إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

الحق في العمل اللائق.. تكريس مقتضيات الدستور لبناء الدولة الاجتماعية

لا ينفصل الحديث اليوم عن العدالة الاجتماعية في تونس عن مسألة العمل اللائق، باعتبارها أحد أبرز الرهانات التي تحدد طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن. وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال لقائه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ أنّ «الجهود مستمرة ولن تنقطع حتى يتجسد الحق في العمل في ظروف لائقة وبأجر عادل»، بوصفه تعبيرا عن توجه سياسي واضح يرمي إلى إعادة الاعتبار لقيمة العمل كحق دستوري.

في هذا الجانب، يعيد رئيس الجمهورية صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، واضعا «الحق في العمل اللائق والأجر العادل» في صميم الأولويات الوطنية باعتباره حقًا طبيعيًا ودستوريًا لا يقبل التأجيل أو المساومة. وهذا التأكيد يفتح الباب أمام استراتيجية شاملة تهدف إلى تفكيك إرث «التشغيل الهش» وبناء نموذج اقتصادي قائم على حفظ الكرامة البشرية والتعويل على الذات رغم التحديات الجسام.

ضمن هذه المقاربة، يكتسب الحديث عن العمل في تونس بعدًا يتجاوز كونه مسألة اقتصادية أو اجتماعية، ليصبح قضية مرتبطة بطبيعة الدولة ودورها في حماية حقوق مواطنيها. ومن هذا المنطلق، فإن تصريحات رئيس الدولة قيس سعيّد لا يمكن قراءتها بمعزل عن مسار سياسي واجتماعي تسعى الدولة من خلاله إلى إعادة صياغة مقاربتها لملف التشغيل. فالمسألة لم تعد مقتصرة على البحث عن حلول ظرفية لمعضلة البطالة أو على الآليات التشغيلية المؤقتة، بل تتعلق بإرساء تصور جديد يقوم على تكريس العمل اللائق والقطع مع منظومات التشغيل الهش التي كرست لعقود حالة من عدم الاستقرار المهني والاجتماعي.

وفي هذا السياق، تبدو السياسات التي يتم العمل على تنفيذها اليوم، سواء عبر إنهاء العمل بنظام المناولة في عدد من القطاعات، أو عبر فتح باب الانتدابات الجديدة، أو من خلال توفير خطوط تمويل للمشاريع الصغرى، جزءًا من رؤية أشمل تهدف إلى إحداث تحول نوعي في مقاربة الدولة لمسألة التشغيل، بما يسمح بخلق آلاف فرص العمل وإعادة الاعتبار لقيمة العمل باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.

القطع مع التشغيل الهش

من أبرز العناوين التي برزت ضمن السياسات الاجتماعية للدولة مسألة القطع مع كافة أشكال التشغيل الهش، وعلى رأسها نظام المناولة، الذي تحول في العديد من المؤسسات إلى آلية تشغيل موازية تحرم العامل من أبسط حقوقه المهنية والاجتماعية، لا سيما وأن هذه الآلية توسعت بشكل لافت خلال العقود الماضية، وأفرزت وضعيات مهنية غير مستقرة جعلت آلاف العمال يعملون في ظروف تفتقر إلى أدنى ضمانات الاستقرار الوظيفي أو التغطية الاجتماعية اللازمة.

ومن هنا، أنهى رئيس الدولة قيس سعيّد العمل كليا بهذه المنظومة، باعتبارها إحدى أبرز عناوين الفشل التي رافقت سوق العمل في فترة ما. هذا القطع مع منظومة المناولة لا يتعلق فقط بتسوية وضعيات عمالية، بل يرتبط بإعادة الاعتبار لمبدأ أساسي مفاده أن العمل يجب أن يكون مصدرا للكرامة. كما أن إنهاء العمل بالمناولة يندرج ضمن توجه شامل للدولة في أعلى هرمها، يرمي إلى إعادة تنظيم العلاقة بين العامل والمؤسسة على أسس قانونية واضحة تضمن الحقوق وتحدد الواجبات، بما يقطع مع الممارسات التي جعلت من العمل الهش واقعًا مألوفًا لآلاف الأسر التونسية.

