إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

من قمة الاستثمار الذكي إلى «الأسد الإفريقي».. تونس تعزز حضورها في فضائها الإفريقي سنة 2026

بعيدا عن حجم المبادلات التجارية التي تُستعمل غالبا كمؤشّر لترجمة عمق الحضور الإقليمي، أو مدى وزن دولة ما داخل محيطها القاري، تتجلّى صناعة المنصّات والمنتديات، ومدى القدرة على قيادة النقاش وبلورة رؤى مستقبلية، كمعيار جوهري وأكثر تجسيدا لمكانة الدول وقدرتها على التأثير في مسارات الفعل القاري.

وضمن هذه المقاربة، تستعدّ تونس خلال السنة الجارية لفتح فصل جديد في سجلّها، عبر احتضانها لسلسلة من المحطات القارية الوازنة التي تتجاوز في أبعادها مجرّد الفعاليات الدورية، لتتحوّل إلى منصّات «إعادة تموقع» استراتيجي في قلب القارة السمراء.

ومن هذا المنطلق، تبدو تحرّكات تونس المرتقبة، من احتضانها لأضخم تمرين عسكري في القارة إلى تنظيم ملتقيات اقتصادية وصناعية إفريقية، جزءا من مسار شامل لإعادة تثبيت موقعها داخل المعادلة الإفريقية، كفضاء تُصاغ فيه الرؤى وتُصنع فيه مساحات للحوار والتعاون عبر منصّات تجمع بين الأمن والاقتصاد والدبلوماسية متعدّدة المسارات.

تعزيز الحضور التونسي في إفريقيا

في هذا السياق، تستعدّ تونس خلال الأسبوع الجاري لاحتضان قمة الاستثمار الذكي «سمارت إنفست»، بما سيفضي إلى تعزيز الحضور التونسي في إفريقيا عبر بوابة الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا. فهذه القمة، التي ستجمع مستثمرين أفارقة ودوليين، تعبّر عن وعي متزايد بأن مستقبل النفوذ في القارة لن يُحسم فقط بالموارد الطبيعية، وإنما بمدى القدرة على الاستثمار في الابتكار والذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي.

كما أنّ هذه القمة، وفقا لما يشير إليه أهل الاختصاص، تسعى في جوهرها إلى كسر القوالب التقليدية للاستثمار من خلال التركيز على اقتصاد المعرفة، الذي يمثّل اليوم اللغة المشتركة بين تونس والشباب الإفريقي الطموح، بما يعزّز جاذبية البلاد كمركز إقليمي للابتكار.

وفي الإطار نفسه، يمثّل منتدى تمويل الاستثمار والتجارة في إفريقيا، في دورته التاسعة المزمع عقدها يومي 28 و29 أفريل 2026 بتونس، بمبادرة من مجلس الأعمال الإفريقي التونسي، أحد أبرز عناوين هذا التوجّه، لا سيّما وأن هذا المنتدى سيشهد مشاركة أكثر من 65 دولة، وسيركّز على قطاعات استراتيجية على غرار الطاقة والخدمات والبناء، ما يجعله فضاء حقيقيا لصياغة شراكات عابرة للحدود. كما يكتسي هذا المنتدى، على المستوى السياسي، أهمية بالغة، إذ يعكس من جهة ثقة متزايدة في قدرة تونس على تأمين فضاء حوار اقتصادي إفريقي واسع، ومن جهة أخرى يتيح لها التموقع كحلقة وصل بين المستثمرين الدوليين والأسواق الإفريقية الصاعدة. كما أنّ تنظيمه من قبل مجلس الأعمال التونسي الإفريقي يبرز دور الفاعلين الاقتصاديين في تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، في انسجام مع توجّهات السياسة الخارجية التونسية.

الأمن الإفريقي المشترك

وبعيدا عن لغة الأرقام والاستثمار، تبرز مناورات «الأسد الإفريقي 2026» التي ستحتضنها تونس خلال شهر أفريل القادم، كأهم حدث عسكري يكرّس الدور المحوري لتونس في المنظومة الأمنية الإقليمية، إذ إن مشاركة نحو 600 عسكري في تمرينات متعدّدة الجنسيات، بالتعاون مع الولايات المتحدة ودول إفريقية، تبعث برسائل سياسية واضحة حول استقرار الدولة وجاهزية مؤسستها العسكرية في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود.

