يتقدم اليوم ملف التشغيل كواجهة أولويات الوطنية، كعنوان رئيسي لمرحلة تحرص فيها الدولة، في أعلى هرمها، على استعادة سيادة قرارها الاجتماعي من خلال إعادة الاعتبار لمبدأ «الحق في التشغيل» بوصفه ضمانة للكرامة الوطنية وأحد الركائز الأساسية لتدعيم الاستقرار والسلم الاجتماعي. ليتجاوز التشغيل، وفقا لهذه المقاربة، كونه مجرد بند ضمن السياسات العمومية ويصبح مؤشرا لمدى نجاعة الخيارات الاقتصادية ومصداقية الوعود السياسية، وقدرة الدولة على تحويل الخطاب إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، يبرز رهان رئيس الجمهورية قيس سعيد على جعل الحق في الشغل محور مقاربته للإصلاح، انطلاقا من قناعة راسخة مفادها أن الاستقرار بمفهومه الشامل لا يمكن أن يحقق النتائج المرجوة دون استقرار اجتماعي، وأن هذا الأخير يظل رهينا بإدماج فعلي للشباب في الدورة الاقتصادية، وتمكينهم من فرص عمل تحفظ كرامتهم وتعزز انتماءهم الوطني، وهو ما يراهن عليه رئيس الدولة قيس سعيد بشدة، على اعتبار أن الشباب من وجهة نظره هم وقود التغيير المنتظر.
ومن هذا المنطلق، تتنزل قرارات فتح المناظرات في قطاعات حيوية مؤخرا، إلى جانب الدفع نحو إعادة تشغيل عدد من المصانع ورفع الطاقة الإنتاجية أو إحداث وحدات إنتاجية جديدة ضمن رؤية أشمل تسعى إلى تحريك عجلة الاقتصاد الوطني، وتقليص نسب البطالة، وترسيخ منوال تنموي أكثر عدلا وتوازنا بين مختلف الجهات، لاسيما أن فتح مصانع جديدة من شأنه أن يخلق مئات فرص العمل ويحقق العدالة الاجتماعية المنشودة.
«جمهورية العمل»
بين فتح أبواب المناظرات الكبرى في القطاع العام، وإعادة الروح إلى المنشآت الصناعية المعطلة، يرسم رئيس الدولة قيس سعيد ملامح «جمهورية العمل» التي تقطع مع سياسات التهميش والوعود الزائفة، لتضع الشباب التونسي أمام واقع طال انتظاره، يقوم على الشفافية والقدرة الإنتاجية العالية. خاصة أن رئيس الدولة قيس سعيد لطالما جدد في معرض لقاءاته الرسمية مراهنته على الشباب باعتباره المحرك الأساسي للتغيير والتنمية، مؤكدًا أن البلاد اليوم في أمس الحاجة إلى طاقاتهم وإبداعاتهم، وأن الاستثمار في الشباب ليس خيارًا ثانويًا، وإنما هو استثمار في مستقبل تونس بأكملها عبر بناء جيل قادر على الابتكار وتحمل المسؤولية والمساهمة الفعلية في صناعة التنمية الوطنية المستدامة.
رافعة لديناميكية جديدة
في هذا الخصوص، فإن مقاربة رئيس الجمهورية قيس سعيد لاستراتيجية التشغيل والنهوض به تفرض التعاطي معها ضمن إطارها الشامل؛ حيث أصبح التشغيل مدخلًا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن ورافعة لإطلاق ديناميكية اقتصادية جديدة تعيد الاعتبار لقيمة العمل كركيزة للكرامة والسيادة الوطنية.
فقد أكد رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة على ان الحق في التشغيل يتجاوز كونه مجرد شعار دستوري مدرج في النصوص، وإنما هو التزام سياسي وأخلاقي يفرض على الدولة إعادة ترتيب أولوياتها وتوجيه سياساتها العمومية نحو خلق الثروة وتوزيعها على أسس العدل والإنصاف.
وفي هذا السياق، برزت جملة من الآليات والإجراءات التي تدفع نحو إحداث نقلة نوعية في سوق الشغل وتحقيق تنمية اقتصادية متوازنة، من بينها فتح مناظرات في قطاعات حيوية على غرار وزارة التربية، وزارة الفلاحة، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وزارة الدفاع وغيرها من المنشآت والهياكل العمومية.
