة الفن التونسي، كان الموعد ليلة الجمعة 13 مارس الجاري مع سهرة رمضانية استثنائية احتضنها مقر جمعية المعهد الرشيدي للموسيقى التونسية بنهج الدريبة في القصبة، وذلك في إطار فعاليات الدورة الحادية عشرة من مهرجان ترنيمات، حيث اجتمع عشاق المالوف والإنشاد الصوفي لمتابعة عرض “نسيم الوصل” الذي قدمه الشيخ نوفل زرياط ومجموعته، في سهرة امتزج فيها الطرب بالتأمل الروحي، وتحولت فيها الموسيقى إلى رحلة في الطبوع التونسية واستعادة ذاكرة موسيقية عريقة طالما ارتبطت بتاريخ الرشيدية ودورها في حفظ التراث الموسيقي الوطني.
منذ الساعات الأولى من المساء توافد الجمهور إلى مقر الرشيدية، حيث بدت القاعة وكأنها تستعيد شيئا من ألقها التاريخي، فقد ظل هذا المكان على امتداد عقود فضاءً حاضنا للموسيقيين التونسيين ومختبرا لصيانة المالوف وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة، وهو ما جعل هذه السهرة الرمضانية تكتسي طابعا خاصا، لا باعتبارها حفلا فنيا فحسب، بل باعتبارها لحظة لقاء بين الذاكرة الموسيقية والبحث عن صيغ جديدة لتقديمها.
في تلك الليلة، لم يكن عرض “نسيم الوصل” مجرد برنامج غنائي تقليدي، بل صيغ كرحلة موسيقية متكاملة تستعيد ما يعرف في التراث التونسي بـ“مالوف الجد”، أي ذلك الصنف من المالوف الذي يقوم على المدح والذكر والروح الصوفية، في مقابل “مالوف الهزل” الذي يتناول موضوعات الغزل والوصال. وقد حرص الشيخ نوفل زرياط على أن يقدم هذا اللون في صيغة فنية تستلهم التراث دون أن تكتفي بإعادة إنتاجه، وهو ما أكده في تصريح لـ“الصباح” قائلاً: “العرض صوفي فيه أذكار ومدائح وفيه مالوف الجد، لأنه هناك مالوف الهزل الذي فيه الوصال والغزل، وهناك مالوف الجد الذي فيه المدح والذكر، ونحن اخترنا هذا النمط وحاولنا أن نقدم من خلاله رحلة في نوبات المالوف التونسي».
رحلة مقامية مدروسة
وانطلقت هذه الرحلة المقامية منذ اللحظات الأولى للعرض عبر برنامج موسيقي مدروس رافق الجمهور في انتقال تدريجي بين الطبوع التونسية، حيث افتتحت السهرة بطبع الذيل من خلال قدود وأمثلة موسيقية استحضرت أجواء الطرب القديم، لتتواصل بعد ذلك الرحلة نحو مقام العراق الذي قدمت فيه المجموعة مقاطع إنشادية جمعت بين المدح والإيقاع الصوفي، قبل أن ينتقل العرض إلى مقام السيكاه، حيث تعالت أصوات المنشدين في أداء جماعي بدا وكأنه يستعيد تقاليد حلقات الذكر، وهو ما منح السهرة بعدا روحيا واضحا. ومع تقدم العرض، واصل الشيخ نوفل زرياط قيادة التخت الموسيقي عبر انتقالات سلسة بين المقامات، فكان للحسين نصيب من البرنامج من خلال أداء “نسيم الوصل هب على الندامى”، وهي قطعة بدت وكأنها تلخص روح العرض الذي يقوم على المزج بين الذكر والطرب، ثم جاء مقام الرصد ليضيف إيقاعا احتفاليا من خلال مقاطع مثل “يا سيدي مرحبا”، وهي من كلماته وألحانه، و“زدني بفرط الحب”، قبل أن تواصل الرحلة طريقها عبر مقامات أخرى وصولا إلى مقام الماية الذي شكل لحظة الذروة في السهرة.
ويشرح زرياط هذا البناء المقامي قائلاً: «حاولنا أن نمر على ثلاث عشرة نوبة من نوبات المالوف التونسي، من مقام الذيل إلى مقام العراق ثم السيكاه والحسين والرصد وصولا إلى مقام الماية، وكل مقام قدمنا فيه مثالا موسيقيا يبرز خصوصيته حتى يعيش الجمهور هذه الرحلة في المقامات التونسية».
