إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

اليوم إحياء ذكرى أحداث ساقية سيدي يوسف.. حضور تونسي -جزائري على أعلى مستوى

◄ ساقية سيدي يوسف: من وحدة الدم إلى شراكة استراتيجية متجددة

في مشهد يعكس وحدة الدم والمصير والقضية، تحيي تونس والجزائر اليوم الذكرى الـ68 لأحداث ساقية سيدي يوسف، تخليدًا ليوم 8 فيفري 1958، حين امتزجت فيه دماء التونسيين بالجزائريين إثر سقوط عديد الشهداء والجرحى في عدوان شنه المستعمر الفرنسي.

وتستحضر اليوم هذه الذكرى التي تعتبر منارة من منارات النضال المشترك، لتؤكد أن ما وحد الدم بالأمس لا يزال يوحد الرؤية، وأن المصير المشترك لم يكن يومًا شعارًا عابرًا، وإنما هو خيار تاريخي يتجدّد، تتحوّل فيه الذاكرة إلى رافعة سياسية تعزّز الشراكة بين تونس والجزائر في خضمّ ضغوطات وتحديات إقليمية متراكمة.

عمق الروابط الاستراتيجية

في هذا الخصوص، وتزامنًا مع الزخم اللافت الذي تشهده اليوم العلاقات الثنائية بين البلدين بدعم ومتابعة دقيقة من قيادتي البلدين، شهد إحياء هذه الذكرى حضورًا من أعلى مستوى ممثّلًا في رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ونظيرها الوزير الأول الجزائري سيفي غريب، إلى جانب عدد من أعضاء الحكومة من كلا البلدين، وسفير الجزائر بتونس، وثلة من الإطارات الجهوية، ليمنح هذا الحضور الرفيع المستوى المناسبة بعدًا سياسيًا يتجاوز بعدها الرمزي، معيدًا في السياق ذاته التأكيد على عمق الروابط الاستراتيجية بين تونس والجزائر، وعلى مركزية التنسيق الثنائي في مقاربة التحديات الإقليمية والدولية المتنامية.

في هذا الاتجاه، تجاوز إحياء هذه المناسبة حدود الوفاء للذاكرة وللنضال المشترك لتغدو محطة متجددة للتأكيد على الإرادة السياسية المشتركة في الارتقاء بالعلاقات التونسية-الجزائرية ودفعها نحو مزيد من التطوير والتكامل.

ففي كل 8 فيفري من كل سنة، تعود ذكرى أحداث ساقية سيدي يوسف لتؤكد أن العلاقات التونسية-الجزائرية انتقلت، ومنذ سنوات، من مرحلة التنسيق والتعاون الثنائي العادي إلى مرحلة التكامل الاستراتيجي، حيث لم يعد التعاون في جوهره مقتصرًا على الغرف المغلقة للتنسيق الأمني والعسكري لمكافحة الإرهاب على مستوى الجبال الحدودية، بل امتد ليشمل شراكات اقتصادية تطال مجالات حيوية.

وفي هذا الاتجاه، تحوّلت ذكرى إحياء هذه الملحمة النضالية على مدار السنوات الماضية إلى مناسبة لتعزيز التعاون الثنائي، فالعلاقات التونسية-الجزائرية تشهد منذ سنوات زخماً لافتًا تُرجم في تنسيق سياسي متواصل، وتعاون أمني وثيق، إضافة إلى شراكات اقتصادية متنامية، خاصة في مجالات الطاقة والتبادل التجاري.

وهنا يأتي انعقاد الدورة الـ23 للجنة الكبرى المشتركة التونسية–الجزائرية، التي انعقدت خلال شهر ديسمبر الماضي بتونس، كتجسيد فعلي لإرادة البلدين في تعزيز التعاون الثنائي. فقد أسفرت أشغالها عن توقيع 25 اتفاقية شملت مجالات حيوية على غرار الاقتصاد، والتشغيل، والتكوين، والشباب، والصحة، وغيرها. ليؤكد هذا الزخم على مستوى الاتفاقيات أن العلاقة بين تونس والجزائر تجاوزت الأطر العادية لتصبح شراكة عملية واستراتيجية، تترجم التزامهما المشترك بتطوير التعاون وتعميق التكامل في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

 كتلة صلبة

فهذا الزخم على مستوى التعاون الثنائي يعكس إدراكًا مشتركًا بأن التحديات الراهنة والضغوطات الدولية تتطلب بناء كتلة صلبة قادرة على التفاعل بفاعلية في محيط إقليمي مضطرب، وهو ما تدركه جيدًا تونس والجزائر، بما يجعل من محور تونس–الجزائر القطب الأكثر استقرارًا وتناغمًا في منطقة المغرب العربي.

من جانب آخر، يعتبر كثيرون أن هذه الديناميكية تعكس قناعة راسخة لدى قيادتي البلدين بأن الرهان على العمق الاستراتيجي المشترك بات ضرورة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة المغاربية والمتوسطية. فتونس والجزائر تتقاسمان رؤية متقاربة حول أهمية الاستقرار الإقليمي، ورفض التدخلات الخارجية، والدفاع عن الحلول السياسية السلمية للأزمات، وهو ما يعزّز منسوب الثقة المتبادلة ويفتح آفاقًا رحبة للتعاون.

