سجّلت تونس فائضا تجاريا مع دول إفريقيا جنوب الصحراء بلغ 802.5 مليون دينار سنة 2025، حسب إحصائيات نشرتها مؤخرا وزارة التجارة وتنمية الصادرات. ووصلت قيمة الصادرات إلى 1272.4 مليون دينار باتجاه هذه الأسواق، بينما بلغت الواردات منها 469.9 مليون دينار.
وتؤكد هذه الأرقام أن تونس بصدد تعبيد الطريق أمام قفزة هامة في صادراتها إلى هذه الأسواق الواعدة، وهي أسواق ذات قدرة استهلاكية كبيرة بالنظر إلى تصاعد عدد سكانها في العقد الأخير. وتتجه تونس بالتالي إلى تنويع منتوجاتها، بل أيضًا إلى تنويع أسواقها التصديرية، انسجامًا مع التغيرات الإقليمية والعالمية التي رسمت تنافسًا قويًا للنفاذ إلى الأسواق الإفريقية، وكسب رهان تعدّد الحرفاء.
وتبحث تونس عن حلول تمكّنها من التوسّع اقتصاديا نحو عمقها الإفريقي لتدعيم هذه المؤشرات في الفترة المقبلة ضمن خطط واضحة تهدف إلى تعزيز التعاون التجاري وتبادل سلس للسلع، وتركيز الجهود نحو خلق قاعدة ناجحة للتبادل التجاري البيني.
وفي هذا الصدد، أفاد الباحث والخبير في الاقتصاد، وليد الكسراوي، في تصريح لـ«الصباح» أن العالم في السنوات الأخيرة قد شهد تغييرات اقتصادية كبيرة ومُتلاحقة من بينها ما هو مرتبط بعلاقات تونس التجارية مع عدد من الدول، إذ إن دول الاتحاد الأوروبي، وهي الشريك التجاري والاقتصادي الأول لتونس، والتي تُصنّف في خانة الأسواق التقليدية لبلادنا، قد فرضت تباعا سياسات اقتصادية حمائية، في حين قررت الولايات المتحدة الأمريكية في النصف الثاني من العام الفارط 2025، فرض رسوم جمركية استهدفت صادرات العديد من الدول، من بينها تونس.
وجهة بارزة للمنتوجات التونسية
وأشار وليد الكسراوي إلى أنه في ظل هذه التحوّلات العميقة، تبرز دول الجوار ودول إفريقيا جنوب الصحراء كأحد أهم الوجهات التصديرية للسلع والمنتوجات التونسية، التي يمكن المراهنة عليها بجدية لتسجيل نقلة حقيقية في إجمالي قيمة الصادرات، من خلال تزايد الطلب على المنتوجات التونسية من قبل هذا الصنف من الحرفاء.
ثراء الصادرات الوطنية
وبخصوص مدى تنوّع الصادرات التونسية الموجهة إلى أسواق إفريقيا جنوب الصحراء، أفاد الباحث والخبير في الاقتصاد العالمي أنها تتميّز بثراء كبير، وتعتمد أساسا على المنتوجات الزراعية والغذائية مثل زيت الزيتون والتمور، وسلع تنتمي إلى القطاعات الكهربائية والميكانيكية من ضمنها صناعة مكونات السيارات، لتستحوذ هذه المنتوجات مجتمعة على قرابة 90 بالمائة من إجمالي الصادرات الوطنية إلى دول جنوب الصحراء.
ولاحظ المتحدث ذاته أن الصادرات نحو دول إفريقيا جنوب الصحراء تمثل حصتها 2 بالمائة فقط من إجمالي الصادرات على امتداد سنة 2025، مشيرا إلى أن هذا الرقم لا يزال ضعيفا ولا يعكس الآفاق التصديرية الكبيرة في هذه السوق، ولا المميزات التي يحملها المنتوج التونسي من حيث الجودة واليد العاملة الماهرة، والقدرة التنافسية العالية للمؤسسات المصدّرة.
الممرّ القاري الإفريقي البري.. المشروع الضخم
وشدّد وليد الكسراوي على أن لبلادنا القدرة على رفع هذا الرقم إلى رقمين، أي أكثر من 10 بالمائة من إجمالي الصادرات، مُشيرا إلى أن هناك توجهات فعلية لتحسين هذه المؤشرات من خلال المضي قُدُما نحو إرساء مشروع الممرّ القاري الإفريقي البري الذي سيربط تونس وليبيا بالدول الإفريقية جنوب الصحراء غير المطلة على البحر، سواء البحر الأبيض المتوسط أو المحيط الأطلسي.
