إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تساهم بـ1,08 بالمائة من إجمالي نسبة النمو المسجلة.. الفلاحة تدفع عجلة النمو في تونس وتكرّس موقعها كرافعة أساسية للاقتصاد الوطني

يشهد قطاع الفلاحة في تونس خلال السنوات الأخيرة ديناميكية لافتة تعكس تحوّلًا نوعيًا في نسق الاستثمارات الموجّهة إليه، فقد برزت مؤشرات واضحة على ارتفاع حجم المشاريع الفلاحية الجديدة وتوسّع الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي، بما يعزّز مكانته كأحد الأعمدة الاستراتيجية للاقتصاد الوطني.

ويأتي هذا التطوّر في سياق بحث البلاد عن تحقيق أمنها الغذائي وتحسين ميزانها التجاري ودعم قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية. وتشير المعطيات الأولية إلى أنّ نسق إحداث المشاريع الفلاحية شهد تسارعًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات الماضية، مدفوعًا بجملة من الحوافز التشريعية والمالية، إضافة إلى توجّه متزايد نحو اعتماد التقنيات الحديثة في الإنتاج.

كما ساهمت برامج الدعم والتشجيع على الاستثمار في استقطاب فئات جديدة من المستثمرين، لاسيما من فئة الشباب وحاملي الشهائد العليا الذين وجدوا في الفلاحة مجالًا واعدًا لريادة الأعمال وخلق القيمة المضافة. ولا يقتصر هذا الحراك الاستثماري على المناطق التقليدية للإنتاج، بل امتدّ ليشمل جهات داخلية، بما يعزّز الرهانات التنموية المرتبطة بالعدالة المجالية وتقليص الفوارق الجهوية.

كما برز اهتمام متزايد بالزراعات البيولوجية والمنتجات ذات القيمة التصديرية العالية، في ظل الطلب المتنامي على المنتجات الصحية والمستدامة في الأسواق العالمية.

إنّ هذا التطور في نسق الاستثمارات الفلاحية يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة هيكلة القطاع، قوامها الابتكار والنجاعة والاستدامة، ويطرح في الآن ذاته تحديات تتعلّق بتمويل المشاريع، والتأقلم مع التغيرات المناخية، وضمان استدامة الموارد المائية.

كما كشفت معطيات حديثة نشرها المعهد الوطني للإحصاء أنّ الأنشطة الفلاحية في تونس واصلت خلال الثلاثي الرابع من سنة 2025 منحاها التصاعدي، مسجّلة تحسّنًا متواصلًا في نسق النمو يعكس تعافيًا فعليًا للقطاع بعد فترات من التذبذب. فقد تطوّرت القيمة المضافة للأنشطة الفلاحية بنسبة 12,3 بالمائة بحساب الانزلاق السنوي، وهو تطوّر لافت يعكس تحسّن مردودية الإنتاج وارتفاع نسق الاستثمارات، إلى جانب تحسّن نسبي في الظروف المناخية مقارنة بالمواسم السابقة.

أداء إيجابي

ولم يقتصر أثر هذا الأداء الإيجابي على القطاع في حدّ ذاته، بل امتدّ ليشكّل رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي الوطني، إذ قُدّرت مساهمة القطاع الفلاحي بـ1,08 بالمائة من إجمالي نسبة النمو المسجّلة للناتج المحلي الإجمالي البالغة 2,7 بالمائة خلال الفترة ذاتها، ما يؤكد الدور المحوري الذي باتت تضطلع به الفلاحة في دعم التوازنات الاقتصادية وتعزيز نسق التعافي.

وتعكس هذه الأرقام ديناميكية جديدة داخل المنظومة الفلاحية، قوامها توسّع الإنتاج في عدد من الشعب الاستراتيجية، وتنامي الإقبال على التقنيات الحديثة، فضلًا عن تحسّن مؤشرات التصدير، بما يعزّز موقع القطاع كأحد أبرز محرّكات النمو في الظرف الاقتصادي الراهن.