مالوف الجد الأقل حضورا رغم ثرائه الفني
ولم يكن هذا التنقل المقامي مجرد استعراض تقني للطبوع، بل جاء ضمن تصور فني يربط بين الموسيقى والفضاء الذي يحتضنها، إذ يؤكد الشيخ زرياط أن اختيار الرشيدية لاحتضان هذا العرض لم يكن اعتباطياً، بل لأن هذا المكان يمثل أحد أهم معالم الذاكرة الموسيقية التونسية، مضيفا: “نحن موجودون في هذا الفضاء الجميل، فضاء الرشيدية الذي هو صرح من صروح الفن التونسي والمحافظة على التراث، وقد مرت به قامات كبيرة من الموسيقيين، لذلك حاولنا أن يكون عرضنا متماشياً مع قدسية المكان”. ولعل أحد العناصر اللافتة في برنامج السهرة كان اعتماد تقنية “المعارضة” الموسيقية، حيث استلهمت المجموعة ألحانا تونسية معروفة وأعادت صياغتها بنصوص جديدة تتضمن المدح والذكر، وهو ما أتاح للجمهور أن يستمع إلى ألحان مألوفة ولكن في سياق روحي مختلف، وهو ما يشرحه زرياط بقوله: «استلهمنا المقاطع من أغان تونسية وركبنا عليها كلاما آخر، فتسمع أغنية معروفة لكن بكلمات جديدة فيها مدح وذكر».
وقد ساهم هذا الأسلوب في خلق حالة من التفاعل بين الجمهور والفرقة، إذ بدا واضحا أن كثيرا من الحاضرين كانوا يتعرفون إلى الألحان بينما يكتشفون في الوقت نفسه نصوصا جديدة تحمل بعدا روحيا. وإلى جانب البناء المقامي المدروس، لعب التخت الموسيقي دورا أساسيا في منح العرض طابعه التقليدي، فقد ضم التكوين آلات مثل القانون والرق والدلوكة إلى جانب مجموعة من المنشدين و«المذهبجية» الذين تولوا أداء المقاطع الجماعية، وهو ما منح العرض طابعا قريبا من حلقات الذكر الصوفية، حيث يتناوب الصوت والإيقاع في خلق حالة وجدانية مشتركة بين المؤدين والجمهور.
وفي هذا السياق يبرز الدور الذي تلعبه الرشيدية في تشجيع مثل هذه المبادرات الفنية التي تعيد قراءة التراث الموسيقي التونسي، وهو ما أكده نائب رئيس جمعية المعهد الرشيدي للموسيقى التونسية، طاهر الحبيب، الذي اعتبر في تصريح ل»الصباح» أن هذه السهرة تمثل محاولة لإبراز جانب قد لا يكون معروفا لدى جمهور واسع من عشاق المالوف. ويقول الحبيب في تصريحه إن العرض هو “رحلة روحانية حاولنا من خلالها إبراز صنف من المالوف وهو مالوف الجد الذي يتضمن حساً دينياً صوفياً لكن بطبوع تونسية وبروح تونسية”، مشيرا إلى أن الجمهور غالبا ما يتعرف إلى المالوف من خلال صيغته الأكثر تداولا، في حين أن مالوف الجد يظل أقل حضورا رغم ثرائه الفني. ويضيف المتحدث أن الرشيدية تسعى من خلال مهرجان “ترنيمات” إلى فتح المجال أمام الفنانين لتقديم قراءات جديدة للتراث الموسيقي التونسي، قائلاً: «نحن دائما منفتحون على جميع الفرق والفنانين الذين يحاولون أن يقدموا شيئا جديدا بدل إعادة نفس الأعمال المستهلكة التي تركز على الإيقاع أكثر من الكلمة والجملة الموسيقية».
