إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

تعرّض له أكثر من 28 بالمائة من التلاميذ.. ارتفاع العنف المدرسي يتطلب وضع خطة وطنية للتصدّي له

أكّدت دراسة وطنية حديثة أنجزها مكتب منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» بتونس، بطلب من وزارة التربية، أن أكثر من 28 بالمائة من التلاميذ المتمدرسين تعرّضوا إلى العنف الجسدي لمرة واحدة على الأقل، ولم ينفِ وزير التربية نور الدين النوري الارتفاع النسبي في منسوب العنف بالوسط المدرسي، وذلك هامش افتتاح أشغال الندوة الوطنية لإرساء الخطة الوطنية لتحصين المؤسسة التربوية من العنف. كما أكّد وزير التربية أنه يأمل في أن تنبثق عن مخرجات الندوة خطة وطنية شاملة من أجل تحصين الفضاء المدرسي والتلاميذ والمربين من العنف، مؤكّدًا عمل مختلف الوزارات على توفير فضاء تربوي آمن.

الدراسة التي أنجزها مكتب «اليونيسف -تونس» أشارت إلى أن 28.4 بالمائة من التلاميذ المتمدرسين تعرّضوا إلى العنف الجسدي مرة واحدة على الأقل، وأن 12.5 بالمائة منهم تعرّضوا للعنف الجسدي لمرة واحدة، في حين أكّد 15.9 بالمائة تعرّضهم للعنف الجسدي أكثر من مرة، مع تسجيل نسب أعلى في صفوف الذكور مقارنة بالإناث. وقد جرى تقديم هذه المعطيات خلال افتتاح الندوة الوطنية لإرساء الخطة الوطنية لتحصين المؤسسة التربوية من العنف، التي انعقدت أول أمس.

ولا يقتصر العنف الذي يتعرّض له التلاميذ المتمدرسون على العنف الجسدي فقط، والذي يبقى من أخطر أنواع العنف الممارس على الأطفال بشكل عام، بل يتجاوز ذلك إلى العنف النفسي والجنسي والمعنوي والاقتصادي والرقمي. وهذه الأنواع من العنف تتخذ أشكالًا مختلفة وتهدّد الأطفال في الوسط الأسري والمدرسي وفي الفضاء العام كذلك، وهي تستدعي اليوم وضع برامج وخطط وطنية لحماية الأطفال المهددين.

خطة وطنية للتصدّي لظاهرة العنف المدرسي

امتدت الدراسة التي أنجزها مكتب «اليونيسف- تونس» على سنتي 2023 و2025، وذلك في إطار إعداد خطة وطنية شاملة للتصدّي لظاهرة العنف المدرسي، تقوم على توزيع واضح للأدوار والمسؤوليات بمشاركة جميع الأطراف. وقد شمل الاستطلاع الأول 11 ولاية و18 معتمدية و40 مؤسسة تربوية، بمشاركة 3098 تلميذًا تتراوح أعمارهم بين 12 و18 سنة، منهم 57.4 بالمائة ذكور و42.6 بالمائة إناث، ينتمون إلى مؤسسات عمومية وبعض المؤسسات الخاصة. أما الاستطلاع الثاني، فقد استهدف 487 مراهقًا منقطعين عن الدراسة على كامل تراب الجمهورية، قصد تحليل العلاقة بين العنف والانقطاع المدرسي، كما شمل الاستطلاع الثالث 751 إطارًا تربويًا لتقييم مدى جاهزية المؤسسات التربوية في التعاطي مع ظاهرة العنف.

وكشفت الدراسة عن تفاوت جهوي في انتشار العنف، حيث سُجّلت نسب مرتفعة في ولايات أريانة، القصرين، الكاف، وقابس، إذ تعرّض أكثر من تلميذ واحد من بين كل ثلاثة إلى العنف، مقابل نسب أقل في ولايات توزر، قفصة، وتونس. كما أبرزت النتائج أن حوالي 40 بالمائة من حالات العنف الجسدي مصدرها تلاميذ متمدرسون من الجنسين، بما يؤكد أن جزءًا كبيرًا من حالات العنف يتم تسجيلها في الوسط المدرسي، حيث أظهرت المعطيات أن 57 بالمائة من حالات العنف تسجّل داخل المؤسسات التربوية، و25.8 بالمائة في الساحة، و19.7 بالمائة داخل قاعات الدرس، مع ارتفاع ملحوظ خلال ساعات الفراغ بنسبة 16.8 بالمائة، كما تقع 19.6 بالمائة من الحوادث في الطريق إلى المدرسة، إلى جانب 61.4 بالمائة من التلاميذ المستجوبين أشاروا إلى تعرّضهم للسخرية أو الإهانة.

