يعود مجددا القطاع الفلاحي إلى صدارة الاهتمام الوطني من خلال جملة من التوجيهات الحاسمة التي أعلن عنها رئيس الجمهورية قيس سعيد، أكد من خلالها أن صغار الفلاحين ليسوا مجرد حلقة ضعيفة في منظومة الإنتاج، وإنما يشكلون جوهرها الحقيقي وأساس استقرارها. ومن هذا المنطلق، أعاد رئيس الدولة قيس سعيد وضع هذه الفئة في قلب السياسات العمومية، ليحسم في الوقت ذاته ملفات ظلت لسنوات محل تجاذبات، واضعا في السياق ذاته النقاط على الحروف في قضايا تمس صميم السيادة الوطنية، من منظومة توزيع الأسمدة وما شابها من احتكار وتلاعب، إلى رسم ملامح سياسة مائية جديدة، وصولا إلى حماية المنتوجات الاستراتيجية وفي مقدمتها زيت الزيتون والتمور. وذلك ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تصحيح إخلالات متراكمة منذ عقود وإعادة الاعتبار لدور الدولة كضامن للعدالة والإنصاف.
وقد تجلى هذا الطرح بوضوح خلال اللقاء الأخير الذي جمع رئيس الجمهورية قيس سعيد بوزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ، عشية الأربعاء 28 جانفي الجاري، بقصر قرطاج، حيث شدد رئيس الدولة قيس سعيد على أن التحديات المتراكمة منذ عقود تفرض مراجعة جذرية للخيارات والسياسات التي حكمت هذا القطاع منذ أواخر القرن الماضي، بما يؤشر إلى توجه الدولة نحو تصحيح المسار، ومواجهة منظومات الاحتكار والإهمال، واستعادة الدور الاجتماعي والاقتصادي له.
ضمن هذه المقاربة، يكتسب لقاء قرطاج بعدًا سياسيًا واقتصاديًا هامًا، فهو يعكس تحولًا لافتًا في تعاطي الدولة مع الملفات الفلاحية والمائية، باعتبارها ركائز سيادية لا تقلّ أهمية عن الأمن والدفاع. فالقضايا التي طرحها رئيس الدولة قيس سعيد عبر هذا اللقاء تعيد إلى الواجهة أسئلة مؤجلة منذ عقود، وتفتح في الوقت ذاته أفق تصحيح مسار اختل منذ سنوات طويلة.
ممارسات ترتقي إلى مرتبة الجريمة
في هذا السياق، شكلت مسألة توزيع مادة الأمونيتر في عدد من ولايات الجمهورية، وعلى رأسها بنزرت وجندوبة وسليانة، العنوان الأبرز للأزمة المتراكمة داخل القطاع الفلاحي نتيجة سوء التصرف والاحتكار والتلاعب بحصص التوزيع.
هنا وضع رئيس الدولة قيس سعيد إصبعه على مكمن الداء حين وصف التلاعب بتوزيع مادة «الأمونيتر» بأنه يرتقي إلى مستوى الجريمة. فالحرمان الممنهج الذي يعاني منه صغار الفلاحين في ولايات مثل بنزرت وجندوبة وسليانة لا يعود إلى مجرد خلل لوجستي أو تقني، وإنما هو سياسة مفتعلة تقودها «بارونات» الاحتكار لضرب الموسم الفلاحي. وهو توصيف يعبر في جوهره عن إرادة سياسية لقطع الصلة مع سياسة الإفلات من المحاسبة التي رافقت إدارة هذا القطاع منذ عقود.
ولعلّ استحضار تجربة إحداث ديوان الأعلاف وما رافقها من محاولات ممنهجة لتفليسه عبر الاحتكار والمضاربة من قبل رئيس الجمهورية قيس سعيد يعكس وعيًا بأن بعض الإخلالات الحالية ليست وليدة اللحظة، وإنما هي امتداد لسياسات خاطئة ترسّخت منذ عقود عندما فُتح آنذاك المجال أمام شبكات موازية لتقويض دور الدولة وضرب مصداقية مؤسساتها. ومن هذا المنطلق، يندرج موقف رئيس الجمهورية قيس سعيد ضمن رؤية تعتبر حماية المال العام شرطا أساسيا لاستعادة الثقة بين الدولة والفلاح.