يا ليلة العيد لأم كلثوم بصوت الشيخ زرياط
ولم يخف نائب رئيس جمعية المعهد الرشيدي، طاهر الحبيب، في حديثه حرص الرشيدية على ترسيخ الطبوع التونسية في الذائقة الموسيقية المعاصرة، موضحاً أن الهدف هو “أن نثبت في الأذن التونسية الطبوع الأصيلة للموسيقى التونسية حتى تبقى حية ومتواصلة عبر الأجيال”. وقد بدا هذا التوجه واضحا في التفاعل الذي عرفته السهرة، حيث لفت حضور عدد من الشباب والشابات انتباه منظمي المهرجان، وهو ما اعتبره محدثنا مؤشرا إيجابيا على استمرار العلاقة بين الأجيال الجديدة والتراث الموسيقي الوطني، قائلاً إن “الموسيقى هي جزء من الهوية الوطنية للتونسيين، واستمرارها مرتبط بقدرتنا على نقلها إلى الأجيال القادمة». ومع اقتراب السهرة من نهايتها، بلغت الرحلة المقامية ذروتها مع مقام الماية، حيث ارتفعت أصوات المنشدين في مقاطع مثل “الليل يا ندامى” و“الصباح أنشر علامو”، لتتحول القاعة إلى فضاء طربي احتفالي امتزج فيه التصفيق الجماعي مع الإيقاع الموسيقي. وفي لحظة ختام بدت كأنها تحية للجمهور واستباقا لفرحة العيد، قدم الشيخ نوفل زرياط أغنية “يا ليلة العيد” للفنانة أم كلثوم، في لفتة موسيقية جمعت بين روح المالوف التونسي وطرب المشرق العربي.
وبين أصداء التصفيق التي ملأت القاعة، وبين الوجوه التي بدت متأثرة بما عاشته من لحظة موسيقية وروحية، انتهت سهرة “نسيم الوصل” وقد تركت لدى الحاضرين انطباعا بأن المالوف التونسي ما يزال قادرا على التجدد كلما وجد فنانين يؤمنون بقيمته ويسعون إلى تقديمه بروح جديدة. وفي فضاء الرشيدية، حيث تعاقبت أجيال من الموسيقيين على حفظ هذا التراث وتطويره، بدت هذه السهرة الرمضانية كأنها تذكير بأن الهوية الموسيقية التونسية لا تزال حية، وأنها قادرة على أن تتنفس من جديد كلما هب عليها “نسيم الوصل».
إيمان عبد اللطيف
تحت قباب المدينة العتيقة بتونس، وفي أحد الأزقة التي لا تزال تحفظ في جدرانها ذاكرة الفن التونسي، كان الموعد ليلة الجمعة 13 مارس الجاري مع سهرة رمضانية استثنائية احتضنها مقر جمعية المعهد الرشيدي للموسيقى التونسية بنهج الدريبة في القصبة، وذلك في إطار فعاليات الدورة الحادية عشرة من مهرجان ترنيمات، حيث اجتمع عشاق المالوف والإنشاد الصوفي لمتابعة عرض “نسيم الوصل” الذي قدمه الشيخ نوفل زرياط ومجموعته، في سهرة امتزج فيها الطرب بالتأمل الروحي، وتحولت فيها الموسيقى إلى رحلة في الطبوع التونسية واستعادة ذاكرة موسيقية عريقة طالما ارتبطت بتاريخ الرشيدية ودورها في حفظ التراث الموسيقي الوطني.
منذ الساعات الأولى من المساء توافد الجمهور إلى مقر الرشيدية، حيث بدت القاعة وكأنها تستعيد شيئا من ألقها التاريخي، فقد ظل هذا المكان على امتداد عقود فضاءً حاضنا للموسيقيين التونسيين ومختبرا لصيانة المالوف وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة، وهو ما جعل هذه السهرة الرمضانية تكتسي طابعا خاصا، لا باعتبارها حفلا فنيا فحسب، بل باعتبارها لحظة لقاء بين الذاكرة الموسيقية والبحث عن صيغ جديدة لتقديمها.
في تلك الليلة، لم يكن عرض “نسيم الوصل” مجرد برنامج غنائي تقليدي، بل صيغ كرحلة موسيقية متكاملة تستعيد ما يعرف في التراث التونسي بـ“مالوف الجد”، أي ذلك الصنف من المالوف الذي يقوم على المدح والذكر والروح الصوفية، في مقابل “مالوف الهزل” الذي يتناول موضوعات الغزل والوصال. وقد حرص الشيخ نوفل زرياط على أن يقدم هذا اللون في صيغة فنية تستلهم التراث دون أن تكتفي بإعادة إنتاجه، وهو ما أكده في تصريح لـ“الصباح” قائلاً: “العرض صوفي فيه أذكار ومدائح وفيه مالوف الجد، لأنه هناك مالوف الهزل الذي فيه الوصال والغزل، وهناك مالوف الجد الذي فيه المدح والذكر، ونحن اخترنا هذا النمط وحاولنا أن نقدم من خلاله رحلة في نوبات المالوف التونسي».