وبيّنت الدراسة كذلك أن الفتيات أكثر عرضة للعنف داخل المؤسسة التربوية بنسبة 76.8 بالمائة، مقابل 58.5 بالمائة في صفوف الفتيان.

تداعيات نفسية وضعف في التبليغ

وأكّد القائمون على هذه الدراسات أن من تداعيات هذا العنف المدرسي المباشرة هو ارتفاع مخاطر الاكتئاب، خاصة لدى الفتيات، إضافة إلى التعرّض لسلوكيات إدمانية كتعاطي الكحول أو المخدرات. وتتفاقم هذه الظواهر مع ضعف الإبلاغ عن حالات العنف، حيث تعتمد أغلب التدخلات على إشعارات الأولياء، وهو ما يحدّ من نجاعة آليات الوقاية والتدخل المبكر. وهذا يجعل من العنف المدرسي ظاهرة مركّبة تمسّ الصحة النفسية للأطفال، وتؤثر سلبًا على التحصيل الدراسي، وتساهم في تفاقم الانقطاع المبكر عن التعليم، بما يؤكّد الحاجة الملحة إلى استراتيجية وطنية للحدّ من هذه الظاهرة السلبية والخطيرة.

للعنف الجسدي كلفة اقتصادية

قدّرت نتائج دراسة أنجزتها وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ بدعم من «اليونيسف» بتونس الكلفة الاقتصادية للعنف ضد الأطفال في تونس بنحو 2.6 مليار دينار.

وبحسب ما كشفته منظمة «اليونيسف»، اعتمدت هذه الدراسة على منهجية دولية تم تكييفها مع النموذج التونسي، وأخذت بعين الاعتبار تكاليف الصحة والعدالة والحماية الاجتماعية، وكذلك الخسائر في رأس المال البشري، وانخفاض الإنتاجية، وتدهور جودة الحياة على المدى الطويل.

وقد أعلن عن هذه الدراسة في أفريل 2025 خلال ورشة احتضنها مركز البحوث والدراسات والتوثيق والمعلومات حول المرأة، وحضرتها وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ أسماء الجبري وممثل «اليونيسف» بالنيابة في تونس. أشارت الدراسة أيضًا إلى أن الكلفة الاقتصادية للعنف النفسي ضد الأطفال بلغت 1.4 مليار دينار. كما كشفت الدراسة أن تونس تعد واحدة من أبرز الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي يتعرّض فيها الأطفال إلى أساليب تربية تعتمد على العنف. ووفقًا لمسح المؤشرات المتعددة الذي أجراه المعهد الوطني للإحصاء في عام 2023، يتعرّض ثمانية من كل عشرة أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و14 عامًا لأساليب تربية عنيفة داخل الأسرة.

وأكدت منظمة «اليونيسف» أن تلك الممارسات العنيفة لها عواقب خطيرة وطويلة الأمد على رفاه الأطفال الجسدي والعقلي والعاطفي، بما يهدد التماسك الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي في المجتمع. وشدّدت «اليونيسف» على ضرورة الاستثمار بشكل أكبر في برامج الوقاية، من خلال أنظمة حماية اجتماعية تراعي احتياجات الأطفال، ومن خلال تعزيز آليات دعم الأسر الضعيفة للحدّ من عوامل المخاطرة المتعلقة بالفقر والضغط الأبوي والإقصاء الاجتماعي، وإدماج الوقاية من العنف في السياسات التعليمية والاجتماعية.

ومع ارتفاع منسوب العنف في الوسط المدرسي والأسري، أصبح الأطفال أكثر عرضة لضغوطات وأزمات نفسية تنعكس بشكل مباشر على سلوكهم، حيث تبرز نوازع للعدوانية ورفض للدراسة، وهذه العوامل قد تخلق بدورها أزمة داخل الأسرة. حيث أكّد رئيس منظمة الدفاع عن الطفل، د. معز الشريف، في تصريح لـ«الصباح»، أن العائلة التونسية لم تعد عائلة موسعة، بل أصبحت عائلة نواتية منغلقة على نفسها في شقة صغيرة وفي فضاء ضيّق، مما يجعل انعكاس المشاكل الخارجية، من ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية، أكثر عمقًا، مقابل تراجع المؤسسة التربوية في القيام بدورها البيداغوجي في الإحاطة بالطفل. وكل ذلك عرّض الصحة النفسية للأطفال والمراهقين والشباب لمخاطر عميقة، وبات لها انعكاس مباشر على المجتمع بسبب انتشار العنف والإدمان، وفق تعبيره.