دعوة لمضاعفة الجهود
ومن ملف «الأمونيتر» إلى موسم جني الزيتون، تتّضح ملامح المقاربة نفسها. فقد جدّد رئيس الدولة قيس سعيد تأكيده على محدودية طاقة التخزين لدى الديوان الوطني للزيت داعيا إلى مضاعفة الجهود حتى يضطلع بدوره الكامل في تعديل السوق وحماية المنتج. ولم تقتصر التعليمات على الآليات اللوجستية فحسب، بل شملت توجيه جزء من زيت الزيتون وصابة التمور إلى السوق الداخلية والوداديات، في خطوة تهدف إلى تحقيق توازن بين مصلحة الفلاح وقدرة المواطن الشرائية، وهي معادلة طالما اختلت في العقود الماضية لصالح التصدير غير المنظم.
وفي المقابل، لم يتغافل رئيس الدولة قيس سعيد عن الدعوة إلى ضرورة مواصلة البحث عن أسواق خارجية جديدة، بما يعكس دراية وادراكًا لأهمية الدور الموكول للفلاحة كرافعة للاقتصاد الوطني، وهو توجه يقطع مع سياسات ظرفية سادت على مدار السنوات التي خلت حيث كان التصرف في الصابة يبتعد كليا عن سياسة التخطيط الاستراتيجي أو التصورات بعيدة المدى.
توجيهات للصيانة والجهر
من جهة أخرى، لم يتغافل اللقاء عن واحد من أهم الملفات التي تطرح تحديات جسام في الوقت الراهن، حيث شكل ملف المياه وحسن إدارتها محورًا مركزيا في لقاء قرطاج بوصفه عنوانًا لفشل تراكم منذ عشرات السنين. وفي هذا السياق أسدى رئيس الجمهورية قيس سعيد تعليماته بضرورة القيام بعمليات الصيانة والجهر للسدود والأودية بصفة دورية، مذكرا بأنّ إهمال هذه المنشآت حوّل بعضها إلى مجرد «آثار بعد عين»، على غرار سدّ الأخماس بسليانة الذي فقد دوره رغم طاقة استيعابه التي كانت تتراوح بين 5 و7 ملايين متر مكعب.
ويكشف هذا التشخيص عن قراءة نقدية لسياسات مائية تأسست منذ سبعينات القرن الماضي على التوسع في الإنجاز دون ضمان الاستدامة والجودة، مما أدى إلى تراكم الأتربة في السدود والبحيرات الجبلية وإلى تآكل البنية التحتية المائية بشكل تدريجي. ومن هنا، فإنّ دعوة رئيس الدولة قيس سعيد إلى الصيانة الدورية تمثل في جوهرها قطيعة مع ثقافة الإهمال المؤسساتي التي حكمت هذا القطاع على أهميته لعقود.
إشعاع خارجي
من جهة أخرى، جدير بالذكر أن لقاء قرطاج الأخير حول الفلاحة يندرج ضمن سلسلة من اللقاءات والمتابعات التي خصصها رئيس الجمهورية قيس سعيّد للقطاع الفلاحي، في تأكيد على مكانته كخيار استراتيجي في السياسات العمومية لا كملف ظرفي يستحضر عند الأزمات فقط. فقد سبق لرئيس الدولة قيس سعيد أن تناول هذا الملف في عديد المناسبات، سواء من خلال اجتماعات خصصت للاستعداد لموسم جني الزيتون أو خلال متابعته المباشرة لعدد من الإشكاليات المرتبطة بمنظومة الإنتاج والتسويق. وقد عكست تلك التدخلات التي كانت مرفوقة بإجراءات هامة لا سيما لفائدة صغار الفلاحين، حرصًا واضحًا على معالجة الإشكالات قبل تفاقمها، وتأكيدا على أن القطاع الفلاحي ليس مجرد قطاع، وإنما يتجلى كرهان استراتيجي يستوجب المتابعة المستمرة.