ويعد مشروع الممرّ القاري الإفريقي البري أحد المشاريع الكبرى التي تراهن عليها تونس لدفع التبادل التجاري مع دول جنوب الصحراء، وهو ممرّ ينطلق من المنطقة الحرة للأنشطة اللوجستية والتجارية ببنقردان مرورا برأس جدير وليبيا باتجاه عدد من الدول الإفريقية، من ضمنها تشاد والنيجر ومالي وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى.
وتحتل الممرات الاقتصادية في العالم مكانة وازنة في اقتصاديات العالم، إذ تحوّلت إلى شرايين حيوية مُغذية للاقتصاد والتنمية والتشغيل، وبوابة للتكامل والاندماج الاقتصادي والتجاري، وهو ما يفرض التسريع في انطلاق إنجاز الممرّ القاري الإفريقي البري، ومحاولة اختصار الآجال وتوفير جميع السبل الكفيلة بإحداثه في أحسن الظروف، حتى يكون بوابة لاقتصاد إفريقي تنافسي قوي وصامد أمام جملة من التغيرات اللوجستية والاقتصادية.
تكثيف مجهودات الدبلوماسية الاقتصادية
وبحسب وليد الكسراوي، فإن من السبل الأخرى التي يمكن أن تدعمها تونس من أجل شراكات اقتصادية أكثر متانة مع دول جنوب الصحراء في إفريقيا، تكثيف مجهودات الدبلوماسية الاقتصادية من أجل تنظيم لقاءات اقتصادية ومهنية وقطاعية سواء في تونس أو في الأسواق المعنية، لافتا إلى أنها تحركات جدية وزخم لعقد مثل هذه اللقاءات.
«زليكاف» و«الكوميسا».. أطر داعمة لتوسع التبادل التجاري
وتعتبر الاتفاقيات التجارية على رأس الأطر الداعمة للتجارة البينية في القارة الإفريقية، من ضمنها اتفاقية السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا «الكوميسا»، واتفاقية إنشاء المنطقة القارية الإفريقية للتبادل الحر «زليكاف». وفي هذا السياق، ثمّن الباحث والخبير في الاقتصاد العالمي ما توفره هذه الاتفاقيات من فرص حقيقية ومثمرة وذات مردودية عالية على أرض الواقع، لتعزيز نمو التبادل التجاري، إذ لعبتا دورا محوريا في تحقيق تونس لفائض تجاري هام مع دول إفريقيا جنوب الصحراء، مشيرا إلى أن مثل هذه الاتفاقيات قد ساهمت في الاستثمار في البنية التحتية في العديد من الدول من خلال التحسين في بنية حزمة من الموانئ، وزيادة طاقة التخزين للسلع لاستيعاب حجم أكبر من السلع الأجنبية، وبالتالي ضمان تدفقات أكبر من رؤوس الأموال والاستثمارات. كما عملت على إنشاء مناطق تجارة حرة لتنشيط التجارة البينية دون تعقيدات بيروقراطية وطرفية ديوانية، وخفض نسبة البطالة وخلق ديناميكية تنموية في هذه المناطق.
ضرورة دعم الربط اللوجستي
وشدّد وليد الكسراوي على ضرورة زيادة عدد الرحلات الجوية نحو دول إفريقيا جنوب الصحراء، مُبرزا أن العدد في الوقت الحالي لا يرتقي بعد إلى مستوى تطلعات الشعوب ولا إلى الطموحات المستمرة للارتقاء بالمبادلات التجارية إلى مستويات ربحية للطرفين، داعيا إلى فتح مزيد من الخطوط الجوية التي من شأنها أن تستوعب نمو وانسياب السلع في الاتجاهين. مُعتبرا أن تطوير الربط اللوجستي مع مواصلة تنظيم شراكات أعمال بات أمرًا ضروريًا لتسهيل التعارف بين الفاعلين وتشبيك العلاقات التجارية وزيادة الفرص الاستثمارية المشتركة، ورسم حلقات ناجحة من الترابط التجاري والاقتصادي.
ولفت إلى أن إجراءات الأداءات الجمركية للتعامل التجاري بين دول القارة السمراء معقّدة مقارنة بعدد كبير من دول العالم، وهو ما يتطلب تذليلها.
وأكد محدثنا على أنه لابد من زيادة استيراد مواد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، التي تم تسجيل بعض النقص فيها في بلادنا، على غرار بعض المواد الأولية والمواد شبه المصنعة، بالتوازي مع مُعاضدة جهود الفلاحين والصناعيين والمصدّرين للترويج لسلعهم والنفاذ إلى هذه الأسواق الواعدة والتوسّع نحو العمق الإفريقي في إطار استكشاف الأسواق المذكورة ورسم خطط ناجعة لاكتساحها، لافتًا إلى أنه من المهم مزيد إبرام اتفاقيات تجارية مع عدد من الدول الإفريقية.