رحلة مقامية مدروسة
وانطلقت هذه الرحلة المقامية منذ اللحظات الأولى للعرض عبر برنامج موسيقي مدروس رافق الجمهور في انتقال تدريجي بين الطبوع التونسية، حيث افتتحت السهرة بطبع الذيل من خلال قدود وأمثلة موسيقية استحضرت أجواء الطرب القديم، لتتواصل بعد ذلك الرحلة نحو مقام العراق الذي قدمت فيه المجموعة مقاطع إنشادية جمعت بين المدح والإيقاع الصوفي، قبل أن ينتقل العرض إلى مقام السيكاه، حيث تعالت أصوات المنشدين في أداء جماعي بدا وكأنه يستعيد تقاليد حلقات الذكر، وهو ما منح السهرة بعدا روحيا واضحا. ومع تقدم العرض، واصل الشيخ نوفل زرياط قيادة التخت الموسيقي عبر انتقالات سلسة بين المقامات، فكان للحسين نصيب من البرنامج من خلال أداء “نسيم الوصل هب على الندامى”، وهي قطعة بدت وكأنها تلخص روح العرض الذي يقوم على المزج بين الذكر والطرب، ثم جاء مقام الرصد ليضيف إيقاعا احتفاليا من خلال مقاطع مثل “يا سيدي مرحبا”، وهي من كلماته وألحانه، و“زدني بفرط الحب”، قبل أن تواصل الرحلة طريقها عبر مقامات أخرى وصولا إلى مقام الماية الذي شكل لحظة الذروة في السهرة.
ويشرح زرياط هذا البناء المقامي قائلاً: «حاولنا أن نمر على ثلاث عشرة نوبة من نوبات المالوف التونسي، من مقام الذيل إلى مقام العراق ثم السيكاه والحسين والرصد وصولا إلى مقام الماية، وكل مقام قدمنا فيه مثالا موسيقيا يبرز خصوصيته حتى يعيش الجمهور هذه الرحلة في المقامات التونسية».
مالوف الجد الأقل حضورا رغم ثرائه الفني
ولم يكن هذا التنقل المقامي مجرد استعراض تقني للطبوع، بل جاء ضمن تصور فني يربط بين الموسيقى والفضاء الذي يحتضنها، إذ يؤكد الشيخ زرياط أن اختيار الرشيدية لاحتضان هذا العرض لم يكن اعتباطياً، بل لأن هذا المكان يمثل أحد أهم معالم الذاكرة الموسيقية التونسية، مضيفا: “نحن موجودون في هذا الفضاء الجميل، فضاء الرشيدية الذي هو صرح من صروح الفن التونسي والمحافظة على التراث، وقد مرت به قامات كبيرة من الموسيقيين، لذلك حاولنا أن يكون عرضنا متماشياً مع قدسية المكان”. ولعل أحد العناصر اللافتة في برنامج السهرة كان اعتماد تقنية “المعارضة” الموسيقية، حيث استلهمت المجموعة ألحانا تونسية معروفة وأعادت صياغتها بنصوص جديدة تتضمن المدح والذكر، وهو ما أتاح للجمهور أن يستمع إلى ألحان مألوفة ولكن في سياق روحي مختلف، وهو ما يشرحه زرياط بقوله: «استلهمنا المقاطع من أغان تونسية وركبنا عليها كلاما آخر، فتسمع أغنية معروفة لكن بكلمات جديدة فيها مدح وذكر».
وقد ساهم هذا الأسلوب في خلق حالة من التفاعل بين الجمهور والفرقة، إذ بدا واضحا أن كثيرا من الحاضرين كانوا يتعرفون إلى الألحان بينما يكتشفون في الوقت نفسه نصوصا جديدة تحمل بعدا روحيا. وإلى جانب البناء المقامي المدروس، لعب التخت الموسيقي دورا أساسيا في منح العرض طابعه التقليدي، فقد ضم التكوين آلات مثل القانون والرق والدلوكة إلى جانب مجموعة من المنشدين و«المذهبجية» الذين تولوا أداء المقاطع الجماعية، وهو ما منح العرض طابعا قريبا من حلقات الذكر الصوفية، حيث يتناوب الصوت والإيقاع في خلق حالة وجدانية مشتركة بين المؤدين والجمهور.