في هذا الإطار، يُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تحولا في تعاطي الدولة مع سياساتها التشغيلية والاجتماعية، إذ لم يعد مقبولا استمرار تشغيل العمال ضمن منظومات تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات. لذلك، فإن إنهاء المناولة يعكس توجها سياسيا يرمي إلى إعادة بناء منظومة العمل على أسس أكثر عدالة وإنصافًا، وهو التوجه ذاته الذي يسعى رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى تكريسه بعيدا عن المقاربات الظرفية والحلول الترقيعية التي عالجت ملف التشغيل لسنوات، وذلك عبر إرساء استراتيجية تضع كرامة العامل في صلب السياسات العمومية وتعيد الاعتبار لقيمة العمل باعتباره حقا دستوريا لا مجال للتفريط فيه.

ضخ الكفاءات في المرفق العمومي

تماشيا مع هذا المسار الإصلاحي، تعمل الدولة في أعلى هرمها على تعزيز سياسة الانتدابات في عدد من القطاعات الحيوية، وهي خطوة تعكس وعيًا وإدراكًا بأهمية الدور الذي يلعبه المرفق العمومي في تحقيق التوازن الاجتماعي. فالانتدابات التي تم فتحها مؤخرًا في الوظيفة العمومية لا تمثل فقط استجابة لحاجيات إدارية لسد الشغورات، وإنما شكلت في جوهرها آلية من آليات السياسة الاجتماعية التي تسمح بفتح آفاق جديدة أمام الشباب الباحث عن فرص عمل.

كما أن هذه الانتدابات تندرج ضمن رؤية تهدف إلى تجديد الكفاءات داخل المؤسسات العمومية وتعزيز قدرتها على أداء دورها في خدمة المواطن من خلال ضخ دماء جديدة قادرة على تحقيق الإضافة والنجاعة المطلوبة. فالمرفق العمومي، الذي شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة على ضرورة استعادة إشعاعه ودوره الاجتماعي الريادي، يحتاج إلى موارد بشرية قادرة على مواكبة التحديات الراهنة وتقديم خدمات أكثر جودة وكفاءة.

ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز الانتدابات لا يقتصر على معالجة أو الحد من البطالة فحسب، بل يساهم أيضًا في دعم قدرة الدولة على تنفيذ سياساتها التنموية والاجتماعية، خاصة في القطاعات المرتبطة بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين.

المشاريع رافعة لخلق فرص العمل

غير أن مقاربة الدولة للنهوض بقطاع التشغيل لا تقتصر على الانتدابات المباشرة فقط، وإنما تمتد أيضا إلى تشجيع المبادرة الخاصة باعتبارها أحد المحركات الأساسية للاقتصاد الوطني. وفي هذا الإطار، تمثل المشاريع الصغرى إحدى أهم الآليات التي تراهن عليها الدولة لخلق فرص عمل جديدة وتنشيط الدورة الاقتصادية، خاصة في الجهات الداخلية التي تحتاج إلى دفع تنموي أكبر.

وقد تم في هذا السياق توفير خطوط تمويل لدعم هذه المشاريع، بما يسمح للشباب وأصحاب المبادرات بتحويل أفكارهم إلى أنشطة اقتصادية منتجة. فالمشاريع الصغرى لا تساهم فقط في خلق فرص عمل مباشرة، بل تلعب أيضًا دورا في تحريك النسيج الاقتصادي المحلي وتوفير موارد إضافية للاقتصاد الوطني.

كما أن دعم هذه المشاريع يندرج ضمن تصور اقتصادي يسعى إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن الجهوي، من خلال تشجيع الاستثمار المحلي وتمكين الشباب من الانخراط في مسارات إنتاجية تتيح لهم بناء مستقبل مهني مستقر.

وفي هذا الإطار، لطالما شدد رئيس الدولة قيس سعيّد في لقاءاته الرسمية على أهمية دور الشباب في النسيج الاجتماعي والاقتصادي، باعتبارهم طاقة هامة قادرة على دفع عجلة التنمية متى توفرت لهم الظروف الملائمة. فهذه الفئة، التي تمثل النسبة الأكبر من تركيبة المجتمع، قادرة على إحداث الفارق إذا أتيحت لها إمكانيات المبادرة والعمل، سواء عبر الاندماج في سوق الشغل أو إطلاق مشاريعها الخاصة. ومن هذا المنطلق، يأتي توجّه الدولة نحو دعم المشاريع الصغرى وتيسير آليات تمويلها، بما يفتح أمام الشباب آفاقا أوسع لتحويل أفكارهم إلى مبادرات منتجة تسهم في خلق الثروة وتوفير فرص العمل، وتمنحهم في الوقت ذاته دورًا فاعلًا في بناء الاقتصاد الوطني.