كما أن البعد الشعبي للعلاقات الثنائية يظل عنصر قوة لا يمكن تجاهله. فالمناطق الحدودية، وعلى رأسها الكاف وساقية سيدي يوسف، تمثل فضاءً حيًا للتفاعل اليومي بين الشعبين، حيث تتداخل الروابط العائلية والاجتماعية والاقتصادية.

تنمية الحدود.. الرهان الاستراتيجي

وفي سياق هذا الإحياء، تتجلى مسألة «تنمية المناطق الحدودية» كأولوية قصوى على طاولة النقاش، حيث يسعى البلدان لتحويل المناطق التي كانت يومًا مسرحًا للمقاومة والدم المشترك إلى مناطق جذب اقتصادي واستثماري، على اعتبار أن الرهان الاستراتيجي اليوم هو إنشاء مناطق تبادل حر، وتطوير البنية التحتية المشتركة، وتعزيز الربط الكهربائي والمائي.

إن استحضار أحداث ساقية سيدي يوسف اليوم، بعد 68 عامًا، لا يعتبر استحضارًا للمجد القديم، بقدر ما تعتبر مناسبة سياسية استراتيجية تعيد التذكير بأن العلاقات التونسية-الجزائرية لم تُبنَ على المصالح الظرفية، وإنما على تضحيات مشتركة وتجربة نضالية واحدة. وهو ما يمنحها خصوصيتها واستمراريتها، ويجعلها قادرة على الصمود أمام مختلف التغيرات الإقليمية والضغوطات الخارجية.

في هذا الخضم، تؤكد اليوم ذكرى أحداث ساقية سيدي يوسف، في بعدها الرمزي والسياسي، أن التاريخ المشترك يمكن أن يكون رافعة للمستقبل، وأن الدماء التي امتزجت بالأمس دفاعًا عن الحرية والسيادة تتحول اليوم إلى قاعدة صلبة لتعزيز التعاون والشراكة بين تونس والجزائر. وبين الذاكرة والراهن، تتجدد القناعة بأن وحدة المصير ليست شعارًا عاطفيًا بقدر ما هي خيار استراتيجي تفرضه الجغرافيا، ويؤكده التاريخ، ويترجمه الحاضر بخطوات ثابتة نحو مزيد من التنسيق والتكامل.

منال الحرزي

اليوم إحياء ذكرى أحداث ساقية سيدي يوسف..   حضور تونسي -جزائري على أعلى مستوى

◄ ساقية سيدي يوسف: من وحدة الدم إلى شراكة استراتيجية متجددة

في مشهد يعكس وحدة الدم والمصير والقضية، تحيي تونس والجزائر اليوم الذكرى الـ68 لأحداث ساقية سيدي يوسف، تخليدًا ليوم 8 فيفري 1958، حين امتزجت فيه دماء التونسيين بالجزائريين إثر سقوط عديد الشهداء والجرحى في عدوان شنه المستعمر الفرنسي.

وتستحضر اليوم هذه الذكرى التي تعتبر منارة من منارات النضال المشترك، لتؤكد أن ما وحد الدم بالأمس لا يزال يوحد الرؤية، وأن المصير المشترك لم يكن يومًا شعارًا عابرًا، وإنما هو خيار تاريخي يتجدّد، تتحوّل فيه الذاكرة إلى رافعة سياسية تعزّز الشراكة بين تونس والجزائر في خضمّ ضغوطات وتحديات إقليمية متراكمة.

عمق الروابط الاستراتيجية

في هذا الخصوص، وتزامنًا مع الزخم اللافت الذي تشهده اليوم العلاقات الثنائية بين البلدين بدعم ومتابعة دقيقة من قيادتي البلدين، شهد إحياء هذه الذكرى حضورًا من أعلى مستوى ممثّلًا في رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري ونظيرها الوزير الأول الجزائري سيفي غريب، إلى جانب عدد من أعضاء الحكومة من كلا البلدين، وسفير الجزائر بتونس، وثلة من الإطارات الجهوية، ليمنح هذا الحضور الرفيع المستوى المناسبة بعدًا سياسيًا يتجاوز بعدها الرمزي، معيدًا في السياق ذاته التأكيد على عمق الروابط الاستراتيجية بين تونس والجزائر، وعلى مركزية التنسيق الثنائي في مقاربة التحديات الإقليمية والدولية المتنامية.

في هذا الاتجاه، تجاوز إحياء هذه المناسبة حدود الوفاء للذاكرة وللنضال المشترك لتغدو محطة متجددة للتأكيد على الإرادة السياسية المشتركة في الارتقاء بالعلاقات التونسية-الجزائرية ودفعها نحو مزيد من التطوير والتكامل.