وفي هذا الاتجاه، يمثل الإعلان عن فتح هذه المناظرات في قطاعات عدة إشارة سياسية ذات دلالات عديدة؛ فمن جهة، هو استجابة لحاجيات فعلية لهذه القطاعات التي تعاني نقصا في الموارد البشرية، ومن جهة أخرى هو رسالة طمأنة للشباب مفادها أن الدولة لا تزال قادرة على الانتداب وفق معايير الشفافية والاستحقاق، لاسيما وأن الإدارة قد عرفت خلال السنوات الماضية حالة من الجمود في الانتدابات بفعل الضغوطات المالية ومقتضيات التوازنات الكبرى. غير أن إعادة فتح باب المناظرات من جديد يعكس إرادة سياسية في ضخ دماء جديدة داخل المرفق العمومي وتحسين جودة الخدمات. كما أن هذه الخطوة تعزز الثقة في مؤسسات الدولة باعتبارها قادرة على تنظيم مناظرات شفافة تكرّس مبدأ تكافؤ الفرص.
إلى جانب المناظرات، يبرز محور آخر في مقاربة رئيس الجمهورية قيس سعيد يتمثل في فتح العديد من المصانع، لاسيما في مجال مكونات السيارات أو السيارات الكهربائية. وهذه الخطوة تحمل في طياتها تحولا من منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج، ومن اقتصاد الريع إلى اقتصاد القيمة المضافة.
على اعتبار أن فتح المصانع لا يعني فقط توفير مواطن شغل مباشرة، بل يخلق ديناميكية اقتصادية تمتد آثارها إلى قطاعات النقل والخدمات والتجارة. كما أن إعادة بعث بعض الوحدات الصناعية في الجهات الداخلية يندرج ضمن سياسة تقليص الفوارق الجهوية عبر خلق أقطاب تنموية خارج المدن الكبرى.
التشغيل خيار سياسي
ضمن هذا التوجه، يطرح رئيس الجمهورية قيس سعيد مقاربة تنطلق من تصور شامل يرتكز على أن التشغيل هو خيار سياسي يتطلب إصلاحًا هيكليًا في الإدارة، ومراجعة للمنوال التنموي، وتحريرا للمبادرة الاقتصادية من العراقيل البيروقراطية.
بما يؤشر إلى توجه واضح نحو إعادة الاعتبار لدور الدولة الاجتماعي عبر توجيه السياسات العمومية نحو القطاعات المنتجة، وتحفيز المؤسسات العمومية والخاصة على خلق مواطن شغل فعلية.
بين المناظرات ووحدات الإنتاج الجديدة، يطرح التوجه الاستراتيجي لرئيس الدولة قيس سعيد نحو تجسيم أحد أهم شعارات الثورة، وهو التشغيل. فكل مصنع يُعاد إلى النشاط أو وحدة إنتاج جديدة أو مناظرة تفتح، هو رسالة واضحة مفادها أن الدولة ملتزمة بتحويل الحقوق الدستورية، وعلى رأسها الحق في العمل، إلى واقع ملموس. بما من شأنه أن يعزز من قدرة الشباب على المشاركة الفعلية في الدورة الاقتصادية، ويكرّس مبدأ أن التنمية لا تتحقق إلا بإشراك المواطنين، لا سيما فئة الشباب، في صياغة مستقبلهم، وذلك في انسجام تام مع روح الثورة التي رفعت شعار الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
الشركات الأهلية.. نموذج تنموي بديل
من جانب آخر، لا يمكن قراءة هذه التحركات بمعزل عن فلسفة «الشركات الأهلية» التي يطرحها رئيس الدولة قيس سعيد كنموذج تنموي بديل. فهذا المسار يهدف إلى جعل التشغيل نتاجًا لمبادرة جماعية محلية، حيث يصبح العاطلون عن العمل أنفسهم مالكين لوسائل الإنتاج ومساهمين في تنمية مناطقهم. وهذا الربط الوثيق بين التشغيل والتنمية القاعدية من شأنه أن يقلص الفوارق بين الجهات ويخلق طاقة تشغيلية عالية نابعة من صلب الاحتياجات المحلية، مما يجعل من المقاربة التشغيلية الحالية مقاربة شاملة تجمع بين القطاع العام والقطاع الخاص، والمبادرة الأهلية المنظمة، وهي أضلع المثلث الذي يسعى رئيس الدولة قيس سعيد من خلاله لترسيخ أسس «جمهورية العمل» المنشودة.