رؤية اجتماعية جديدة لسوق العمل

هذه الإجراءات مجتمعة تعكس توجها سياسيا يسعى إلى إعادة صياغة سوق العمل في تونس وفق مقاربة جديدة تقوم على ركائز أساسية، منها العمل اللائق، والاستقرار المهني، وخلق فرص عمل مستدامة.

فالعمل اللائق، كما يؤكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، هو حق دستوري يتطلب سياسات عملية تضمن للعامل بيئة عمل مناسبة، وأجرا عادلا، وحماية اجتماعية كافية. كما أن الاستقرار المهني يمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق التوازن الاجتماعي، إذ لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في ظل سوق عمل هش وغير مستقر.

أما فيما يتعلق بخلق فرص العمل، فهو هدف تسعى الدولة في أعلى هرمها إلى تحقيقه من خلال مزيج من السياسات التي تجمع بين الانتداب العمومي، وتشجيع الاستثمار، ودعم روح المبادرة الخاصة.

وفي هذا الخضم، جدير بالذكر أن توفير كل مقومات العمل اللائق أصبح جزءا من مشروع شامل يهدف إلى إعادة الاعتبار للبعد الاجتماعي للدولة. فحين يتحول الحق في العمل اللائق إلى محور رئيسي في السياسات العمومية، يعكس ذلك إرادة سياسية تسعى إلى بناء نموذج تنموي أكثر توازنا وإنصافا.

ورغم التحديات والصعوبات التي قد تعترض هذا المسار، فإن الإصرار على المواصلة فيه يعكس قناعة بأن الاستثمار في الإنسان وفي كرامة العامل يبقى أحد أهم مفاتيح الاستقرار والتنمية. فالدولة التي تضمن لمواطنيها عملا لائقا وأجرا عادلا ترسخ أسس مجتمع أكثر تماسكا وقدرة على مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم اليوم.

منال حرزي

الحق في العمل اللائق..   تكريس مقتضيات الدستور لبناء الدولة الاجتماعية

لا ينفصل الحديث اليوم عن العدالة الاجتماعية في تونس عن مسألة العمل اللائق، باعتبارها أحد أبرز الرهانات التي تحدد طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن. وفي هذا السياق، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد خلال لقائه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ أنّ «الجهود مستمرة ولن تنقطع حتى يتجسد الحق في العمل في ظروف لائقة وبأجر عادل»، بوصفه تعبيرا عن توجه سياسي واضح يرمي إلى إعادة الاعتبار لقيمة العمل كحق دستوري.

في هذا الجانب، يعيد رئيس الجمهورية صياغة العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن، واضعا «الحق في العمل اللائق والأجر العادل» في صميم الأولويات الوطنية باعتباره حقًا طبيعيًا ودستوريًا لا يقبل التأجيل أو المساومة. وهذا التأكيد يفتح الباب أمام استراتيجية شاملة تهدف إلى تفكيك إرث «التشغيل الهش» وبناء نموذج اقتصادي قائم على حفظ الكرامة البشرية والتعويل على الذات رغم التحديات الجسام.

ضمن هذه المقاربة، يكتسب الحديث عن العمل في تونس بعدًا يتجاوز كونه مسألة اقتصادية أو اجتماعية، ليصبح قضية مرتبطة بطبيعة الدولة ودورها في حماية حقوق مواطنيها. ومن هذا المنطلق، فإن تصريحات رئيس الدولة قيس سعيّد لا يمكن قراءتها بمعزل عن مسار سياسي واجتماعي تسعى الدولة من خلاله إلى إعادة صياغة مقاربتها لملف التشغيل. فالمسألة لم تعد مقتصرة على البحث عن حلول ظرفية لمعضلة البطالة أو على الآليات التشغيلية المؤقتة، بل تتعلق بإرساء تصور جديد يقوم على تكريس العمل اللائق والقطع مع منظومات التشغيل الهش التي كرست لعقود حالة من عدم الاستقرار المهني والاجتماعي.