وقد أفضى اهتمام الدولة في أعلى هرمها بالقطاع الفلاحي منذ بداية الموسم الفلاحي إلى إعادة إشعاع هذا المجال الاستراتيجي كرافد أساسي للتنمية ومحرك فعلي لعجلة الاقتصاد الوطني، حيث أفضت المقاربة المعتمدة بتوجيهات من رئيس الدولة قيس سعيد إلى تعزيز حضور المنتوجات التونسية في الأسواق الخارجية، لعل أبرزها زيت الزيتون التونسي الذي عزّز موقعه عالميًا بفضل جودة الإنتاج وحسن التصرف في الصابة، بما يؤكد أن الرهان على الفلاحة ليس مجرد خيار اجتماعي، بل استثمار ناجع في صورة تونس الاقتصادية وقدرتها التنافسية.
كما يؤكد هذا الإشعاع أيضا أنه طالما كانت الدولة حاضرة ومتصدية لكل الإخلالات والتجاوزات وكل مظاهر الفساد، فإن الحصيلة الفعلية للقطاع الفلاحي لا يمكن أن تكون إلا إيجابية، وهو ما يترجمه تحسين الإنتاج، وضبط الأسواق، وتعزيز قدرة المنتوجات التونسية على المنافسة داخليًا وخارجيًا، بما يعكس جدوى السياسات المعتمدة والتدخلات المباشرة لرئيس الجمهورية قيس سعيد، سواء في حماية مصالح صغار الفلاحين أو في تعزيز السيادة الغذائية للبلاد.
من جانب آخر، وفي نفس الصدد، تكشف اللقاءات المكثفة لرئيس الجمهورية قيس سعيد مع صناع القرار في الخط الأول للمجال الفلاحي أن الدولة لم تعد تنظر إلى القطاع الفلاحي كنشاط تقليدي فحسب، بل كقاطرة أساسية لتحقيق الاقتصاد المنشود على اعتبار أن رهان رئيس الدولة قيس سعيد على الأرض والمنتوج الوطني يعكس إيمانًا ثابتًا بأن الاستقلال الحقيقي يبدأ من تحقيق الاكتفاء الذاتي والسيادة الغذائية.
من خلال تطهير المسالك، ودعم صغار المنتجين، وتحديث البنية المائية، تتحول الفلاحة من قطاع مثقل بالأزمات إلى خزان للثروة ومحرك للنمو القادر على خلق مواطن الشغل وتقليص العجز التجاري، بما يشير إلى رؤية استراتيجية تقطع مع الحلول الترقيعية، لتجعل من مصطلح «تونس الخضراء» حقيقة اقتصادية ملموسة تساهم في بناء اقتصاد وطني صلب وصامد أمام كل التغيرات.
في هذا الخضم، يتجلى لقاء قرطاج الأخير حول الفلاحة والمياه كلقاء لا يمكن اختزاله في كونه مجرد محطة ضمن الروزنامة الرئاسية، بل هو حلقة جديدة في مسار إعادة بناء الدولة على أسس السيادة والعدالة والنجاعة. فهو لقاء يربط بين تشخيص جذور الأزمة في سياسات القرن الماضي، وبين إرادة الحاضر في التصحيح والمساءلة وتجاوز كل مظاهر سوء التصرف، مؤكدا أن الرهان الفعلي اليوم لم يعد في إدارة الأزمات، وإنما في تفكيك منظومات الفشل التي راكمها القطاع منذ عهود.
وفي هذا الإطار، تبدو تدخلات رئيس الجمهورية قيس سعيد كدلالات سياسية واضحة مفادها أن الدولة عازمة على استعادة دورها كفاعل مركزي في صناعة الحلول واتخاذ القرار.
فهذا اللقاء، على أهميته، لم يكن مجرد استعراض لإشكاليات جوهرية دمرت القطاع على مدار عقود، بل كان بمثابة خارطة طريق واضحة المعالم تدمج بين الردع القانوني للمحتكرين وبين العمل التقني الاستراتيجي لإصلاح القطاع الفلاحي، بما يعكس إصرار الدولة على أن تكون هي الضامن الوحيد لتوزيع الثروات والخيرات بكل عدل وشفافية.