درصاف اللموشي
سجّلت تونس فائضا تجاريا مع دول إفريقيا جنوب الصحراء بلغ 802.5 مليون دينار سنة 2025، حسب إحصائيات نشرتها مؤخرا وزارة التجارة وتنمية الصادرات. ووصلت قيمة الصادرات إلى 1272.4 مليون دينار باتجاه هذه الأسواق، بينما بلغت الواردات منها 469.9 مليون دينار.
وتؤكد هذه الأرقام أن تونس بصدد تعبيد الطريق أمام قفزة هامة في صادراتها إلى هذه الأسواق الواعدة، وهي أسواق ذات قدرة استهلاكية كبيرة بالنظر إلى تصاعد عدد سكانها في العقد الأخير. وتتجه تونس بالتالي إلى تنويع منتوجاتها، بل أيضًا إلى تنويع أسواقها التصديرية، انسجامًا مع التغيرات الإقليمية والعالمية التي رسمت تنافسًا قويًا للنفاذ إلى الأسواق الإفريقية، وكسب رهان تعدّد الحرفاء.
وتبحث تونس عن حلول تمكّنها من التوسّع اقتصاديا نحو عمقها الإفريقي لتدعيم هذه المؤشرات في الفترة المقبلة ضمن خطط واضحة تهدف إلى تعزيز التعاون التجاري وتبادل سلس للسلع، وتركيز الجهود نحو خلق قاعدة ناجحة للتبادل التجاري البيني.
وفي هذا الصدد، أفاد الباحث والخبير في الاقتصاد، وليد الكسراوي، في تصريح لـ«الصباح» أن العالم في السنوات الأخيرة قد شهد تغييرات اقتصادية كبيرة ومُتلاحقة من بينها ما هو مرتبط بعلاقات تونس التجارية مع عدد من الدول، إذ إن دول الاتحاد الأوروبي، وهي الشريك التجاري والاقتصادي الأول لتونس، والتي تُصنّف في خانة الأسواق التقليدية لبلادنا، قد فرضت تباعا سياسات اقتصادية حمائية، في حين قررت الولايات المتحدة الأمريكية في النصف الثاني من العام الفارط 2025، فرض رسوم جمركية استهدفت صادرات العديد من الدول، من بينها تونس.
وجهة بارزة للمنتوجات التونسية
وأشار وليد الكسراوي إلى أنه في ظل هذه التحوّلات العميقة، تبرز دول الجوار ودول إفريقيا جنوب الصحراء كأحد أهم الوجهات التصديرية للسلع والمنتوجات التونسية، التي يمكن المراهنة عليها بجدية لتسجيل نقلة حقيقية في إجمالي قيمة الصادرات، من خلال تزايد الطلب على المنتوجات التونسية من قبل هذا الصنف من الحرفاء.
ثراء الصادرات الوطنية
وبخصوص مدى تنوّع الصادرات التونسية الموجهة إلى أسواق إفريقيا جنوب الصحراء، أفاد الباحث والخبير في الاقتصاد العالمي أنها تتميّز بثراء كبير، وتعتمد أساسا على المنتوجات الزراعية والغذائية مثل زيت الزيتون والتمور، وسلع تنتمي إلى القطاعات الكهربائية والميكانيكية من ضمنها صناعة مكونات السيارات، لتستحوذ هذه المنتوجات مجتمعة على قرابة 90 بالمائة من إجمالي الصادرات الوطنية إلى دول جنوب الصحراء.
ولاحظ المتحدث ذاته أن الصادرات نحو دول إفريقيا جنوب الصحراء تمثل حصتها 2 بالمائة فقط من إجمالي الصادرات على امتداد سنة 2025، مشيرا إلى أن هذا الرقم لا يزال ضعيفا ولا يعكس الآفاق التصديرية الكبيرة في هذه السوق، ولا المميزات التي يحملها المنتوج التونسي من حيث الجودة واليد العاملة الماهرة، والقدرة التنافسية العالية للمؤسسات المصدّرة.
الممرّ القاري الإفريقي البري.. المشروع الضخم
وشدّد وليد الكسراوي على أن لبلادنا القدرة على رفع هذا الرقم إلى رقمين، أي أكثر من 10 بالمائة من إجمالي الصادرات، مُشيرا إلى أن هناك توجهات فعلية لتحسين هذه المؤشرات من خلال المضي قُدُما نحو إرساء مشروع الممرّ القاري الإفريقي البري الذي سيربط تونس وليبيا بالدول الإفريقية جنوب الصحراء غير المطلة على البحر، سواء البحر الأبيض المتوسط أو المحيط الأطلسي.
