إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

مقاربة جديدة للمخطط التنموي (2026-2030).. نحو تنمية تنطلق من الجهات وتستجيب لانتظارات المواطنين

تؤسّس المقاربات التي حملها لقاء قرطاج الأخير، والذي جمع رئيس الجمهورية قيس سعيد برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، مرحلة جديدة في تعاطي الدولة مع مسار التخطيط الاقتصادي والاجتماعي في تونس. فالاجتماع الذي خُصّص للنظر في المشروع الأولي للمخطط التنموي 2026-2030 وضع حجر الأساس لمرحلة سياسية واقتصادية جديدة، تقطع مع المركزية المقيتة وتؤسس لنموذج «البناء القاعدي» في رسم السياسات العامة.

كشف اللقاء عن توجه واضح لإعادة صياغة منهجية إعداد السياسات العمومية، بما يجعلها أكثر التصاقا بانتظارات المواطنين ومرتبطة بواقع الجهات. ومن هذا المنطلق، يبدو أن المرحلة القادمة لا تتعلق بمجرد إعداد وثيقة تخطيطية جديدة للخماسية القادمة، بقدر ما ترتبط بمحاولة إرساء تصور مختلف لطبيعة التنمية وآليات تجسيمها على أرض الواقع، من خلال تشريك واسع للمواطنين في تحديد الأولويات، إلى جانب العمل على استعادة الدولة لدورها في تحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي.

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس الدولة قيس سعيد أن التوجه الجديد في التخطيط يهدف إلى إعادة صياغة فلسفته من حيث منطلقاته وآلياته وأهدافه، باعتبار أن المسألة تتجاوز مجرد ضبط مخطط جديد للخمس سنوات القادمة، لتصل إلى تأسيس علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع في صياغة الخيارات الاقتصادية والتنموية.

نموذج تنموي مختلف

ويبرز البعد الأول لهذا اللقاء في كونه يأتي في سياق وطني تبحث فيه الدولة في أعلى هرمها عن نموذج تنموي مختلف، بعد سنوات طويلة من اعتماد مقاربات تخطيطية وُجّهت أساسا من المركز، ولم تنجح في تحقيق العدالة والنجاعة المطلوبة بين الجهات. وفي هذا الإطار، صرح رئيس الدولة قيس سعيد بأن المخطط يجب أن «ينبع من إرادة المواطنين والمواطنات»، بما يمثل تحوّلا نوعيا في منهجية التخطيط، يرتكز على جعل المواطن عنصرا فاعلا في تحديد أولويات التنمية.

وعلى هذا الأساس، يتبلور التوجه نحو نقل مركز الثقل من الإدارة المركزية إلى الفضاءات التمثيلية الجديدة، المتمثلة في المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم، وصولا إلى المجلس الوطني للجهات والأقاليم.

ويُمثل هذا التوجه امتدادا لمسار سياسي شامل يسعى إلى إعادة بناء الدولة على أسس مختلفة، تقوم على ما يسميه رئيس الجمهورية قيس سعيد «البناء القاعدي». فالمجالس المنتخبة على المستوى المحلي والجهوي ليست مجرد هياكل تمثيلية، بل منصات فاعلة لصياغة المشاريع التنموية وترجمة المقترحات والأفكار النابعة من المواطنين. وبذلك يتحول التخطيط من مهمة تقنية موكولة إلى الخبراء إلى مسار تشاركي يربط القرار الاقتصادي بواقع الجهات وانتظارات مواطنيها.

الدور الاجتماعي للدولة

دلالات هذا اللقاء لا تتوقف عند حدود المنهجية الجديدة في التخطيط، بل تمتد أيضا إلى طبيعة الدور الذي تسعى الدولة لاستعادته في المجال الاجتماعي. وأكد رئيس الجمهورية قيس سعيد على أهمية الدور المحوري للدولة، خاصة في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والنقل والسكن اللائق. فهذه القطاعات لم تتعرض فقط للإهمال، بل لما اعتُبر سياسات أضعفت المرفق العمومي وفتحت المجال أمام تراجع قدرته على أداء دوره الاجتماعي.

