التشتت في مجال اتخاذ القرار وأحيانا التداخل في الصلاحيات يعيق العمل
التراث مهدد بالعوامل المناخية، لكنه مهدد أكثر بعدم احترام طبيعته وخصوصياته
الخروقات، وخاصة منها البناءات غير القانونية، من أكثر المشاكل التي تواجه المواقع الأثرية بما في ذلك المصنفة تراثا عالميا
بقدر ما يكون التراث ثريا ومتنوعا بقدر ما يحتاج إلى جهود أكبر وإمكانيات أكثر قد لا تتوفر دائما بالكامل
كان من المفروض أن تُحدث وزيرة الشؤون الثقافية، وفق ما تم التعهد به خلال مناقشة ميزانية الوزارة للسنة الجارية أمام البرلمان، ديوانا خاصا بالتراث يجمع مختلف الإدارات المختصة، وأساسا المعهد الوطني للتراث والوكالة الوطنية لإحياء التراث والإدارة العامة للتراث، وذلك استجابة، على ما يبدو، للمطالب التي نادى بها عدد من الخبراء الذين يؤكدون باستمرار أن تشتت موضوع التراث بين عدة إدارات يعيق عملية الاستغلال والصيانة والتثمين. لكن الأمر لم يحدث بعد أو ربما تأجل. المهم أن لا شيء تغيّر رغم إلحاح أهل الاختصاص بضرورة التعجيل بالمرور إلى مرحلة التنفيذ.
والسؤال: لماذا يعتبر إحداث هيكل مستقل وجامع، على غرار ديوان التراث أو كتابة دولة للتراث، أمرا بهذه الأهمية؟
الباحث والمدير السابق للمعهد الوطني للتراث نبيل قلالة، الذي طالب مثلا وبإلحاح، عبر أعمدة جريدة «الصباح»، بكتابة دولة خاصة بالتراث، يؤكد، كباحث وخبير وسبق أن مثّل تونس في منظمة اليونسكو، أن ثراء مخزوننا وكثرة المواقع الأثرية وحجم الإرث التاريخي والطبيعي للبلاد يتطلب إطارا موحدا للإشراف على القطاع ويقطع مع التشتت وأحيانا التداخل في الصلاحيات.
وإضافة إلى الباحث المذكور، يرى الكثير من الخبراء والمختصين في الآثار أن الأحداث الأخيرة في علاقة مع الفيضانات التي شهدتها البلاد مؤخرا، إذ ظهرت اكتشافات أثرية جديدة على بعض السواحل بعد انحسار مياه الأمطار، كما تضرر البعض من المواقع التاريخية والطبيعية بسبب تسرب المياه، تثبت أنه لا بد من تغيير أسلوب إدارة القطاع بطريقة تتلاءم أكثر مع التطورات، وأن الحل قد يكون في بعث هيكل يوحّد بين كل الهياكل الفاعلة حاليا.
صحيح، هناك توزيع للاختصاصات بين الهياكل التابعة للوزارة المختصة في التراث، فالمعهد الوطني للتراث مثلا يهتم بالأمور العلمية والمعرفية، في حين تهتم وكالة إحياء التراث بالتعهد والصيانة بالخصوص، لكن تبقى المسائل أحيانا ضبابية، ويحدث أن يتعطل العمل لأسباب إدارية، وأحيانا بيروقراطية، وهو ما يقلل من نجاعة العمل في مجال تثمين تراثه وصيانته واستغلاله والتصرف في القطاع عموما.
وكنا قد أشرنا سابقا، اعتمادا على آراء الخبراء أو إثر حدوث مشاكل ناجمة عن تشتت الصلاحيات، إلى أن توزيع التراث على عدد من الهياكل، وأيّا كان التنسيق بينها، لا يخدم القطاع كثيرا. ويبدو أن المسألة لم تعد تتحمل مزيدا من التأجيل، حتى إن رئيس الجمهورية قيس سعيّد، وإثر زيارته لهضبة سيدي بوسعيد التي تواجه خطرا كبيرا استفحل بعد الفيضانات الأخيرة ـ وكنا قد خصصنا مساحات هامة للموضوع في أعدادنا السابقة ـ عبّر بطريقة واضحة عن رفضه لتواصل نفس الأساليب في إدارة قطاع التراث وطالب بنجاعة أكبر في التدخل.
مع العلم أن رئيس الجمهورية كان قد التقى يوم الأربعاء 28 جانفي الجاري بقصر قرطاج بوزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي.