ففي كل 8 فيفري من كل سنة، تعود ذكرى أحداث ساقية سيدي يوسف لتؤكد أن العلاقات التونسية-الجزائرية انتقلت، ومنذ سنوات، من مرحلة التنسيق والتعاون الثنائي العادي إلى مرحلة التكامل الاستراتيجي، حيث لم يعد التعاون في جوهره مقتصرًا على الغرف المغلقة للتنسيق الأمني والعسكري لمكافحة الإرهاب على مستوى الجبال الحدودية، بل امتد ليشمل شراكات اقتصادية تطال مجالات حيوية.

وفي هذا الاتجاه، تحوّلت ذكرى إحياء هذه الملحمة النضالية على مدار السنوات الماضية إلى مناسبة لتعزيز التعاون الثنائي، فالعلاقات التونسية-الجزائرية تشهد منذ سنوات زخماً لافتًا تُرجم في تنسيق سياسي متواصل، وتعاون أمني وثيق، إضافة إلى شراكات اقتصادية متنامية، خاصة في مجالات الطاقة والتبادل التجاري.

وهنا يأتي انعقاد الدورة الـ23 للجنة الكبرى المشتركة التونسية–الجزائرية، التي انعقدت خلال شهر ديسمبر الماضي بتونس، كتجسيد فعلي لإرادة البلدين في تعزيز التعاون الثنائي. فقد أسفرت أشغالها عن توقيع 25 اتفاقية شملت مجالات حيوية على غرار الاقتصاد، والتشغيل، والتكوين، والشباب، والصحة، وغيرها. ليؤكد هذا الزخم على مستوى الاتفاقيات أن العلاقة بين تونس والجزائر تجاوزت الأطر العادية لتصبح شراكة عملية واستراتيجية، تترجم التزامهما المشترك بتطوير التعاون وتعميق التكامل في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

 كتلة صلبة

فهذا الزخم على مستوى التعاون الثنائي يعكس إدراكًا مشتركًا بأن التحديات الراهنة والضغوطات الدولية تتطلب بناء كتلة صلبة قادرة على التفاعل بفاعلية في محيط إقليمي مضطرب، وهو ما تدركه جيدًا تونس والجزائر، بما يجعل من محور تونس–الجزائر القطب الأكثر استقرارًا وتناغمًا في منطقة المغرب العربي.

من جانب آخر، يعتبر كثيرون أن هذه الديناميكية تعكس قناعة راسخة لدى قيادتي البلدين بأن الرهان على العمق الاستراتيجي المشترك بات ضرورة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة المغاربية والمتوسطية. فتونس والجزائر تتقاسمان رؤية متقاربة حول أهمية الاستقرار الإقليمي، ورفض التدخلات الخارجية، والدفاع عن الحلول السياسية السلمية للأزمات، وهو ما يعزّز منسوب الثقة المتبادلة ويفتح آفاقًا رحبة للتعاون.

كما أن البعد الشعبي للعلاقات الثنائية يظل عنصر قوة لا يمكن تجاهله. فالمناطق الحدودية، وعلى رأسها الكاف وساقية سيدي يوسف، تمثل فضاءً حيًا للتفاعل اليومي بين الشعبين، حيث تتداخل الروابط العائلية والاجتماعية والاقتصادية.

تنمية الحدود.. الرهان الاستراتيجي

وفي سياق هذا الإحياء، تتجلى مسألة «تنمية المناطق الحدودية» كأولوية قصوى على طاولة النقاش، حيث يسعى البلدان لتحويل المناطق التي كانت يومًا مسرحًا للمقاومة والدم المشترك إلى مناطق جذب اقتصادي واستثماري، على اعتبار أن الرهان الاستراتيجي اليوم هو إنشاء مناطق تبادل حر، وتطوير البنية التحتية المشتركة، وتعزيز الربط الكهربائي والمائي.

إن استحضار أحداث ساقية سيدي يوسف اليوم، بعد 68 عامًا، لا يعتبر استحضارًا للمجد القديم، بقدر ما تعتبر مناسبة سياسية استراتيجية تعيد التذكير بأن العلاقات التونسية-الجزائرية لم تُبنَ على المصالح الظرفية، وإنما على تضحيات مشتركة وتجربة نضالية واحدة. وهو ما يمنحها خصوصيتها واستمراريتها، ويجعلها قادرة على الصمود أمام مختلف التغيرات الإقليمية والضغوطات الخارجية.

في هذا الخضم، تؤكد اليوم ذكرى أحداث ساقية سيدي يوسف، في بعدها الرمزي والسياسي، أن التاريخ المشترك يمكن أن يكون رافعة للمستقبل، وأن الدماء التي امتزجت بالأمس دفاعًا عن الحرية والسيادة تتحول اليوم إلى قاعدة صلبة لتعزيز التعاون والشراكة بين تونس والجزائر. وبين الذاكرة والراهن، تتجدد القناعة بأن وحدة المصير ليست شعارًا عاطفيًا بقدر ما هي خيار استراتيجي تفرضه الجغرافيا، ويؤكده التاريخ، ويترجمه الحاضر بخطوات ثابتة نحو مزيد من التنسيق والتكامل.

منال الحرزي