ويتضح من تصريحات رئيس الدولة أن المخطط التنموي الجديد يُراد له أن يكون أداة لإعادة الاعتبار للدولة الاجتماعية، القائمة على توفير الخدمات الأساسية وضمان حد أدنى من العدالة في النفاذ إليها. فالتنمية وفق هذا التصور لا تختزل فقط في تحقيق نسب نمو أو مؤشرات اقتصادية جيدة، بل في مدى انعكاس لغة الأرقام على حياة المواطنين وجودة الخدمات المقدمة إليهم.

الحق في العمل بأجر عادل

ويتقاطع الحديث عن الدور الاجتماعي للدولة مع مسألة الحق في العمل في ظروف لائقة وبأجر عادل، وهي مسألة أكد رئيس الجمهورية قيس سعيد أن الجهود ستتواصل من أجل تجسيدها، رغم التحديات والرهانات. فهذه الإشارة تحمل بعدا سياسيا بوصفها تضع مسألة التشغيل والعدالة الاجتماعية في قلب المشروع التنموي المقبل، باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تواجه تونس منذ سنوات.

كما تعكس هذه المقاربة قناعة مفادها أن الاستقرار الاقتصادي لا يمكن فصله عن الاستقرار الاجتماعي. فخلق فرص العمل وتحسين ظروف العيش لا يمثلان فقط أهدافا اجتماعية، بل شروطا جوهرية لتعزيز الثقة في المؤسسات ولإعادة تحريك الدورة الاقتصادية. ولذلك، فإن إدراج هذه المسائل ضمن رؤية المخطط التنموي الجديد يندرج في إطار محاولة بناء نموذج تنموي أكثر عدالة وتوازنًا وشمولية.

ولا يقلّ الحديث عن التوزيع العادل للثروة أهمية ضمن الرسائل التي حملها لقاء قرطاج. فتأكيد رئيس الدولة قيس سعيد على أن تونس «تتوفر على كل الثروات» يعكس إدراكا بأن الإشكالية لا تتعلق بنقص الإمكانيات، بل بكيفية إدارتها وتوزيعها. ومن هنا، أشار رئيس الدولة إلى أن الخيارات السابقة قامت في كثير من الأحيان على الحيف أو اختيارات غير عادلة، بل وحتى تنفيذ إملاءات خارجية، ما يفتح نقاشًا حول استقلالية القرار الاقتصادي الوطني.

وفي هذا الاتجاه، تناول رئيس الدولة قيس سعيد مسألة الفساد في عدد من المؤسسات والمنشآت العمومية، وعمليات تخريبها والحطّ من قيمتها تمهيدًا للتفريط فيها بأبخس الأثمان. وهذا الطرح يؤكد التوجه نحو الحفاظ على المؤسسات العمومية وإصلاحها بدل التفريط فيها.

ربط التنمية بحياة المواطن اليومية

الرسالة الأبرز التي حملها لقاء قرطاج هي أن الأرقام والنسب، على أهميتها، يجب أن يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فهذه العبارة تختزل فلسفة كاملة في تقييم السياسات الاقتصادية، تقوم على تجاوز المقاربة التي تكتفي بعرض المؤشرات الكلية دون أن يلمس المواطن أثرها في واقعه اليومي.

وبالتالي، يمثل ربط الأرقام بالواقع اليومي للمواطنين محاولة لإعادة توجيه السياسات العامة نحو النتائج الملموسة بعيدا عن سياسة المؤشرات المجردة.