وفي هذا السياق، تبدو السياسات التي يتم العمل على تنفيذها اليوم، سواء عبر إنهاء العمل بنظام المناولة في عدد من القطاعات، أو عبر فتح باب الانتدابات الجديدة، أو من خلال توفير خطوط تمويل للمشاريع الصغرى، جزءًا من رؤية أشمل تهدف إلى إحداث تحول نوعي في مقاربة الدولة لمسألة التشغيل، بما يسمح بخلق آلاف فرص العمل وإعادة الاعتبار لقيمة العمل باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.

القطع مع التشغيل الهش

من أبرز العناوين التي برزت ضمن السياسات الاجتماعية للدولة مسألة القطع مع كافة أشكال التشغيل الهش، وعلى رأسها نظام المناولة، الذي تحول في العديد من المؤسسات إلى آلية تشغيل موازية تحرم العامل من أبسط حقوقه المهنية والاجتماعية، لا سيما وأن هذه الآلية توسعت بشكل لافت خلال العقود الماضية، وأفرزت وضعيات مهنية غير مستقرة جعلت آلاف العمال يعملون في ظروف تفتقر إلى أدنى ضمانات الاستقرار الوظيفي أو التغطية الاجتماعية اللازمة.

ومن هنا، أنهى رئيس الدولة قيس سعيّد العمل كليا بهذه المنظومة، باعتبارها إحدى أبرز عناوين الفشل التي رافقت سوق العمل في فترة ما. هذا القطع مع منظومة المناولة لا يتعلق فقط بتسوية وضعيات عمالية، بل يرتبط بإعادة الاعتبار لمبدأ أساسي مفاده أن العمل يجب أن يكون مصدرا للكرامة. كما أن إنهاء العمل بالمناولة يندرج ضمن توجه شامل للدولة في أعلى هرمها، يرمي إلى إعادة تنظيم العلاقة بين العامل والمؤسسة على أسس قانونية واضحة تضمن الحقوق وتحدد الواجبات، بما يقطع مع الممارسات التي جعلت من العمل الهش واقعًا مألوفًا لآلاف الأسر التونسية.

في هذا الإطار، يُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تحولا في تعاطي الدولة مع سياساتها التشغيلية والاجتماعية، إذ لم يعد مقبولا استمرار تشغيل العمال ضمن منظومات تفتقر إلى الحد الأدنى من الضمانات. لذلك، فإن إنهاء المناولة يعكس توجها سياسيا يرمي إلى إعادة بناء منظومة العمل على أسس أكثر عدالة وإنصافًا، وهو التوجه ذاته الذي يسعى رئيس الجمهورية قيس سعيّد إلى تكريسه بعيدا عن المقاربات الظرفية والحلول الترقيعية التي عالجت ملف التشغيل لسنوات، وذلك عبر إرساء استراتيجية تضع كرامة العامل في صلب السياسات العمومية وتعيد الاعتبار لقيمة العمل باعتباره حقا دستوريا لا مجال للتفريط فيه.

ضخ الكفاءات في المرفق العمومي

تماشيا مع هذا المسار الإصلاحي، تعمل الدولة في أعلى هرمها على تعزيز سياسة الانتدابات في عدد من القطاعات الحيوية، وهي خطوة تعكس وعيًا وإدراكًا بأهمية الدور الذي يلعبه المرفق العمومي في تحقيق التوازن الاجتماعي. فالانتدابات التي تم فتحها مؤخرًا في الوظيفة العمومية لا تمثل فقط استجابة لحاجيات إدارية لسد الشغورات، وإنما شكلت في جوهرها آلية من آليات السياسة الاجتماعية التي تسمح بفتح آفاق جديدة أمام الشباب الباحث عن فرص عمل.

كما أن هذه الانتدابات تندرج ضمن رؤية تهدف إلى تجديد الكفاءات داخل المؤسسات العمومية وتعزيز قدرتها على أداء دورها في خدمة المواطن من خلال ضخ دماء جديدة قادرة على تحقيق الإضافة والنجاعة المطلوبة. فالمرفق العمومي، الذي شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد في أكثر من مناسبة على ضرورة استعادة إشعاعه ودوره الاجتماعي الريادي، يحتاج إلى موارد بشرية قادرة على مواكبة التحديات الراهنة وتقديم خدمات أكثر جودة وكفاءة.

ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز الانتدابات لا يقتصر على معالجة أو الحد من البطالة فحسب، بل يساهم أيضًا في دعم قدرة الدولة على تنفيذ سياساتها التنموية والاجتماعية، خاصة في القطاعات المرتبطة بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين.