من جهة أخرى، لا يمكن قراءة سياسة التشغيل بمعزل عن السياق الاقتصادي العام الذي تمر به البلاد. فالتوازنات المالية والشروط التي تقدمها المؤسسات المالية الدولية، كلها عوامل تؤثر في هامش التحرك المتاح للدولة. ومع ذلك، فإن ما يميز الخطاب الرئاسي في مجال التشغيل هو التأكيد على أولوية القرار الوطني، وعلى ضرورة البحث عن حلول تنبع من الداخل قبل الارتهان للخارج.
وهذا التوجه الذي يطرحه بشدة رئيس الدولة قيس سعيد يعكس رغبة في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد، بحيث تصبح السيادة الاقتصادية جزءا من السيادة الوطنية. غير أن ترجمة هذا الطموح إلى نتائج ملموسة يقتضي إصلاحات عميقة في مناخ الأعمال، وفي المنظومة الجبائية، وفي آليات التصرف في المؤسسات العمومية، وهو ما يسعى رئيس الدولة قيس سعيد إلى بلورته عبر إطلاق سلسلة من الإجراءات الإصلاحية الهادفة إلى تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الشفافية، وتوفير مناخ استثماري محفّز للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مع إعادة هيكلة المؤسسات العمومية بما يرفع من كفاءتها الإنتاجية ويضمن استدامة فرص الشغل. كما يولي رئيس الدولة قيس سعيد أهمية كبرى لتوجيه السياسات نحو القطاعات الواعدة التي تخلق قيمة مضافة حقيقية، وتفتح آفاقًا جديدة للشباب، ليصبح الحق في العمل قاعدة ثابتة لمسار التنمية الوطنية المستدامة.
الحق في التشغيل واقع
في هذا الخضم، يبرز ملف التشغيل في رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيد - انطلاقا من لقاءاته الأخيرة - مع وزير التشغيل كعنوان لرهان أكبر: إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، عبر جعل الحق في الشغل واقعًا ملموسًا. ومن خلال فتح المناظرات، وإعادة تشغيل المصانع، وخلق فرص عمل مستدامة، يرسّخ رئيس الجمهورية قيس سعيد رؤية قائمة على الشفافية، والكفاءة، والمساواة في الفرص، ليصبح التشغيل رافعة أساسية لاستقرار البلاد وازدهارها. وبالتالي، تفتح هذه السياسات العمومية المتوخاة آفاقا واعدة أمام الشباب التونسي، لتكون لديهم القدرة على بناء مستقبلهم داخل وطنهم، ولتتجسد أحلام الثورة في واقع ملموس يحمل الأمل بمستقبل أفضل للجميع.
وبالتالي يظهر جليًا أن الرهان على التشغيل كما يطرحه رئيس الدولة قيس سعيد هو رهان على «التونسي» كرأس مال بشري وككفاءة عالية تزخر بها البلاد. فالتحديات الاقتصادية والضغوطات المالية، رغم جسامتها، لم تمنع الدولة من المضي قدمًا في سياسة الانتداب المبني على الاستحقاق وإعادة تشغيل المحركات الإنتاجية المعطلة.
وقد تبدو معركة البناء طويلة المدى، باعتبارها تستهدف في عمقها إحداث تحول نوعي ينقل تونس من بلد يصدّر كفاءاته إلى الخارج إلى وطن يحتضن أبناءه، ويفتح أمامهم ورشات العمل والإنتاج والإعمار، بما يطرح معركة ترسيخ اقتصاد قادر على استيعاب طاقاته البشرية وتثمينها. وفي هذا المسار، يتأكد أن الكرامة الوطنية لا تُختزل في الشعارات، بل تنطلق فعليًا من ضمان حق كل تونسي في شغل قارّ يحفظ قيمته، ويصون إنسانيته، ويجعله شريكا فاعلا في بناء مستقبل بلاده.