منال حرزي
يعود مجددا القطاع الفلاحي إلى صدارة الاهتمام الوطني من خلال جملة من التوجيهات الحاسمة التي أعلن عنها رئيس الجمهورية قيس سعيد، أكد من خلالها أن صغار الفلاحين ليسوا مجرد حلقة ضعيفة في منظومة الإنتاج، وإنما يشكلون جوهرها الحقيقي وأساس استقرارها. ومن هذا المنطلق، أعاد رئيس الدولة قيس سعيد وضع هذه الفئة في قلب السياسات العمومية، ليحسم في الوقت ذاته ملفات ظلت لسنوات محل تجاذبات، واضعا في السياق ذاته النقاط على الحروف في قضايا تمس صميم السيادة الوطنية، من منظومة توزيع الأسمدة وما شابها من احتكار وتلاعب، إلى رسم ملامح سياسة مائية جديدة، وصولا إلى حماية المنتوجات الاستراتيجية وفي مقدمتها زيت الزيتون والتمور. وذلك ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تصحيح إخلالات متراكمة منذ عقود وإعادة الاعتبار لدور الدولة كضامن للعدالة والإنصاف.
وقد تجلى هذا الطرح بوضوح خلال اللقاء الأخير الذي جمع رئيس الجمهورية قيس سعيد بوزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ، عشية الأربعاء 28 جانفي الجاري، بقصر قرطاج، حيث شدد رئيس الدولة قيس سعيد على أن التحديات المتراكمة منذ عقود تفرض مراجعة جذرية للخيارات والسياسات التي حكمت هذا القطاع منذ أواخر القرن الماضي، بما يؤشر إلى توجه الدولة نحو تصحيح المسار، ومواجهة منظومات الاحتكار والإهمال، واستعادة الدور الاجتماعي والاقتصادي له.
ضمن هذه المقاربة، يكتسب لقاء قرطاج بعدًا سياسيًا واقتصاديًا هامًا، فهو يعكس تحولًا لافتًا في تعاطي الدولة مع الملفات الفلاحية والمائية، باعتبارها ركائز سيادية لا تقلّ أهمية عن الأمن والدفاع. فالقضايا التي طرحها رئيس الدولة قيس سعيد عبر هذا اللقاء تعيد إلى الواجهة أسئلة مؤجلة منذ عقود، وتفتح في الوقت ذاته أفق تصحيح مسار اختل منذ سنوات طويلة.
ممارسات ترتقي إلى مرتبة الجريمة
في هذا السياق، شكلت مسألة توزيع مادة الأمونيتر في عدد من ولايات الجمهورية، وعلى رأسها بنزرت وجندوبة وسليانة، العنوان الأبرز للأزمة المتراكمة داخل القطاع الفلاحي نتيجة سوء التصرف والاحتكار والتلاعب بحصص التوزيع.
هنا وضع رئيس الدولة قيس سعيد إصبعه على مكمن الداء حين وصف التلاعب بتوزيع مادة «الأمونيتر» بأنه يرتقي إلى مستوى الجريمة. فالحرمان الممنهج الذي يعاني منه صغار الفلاحين في ولايات مثل بنزرت وجندوبة وسليانة لا يعود إلى مجرد خلل لوجستي أو تقني، وإنما هو سياسة مفتعلة تقودها «بارونات» الاحتكار لضرب الموسم الفلاحي. وهو توصيف يعبر في جوهره عن إرادة سياسية لقطع الصلة مع سياسة الإفلات من المحاسبة التي رافقت إدارة هذا القطاع منذ عقود.
ولعلّ استحضار تجربة إحداث ديوان الأعلاف وما رافقها من محاولات ممنهجة لتفليسه عبر الاحتكار والمضاربة من قبل رئيس الجمهورية قيس سعيد يعكس وعيًا بأن بعض الإخلالات الحالية ليست وليدة اللحظة، وإنما هي امتداد لسياسات خاطئة ترسّخت منذ عقود عندما فُتح آنذاك المجال أمام شبكات موازية لتقويض دور الدولة وضرب مصداقية مؤسساتها. ومن هذا المنطلق، يندرج موقف رئيس الجمهورية قيس سعيد ضمن رؤية تعتبر حماية المال العام شرطا أساسيا لاستعادة الثقة بين الدولة والفلاح.