المشاريع رافعة لخلق فرص العمل

غير أن مقاربة الدولة للنهوض بقطاع التشغيل لا تقتصر على الانتدابات المباشرة فقط، وإنما تمتد أيضا إلى تشجيع المبادرة الخاصة باعتبارها أحد المحركات الأساسية للاقتصاد الوطني. وفي هذا الإطار، تمثل المشاريع الصغرى إحدى أهم الآليات التي تراهن عليها الدولة لخلق فرص عمل جديدة وتنشيط الدورة الاقتصادية، خاصة في الجهات الداخلية التي تحتاج إلى دفع تنموي أكبر.

وقد تم في هذا السياق توفير خطوط تمويل لدعم هذه المشاريع، بما يسمح للشباب وأصحاب المبادرات بتحويل أفكارهم إلى أنشطة اقتصادية منتجة. فالمشاريع الصغرى لا تساهم فقط في خلق فرص عمل مباشرة، بل تلعب أيضًا دورا في تحريك النسيج الاقتصادي المحلي وتوفير موارد إضافية للاقتصاد الوطني.

كما أن دعم هذه المشاريع يندرج ضمن تصور اقتصادي يسعى إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن الجهوي، من خلال تشجيع الاستثمار المحلي وتمكين الشباب من الانخراط في مسارات إنتاجية تتيح لهم بناء مستقبل مهني مستقر.

وفي هذا الإطار، لطالما شدد رئيس الدولة قيس سعيّد في لقاءاته الرسمية على أهمية دور الشباب في النسيج الاجتماعي والاقتصادي، باعتبارهم طاقة هامة قادرة على دفع عجلة التنمية متى توفرت لهم الظروف الملائمة. فهذه الفئة، التي تمثل النسبة الأكبر من تركيبة المجتمع، قادرة على إحداث الفارق إذا أتيحت لها إمكانيات المبادرة والعمل، سواء عبر الاندماج في سوق الشغل أو إطلاق مشاريعها الخاصة. ومن هذا المنطلق، يأتي توجّه الدولة نحو دعم المشاريع الصغرى وتيسير آليات تمويلها، بما يفتح أمام الشباب آفاقا أوسع لتحويل أفكارهم إلى مبادرات منتجة تسهم في خلق الثروة وتوفير فرص العمل، وتمنحهم في الوقت ذاته دورًا فاعلًا في بناء الاقتصاد الوطني.

رؤية اجتماعية جديدة لسوق العمل

هذه الإجراءات مجتمعة تعكس توجها سياسيا يسعى إلى إعادة صياغة سوق العمل في تونس وفق مقاربة جديدة تقوم على ركائز أساسية، منها العمل اللائق، والاستقرار المهني، وخلق فرص عمل مستدامة.

فالعمل اللائق، كما يؤكد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، هو حق دستوري يتطلب سياسات عملية تضمن للعامل بيئة عمل مناسبة، وأجرا عادلا، وحماية اجتماعية كافية. كما أن الاستقرار المهني يمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق التوازن الاجتماعي، إذ لا يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في ظل سوق عمل هش وغير مستقر.

أما فيما يتعلق بخلق فرص العمل، فهو هدف تسعى الدولة في أعلى هرمها إلى تحقيقه من خلال مزيج من السياسات التي تجمع بين الانتداب العمومي، وتشجيع الاستثمار، ودعم روح المبادرة الخاصة.

وفي هذا الخضم، جدير بالذكر أن توفير كل مقومات العمل اللائق أصبح جزءا من مشروع شامل يهدف إلى إعادة الاعتبار للبعد الاجتماعي للدولة. فحين يتحول الحق في العمل اللائق إلى محور رئيسي في السياسات العمومية، يعكس ذلك إرادة سياسية تسعى إلى بناء نموذج تنموي أكثر توازنا وإنصافا.

ورغم التحديات والصعوبات التي قد تعترض هذا المسار، فإن الإصرار على المواصلة فيه يعكس قناعة بأن الاستثمار في الإنسان وفي كرامة العامل يبقى أحد أهم مفاتيح الاستقرار والتنمية. فالدولة التي تضمن لمواطنيها عملا لائقا وأجرا عادلا ترسخ أسس مجتمع أكثر تماسكا وقدرة على مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم اليوم.

منال حرزي