من هذا المنطلق، فإن المخطط التنموي 2026-2030 لا يُراد له أن يكون مجرد وثيقة تقنية تضاف إلى سلسلة المخططات السابقة، بل إطارًا لإعادة صياغة أولويات التنمية في تونس. فوفقا لتصور رئيس الدولة قيس سعيد، المطلوب هو تحقيق تنمية تنطلق من الجهات، تستند إلى مشاركة المواطنين، وتضع العدالة الاجتماعية في قلب معادلتها.

ونجاح هذه المقاربة مرتبط بمدى قدرة مختلف الهياكل والمؤسسات على تحويل هذه المبادئ إلى سياسات عملية وبرامج قابلة للتنفيذ، إذ يكمن التحدي الفعلي ليس فقط في صياغة رؤية جديدة، بل في توفير الآليات الكفيلة بتجسيدها على أرض الواقع.

أهمية الكفاءة في نجاح السياسات

ويشدد رئيس الجمهورية قيس سعيد على أهمية أن يعي صُنّاع القرار طبيعة المرحلة الراهنة، بما تفرضه من تحديات دقيقة ومسؤوليات جسيمة، وهو ما يستلزم وجود مسؤولين أكفاء قادرين على ترجمة التوجّهات الكبرى للدولة إلى سياسات عملية وبرامج قابلة للتنفيذ. فنجاح أي مخطط تنموي رهين مدى قدرة الهياكل المشرفة على تنفيذه على تحويل تلك الرؤى إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

ومن هذا المنطلق، يظل عامل الكفاءة والقدرة على حسن التصرف في الموارد والإمكانيات المتاحة أحد المفاتيح الأساسية لإنجاح المرحلة القادمة، خاصة في ظل ما تتطلبه من سرعة الإنجاز ونجاعة الأداء بما يحقق الأهداف ويعزز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وقدرتها على الاستجابة لتطلعاته.

رؤية شاملة للتنمية

يعكس هذا اللقاء ملامح مرحلة تسعى فيها الدولة إلى إعادة ترتيب أولوياتها التنموية، وبناء مقاربة مختلفة في إدارة الشأن الاقتصادي والاجتماعي. فبين استعادة الدور الاجتماعي للدولة، وتعزيز مشاركة المواطنين في تحديد المشاريع، والسعي إلى توزيع أكثر عدلا للثروة، تتشكل ملامح رؤية يراهن عليها رئيس الدولة قيس سعيد، ترى أن التنمية ليست مجرد أرقام تُعلن، بل واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.

وبذلك، يمثل المخطط التنموي القادم اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على الانتقال من منطق التخطيط المركزي التقليدي إلى منطق تنموي أكثر تشاركية وعدالة. وإذا نجحت هذه المقاربة في ترجمة تطلعات المواطنين إلى مشاريع فعلية، فإنها قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة يكون فيها التخطيط الاقتصادي أداة فعالة لتحقيق التوازن بين الجهات، وتعزيز الثقة في الدولة وفي جميع مؤسساتها وهياكلها.

وفي هذا السياق، يتضح أن المخطط التنموي 2026-2030 ليس مجرد وثيقة إدارية أو تقنية، بل إطار شامل لتفعيل التنمية على أرض الواقع، بحيث تكون القرارات الاقتصادية والاجتماعية متجاوبة مع حاجيات المواطنين، ويشعر كل مواطن بنتائج هذه السياسات في حياته اليومية.

ومن هنا، يظل التحدي الأكبر قائما في قدرة مختلف الهياكل والمؤسسات على تحويل الرؤى والخطط إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، وضمان أن تُترجم الأرقام والمؤشرات الاقتصادية إلى خدمات ملموسة وجودة حياة أفضل للمواطنين، وهو ما يعكس الالتزام الجاد للدولة بقيادة رئيس الجمهورية قيس سعيد نحو نموذج تنموي متوازن، عادل وفاعل.