وفي هذا السياق، أظهر تقرير صادر عن المرصد الوطني للفلاحة بشأن نتائج الاستثمار الخاص في قطاعي الفلاحة والصيد البحري إلى موفى سنة 2025 تسجيل تطوّر ملحوظ في نسق الاستثمارات، بما يعكس ديناميكية متنامية داخل هذا القطاع الحيوي.

ارتفاع الاستثمارات

فقد سجّلت قيمة الاستثمارات المصادق عليها ارتفاعًا بنسبة 15 بالمائة مقارنة بسنة 2024، لتبلغ 547,991 مليون دينار، وهو تطوّر يعكس تنامي إقبال المستثمرين الخواص على المشاريع الفلاحية والبحرية في ظل التحولات الاقتصادية والرهانات المرتبطة بالأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية.

ويأتي هذا النمو في سياق وطني يتسم بالسعي إلى تعزيز الإنتاجية، ودعم سلاسل القيمة، وتكثيف الاستثمارات الموجّهة نحو التجديد التكنولوجي والطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق، بما من شأنه أن يعزّز القدرة التنافسية للمنتجات الفلاحية والبحرية في الأسواق الداخلية والخارجية على حد سواء. كما تبرز هذه النتائج أهمية السياسات التحفيزية والإصلاحات الهيكلية التي استهدفت تحسين مناخ الأعمال وتبسيط الإجراءات، وهو ما يفتح المجال أمام قراءة أعمق لدلالات هذه الأرقام وانعكاساتها على النمو الاقتصادي والتشغيل والتنمية الجهوية خلال المرحلة المقبلة.

تنامي دور التمويل البنكي  في دعم الاستثمار الفلاحي

كما كشفت المعطيات المسجّلة عن تحولات لافتة في تركيبة الموارد المعتمدة، بما يعكس تغيرًا في سلوك المستثمرين ومصادر تمويلهم. فقد شهدت الاعتمادات المتأتية من القروض ارتفاعًا ملحوظًا بنسبة 40 بالمائة، لتصل إلى 155,734 مليون دينار، وهو ما يؤكد تنامي دور التمويل البنكي في دعم الاستثمار الفلاحي وتعزيز قدرة أصحاب المشاريع على تعبئة موارد إضافية لتمويل توسعاتهم أو إطلاق مشاريع جديدة.

ويعكس هذا المنحى أيضًا مؤشرات على تحسّن نسبي في ثقة المؤسسات المالية في جدوى المشاريع الفلاحية والبحرية وفي قدرتها على تحقيق مردودية مستدامة.

وفي المقابل، واصل التمويل الذاتي تسجيل نسق تصاعدي بنسبة 16 بالمائة، لتبلغ قيمته 259,336 مليون دينار، ما يدل على استمرار اعتماد المستثمرين على مواردهم الخاصة وتعزيز مساهمتهم الذاتية في هيكلة مشاريعهم، بما يعكس درجة من الجدية والالتزام طويل المدى.

غير أن منح الاستثمار المسندة للمشاريع شهدت تراجعًا بنسبة 7 بالمائة، لتستقر عند 132,919 مليون دينار، وهو ما قد يعكس إعادة توجيه في سياسات الدعم العمومي أو تشددًا في شروط الإسناد، الأمر الذي من شأنه أن يفرض توازنًا جديدًا بين التمويل العمومي والتمويل الخاص في المرحلة المقبلة، ويعيد رسم ملامح معادلة تمويل الاستثمار في القطاع الفلاحي.

وسجّل مؤشر الاستثمار الأجنبي بدوره منحًى تصاعديًا خلال سنة 2025، إذ بلغت قيمته 20,946 مليون دينار مقابل 7,997 مليون دينار في سنة 2024، وهو تطوّر يعكس تحسّنًا ملموسًا في جاذبية قطاعي الفلاحة والصيد البحري لدى المستثمرين الأجانب، ويؤكد تنامي الثقة في آفاقه الإنتاجية والتصديرية.