وفي هذا الإطار، تمثّل مناورات «الأسد الإفريقي» أكثر من مجرّد تمرين عسكري، فهي في جوهرها مساحة لتبادل الخبرات والاطلاع على التجارب المقارنة. كما أنّ اختيار تونس لاحتضان هذا التمرين يحمل دلالات سياسية عميقة، في مقدّمتها الاعتراف بدورها كدولة مستقرة تحظى بكفاءات عسكرية هامّة وتجربة متراكمة في مكافحة الإرهاب وحماية الحدود والمشاركة في عمليات حفظ السلام.

ويستمدّ هذا الطرح شرعيته من مراكمة تونس خلال السنوات الأخيرة لرصيد مهم في الدبلوماسية العسكرية، سواء عبر مشاركاتها في بعثات الأمم المتحدة في إفريقيا، أو من خلال استضافتها ومشاركتها في ملتقيات وورشات إقليمية حول الأمن ومكافحة التطرّف. على أنّ الأهم أنّ هذه المنصّات الأمنية لا تعزّز فقط الجاهزية العسكرية، بل تعيد تموقع تونس داخل معادلة الأمن الإفريقي كدولة قادرة على الربط بين شمال القارة وعمقها، وبين المتوسّط والساحل، في وقت تشهد فيه إفريقيا إعادة تشكيل لخرائط النفوذ.

الغذاء كمدخل للحضور الإفريقي

ولا يقتصر الحضور التونسي داخل الفضاء الإفريقي عند هذا الحد، بل يتجاوزه ليطال محطّات أخرى ذات أبعاد استراتيجية، حيث يكتسي تنظيم الصالون الدولي للصناعات الغذائية في جوان المقبل بعدا استراتيجيا لا يقل أهمية. فالغذاء اليوم تجاوز كونه قطاعا اقتصاديا ليصبح في علاقة مباشرة بمسألة السيادة والأمن القومي، لا سيّما في القارة الإفريقية التي تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالمناخ والنمو الديمغرافي واضطراب سلاسل التزويد.

ومن خلال هذا الصالون، تسعى تونس إلى تقديم نفسها كمنصّة للتبادل والاستثمار ونقل الخبرات في مجال الصناعات الغذائية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدرتها على النفاذ إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية على حدّ سواء.

إشعاع داخلي وخارجي

ومن جهة أخرى، جدير بالذكر أنّ تعزيز الحضور التونسي في الفضاء الإفريقي لا يقتصر على تنظيم قمم ومنتديات محليًا، بل يمتدّ إلى المشاركة الفاعلة في عدد من القمم والملتقيات الاقتصادية الإفريقية التي ستُعقد في دول مختلفة من القارة خلال الفترة القادمة، والتي من المرجّح أن تشارك فيها تونس.

وهو ما يؤشّر إلى ترسيخ موقع تونس داخل شبكات القرار الاقتصادي الإفريقي، وتعزيز إشعاعها الخارجي، وفتح قنوات جديدة للتعاون والاستثمار، بما ينعكس إيجابا على صورتها داخليًا كدولة منفتحة وفاعلة، وخارجيا كشريك استراتيجي موثوق فيه يسعى إلى بناء شراكات متوازنة ومستدامة داخل القارة.

وفي هذا الخضم، لا يمكن تصنيف الزخم الإفريقي الذي تشهده تونس اليوم كمجرّد تراكم لفعاليات ظرفية أو مناسباتية، إذ يعكس في جوهره ملامح تحوّل تدريجي في مقاربة البلاد لعلاقتها بالقارة السمراء. فبين استضافة المنصّات القارية والمشاركة النشطة في قمم وملتقيات تُعقد خارج حدودها، تسعى تونس إلى ترسيخ حضور فاعل ومشع.

وبين «الأسد الإفريقي» ومنتديات الغذاء والاستثمار، ترسم تونس ملامح تموقع متقدّم داخل عمقها الإفريقي، باعتبار أنّها تقدّم نفسها كشريك استراتيجي وفاعل يدرك تمام الإدراك أنّ مستقبل القارة لا يُبنى عبر التنافس الضيّق، وإنما من خلال التكامل وتقاطع المصالح. فإفريقيا اليوم ليست هامشا، بل مركز ثقل عالمي قادم، ومن ينجح في تثبيت موطئ قدمه فيها سيكون جزءا فاعلا في بلورة ملامح توازنات الغد.