دعوة لمضاعفة الجهود
ومن ملف «الأمونيتر» إلى موسم جني الزيتون، تتّضح ملامح المقاربة نفسها. فقد جدّد رئيس الدولة قيس سعيد تأكيده على محدودية طاقة التخزين لدى الديوان الوطني للزيت داعيا إلى مضاعفة الجهود حتى يضطلع بدوره الكامل في تعديل السوق وحماية المنتج. ولم تقتصر التعليمات على الآليات اللوجستية فحسب، بل شملت توجيه جزء من زيت الزيتون وصابة التمور إلى السوق الداخلية والوداديات، في خطوة تهدف إلى تحقيق توازن بين مصلحة الفلاح وقدرة المواطن الشرائية، وهي معادلة طالما اختلت في العقود الماضية لصالح التصدير غير المنظم.
وفي المقابل، لم يتغافل رئيس الدولة قيس سعيد عن الدعوة إلى ضرورة مواصلة البحث عن أسواق خارجية جديدة، بما يعكس دراية وادراكًا لأهمية الدور الموكول للفلاحة كرافعة للاقتصاد الوطني، وهو توجه يقطع مع سياسات ظرفية سادت على مدار السنوات التي خلت حيث كان التصرف في الصابة يبتعد كليا عن سياسة التخطيط الاستراتيجي أو التصورات بعيدة المدى.
توجيهات للصيانة والجهر
من جهة أخرى، لم يتغافل اللقاء عن واحد من أهم الملفات التي تطرح تحديات جسام في الوقت الراهن، حيث شكل ملف المياه وحسن إدارتها محورًا مركزيا في لقاء قرطاج بوصفه عنوانًا لفشل تراكم منذ عشرات السنين. وفي هذا السياق أسدى رئيس الجمهورية قيس سعيد تعليماته بضرورة القيام بعمليات الصيانة والجهر للسدود والأودية بصفة دورية، مذكرا بأنّ إهمال هذه المنشآت حوّل بعضها إلى مجرد «آثار بعد عين»، على غرار سدّ الأخماس بسليانة الذي فقد دوره رغم طاقة استيعابه التي كانت تتراوح بين 5 و7 ملايين متر مكعب.
ويكشف هذا التشخيص عن قراءة نقدية لسياسات مائية تأسست منذ سبعينات القرن الماضي على التوسع في الإنجاز دون ضمان الاستدامة والجودة، مما أدى إلى تراكم الأتربة في السدود والبحيرات الجبلية وإلى تآكل البنية التحتية المائية بشكل تدريجي. ومن هنا، فإنّ دعوة رئيس الدولة قيس سعيد إلى الصيانة الدورية تمثل في جوهرها قطيعة مع ثقافة الإهمال المؤسساتي التي حكمت هذا القطاع على أهميته لعقود.
إشعاع خارجي
من جهة أخرى، جدير بالذكر أن لقاء قرطاج الأخير حول الفلاحة يندرج ضمن سلسلة من اللقاءات والمتابعات التي خصصها رئيس الجمهورية قيس سعيّد للقطاع الفلاحي، في تأكيد على مكانته كخيار استراتيجي في السياسات العمومية لا كملف ظرفي يستحضر عند الأزمات فقط. فقد سبق لرئيس الدولة قيس سعيد أن تناول هذا الملف في عديد المناسبات، سواء من خلال اجتماعات خصصت للاستعداد لموسم جني الزيتون أو خلال متابعته المباشرة لعدد من الإشكاليات المرتبطة بمنظومة الإنتاج والتسويق. وقد عكست تلك التدخلات التي كانت مرفوقة بإجراءات هامة لا سيما لفائدة صغار الفلاحين، حرصًا واضحًا على معالجة الإشكالات قبل تفاقمها، وتأكيدا على أن القطاع الفلاحي ليس مجرد قطاع، وإنما يتجلى كرهان استراتيجي يستوجب المتابعة المستمرة.