منال حرزي
يتقدم اليوم ملف التشغيل كواجهة أولويات الوطنية، كعنوان رئيسي لمرحلة تحرص فيها الدولة، في أعلى هرمها، على استعادة سيادة قرارها الاجتماعي من خلال إعادة الاعتبار لمبدأ «الحق في التشغيل» بوصفه ضمانة للكرامة الوطنية وأحد الركائز الأساسية لتدعيم الاستقرار والسلم الاجتماعي. ليتجاوز التشغيل، وفقا لهذه المقاربة، كونه مجرد بند ضمن السياسات العمومية ويصبح مؤشرا لمدى نجاعة الخيارات الاقتصادية ومصداقية الوعود السياسية، وقدرة الدولة على تحويل الخطاب إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، يبرز رهان رئيس الجمهورية قيس سعيد على جعل الحق في الشغل محور مقاربته للإصلاح، انطلاقا من قناعة راسخة مفادها أن الاستقرار بمفهومه الشامل لا يمكن أن يحقق النتائج المرجوة دون استقرار اجتماعي، وأن هذا الأخير يظل رهينا بإدماج فعلي للشباب في الدورة الاقتصادية، وتمكينهم من فرص عمل تحفظ كرامتهم وتعزز انتماءهم الوطني، وهو ما يراهن عليه رئيس الدولة قيس سعيد بشدة، على اعتبار أن الشباب من وجهة نظره هم وقود التغيير المنتظر.
ومن هذا المنطلق، تتنزل قرارات فتح المناظرات في قطاعات حيوية مؤخرا، إلى جانب الدفع نحو إعادة تشغيل عدد من المصانع ورفع الطاقة الإنتاجية أو إحداث وحدات إنتاجية جديدة ضمن رؤية أشمل تسعى إلى تحريك عجلة الاقتصاد الوطني، وتقليص نسب البطالة، وترسيخ منوال تنموي أكثر عدلا وتوازنا بين مختلف الجهات، لاسيما أن فتح مصانع جديدة من شأنه أن يخلق مئات فرص العمل ويحقق العدالة الاجتماعية المنشودة.
«جمهورية العمل»
بين فتح أبواب المناظرات الكبرى في القطاع العام، وإعادة الروح إلى المنشآت الصناعية المعطلة، يرسم رئيس الدولة قيس سعيد ملامح «جمهورية العمل» التي تقطع مع سياسات التهميش والوعود الزائفة، لتضع الشباب التونسي أمام واقع طال انتظاره، يقوم على الشفافية والقدرة الإنتاجية العالية. خاصة أن رئيس الدولة قيس سعيد لطالما جدد في معرض لقاءاته الرسمية مراهنته على الشباب باعتباره المحرك الأساسي للتغيير والتنمية، مؤكدًا أن البلاد اليوم في أمس الحاجة إلى طاقاتهم وإبداعاتهم، وأن الاستثمار في الشباب ليس خيارًا ثانويًا، وإنما هو استثمار في مستقبل تونس بأكملها عبر بناء جيل قادر على الابتكار وتحمل المسؤولية والمساهمة الفعلية في صناعة التنمية الوطنية المستدامة.
رافعة لديناميكية جديدة
في هذا الخصوص، فإن مقاربة رئيس الجمهورية قيس سعيد لاستراتيجية التشغيل والنهوض به تفرض التعاطي معها ضمن إطارها الشامل؛ حيث أصبح التشغيل مدخلًا لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن ورافعة لإطلاق ديناميكية اقتصادية جديدة تعيد الاعتبار لقيمة العمل كركيزة للكرامة والسيادة الوطنية.
فقد أكد رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة على ان الحق في التشغيل يتجاوز كونه مجرد شعار دستوري مدرج في النصوص، وإنما هو التزام سياسي وأخلاقي يفرض على الدولة إعادة ترتيب أولوياتها وتوجيه سياساتها العمومية نحو خلق الثروة وتوزيعها على أسس العدل والإنصاف.
وفي هذا السياق، برزت جملة من الآليات والإجراءات التي تدفع نحو إحداث نقلة نوعية في سوق الشغل وتحقيق تنمية اقتصادية متوازنة، من بينها فتح مناظرات في قطاعات حيوية على غرار وزارة التربية، وزارة الفلاحة، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وزارة الدفاع وغيرها من المنشآت والهياكل العمومية.