وشدّد، وفق ما جاء في بيان في الغرض، «على دور المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث في صيانة وحماية التراث الأثري التاريخي والحضاري لبلادنا». وقد عاد رئيس الجمهورية بالمناسبة إلى مسألة تعتبر أصل الداء في القطاع، وهي عدم احترام المناطق الأثرية بما في ذلك المناطق المصنفة تراثا عالميا. هذه المناطق، ومنها بالخصوص سيدي بوسعيد وقرطاج، عانت طويلا من الخروقات، وخاصة فرض بناءات لا تحترم الطابع التراثي للمنطقة.
وكان موقع قرطاج، وهو من بين المواقع الأولى التي صُنّفت في لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، قد تعرض خاصة قبل الثورة إلى اعتداءات كثيرة، ومن بينها تشييد مساكن وبناءات على مساحات شاسعة من الموقع التاريخي تخالف طابعه الأثري، وهو ما كلّف البلاد لفت نظر من اليونسكو في عدة مناسبات. وإذ تقلصت البناءات نسبيا بعد الثورة، إلا أنه لم يقع إلى اليوم، مثلا، بشهادة أهل الاختصاص، تحديد الموقع بالكامل وتنفيذ المشروع الخاص بالتصرف فيه وفق مخطط مصادق عليه منذ التسعينات من القرن الماضي.
وإذ تعاني هضبة سيدي بوسعيد، من جهتها، من انجرافات وتصدعات بسبب تسرب المياه، فإنها أيضا، وبشهادة الخبراء، تواجه مخاطر عديدة من بينها ما أشار إليه رئيس الجمهورية خلال لقائه بوزيرة الثقافة، وهو الضغط العمراني دون اتخاذ «ما يتعيّن من إجراءات لحماية هذه المدينة التي يزورها عشرات الآلاف من السيّاح كلّ سنة والحفاظ على خصوصيتها المعمارية والثقافية.»
تراث تونس، كما هو معروف، ثري ومتنوع يعكس ما تتميز به بلادنا من تجذّر في التاريخ والحضارة، وقد كشفت مياه الأمطار في عدد من سواحل البلاد عن آثار جديدة وعن لُقى لم يُقرَّر بعد بشأنها رسميا، وهي تتطلب دراسات متأنية، وقد تحولت فرق المعهد الوطني للتراث لمعاينة المكتشفات الجديدة، وهو ما يزيد من حجم التحديات ويتطلب جهودا كبيرة، خاصة بعد محاولات السطو على البعض من اللقى التي لوحظت في الأيام الفارطة إثر الفيضانات التي شهدتها عدة مناطق تونسية، وخاصة على السواحل. غير أنه لا بد من الإشارة إلى أن موضوع نهب الآثار هو موضوع قديم متجدد. فتونس تتميز بوجود مواقع كثيرة أثرية وطبيعية وتاريخية، وبعضها يبقى بدون حراسة أو تعهد، وهي مسألة إمكانيات مادية بالدرجة الأولى.
صحيح، تسعى البلاد من خلال هياكلها المختصة، وأساسا وكالة إحياء التراث، إلى صيانة أكبر عدد ممكن من المواقع، وقد تم التعهد بالكثير منها، وافتتح مؤخرا مثلا المتحف المسيحي المبكر بجهة قرطاج بعد انتهاء أشغال الصيانة. وهناك مجهودات على مستوى التسييج والحراسة والتنوير وتوضيح مسالك الزيارة دعما للسياحة الثقافية، لكن تبقى الجهود غير كافية لأسباب متعددة، منها الإمكانيات المادية والبشرية، لكن هناك أيضا مسألة التنسيق بين أكثر من هيكل، مما يجعل اتخاذ القرار النهائي عملية صعبة وأحيانا تستغرق وقتا أطول.
وإذ إن تراث بلادنا الثري لا يمكنه إلا أن يزيدنا فخرا بعراقة تونس وعمقها الحضاري، فإن ذلك لا يغيّب حقيقة، وهي أن التراث التونسي وآثار البلاد ليست مستغلة بالشكل الذي يليق بها. هذا التراث، إذا ما تم استغلاله كما تفعل عدة بلدان عريقة نجحت في تحويل مواقعها الأثرية والتاريخية إلى نقاط جذب واستقطاب للسياحة الثقافية، فإنه سيكون من أفضل الاستثمارات، هذا إن لم يكن أفضل استثمار لما يتميز به تاريخنا وحضارتنا من عراقة وثراء وتنوع.