والعنف بجميع أنواعه، أو السقوط في فخّ الإدمان، يمكن أن يقود إلى الانقطاع المدرسي، الذي يبقى أحد أخطر النتائج التي تهدّد مستقبل الطفل، والذي يمكن أن يكون سببًا في ظواهر أخرى أكثر حدّة، مثل السلوكيات الإجرامية التي تهدّد كل كيان المجتمع.

ومنذ سنوات، تعمل وزارة التربية ووزارة المرأة والطفولة وكبار السنّ على محاولة خلق بيئة مدرسية خالية من كل هذه الظواهر السلبية، بما يحدّ من ظاهرة الانقطاع. ففي سنة 2023، قام مكتب «اليونيسف- بتونس» بتوسيع برنامج التصدي والتوقي من التسرّب المدرسي ليشمل 22 مدرسة، وذلك في إطار معاضدة جهود وزارة التربية للحدّ من الظاهرة، حيث تمكن البرنامج من دعم 823 طفلًا معرضين لخطر الانقطاع المبكر عن الدراسة من خلال التوجيه والتعليم الاستدراكي والدعم النفسي والاجتماعي، كما استفاد أكثر من 12,000 طفل بشكل غير مباشر من الدعم. ويتكوّن برنامج اليونيسف من أربع حالات، منها: نظام الإنذار المبكر لتحديد التلاميذ المعرضين لخطر الانقطاع المبكر، ومكاتب الإصغاء، ومرافقة التلميذ من خلال الدعم البيداغوجي والتعليم الاستدراكي، وكذلك الأنشطة الثقافية والتربوية القائمة على تعليم المهارات الحياتية.

منية العرفاوي

تعرّض له أكثر من 28 بالمائة من التلاميذ..   ارتفاع العنف المدرسي يتطلب وضع خطة وطنية للتصدّي له

أكّدت دراسة وطنية حديثة أنجزها مكتب منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» بتونس، بطلب من وزارة التربية، أن أكثر من 28 بالمائة من التلاميذ المتمدرسين تعرّضوا إلى العنف الجسدي لمرة واحدة على الأقل، ولم ينفِ وزير التربية نور الدين النوري الارتفاع النسبي في منسوب العنف بالوسط المدرسي، وذلك هامش افتتاح أشغال الندوة الوطنية لإرساء الخطة الوطنية لتحصين المؤسسة التربوية من العنف. كما أكّد وزير التربية أنه يأمل في أن تنبثق عن مخرجات الندوة خطة وطنية شاملة من أجل تحصين الفضاء المدرسي والتلاميذ والمربين من العنف، مؤكّدًا عمل مختلف الوزارات على توفير فضاء تربوي آمن.

الدراسة التي أنجزها مكتب «اليونيسف -تونس» أشارت إلى أن 28.4 بالمائة من التلاميذ المتمدرسين تعرّضوا إلى العنف الجسدي مرة واحدة على الأقل، وأن 12.5 بالمائة منهم تعرّضوا للعنف الجسدي لمرة واحدة، في حين أكّد 15.9 بالمائة تعرّضهم للعنف الجسدي أكثر من مرة، مع تسجيل نسب أعلى في صفوف الذكور مقارنة بالإناث. وقد جرى تقديم هذه المعطيات خلال افتتاح الندوة الوطنية لإرساء الخطة الوطنية لتحصين المؤسسة التربوية من العنف، التي انعقدت أول أمس.

ولا يقتصر العنف الذي يتعرّض له التلاميذ المتمدرسون على العنف الجسدي فقط، والذي يبقى من أخطر أنواع العنف الممارس على الأطفال بشكل عام، بل يتجاوز ذلك إلى العنف النفسي والجنسي والمعنوي والاقتصادي والرقمي. وهذه الأنواع من العنف تتخذ أشكالًا مختلفة وتهدّد الأطفال في الوسط الأسري والمدرسي وفي الفضاء العام كذلك، وهي تستدعي اليوم وضع برامج وخطط وطنية لحماية الأطفال المهددين.