منال حرزي

من قمة الاستثمار الذكي إلى «الأسد الإفريقي»..   تونس تعزز حضورها في فضائها الإفريقي سنة 2026

بعيدا عن حجم المبادلات التجارية التي تُستعمل غالبا كمؤشّر لترجمة عمق الحضور الإقليمي، أو مدى وزن دولة ما داخل محيطها القاري، تتجلّى صناعة المنصّات والمنتديات، ومدى القدرة على قيادة النقاش وبلورة رؤى مستقبلية، كمعيار جوهري وأكثر تجسيدا لمكانة الدول وقدرتها على التأثير في مسارات الفعل القاري.

وضمن هذه المقاربة، تستعدّ تونس خلال السنة الجارية لفتح فصل جديد في سجلّها، عبر احتضانها لسلسلة من المحطات القارية الوازنة التي تتجاوز في أبعادها مجرّد الفعاليات الدورية، لتتحوّل إلى منصّات «إعادة تموقع» استراتيجي في قلب القارة السمراء.

ومن هذا المنطلق، تبدو تحرّكات تونس المرتقبة، من احتضانها لأضخم تمرين عسكري في القارة إلى تنظيم ملتقيات اقتصادية وصناعية إفريقية، جزءا من مسار شامل لإعادة تثبيت موقعها داخل المعادلة الإفريقية، كفضاء تُصاغ فيه الرؤى وتُصنع فيه مساحات للحوار والتعاون عبر منصّات تجمع بين الأمن والاقتصاد والدبلوماسية متعدّدة المسارات.

تعزيز الحضور التونسي في إفريقيا

في هذا السياق، تستعدّ تونس خلال الأسبوع الجاري لاحتضان قمة الاستثمار الذكي «سمارت إنفست»، بما سيفضي إلى تعزيز الحضور التونسي في إفريقيا عبر بوابة الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا. فهذه القمة، التي ستجمع مستثمرين أفارقة ودوليين، تعبّر عن وعي متزايد بأن مستقبل النفوذ في القارة لن يُحسم فقط بالموارد الطبيعية، وإنما بمدى القدرة على الاستثمار في الابتكار والذكاء الاصطناعي والتحوّل الرقمي.

كما أنّ هذه القمة، وفقا لما يشير إليه أهل الاختصاص، تسعى في جوهرها إلى كسر القوالب التقليدية للاستثمار من خلال التركيز على اقتصاد المعرفة، الذي يمثّل اليوم اللغة المشتركة بين تونس والشباب الإفريقي الطموح، بما يعزّز جاذبية البلاد كمركز إقليمي للابتكار.

وفي الإطار نفسه، يمثّل منتدى تمويل الاستثمار والتجارة في إفريقيا، في دورته التاسعة المزمع عقدها يومي 28 و29 أفريل 2026 بتونس، بمبادرة من مجلس الأعمال الإفريقي التونسي، أحد أبرز عناوين هذا التوجّه، لا سيّما وأن هذا المنتدى سيشهد مشاركة أكثر من 65 دولة، وسيركّز على قطاعات استراتيجية على غرار الطاقة والخدمات والبناء، ما يجعله فضاء حقيقيا لصياغة شراكات عابرة للحدود. كما يكتسي هذا المنتدى، على المستوى السياسي، أهمية بالغة، إذ يعكس من جهة ثقة متزايدة في قدرة تونس على تأمين فضاء حوار اقتصادي إفريقي واسع، ومن جهة أخرى يتيح لها التموقع كحلقة وصل بين المستثمرين الدوليين والأسواق الإفريقية الصاعدة. كما أنّ تنظيمه من قبل مجلس الأعمال التونسي الإفريقي يبرز دور الفاعلين الاقتصاديين في تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، في انسجام مع توجّهات السياسة الخارجية التونسية.