ويأتي هذا الارتفاع في سياق مساعٍ متواصلة لتعزيز انفتاح القطاع على الشراكات الدولية واستقطاب رؤوس الأموال الخارجية، بما يسهم في نقل التكنولوجيا وتطوير أساليب الإنتاج ورفع القدرة التنافسية.

إحداث 3015 موطن شغل خلال سنة 2025

وقد أفضت هذه الاستثمارات، التي تمت المصادقة عليها عبر وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية، إلى إحداث 3015 موطن شغل خلال سنة 2025، ما يعزّز مكانة القطاع كرافعة أساسية للتشغيل، خاصة في الجهات الداخلية، ويدعم دوره في تحقيق تنمية جهوية أكثر توازنًا.

وتؤشر هذه النتائج إلى أن الاستثمار الأجنبي بات يشكّل عنصرًا داعمًا لديناميكية القطاع، سواء من حيث ضخ التمويلات أو من حيث خلق فرص العمل وتحريك الدورة الاقتصادية على المستوى المحلي.

الحكومة ودعم القطاع الفلاحي

تعمل الحكومة، بالتنسيق مع مختلف هياكل ووكالات دعم القطاع الفلاحي، على إرساء منظومة متكاملة من آليات المساندة لفائدة هذا القطاع الاستراتيجي، وذلك بهدف مساعدته على مجابهة الضغوط الاقتصادية والتقلبات المناخية المتزايدة، وضمان استدامة الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي، إلى جانب دفع نسق الاستثمار وتعزيز مساهمته في النمو.

ويعكس هذا التوجه إدراكًا رسميًا لأهمية الفلاحة والصيد البحري في دعم التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الجهات الداخلية.

وتتنوع صيغ الدعم المعتمدة، حيث تشمل بالأساس تمكين الفلاحين، ولا سيما صغار المنتجين، من حوافز وتمويلات مالية تساعدهم على اقتناء مستلزمات الإنتاج وتطوير وسائل العمل وتحسين الإنتاجية.

كما تحظى مشاريع رائدات الأعمال في المجال الفلاحي ببرامج إسناد خصوصية تشجع على بعث المبادرات النسائية وتعزيز حضور المرأة في الدورة الاقتصادية.

ويُضاف إلى ذلك إسناد منح استثمار لفائدة مشاريع الفلاحة والصيد البحري قد تغطي نسبًا هامة من الكلفة الجملية في عديد الحالات، فضلًا عن جملة من الامتيازات الإضافية الموجّهة للمناطق ذات الأولوية، بما يكرّس مبدأ التمييز الإيجابي ويدعم التنمية الجهوية المتوازنة.

ويُعدّ القطاع الفلاحي في تونس ركيزة أساسية ضمن النسيج الاقتصادي الوطني، إذ يضطلع بدور محوري في دفع النمو وتوفير مواطن الشغل، حيث يستقطب نحو 13,4 بالمائة من اليد العاملة ويساهم بحوالي 12 بالمائة في الناتج المحلي الإجمالي.

ولا تقتصر أهميته على البعد الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى ضمان التزويد المنتظم بالمواد الغذائية وتعزيز الأمن الغذائي، فضلًا عن دعم الصادرات الفلاحية التي تمكّن من تغطية جزء هام من واردات الغذاء وتخفيف الضغط على الميزان التجاري.

غير أن هذا القطاع الحيوي يواجه تحديات هيكلية متشابكة، على غرار عديد بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط والمنطقة العربية، من أبرزها محدودية الموارد المائية وتفاقم تداعيات التغيرات المناخية، بما يفرض تسريع وتيرة الإصلاحات واعتماد مقاربات إنتاج أكثر استدامة.

وتتركز الأنشطة الفلاحية أساسًا في الزراعات الكبرى وإنتاج الخضروات والأشجار المثمرة، مع حضور بارز لزراعة الزيتون التي تستأثر بنسبة هامة من المساحات الفلاحية وتشكل أحد أعمدة الإنتاج والتصدير في البلاد.