خطة وطنية للتصدّي لظاهرة العنف المدرسي

امتدت الدراسة التي أنجزها مكتب «اليونيسف- تونس» على سنتي 2023 و2025، وذلك في إطار إعداد خطة وطنية شاملة للتصدّي لظاهرة العنف المدرسي، تقوم على توزيع واضح للأدوار والمسؤوليات بمشاركة جميع الأطراف. وقد شمل الاستطلاع الأول 11 ولاية و18 معتمدية و40 مؤسسة تربوية، بمشاركة 3098 تلميذًا تتراوح أعمارهم بين 12 و18 سنة، منهم 57.4 بالمائة ذكور و42.6 بالمائة إناث، ينتمون إلى مؤسسات عمومية وبعض المؤسسات الخاصة. أما الاستطلاع الثاني، فقد استهدف 487 مراهقًا منقطعين عن الدراسة على كامل تراب الجمهورية، قصد تحليل العلاقة بين العنف والانقطاع المدرسي، كما شمل الاستطلاع الثالث 751 إطارًا تربويًا لتقييم مدى جاهزية المؤسسات التربوية في التعاطي مع ظاهرة العنف.

وكشفت الدراسة عن تفاوت جهوي في انتشار العنف، حيث سُجّلت نسب مرتفعة في ولايات أريانة، القصرين، الكاف، وقابس، إذ تعرّض أكثر من تلميذ واحد من بين كل ثلاثة إلى العنف، مقابل نسب أقل في ولايات توزر، قفصة، وتونس. كما أبرزت النتائج أن حوالي 40 بالمائة من حالات العنف الجسدي مصدرها تلاميذ متمدرسون من الجنسين، بما يؤكد أن جزءًا كبيرًا من حالات العنف يتم تسجيلها في الوسط المدرسي، حيث أظهرت المعطيات أن 57 بالمائة من حالات العنف تسجّل داخل المؤسسات التربوية، و25.8 بالمائة في الساحة، و19.7 بالمائة داخل قاعات الدرس، مع ارتفاع ملحوظ خلال ساعات الفراغ بنسبة 16.8 بالمائة، كما تقع 19.6 بالمائة من الحوادث في الطريق إلى المدرسة، إلى جانب 61.4 بالمائة من التلاميذ المستجوبين أشاروا إلى تعرّضهم للسخرية أو الإهانة.

وبيّنت الدراسة كذلك أن الفتيات أكثر عرضة للعنف داخل المؤسسة التربوية بنسبة 76.8 بالمائة، مقابل 58.5 بالمائة في صفوف الفتيان.

تداعيات نفسية وضعف في التبليغ

وأكّد القائمون على هذه الدراسات أن من تداعيات هذا العنف المدرسي المباشرة هو ارتفاع مخاطر الاكتئاب، خاصة لدى الفتيات، إضافة إلى التعرّض لسلوكيات إدمانية كتعاطي الكحول أو المخدرات. وتتفاقم هذه الظواهر مع ضعف الإبلاغ عن حالات العنف، حيث تعتمد أغلب التدخلات على إشعارات الأولياء، وهو ما يحدّ من نجاعة آليات الوقاية والتدخل المبكر. وهذا يجعل من العنف المدرسي ظاهرة مركّبة تمسّ الصحة النفسية للأطفال، وتؤثر سلبًا على التحصيل الدراسي، وتساهم في تفاقم الانقطاع المبكر عن التعليم، بما يؤكّد الحاجة الملحة إلى استراتيجية وطنية للحدّ من هذه الظاهرة السلبية والخطيرة.

للعنف الجسدي كلفة اقتصادية

قدّرت نتائج دراسة أنجزتها وزارة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ بدعم من «اليونيسف» بتونس الكلفة الاقتصادية للعنف ضد الأطفال في تونس بنحو 2.6 مليار دينار.

وبحسب ما كشفته منظمة «اليونيسف»، اعتمدت هذه الدراسة على منهجية دولية تم تكييفها مع النموذج التونسي، وأخذت بعين الاعتبار تكاليف الصحة والعدالة والحماية الاجتماعية، وكذلك الخسائر في رأس المال البشري، وانخفاض الإنتاجية، وتدهور جودة الحياة على المدى الطويل.