منال حرزي

مقاربة جديدة للمخطط التنموي (2026-2030)..   نحو تنمية تنطلق من الجهات وتستجيب لانتظارات المواطنين

تؤسّس المقاربات التي حملها لقاء قرطاج الأخير، والذي جمع رئيس الجمهورية قيس سعيد برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ووزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، مرحلة جديدة في تعاطي الدولة مع مسار التخطيط الاقتصادي والاجتماعي في تونس. فالاجتماع الذي خُصّص للنظر في المشروع الأولي للمخطط التنموي 2026-2030 وضع حجر الأساس لمرحلة سياسية واقتصادية جديدة، تقطع مع المركزية المقيتة وتؤسس لنموذج «البناء القاعدي» في رسم السياسات العامة.

كشف اللقاء عن توجه واضح لإعادة صياغة منهجية إعداد السياسات العمومية، بما يجعلها أكثر التصاقا بانتظارات المواطنين ومرتبطة بواقع الجهات. ومن هذا المنطلق، يبدو أن المرحلة القادمة لا تتعلق بمجرد إعداد وثيقة تخطيطية جديدة للخماسية القادمة، بقدر ما ترتبط بمحاولة إرساء تصور مختلف لطبيعة التنمية وآليات تجسيمها على أرض الواقع، من خلال تشريك واسع للمواطنين في تحديد الأولويات، إلى جانب العمل على استعادة الدولة لدورها في تحقيق التوازن الاجتماعي والاقتصادي.

وفي هذا السياق، يؤكد رئيس الدولة قيس سعيد أن التوجه الجديد في التخطيط يهدف إلى إعادة صياغة فلسفته من حيث منطلقاته وآلياته وأهدافه، باعتبار أن المسألة تتجاوز مجرد ضبط مخطط جديد للخمس سنوات القادمة، لتصل إلى تأسيس علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع في صياغة الخيارات الاقتصادية والتنموية.

نموذج تنموي مختلف

ويبرز البعد الأول لهذا اللقاء في كونه يأتي في سياق وطني تبحث فيه الدولة في أعلى هرمها عن نموذج تنموي مختلف، بعد سنوات طويلة من اعتماد مقاربات تخطيطية وُجّهت أساسا من المركز، ولم تنجح في تحقيق العدالة والنجاعة المطلوبة بين الجهات. وفي هذا الإطار، صرح رئيس الدولة قيس سعيد بأن المخطط يجب أن «ينبع من إرادة المواطنين والمواطنات»، بما يمثل تحوّلا نوعيا في منهجية التخطيط، يرتكز على جعل المواطن عنصرا فاعلا في تحديد أولويات التنمية.

وعلى هذا الأساس، يتبلور التوجه نحو نقل مركز الثقل من الإدارة المركزية إلى الفضاءات التمثيلية الجديدة، المتمثلة في المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم، وصولا إلى المجلس الوطني للجهات والأقاليم.

ويُمثل هذا التوجه امتدادا لمسار سياسي شامل يسعى إلى إعادة بناء الدولة على أسس مختلفة، تقوم على ما يسميه رئيس الجمهورية قيس سعيد «البناء القاعدي». فالمجالس المنتخبة على المستوى المحلي والجهوي ليست مجرد هياكل تمثيلية، بل منصات فاعلة لصياغة المشاريع التنموية وترجمة المقترحات والأفكار النابعة من المواطنين. وبذلك يتحول التخطيط من مهمة تقنية موكولة إلى الخبراء إلى مسار تشاركي يربط القرار الاقتصادي بواقع الجهات وانتظارات مواطنيها.

الدور الاجتماعي للدولة

دلالات هذا اللقاء لا تتوقف عند حدود المنهجية الجديدة في التخطيط، بل تمتد أيضا إلى طبيعة الدور الذي تسعى الدولة لاستعادته في المجال الاجتماعي. وأكد رئيس الجمهورية قيس سعيد على أهمية الدور المحوري للدولة، خاصة في قطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والنقل والسكن اللائق. فهذه القطاعات لم تتعرض فقط للإهمال، بل لما اعتُبر سياسات أضعفت المرفق العمومي وفتحت المجال أمام تراجع قدرته على أداء دوره الاجتماعي.