جهاد الكلبوسي

تساهم بـ1,08 بالمائة من إجمالي نسبة النمو المسجلة..   الفلاحة تدفع عجلة النمو في تونس وتكرّس موقعها كرافعة أساسية للاقتصاد الوطني

يشهد قطاع الفلاحة في تونس خلال السنوات الأخيرة ديناميكية لافتة تعكس تحوّلًا نوعيًا في نسق الاستثمارات الموجّهة إليه، فقد برزت مؤشرات واضحة على ارتفاع حجم المشاريع الفلاحية الجديدة وتوسّع الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي، بما يعزّز مكانته كأحد الأعمدة الاستراتيجية للاقتصاد الوطني.

ويأتي هذا التطوّر في سياق بحث البلاد عن تحقيق أمنها الغذائي وتحسين ميزانها التجاري ودعم قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية. وتشير المعطيات الأولية إلى أنّ نسق إحداث المشاريع الفلاحية شهد تسارعًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات الماضية، مدفوعًا بجملة من الحوافز التشريعية والمالية، إضافة إلى توجّه متزايد نحو اعتماد التقنيات الحديثة في الإنتاج.

كما ساهمت برامج الدعم والتشجيع على الاستثمار في استقطاب فئات جديدة من المستثمرين، لاسيما من فئة الشباب وحاملي الشهائد العليا الذين وجدوا في الفلاحة مجالًا واعدًا لريادة الأعمال وخلق القيمة المضافة. ولا يقتصر هذا الحراك الاستثماري على المناطق التقليدية للإنتاج، بل امتدّ ليشمل جهات داخلية، بما يعزّز الرهانات التنموية المرتبطة بالعدالة المجالية وتقليص الفوارق الجهوية.

كما برز اهتمام متزايد بالزراعات البيولوجية والمنتجات ذات القيمة التصديرية العالية، في ظل الطلب المتنامي على المنتجات الصحية والمستدامة في الأسواق العالمية.

إنّ هذا التطور في نسق الاستثمارات الفلاحية يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة هيكلة القطاع، قوامها الابتكار والنجاعة والاستدامة، ويطرح في الآن ذاته تحديات تتعلّق بتمويل المشاريع، والتأقلم مع التغيرات المناخية، وضمان استدامة الموارد المائية.

كما كشفت معطيات حديثة نشرها المعهد الوطني للإحصاء أنّ الأنشطة الفلاحية في تونس واصلت خلال الثلاثي الرابع من سنة 2025 منحاها التصاعدي، مسجّلة تحسّنًا متواصلًا في نسق النمو يعكس تعافيًا فعليًا للقطاع بعد فترات من التذبذب. فقد تطوّرت القيمة المضافة للأنشطة الفلاحية بنسبة 12,3 بالمائة بحساب الانزلاق السنوي، وهو تطوّر لافت يعكس تحسّن مردودية الإنتاج وارتفاع نسق الاستثمارات، إلى جانب تحسّن نسبي في الظروف المناخية مقارنة بالمواسم السابقة.

أداء إيجابي

ولم يقتصر أثر هذا الأداء الإيجابي على القطاع في حدّ ذاته، بل امتدّ ليشكّل رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي الوطني، إذ قُدّرت مساهمة القطاع الفلاحي بـ1,08 بالمائة من إجمالي نسبة النمو المسجّلة للناتج المحلي الإجمالي البالغة 2,7 بالمائة خلال الفترة ذاتها، ما يؤكد الدور المحوري الذي باتت تضطلع به الفلاحة في دعم التوازنات الاقتصادية وتعزيز نسق التعافي.

وتعكس هذه الأرقام ديناميكية جديدة داخل المنظومة الفلاحية، قوامها توسّع الإنتاج في عدد من الشعب الاستراتيجية، وتنامي الإقبال على التقنيات الحديثة، فضلًا عن تحسّن مؤشرات التصدير، بما يعزّز موقع القطاع كأحد أبرز محرّكات النمو في الظرف الاقتصادي الراهن.