وفي هذا الاتجاه، يمثل الإعلان عن فتح هذه المناظرات في قطاعات عدة إشارة سياسية ذات دلالات عديدة؛ فمن جهة، هو استجابة لحاجيات فعلية لهذه القطاعات التي تعاني نقصا في الموارد البشرية، ومن جهة أخرى هو رسالة طمأنة للشباب مفادها أن الدولة لا تزال قادرة على الانتداب وفق معايير الشفافية والاستحقاق، لاسيما وأن الإدارة قد عرفت خلال السنوات الماضية حالة من الجمود في الانتدابات بفعل الضغوطات المالية ومقتضيات التوازنات الكبرى. غير أن إعادة فتح باب المناظرات من جديد يعكس إرادة سياسية في ضخ دماء جديدة داخل المرفق العمومي وتحسين جودة الخدمات. كما أن هذه الخطوة تعزز الثقة في مؤسسات الدولة باعتبارها قادرة على تنظيم مناظرات شفافة تكرّس مبدأ تكافؤ الفرص.
إلى جانب المناظرات، يبرز محور آخر في مقاربة رئيس الجمهورية قيس سعيد يتمثل في فتح العديد من المصانع، لاسيما في مجال مكونات السيارات أو السيارات الكهربائية. وهذه الخطوة تحمل في طياتها تحولا من منطق الاستهلاك إلى منطق الإنتاج، ومن اقتصاد الريع إلى اقتصاد القيمة المضافة.
على اعتبار أن فتح المصانع لا يعني فقط توفير مواطن شغل مباشرة، بل يخلق ديناميكية اقتصادية تمتد آثارها إلى قطاعات النقل والخدمات والتجارة. كما أن إعادة بعث بعض الوحدات الصناعية في الجهات الداخلية يندرج ضمن سياسة تقليص الفوارق الجهوية عبر خلق أقطاب تنموية خارج المدن الكبرى.
التشغيل خيار سياسي
ضمن هذا التوجه، يطرح رئيس الجمهورية قيس سعيد مقاربة تنطلق من تصور شامل يرتكز على أن التشغيل هو خيار سياسي يتطلب إصلاحًا هيكليًا في الإدارة، ومراجعة للمنوال التنموي، وتحريرا للمبادرة الاقتصادية من العراقيل البيروقراطية.
بما يؤشر إلى توجه واضح نحو إعادة الاعتبار لدور الدولة الاجتماعي عبر توجيه السياسات العمومية نحو القطاعات المنتجة، وتحفيز المؤسسات العمومية والخاصة على خلق مواطن شغل فعلية.
بين المناظرات ووحدات الإنتاج الجديدة، يطرح التوجه الاستراتيجي لرئيس الدولة قيس سعيد نحو تجسيم أحد أهم شعارات الثورة، وهو التشغيل. فكل مصنع يُعاد إلى النشاط أو وحدة إنتاج جديدة أو مناظرة تفتح، هو رسالة واضحة مفادها أن الدولة ملتزمة بتحويل الحقوق الدستورية، وعلى رأسها الحق في العمل، إلى واقع ملموس. بما من شأنه أن يعزز من قدرة الشباب على المشاركة الفعلية في الدورة الاقتصادية، ويكرّس مبدأ أن التنمية لا تتحقق إلا بإشراك المواطنين، لا سيما فئة الشباب، في صياغة مستقبلهم، وذلك في انسجام تام مع روح الثورة التي رفعت شعار الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
الشركات الأهلية.. نموذج تنموي بديل
من جانب آخر، لا يمكن قراءة هذه التحركات بمعزل عن فلسفة «الشركات الأهلية» التي يطرحها رئيس الدولة قيس سعيد كنموذج تنموي بديل. فهذا المسار يهدف إلى جعل التشغيل نتاجًا لمبادرة جماعية محلية، حيث يصبح العاطلون عن العمل أنفسهم مالكين لوسائل الإنتاج ومساهمين في تنمية مناطقهم. وهذا الربط الوثيق بين التشغيل والتنمية القاعدية من شأنه أن يقلص الفوارق بين الجهات ويخلق طاقة تشغيلية عالية نابعة من صلب الاحتياجات المحلية، مما يجعل من المقاربة التشغيلية الحالية مقاربة شاملة تجمع بين القطاع العام والقطاع الخاص، والمبادرة الأهلية المنظمة، وهي أضلع المثلث الذي يسعى رئيس الدولة قيس سعيد من خلاله لترسيخ أسس «جمهورية العمل» المنشودة.