حياة السايب
التشتت في مجال اتخاذ القرار وأحيانا التداخل في الصلاحيات يعيق العمل
التراث مهدد بالعوامل المناخية، لكنه مهدد أكثر بعدم احترام طبيعته وخصوصياته
الخروقات، وخاصة منها البناءات غير القانونية، من أكثر المشاكل التي تواجه المواقع الأثرية بما في ذلك المصنفة تراثا عالميا
بقدر ما يكون التراث ثريا ومتنوعا بقدر ما يحتاج إلى جهود أكبر وإمكانيات أكثر قد لا تتوفر دائما بالكامل
كان من المفروض أن تُحدث وزيرة الشؤون الثقافية، وفق ما تم التعهد به خلال مناقشة ميزانية الوزارة للسنة الجارية أمام البرلمان، ديوانا خاصا بالتراث يجمع مختلف الإدارات المختصة، وأساسا المعهد الوطني للتراث والوكالة الوطنية لإحياء التراث والإدارة العامة للتراث، وذلك استجابة، على ما يبدو، للمطالب التي نادى بها عدد من الخبراء الذين يؤكدون باستمرار أن تشتت موضوع التراث بين عدة إدارات يعيق عملية الاستغلال والصيانة والتثمين. لكن الأمر لم يحدث بعد أو ربما تأجل. المهم أن لا شيء تغيّر رغم إلحاح أهل الاختصاص بضرورة التعجيل بالمرور إلى مرحلة التنفيذ.
والسؤال: لماذا يعتبر إحداث هيكل مستقل وجامع، على غرار ديوان التراث أو كتابة دولة للتراث، أمرا بهذه الأهمية؟
الباحث والمدير السابق للمعهد الوطني للتراث نبيل قلالة، الذي طالب مثلا وبإلحاح، عبر أعمدة جريدة «الصباح»، بكتابة دولة خاصة بالتراث، يؤكد، كباحث وخبير وسبق أن مثّل تونس في منظمة اليونسكو، أن ثراء مخزوننا وكثرة المواقع الأثرية وحجم الإرث التاريخي والطبيعي للبلاد يتطلب إطارا موحدا للإشراف على القطاع ويقطع مع التشتت وأحيانا التداخل في الصلاحيات.
وإضافة إلى الباحث المذكور، يرى الكثير من الخبراء والمختصين في الآثار أن الأحداث الأخيرة في علاقة مع الفيضانات التي شهدتها البلاد مؤخرا، إذ ظهرت اكتشافات أثرية جديدة على بعض السواحل بعد انحسار مياه الأمطار، كما تضرر البعض من المواقع التاريخية والطبيعية بسبب تسرب المياه، تثبت أنه لا بد من تغيير أسلوب إدارة القطاع بطريقة تتلاءم أكثر مع التطورات، وأن الحل قد يكون في بعث هيكل يوحّد بين كل الهياكل الفاعلة حاليا.
صحيح، هناك توزيع للاختصاصات بين الهياكل التابعة للوزارة المختصة في التراث، فالمعهد الوطني للتراث مثلا يهتم بالأمور العلمية والمعرفية، في حين تهتم وكالة إحياء التراث بالتعهد والصيانة بالخصوص، لكن تبقى المسائل أحيانا ضبابية، ويحدث أن يتعطل العمل لأسباب إدارية، وأحيانا بيروقراطية، وهو ما يقلل من نجاعة العمل في مجال تثمين تراثه وصيانته واستغلاله والتصرف في القطاع عموما.
وكنا قد أشرنا سابقا، اعتمادا على آراء الخبراء أو إثر حدوث مشاكل ناجمة عن تشتت الصلاحيات، إلى أن توزيع التراث على عدد من الهياكل، وأيّا كان التنسيق بينها، لا يخدم القطاع كثيرا. ويبدو أن المسألة لم تعد تتحمل مزيدا من التأجيل، حتى إن رئيس الجمهورية قيس سعيّد، وإثر زيارته لهضبة سيدي بوسعيد التي تواجه خطرا كبيرا استفحل بعد الفيضانات الأخيرة ـ وكنا قد خصصنا مساحات هامة للموضوع في أعدادنا السابقة ـ عبّر بطريقة واضحة عن رفضه لتواصل نفس الأساليب في إدارة قطاع التراث وطالب بنجاعة أكبر في التدخل.
مع العلم أن رئيس الجمهورية كان قد التقى يوم الأربعاء 28 جانفي الجاري بقصر قرطاج بوزيرة الشؤون الثقافية أمينة الصرارفي.