وفي هذا السياق، أظهر تقرير صادر عن المرصد الوطني للفلاحة بشأن نتائج الاستثمار الخاص في قطاعي الفلاحة والصيد البحري إلى موفى سنة 2025 تسجيل تطوّر ملحوظ في نسق الاستثمارات، بما يعكس ديناميكية متنامية داخل هذا القطاع الحيوي.

ارتفاع الاستثمارات

فقد سجّلت قيمة الاستثمارات المصادق عليها ارتفاعًا بنسبة 15 بالمائة مقارنة بسنة 2024، لتبلغ 547,991 مليون دينار، وهو تطوّر يعكس تنامي إقبال المستثمرين الخواص على المشاريع الفلاحية والبحرية في ظل التحولات الاقتصادية والرهانات المرتبطة بالأمن الغذائي واستدامة الموارد الطبيعية.

ويأتي هذا النمو في سياق وطني يتسم بالسعي إلى تعزيز الإنتاجية، ودعم سلاسل القيمة، وتكثيف الاستثمارات الموجّهة نحو التجديد التكنولوجي والطاقات المتجددة والاقتصاد الأزرق، بما من شأنه أن يعزّز القدرة التنافسية للمنتجات الفلاحية والبحرية في الأسواق الداخلية والخارجية على حد سواء. كما تبرز هذه النتائج أهمية السياسات التحفيزية والإصلاحات الهيكلية التي استهدفت تحسين مناخ الأعمال وتبسيط الإجراءات، وهو ما يفتح المجال أمام قراءة أعمق لدلالات هذه الأرقام وانعكاساتها على النمو الاقتصادي والتشغيل والتنمية الجهوية خلال المرحلة المقبلة.

تنامي دور التمويل البنكي  في دعم الاستثمار الفلاحي

كما كشفت المعطيات المسجّلة عن تحولات لافتة في تركيبة الموارد المعتمدة، بما يعكس تغيرًا في سلوك المستثمرين ومصادر تمويلهم. فقد شهدت الاعتمادات المتأتية من القروض ارتفاعًا ملحوظًا بنسبة 40 بالمائة، لتصل إلى 155,734 مليون دينار، وهو ما يؤكد تنامي دور التمويل البنكي في دعم الاستثمار الفلاحي وتعزيز قدرة أصحاب المشاريع على تعبئة موارد إضافية لتمويل توسعاتهم أو إطلاق مشاريع جديدة.

ويعكس هذا المنحى أيضًا مؤشرات على تحسّن نسبي في ثقة المؤسسات المالية في جدوى المشاريع الفلاحية والبحرية وفي قدرتها على تحقيق مردودية مستدامة.

وفي المقابل، واصل التمويل الذاتي تسجيل نسق تصاعدي بنسبة 16 بالمائة، لتبلغ قيمته 259,336 مليون دينار، ما يدل على استمرار اعتماد المستثمرين على مواردهم الخاصة وتعزيز مساهمتهم الذاتية في هيكلة مشاريعهم، بما يعكس درجة من الجدية والالتزام طويل المدى.

غير أن منح الاستثمار المسندة للمشاريع شهدت تراجعًا بنسبة 7 بالمائة، لتستقر عند 132,919 مليون دينار، وهو ما قد يعكس إعادة توجيه في سياسات الدعم العمومي أو تشددًا في شروط الإسناد، الأمر الذي من شأنه أن يفرض توازنًا جديدًا بين التمويل العمومي والتمويل الخاص في المرحلة المقبلة، ويعيد رسم ملامح معادلة تمويل الاستثمار في القطاع الفلاحي.

وسجّل مؤشر الاستثمار الأجنبي بدوره منحًى تصاعديًا خلال سنة 2025، إذ بلغت قيمته 20,946 مليون دينار مقابل 7,997 مليون دينار في سنة 2024، وهو تطوّر يعكس تحسّنًا ملموسًا في جاذبية قطاعي الفلاحة والصيد البحري لدى المستثمرين الأجانب، ويؤكد تنامي الثقة في آفاقه الإنتاجية والتصديرية.