ويتضح من تصريحات رئيس الدولة أن المخطط التنموي الجديد يُراد له أن يكون أداة لإعادة الاعتبار للدولة الاجتماعية، القائمة على توفير الخدمات الأساسية وضمان حد أدنى من العدالة في النفاذ إليها. فالتنمية وفق هذا التصور لا تختزل فقط في تحقيق نسب نمو أو مؤشرات اقتصادية جيدة، بل في مدى انعكاس لغة الأرقام على حياة المواطنين وجودة الخدمات المقدمة إليهم.

الحق في العمل بأجر عادل

ويتقاطع الحديث عن الدور الاجتماعي للدولة مع مسألة الحق في العمل في ظروف لائقة وبأجر عادل، وهي مسألة أكد رئيس الجمهورية قيس سعيد أن الجهود ستتواصل من أجل تجسيدها، رغم التحديات والرهانات. فهذه الإشارة تحمل بعدا سياسيا بوصفها تضع مسألة التشغيل والعدالة الاجتماعية في قلب المشروع التنموي المقبل، باعتبارها أحد أبرز التحديات التي تواجه تونس منذ سنوات.

كما تعكس هذه المقاربة قناعة مفادها أن الاستقرار الاقتصادي لا يمكن فصله عن الاستقرار الاجتماعي. فخلق فرص العمل وتحسين ظروف العيش لا يمثلان فقط أهدافا اجتماعية، بل شروطا جوهرية لتعزيز الثقة في المؤسسات ولإعادة تحريك الدورة الاقتصادية. ولذلك، فإن إدراج هذه المسائل ضمن رؤية المخطط التنموي الجديد يندرج في إطار محاولة بناء نموذج تنموي أكثر عدالة وتوازنًا وشمولية.

ولا يقلّ الحديث عن التوزيع العادل للثروة أهمية ضمن الرسائل التي حملها لقاء قرطاج. فتأكيد رئيس الدولة قيس سعيد على أن تونس «تتوفر على كل الثروات» يعكس إدراكا بأن الإشكالية لا تتعلق بنقص الإمكانيات، بل بكيفية إدارتها وتوزيعها. ومن هنا، أشار رئيس الدولة إلى أن الخيارات السابقة قامت في كثير من الأحيان على الحيف أو اختيارات غير عادلة، بل وحتى تنفيذ إملاءات خارجية، ما يفتح نقاشًا حول استقلالية القرار الاقتصادي الوطني.

وفي هذا الاتجاه، تناول رئيس الدولة قيس سعيد مسألة الفساد في عدد من المؤسسات والمنشآت العمومية، وعمليات تخريبها والحطّ من قيمتها تمهيدًا للتفريط فيها بأبخس الأثمان. وهذا الطرح يؤكد التوجه نحو الحفاظ على المؤسسات العمومية وإصلاحها بدل التفريط فيها.

ربط التنمية بحياة المواطن اليومية

الرسالة الأبرز التي حملها لقاء قرطاج هي أن الأرقام والنسب، على أهميتها، يجب أن يشعر بها المواطن في تفاصيل حياته اليومية. فهذه العبارة تختزل فلسفة كاملة في تقييم السياسات الاقتصادية، تقوم على تجاوز المقاربة التي تكتفي بعرض المؤشرات الكلية دون أن يلمس المواطن أثرها في واقعه اليومي.

وبالتالي، يمثل ربط الأرقام بالواقع اليومي للمواطنين محاولة لإعادة توجيه السياسات العامة نحو النتائج الملموسة بعيدا عن سياسة المؤشرات المجردة.