وقد أعلن عن هذه الدراسة في أفريل 2025 خلال ورشة احتضنها مركز البحوث والدراسات والتوثيق والمعلومات حول المرأة، وحضرتها وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة وكبار السنّ أسماء الجبري وممثل «اليونيسف» بالنيابة في تونس. أشارت الدراسة أيضًا إلى أن الكلفة الاقتصادية للعنف النفسي ضد الأطفال بلغت 1.4 مليار دينار. كما كشفت الدراسة أن تونس تعد واحدة من أبرز الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي يتعرّض فيها الأطفال إلى أساليب تربية تعتمد على العنف. ووفقًا لمسح المؤشرات المتعددة الذي أجراه المعهد الوطني للإحصاء في عام 2023، يتعرّض ثمانية من كل عشرة أطفال تتراوح أعمارهم بين 10 و14 عامًا لأساليب تربية عنيفة داخل الأسرة.

وأكدت منظمة «اليونيسف» أن تلك الممارسات العنيفة لها عواقب خطيرة وطويلة الأمد على رفاه الأطفال الجسدي والعقلي والعاطفي، بما يهدد التماسك الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي في المجتمع. وشدّدت «اليونيسف» على ضرورة الاستثمار بشكل أكبر في برامج الوقاية، من خلال أنظمة حماية اجتماعية تراعي احتياجات الأطفال، ومن خلال تعزيز آليات دعم الأسر الضعيفة للحدّ من عوامل المخاطرة المتعلقة بالفقر والضغط الأبوي والإقصاء الاجتماعي، وإدماج الوقاية من العنف في السياسات التعليمية والاجتماعية.

ومع ارتفاع منسوب العنف في الوسط المدرسي والأسري، أصبح الأطفال أكثر عرضة لضغوطات وأزمات نفسية تنعكس بشكل مباشر على سلوكهم، حيث تبرز نوازع للعدوانية ورفض للدراسة، وهذه العوامل قد تخلق بدورها أزمة داخل الأسرة. حيث أكّد رئيس منظمة الدفاع عن الطفل، د. معز الشريف، في تصريح لـ«الصباح»، أن العائلة التونسية لم تعد عائلة موسعة، بل أصبحت عائلة نواتية منغلقة على نفسها في شقة صغيرة وفي فضاء ضيّق، مما يجعل انعكاس المشاكل الخارجية، من ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية، أكثر عمقًا، مقابل تراجع المؤسسة التربوية في القيام بدورها البيداغوجي في الإحاطة بالطفل. وكل ذلك عرّض الصحة النفسية للأطفال والمراهقين والشباب لمخاطر عميقة، وبات لها انعكاس مباشر على المجتمع بسبب انتشار العنف والإدمان، وفق تعبيره.

والعنف بجميع أنواعه، أو السقوط في فخّ الإدمان، يمكن أن يقود إلى الانقطاع المدرسي، الذي يبقى أحد أخطر النتائج التي تهدّد مستقبل الطفل، والذي يمكن أن يكون سببًا في ظواهر أخرى أكثر حدّة، مثل السلوكيات الإجرامية التي تهدّد كل كيان المجتمع.

ومنذ سنوات، تعمل وزارة التربية ووزارة المرأة والطفولة وكبار السنّ على محاولة خلق بيئة مدرسية خالية من كل هذه الظواهر السلبية، بما يحدّ من ظاهرة الانقطاع. ففي سنة 2023، قام مكتب «اليونيسف- بتونس» بتوسيع برنامج التصدي والتوقي من التسرّب المدرسي ليشمل 22 مدرسة، وذلك في إطار معاضدة جهود وزارة التربية للحدّ من الظاهرة، حيث تمكن البرنامج من دعم 823 طفلًا معرضين لخطر الانقطاع المبكر عن الدراسة من خلال التوجيه والتعليم الاستدراكي والدعم النفسي والاجتماعي، كما استفاد أكثر من 12,000 طفل بشكل غير مباشر من الدعم. ويتكوّن برنامج اليونيسف من أربع حالات، منها: نظام الإنذار المبكر لتحديد التلاميذ المعرضين لخطر الانقطاع المبكر، ومكاتب الإصغاء، ومرافقة التلميذ من خلال الدعم البيداغوجي والتعليم الاستدراكي، وكذلك الأنشطة الثقافية والتربوية القائمة على تعليم المهارات الحياتية.

منية العرفاوي