ويأتي هذا الارتفاع في سياق مساعٍ متواصلة لتعزيز انفتاح القطاع على الشراكات الدولية واستقطاب رؤوس الأموال الخارجية، بما يسهم في نقل التكنولوجيا وتطوير أساليب الإنتاج ورفع القدرة التنافسية.

إحداث 3015 موطن شغل خلال سنة 2025

وقد أفضت هذه الاستثمارات، التي تمت المصادقة عليها عبر وكالة النهوض بالاستثمارات الفلاحية، إلى إحداث 3015 موطن شغل خلال سنة 2025، ما يعزّز مكانة القطاع كرافعة أساسية للتشغيل، خاصة في الجهات الداخلية، ويدعم دوره في تحقيق تنمية جهوية أكثر توازنًا.

وتؤشر هذه النتائج إلى أن الاستثمار الأجنبي بات يشكّل عنصرًا داعمًا لديناميكية القطاع، سواء من حيث ضخ التمويلات أو من حيث خلق فرص العمل وتحريك الدورة الاقتصادية على المستوى المحلي.

الحكومة ودعم القطاع الفلاحي

تعمل الحكومة، بالتنسيق مع مختلف هياكل ووكالات دعم القطاع الفلاحي، على إرساء منظومة متكاملة من آليات المساندة لفائدة هذا القطاع الاستراتيجي، وذلك بهدف مساعدته على مجابهة الضغوط الاقتصادية والتقلبات المناخية المتزايدة، وضمان استدامة الإنتاج وتحقيق الأمن الغذائي، إلى جانب دفع نسق الاستثمار وتعزيز مساهمته في النمو.

ويعكس هذا التوجه إدراكًا رسميًا لأهمية الفلاحة والصيد البحري في دعم التوازنات الاقتصادية والاجتماعية، خاصة في الجهات الداخلية.

وتتنوع صيغ الدعم المعتمدة، حيث تشمل بالأساس تمكين الفلاحين، ولا سيما صغار المنتجين، من حوافز وتمويلات مالية تساعدهم على اقتناء مستلزمات الإنتاج وتطوير وسائل العمل وتحسين الإنتاجية.

كما تحظى مشاريع رائدات الأعمال في المجال الفلاحي ببرامج إسناد خصوصية تشجع على بعث المبادرات النسائية وتعزيز حضور المرأة في الدورة الاقتصادية.

ويُضاف إلى ذلك إسناد منح استثمار لفائدة مشاريع الفلاحة والصيد البحري قد تغطي نسبًا هامة من الكلفة الجملية في عديد الحالات، فضلًا عن جملة من الامتيازات الإضافية الموجّهة للمناطق ذات الأولوية، بما يكرّس مبدأ التمييز الإيجابي ويدعم التنمية الجهوية المتوازنة.

ويُعدّ القطاع الفلاحي في تونس ركيزة أساسية ضمن النسيج الاقتصادي الوطني، إذ يضطلع بدور محوري في دفع النمو وتوفير مواطن الشغل، حيث يستقطب نحو 13,4 بالمائة من اليد العاملة ويساهم بحوالي 12 بالمائة في الناتج المحلي الإجمالي.

ولا تقتصر أهميته على البعد الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى ضمان التزويد المنتظم بالمواد الغذائية وتعزيز الأمن الغذائي، فضلًا عن دعم الصادرات الفلاحية التي تمكّن من تغطية جزء هام من واردات الغذاء وتخفيف الضغط على الميزان التجاري.

غير أن هذا القطاع الحيوي يواجه تحديات هيكلية متشابكة، على غرار عديد بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط والمنطقة العربية، من أبرزها محدودية الموارد المائية وتفاقم تداعيات التغيرات المناخية، بما يفرض تسريع وتيرة الإصلاحات واعتماد مقاربات إنتاج أكثر استدامة.

وتتركز الأنشطة الفلاحية أساسًا في الزراعات الكبرى وإنتاج الخضروات والأشجار المثمرة، مع حضور بارز لزراعة الزيتون التي تستأثر بنسبة هامة من المساحات الفلاحية وتشكل أحد أعمدة الإنتاج والتصدير في البلاد.

جهاد الكلبوسي