وقد أفضى اهتمام الدولة في أعلى هرمها بالقطاع الفلاحي منذ بداية الموسم الفلاحي إلى إعادة إشعاع هذا المجال الاستراتيجي كرافد أساسي للتنمية ومحرك فعلي لعجلة الاقتصاد الوطني، حيث أفضت المقاربة المعتمدة بتوجيهات من رئيس الدولة قيس سعيد إلى تعزيز حضور المنتوجات التونسية في الأسواق الخارجية، لعل أبرزها زيت الزيتون التونسي الذي عزّز موقعه عالميًا بفضل جودة الإنتاج وحسن التصرف في الصابة، بما يؤكد أن الرهان على الفلاحة ليس مجرد خيار اجتماعي، بل استثمار ناجع في صورة تونس الاقتصادية وقدرتها التنافسية.
كما يؤكد هذا الإشعاع أيضا أنه طالما كانت الدولة حاضرة ومتصدية لكل الإخلالات والتجاوزات وكل مظاهر الفساد، فإن الحصيلة الفعلية للقطاع الفلاحي لا يمكن أن تكون إلا إيجابية، وهو ما يترجمه تحسين الإنتاج، وضبط الأسواق، وتعزيز قدرة المنتوجات التونسية على المنافسة داخليًا وخارجيًا، بما يعكس جدوى السياسات المعتمدة والتدخلات المباشرة لرئيس الجمهورية قيس سعيد، سواء في حماية مصالح صغار الفلاحين أو في تعزيز السيادة الغذائية للبلاد.
من جانب آخر، وفي نفس الصدد، تكشف اللقاءات المكثفة لرئيس الجمهورية قيس سعيد مع صناع القرار في الخط الأول للمجال الفلاحي أن الدولة لم تعد تنظر إلى القطاع الفلاحي كنشاط تقليدي فحسب، بل كقاطرة أساسية لتحقيق الاقتصاد المنشود على اعتبار أن رهان رئيس الدولة قيس سعيد على الأرض والمنتوج الوطني يعكس إيمانًا ثابتًا بأن الاستقلال الحقيقي يبدأ من تحقيق الاكتفاء الذاتي والسيادة الغذائية.
من خلال تطهير المسالك، ودعم صغار المنتجين، وتحديث البنية المائية، تتحول الفلاحة من قطاع مثقل بالأزمات إلى خزان للثروة ومحرك للنمو القادر على خلق مواطن الشغل وتقليص العجز التجاري، بما يشير إلى رؤية استراتيجية تقطع مع الحلول الترقيعية، لتجعل من مصطلح «تونس الخضراء» حقيقة اقتصادية ملموسة تساهم في بناء اقتصاد وطني صلب وصامد أمام كل التغيرات.
في هذا الخضم، يتجلى لقاء قرطاج الأخير حول الفلاحة والمياه كلقاء لا يمكن اختزاله في كونه مجرد محطة ضمن الروزنامة الرئاسية، بل هو حلقة جديدة في مسار إعادة بناء الدولة على أسس السيادة والعدالة والنجاعة. فهو لقاء يربط بين تشخيص جذور الأزمة في سياسات القرن الماضي، وبين إرادة الحاضر في التصحيح والمساءلة وتجاوز كل مظاهر سوء التصرف، مؤكدا أن الرهان الفعلي اليوم لم يعد في إدارة الأزمات، وإنما في تفكيك منظومات الفشل التي راكمها القطاع منذ عهود.
وفي هذا الإطار، تبدو تدخلات رئيس الجمهورية قيس سعيد كدلالات سياسية واضحة مفادها أن الدولة عازمة على استعادة دورها كفاعل مركزي في صناعة الحلول واتخاذ القرار.
فهذا اللقاء، على أهميته، لم يكن مجرد استعراض لإشكاليات جوهرية دمرت القطاع على مدار عقود، بل كان بمثابة خارطة طريق واضحة المعالم تدمج بين الردع القانوني للمحتكرين وبين العمل التقني الاستراتيجي لإصلاح القطاع الفلاحي، بما يعكس إصرار الدولة على أن تكون هي الضامن الوحيد لتوزيع الثروات والخيرات بكل عدل وشفافية.