وشدّد، وفق ما جاء في بيان في الغرض، «على دور المعهد الوطني للتراث ووكالة إحياء التراث في صيانة وحماية التراث الأثري التاريخي والحضاري لبلادنا». وقد عاد رئيس الجمهورية بالمناسبة إلى مسألة تعتبر أصل الداء في القطاع، وهي عدم احترام المناطق الأثرية بما في ذلك المناطق المصنفة تراثا عالميا. هذه المناطق، ومنها بالخصوص سيدي بوسعيد وقرطاج، عانت طويلا من الخروقات، وخاصة فرض بناءات لا تحترم الطابع التراثي للمنطقة.
وكان موقع قرطاج، وهو من بين المواقع الأولى التي صُنّفت في لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، قد تعرض خاصة قبل الثورة إلى اعتداءات كثيرة، ومن بينها تشييد مساكن وبناءات على مساحات شاسعة من الموقع التاريخي تخالف طابعه الأثري، وهو ما كلّف البلاد لفت نظر من اليونسكو في عدة مناسبات. وإذ تقلصت البناءات نسبيا بعد الثورة، إلا أنه لم يقع إلى اليوم، مثلا، بشهادة أهل الاختصاص، تحديد الموقع بالكامل وتنفيذ المشروع الخاص بالتصرف فيه وفق مخطط مصادق عليه منذ التسعينات من القرن الماضي.
وإذ تعاني هضبة سيدي بوسعيد، من جهتها، من انجرافات وتصدعات بسبب تسرب المياه، فإنها أيضا، وبشهادة الخبراء، تواجه مخاطر عديدة من بينها ما أشار إليه رئيس الجمهورية خلال لقائه بوزيرة الثقافة، وهو الضغط العمراني دون اتخاذ «ما يتعيّن من إجراءات لحماية هذه المدينة التي يزورها عشرات الآلاف من السيّاح كلّ سنة والحفاظ على خصوصيتها المعمارية والثقافية.»
تراث تونس، كما هو معروف، ثري ومتنوع يعكس ما تتميز به بلادنا من تجذّر في التاريخ والحضارة، وقد كشفت مياه الأمطار في عدد من سواحل البلاد عن آثار جديدة وعن لُقى لم يُقرَّر بعد بشأنها رسميا، وهي تتطلب دراسات متأنية، وقد تحولت فرق المعهد الوطني للتراث لمعاينة المكتشفات الجديدة، وهو ما يزيد من حجم التحديات ويتطلب جهودا كبيرة، خاصة بعد محاولات السطو على البعض من اللقى التي لوحظت في الأيام الفارطة إثر الفيضانات التي شهدتها عدة مناطق تونسية، وخاصة على السواحل. غير أنه لا بد من الإشارة إلى أن موضوع نهب الآثار هو موضوع قديم متجدد. فتونس تتميز بوجود مواقع كثيرة أثرية وطبيعية وتاريخية، وبعضها يبقى بدون حراسة أو تعهد، وهي مسألة إمكانيات مادية بالدرجة الأولى.
صحيح، تسعى البلاد من خلال هياكلها المختصة، وأساسا وكالة إحياء التراث، إلى صيانة أكبر عدد ممكن من المواقع، وقد تم التعهد بالكثير منها، وافتتح مؤخرا مثلا المتحف المسيحي المبكر بجهة قرطاج بعد انتهاء أشغال الصيانة. وهناك مجهودات على مستوى التسييج والحراسة والتنوير وتوضيح مسالك الزيارة دعما للسياحة الثقافية، لكن تبقى الجهود غير كافية لأسباب متعددة، منها الإمكانيات المادية والبشرية، لكن هناك أيضا مسألة التنسيق بين أكثر من هيكل، مما يجعل اتخاذ القرار النهائي عملية صعبة وأحيانا تستغرق وقتا أطول.
وإذ إن تراث بلادنا الثري لا يمكنه إلا أن يزيدنا فخرا بعراقة تونس وعمقها الحضاري، فإن ذلك لا يغيّب حقيقة، وهي أن التراث التونسي وآثار البلاد ليست مستغلة بالشكل الذي يليق بها. هذا التراث، إذا ما تم استغلاله كما تفعل عدة بلدان عريقة نجحت في تحويل مواقعها الأثرية والتاريخية إلى نقاط جذب واستقطاب للسياحة الثقافية، فإنه سيكون من أفضل الاستثمارات، هذا إن لم يكن أفضل استثمار لما يتميز به تاريخنا وحضارتنا من عراقة وثراء وتنوع.