وفي هذا السياق يبرز الدور الذي تلعبه الرشيدية في تشجيع مثل هذه المبادرات الفنية التي تعيد قراءة التراث الموسيقي التونسي، وهو ما أكده نائب رئيس جمعية المعهد الرشيدي للموسيقى التونسية، طاهر الحبيب، الذي اعتبر في تصريح ل»الصباح» أن هذه السهرة تمثل محاولة لإبراز جانب قد لا يكون معروفا لدى جمهور واسع من عشاق المالوف. ويقول الحبيب في تصريحه إن العرض هو “رحلة روحانية حاولنا من خلالها إبراز صنف من المالوف وهو مالوف الجد الذي يتضمن حساً دينياً صوفياً لكن بطبوع تونسية وبروح تونسية”، مشيرا إلى أن الجمهور غالبا ما يتعرف إلى المالوف من خلال صيغته الأكثر تداولا، في حين أن مالوف الجد يظل أقل حضورا رغم ثرائه الفني. ويضيف المتحدث أن الرشيدية تسعى من خلال مهرجان “ترنيمات” إلى فتح المجال أمام الفنانين لتقديم قراءات جديدة للتراث الموسيقي التونسي، قائلاً: «نحن دائما منفتحون على جميع الفرق والفنانين الذين يحاولون أن يقدموا شيئا جديدا بدل إعادة نفس الأعمال المستهلكة التي تركز على الإيقاع أكثر من الكلمة والجملة الموسيقية».
يا ليلة العيد لأم كلثوم بصوت الشيخ زرياط
ولم يخف نائب رئيس جمعية المعهد الرشيدي، طاهر الحبيب، في حديثه حرص الرشيدية على ترسيخ الطبوع التونسية في الذائقة الموسيقية المعاصرة، موضحاً أن الهدف هو “أن نثبت في الأذن التونسية الطبوع الأصيلة للموسيقى التونسية حتى تبقى حية ومتواصلة عبر الأجيال”. وقد بدا هذا التوجه واضحا في التفاعل الذي عرفته السهرة، حيث لفت حضور عدد من الشباب والشابات انتباه منظمي المهرجان، وهو ما اعتبره محدثنا مؤشرا إيجابيا على استمرار العلاقة بين الأجيال الجديدة والتراث الموسيقي الوطني، قائلاً إن “الموسيقى هي جزء من الهوية الوطنية للتونسيين، واستمرارها مرتبط بقدرتنا على نقلها إلى الأجيال القادمة». ومع اقتراب السهرة من نهايتها، بلغت الرحلة المقامية ذروتها مع مقام الماية، حيث ارتفعت أصوات المنشدين في مقاطع مثل “الليل يا ندامى” و“الصباح أنشر علامو”، لتتحول القاعة إلى فضاء طربي احتفالي امتزج فيه التصفيق الجماعي مع الإيقاع الموسيقي. وفي لحظة ختام بدت كأنها تحية للجمهور واستباقا لفرحة العيد، قدم الشيخ نوفل زرياط أغنية “يا ليلة العيد” للفنانة أم كلثوم، في لفتة موسيقية جمعت بين روح المالوف التونسي وطرب المشرق العربي.
وبين أصداء التصفيق التي ملأت القاعة، وبين الوجوه التي بدت متأثرة بما عاشته من لحظة موسيقية وروحية، انتهت سهرة “نسيم الوصل” وقد تركت لدى الحاضرين انطباعا بأن المالوف التونسي ما يزال قادرا على التجدد كلما وجد فنانين يؤمنون بقيمته ويسعون إلى تقديمه بروح جديدة. وفي فضاء الرشيدية، حيث تعاقبت أجيال من الموسيقيين على حفظ هذا التراث وتطويره، بدت هذه السهرة الرمضانية كأنها تذكير بأن الهوية الموسيقية التونسية لا تزال حية، وأنها قادرة على أن تتنفس من جديد كلما هب عليها “نسيم الوصل».