من جهة أخرى، لا يمكن قراءة سياسة التشغيل بمعزل عن السياق الاقتصادي العام الذي تمر به البلاد. فالتوازنات المالية والشروط التي تقدمها المؤسسات المالية الدولية، كلها عوامل تؤثر في هامش التحرك المتاح للدولة. ومع ذلك، فإن ما يميز الخطاب الرئاسي في مجال التشغيل هو التأكيد على أولوية القرار الوطني، وعلى ضرورة البحث عن حلول تنبع من الداخل قبل الارتهان للخارج.
وهذا التوجه الذي يطرحه بشدة رئيس الدولة قيس سعيد يعكس رغبة في إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد، بحيث تصبح السيادة الاقتصادية جزءا من السيادة الوطنية. غير أن ترجمة هذا الطموح إلى نتائج ملموسة يقتضي إصلاحات عميقة في مناخ الأعمال، وفي المنظومة الجبائية، وفي آليات التصرف في المؤسسات العمومية، وهو ما يسعى رئيس الدولة قيس سعيد إلى بلورته عبر إطلاق سلسلة من الإجراءات الإصلاحية الهادفة إلى تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز الشفافية، وتوفير مناخ استثماري محفّز للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مع إعادة هيكلة المؤسسات العمومية بما يرفع من كفاءتها الإنتاجية ويضمن استدامة فرص الشغل. كما يولي رئيس الدولة قيس سعيد أهمية كبرى لتوجيه السياسات نحو القطاعات الواعدة التي تخلق قيمة مضافة حقيقية، وتفتح آفاقًا جديدة للشباب، ليصبح الحق في العمل قاعدة ثابتة لمسار التنمية الوطنية المستدامة.
الحق في التشغيل واقع
في هذا الخضم، يبرز ملف التشغيل في رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيد - انطلاقا من لقاءاته الأخيرة - مع وزير التشغيل كعنوان لرهان أكبر: إعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن، عبر جعل الحق في الشغل واقعًا ملموسًا. ومن خلال فتح المناظرات، وإعادة تشغيل المصانع، وخلق فرص عمل مستدامة، يرسّخ رئيس الجمهورية قيس سعيد رؤية قائمة على الشفافية، والكفاءة، والمساواة في الفرص، ليصبح التشغيل رافعة أساسية لاستقرار البلاد وازدهارها. وبالتالي، تفتح هذه السياسات العمومية المتوخاة آفاقا واعدة أمام الشباب التونسي، لتكون لديهم القدرة على بناء مستقبلهم داخل وطنهم، ولتتجسد أحلام الثورة في واقع ملموس يحمل الأمل بمستقبل أفضل للجميع.
وبالتالي يظهر جليًا أن الرهان على التشغيل كما يطرحه رئيس الدولة قيس سعيد هو رهان على «التونسي» كرأس مال بشري وككفاءة عالية تزخر بها البلاد. فالتحديات الاقتصادية والضغوطات المالية، رغم جسامتها، لم تمنع الدولة من المضي قدمًا في سياسة الانتداب المبني على الاستحقاق وإعادة تشغيل المحركات الإنتاجية المعطلة.
وقد تبدو معركة البناء طويلة المدى، باعتبارها تستهدف في عمقها إحداث تحول نوعي ينقل تونس من بلد يصدّر كفاءاته إلى الخارج إلى وطن يحتضن أبناءه، ويفتح أمامهم ورشات العمل والإنتاج والإعمار، بما يطرح معركة ترسيخ اقتصاد قادر على استيعاب طاقاته البشرية وتثمينها. وفي هذا المسار، يتأكد أن الكرامة الوطنية لا تُختزل في الشعارات، بل تنطلق فعليًا من ضمان حق كل تونسي في شغل قارّ يحفظ قيمته، ويصون إنسانيته، ويجعله شريكا فاعلا في بناء مستقبل بلاده.