ويعد مشروع الممرّ القاري الإفريقي البري أحد المشاريع الكبرى التي تراهن عليها تونس لدفع التبادل التجاري مع دول جنوب الصحراء، وهو ممرّ ينطلق من المنطقة الحرة للأنشطة اللوجستية والتجارية ببنقردان مرورا برأس جدير وليبيا باتجاه عدد من الدول الإفريقية، من ضمنها تشاد والنيجر ومالي وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى.
وتحتل الممرات الاقتصادية في العالم مكانة وازنة في اقتصاديات العالم، إذ تحوّلت إلى شرايين حيوية مُغذية للاقتصاد والتنمية والتشغيل، وبوابة للتكامل والاندماج الاقتصادي والتجاري، وهو ما يفرض التسريع في انطلاق إنجاز الممرّ القاري الإفريقي البري، ومحاولة اختصار الآجال وتوفير جميع السبل الكفيلة بإحداثه في أحسن الظروف، حتى يكون بوابة لاقتصاد إفريقي تنافسي قوي وصامد أمام جملة من التغيرات اللوجستية والاقتصادية.
تكثيف مجهودات الدبلوماسية الاقتصادية
وبحسب وليد الكسراوي، فإن من السبل الأخرى التي يمكن أن تدعمها تونس من أجل شراكات اقتصادية أكثر متانة مع دول جنوب الصحراء في إفريقيا، تكثيف مجهودات الدبلوماسية الاقتصادية من أجل تنظيم لقاءات اقتصادية ومهنية وقطاعية سواء في تونس أو في الأسواق المعنية، لافتا إلى أنها تحركات جدية وزخم لعقد مثل هذه اللقاءات.
«زليكاف» و«الكوميسا».. أطر داعمة لتوسع التبادل التجاري
وتعتبر الاتفاقيات التجارية على رأس الأطر الداعمة للتجارة البينية في القارة الإفريقية، من ضمنها اتفاقية السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا «الكوميسا»، واتفاقية إنشاء المنطقة القارية الإفريقية للتبادل الحر «زليكاف». وفي هذا السياق، ثمّن الباحث والخبير في الاقتصاد العالمي ما توفره هذه الاتفاقيات من فرص حقيقية ومثمرة وذات مردودية عالية على أرض الواقع، لتعزيز نمو التبادل التجاري، إذ لعبتا دورا محوريا في تحقيق تونس لفائض تجاري هام مع دول إفريقيا جنوب الصحراء، مشيرا إلى أن مثل هذه الاتفاقيات قد ساهمت في الاستثمار في البنية التحتية في العديد من الدول من خلال التحسين في بنية حزمة من الموانئ، وزيادة طاقة التخزين للسلع لاستيعاب حجم أكبر من السلع الأجنبية، وبالتالي ضمان تدفقات أكبر من رؤوس الأموال والاستثمارات. كما عملت على إنشاء مناطق تجارة حرة لتنشيط التجارة البينية دون تعقيدات بيروقراطية وطرفية ديوانية، وخفض نسبة البطالة وخلق ديناميكية تنموية في هذه المناطق.
ضرورة دعم الربط اللوجستي
وشدّد وليد الكسراوي على ضرورة زيادة عدد الرحلات الجوية نحو دول إفريقيا جنوب الصحراء، مُبرزا أن العدد في الوقت الحالي لا يرتقي بعد إلى مستوى تطلعات الشعوب ولا إلى الطموحات المستمرة للارتقاء بالمبادلات التجارية إلى مستويات ربحية للطرفين، داعيا إلى فتح مزيد من الخطوط الجوية التي من شأنها أن تستوعب نمو وانسياب السلع في الاتجاهين. مُعتبرا أن تطوير الربط اللوجستي مع مواصلة تنظيم شراكات أعمال بات أمرًا ضروريًا لتسهيل التعارف بين الفاعلين وتشبيك العلاقات التجارية وزيادة الفرص الاستثمارية المشتركة، ورسم حلقات ناجحة من الترابط التجاري والاقتصادي.
ولفت إلى أن إجراءات الأداءات الجمركية للتعامل التجاري بين دول القارة السمراء معقّدة مقارنة بعدد كبير من دول العالم، وهو ما يتطلب تذليلها.
وأكد محدثنا على أنه لابد من زيادة استيراد مواد من دول إفريقيا جنوب الصحراء، التي تم تسجيل بعض النقص فيها في بلادنا، على غرار بعض المواد الأولية والمواد شبه المصنعة، بالتوازي مع مُعاضدة جهود الفلاحين والصناعيين والمصدّرين للترويج لسلعهم والنفاذ إلى هذه الأسواق الواعدة والتوسّع نحو العمق الإفريقي في إطار استكشاف الأسواق المذكورة ورسم خطط ناجعة لاكتساحها، لافتًا إلى أنه من المهم مزيد إبرام اتفاقيات تجارية مع عدد من الدول الإفريقية.