من هذا المنطلق، فإن المخطط التنموي 2026-2030 لا يُراد له أن يكون مجرد وثيقة تقنية تضاف إلى سلسلة المخططات السابقة، بل إطارًا لإعادة صياغة أولويات التنمية في تونس. فوفقا لتصور رئيس الدولة قيس سعيد، المطلوب هو تحقيق تنمية تنطلق من الجهات، تستند إلى مشاركة المواطنين، وتضع العدالة الاجتماعية في قلب معادلتها.

ونجاح هذه المقاربة مرتبط بمدى قدرة مختلف الهياكل والمؤسسات على تحويل هذه المبادئ إلى سياسات عملية وبرامج قابلة للتنفيذ، إذ يكمن التحدي الفعلي ليس فقط في صياغة رؤية جديدة، بل في توفير الآليات الكفيلة بتجسيدها على أرض الواقع.

أهمية الكفاءة في نجاح السياسات

ويشدد رئيس الجمهورية قيس سعيد على أهمية أن يعي صُنّاع القرار طبيعة المرحلة الراهنة، بما تفرضه من تحديات دقيقة ومسؤوليات جسيمة، وهو ما يستلزم وجود مسؤولين أكفاء قادرين على ترجمة التوجّهات الكبرى للدولة إلى سياسات عملية وبرامج قابلة للتنفيذ. فنجاح أي مخطط تنموي رهين مدى قدرة الهياكل المشرفة على تنفيذه على تحويل تلك الرؤى إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

ومن هذا المنطلق، يظل عامل الكفاءة والقدرة على حسن التصرف في الموارد والإمكانيات المتاحة أحد المفاتيح الأساسية لإنجاح المرحلة القادمة، خاصة في ظل ما تتطلبه من سرعة الإنجاز ونجاعة الأداء بما يحقق الأهداف ويعزز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة وقدرتها على الاستجابة لتطلعاته.

رؤية شاملة للتنمية

يعكس هذا اللقاء ملامح مرحلة تسعى فيها الدولة إلى إعادة ترتيب أولوياتها التنموية، وبناء مقاربة مختلفة في إدارة الشأن الاقتصادي والاجتماعي. فبين استعادة الدور الاجتماعي للدولة، وتعزيز مشاركة المواطنين في تحديد المشاريع، والسعي إلى توزيع أكثر عدلا للثروة، تتشكل ملامح رؤية يراهن عليها رئيس الدولة قيس سعيد، ترى أن التنمية ليست مجرد أرقام تُعلن، بل واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية.

وبذلك، يمثل المخطط التنموي القادم اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة على الانتقال من منطق التخطيط المركزي التقليدي إلى منطق تنموي أكثر تشاركية وعدالة. وإذا نجحت هذه المقاربة في ترجمة تطلعات المواطنين إلى مشاريع فعلية، فإنها قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة يكون فيها التخطيط الاقتصادي أداة فعالة لتحقيق التوازن بين الجهات، وتعزيز الثقة في الدولة وفي جميع مؤسساتها وهياكلها.

وفي هذا السياق، يتضح أن المخطط التنموي 2026-2030 ليس مجرد وثيقة إدارية أو تقنية، بل إطار شامل لتفعيل التنمية على أرض الواقع، بحيث تكون القرارات الاقتصادية والاجتماعية متجاوبة مع حاجيات المواطنين، ويشعر كل مواطن بنتائج هذه السياسات في حياته اليومية.

ومن هنا، يظل التحدي الأكبر قائما في قدرة مختلف الهياكل والمؤسسات على تحويل الرؤى والخطط إلى مشاريع قابلة للتنفيذ، وضمان أن تُترجم الأرقام والمؤشرات الاقتصادية إلى خدمات ملموسة وجودة حياة أفضل للمواطنين، وهو ما يعكس الالتزام الجاد للدولة بقيادة رئيس الجمهورية قيس سعيد نحو نموذج تنموي متوازن، عادل وفاعل.

منال حرزي