الأمن الإفريقي المشترك

وبعيدا عن لغة الأرقام والاستثمار، تبرز مناورات «الأسد الإفريقي 2026» التي ستحتضنها تونس خلال شهر أفريل القادم، كأهم حدث عسكري يكرّس الدور المحوري لتونس في المنظومة الأمنية الإقليمية، إذ إن مشاركة نحو 600 عسكري في تمرينات متعدّدة الجنسيات، بالتعاون مع الولايات المتحدة ودول إفريقية، تبعث برسائل سياسية واضحة حول استقرار الدولة وجاهزية مؤسستها العسكرية في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود.

وفي هذا الإطار، تمثّل مناورات «الأسد الإفريقي» أكثر من مجرّد تمرين عسكري، فهي في جوهرها مساحة لتبادل الخبرات والاطلاع على التجارب المقارنة. كما أنّ اختيار تونس لاحتضان هذا التمرين يحمل دلالات سياسية عميقة، في مقدّمتها الاعتراف بدورها كدولة مستقرة تحظى بكفاءات عسكرية هامّة وتجربة متراكمة في مكافحة الإرهاب وحماية الحدود والمشاركة في عمليات حفظ السلام.

ويستمدّ هذا الطرح شرعيته من مراكمة تونس خلال السنوات الأخيرة لرصيد مهم في الدبلوماسية العسكرية، سواء عبر مشاركاتها في بعثات الأمم المتحدة في إفريقيا، أو من خلال استضافتها ومشاركتها في ملتقيات وورشات إقليمية حول الأمن ومكافحة التطرّف. على أنّ الأهم أنّ هذه المنصّات الأمنية لا تعزّز فقط الجاهزية العسكرية، بل تعيد تموقع تونس داخل معادلة الأمن الإفريقي كدولة قادرة على الربط بين شمال القارة وعمقها، وبين المتوسّط والساحل، في وقت تشهد فيه إفريقيا إعادة تشكيل لخرائط النفوذ.

الغذاء كمدخل للحضور الإفريقي

ولا يقتصر الحضور التونسي داخل الفضاء الإفريقي عند هذا الحد، بل يتجاوزه ليطال محطّات أخرى ذات أبعاد استراتيجية، حيث يكتسي تنظيم الصالون الدولي للصناعات الغذائية في جوان المقبل بعدا استراتيجيا لا يقل أهمية. فالغذاء اليوم تجاوز كونه قطاعا اقتصاديا ليصبح في علاقة مباشرة بمسألة السيادة والأمن القومي، لا سيّما في القارة الإفريقية التي تواجه تحديات متزايدة مرتبطة بالمناخ والنمو الديمغرافي واضطراب سلاسل التزويد.

ومن خلال هذا الصالون، تسعى تونس إلى تقديم نفسها كمنصّة للتبادل والاستثمار ونقل الخبرات في مجال الصناعات الغذائية، مستفيدة من موقعها الجغرافي وقدرتها على النفاذ إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية على حدّ سواء.

إشعاع داخلي وخارجي

ومن جهة أخرى، جدير بالذكر أنّ تعزيز الحضور التونسي في الفضاء الإفريقي لا يقتصر على تنظيم قمم ومنتديات محليًا، بل يمتدّ إلى المشاركة الفاعلة في عدد من القمم والملتقيات الاقتصادية الإفريقية التي ستُعقد في دول مختلفة من القارة خلال الفترة القادمة، والتي من المرجّح أن تشارك فيها تونس.

وهو ما يؤشّر إلى ترسيخ موقع تونس داخل شبكات القرار الاقتصادي الإفريقي، وتعزيز إشعاعها الخارجي، وفتح قنوات جديدة للتعاون والاستثمار، بما ينعكس إيجابا على صورتها داخليًا كدولة منفتحة وفاعلة، وخارجيا كشريك استراتيجي موثوق فيه يسعى إلى بناء شراكات متوازنة ومستدامة داخل القارة.

وفي هذا الخضم، لا يمكن تصنيف الزخم الإفريقي الذي تشهده تونس اليوم كمجرّد تراكم لفعاليات ظرفية أو مناسباتية، إذ يعكس في جوهره ملامح تحوّل تدريجي في مقاربة البلاد لعلاقتها بالقارة السمراء. فبين استضافة المنصّات القارية والمشاركة النشطة في قمم وملتقيات تُعقد خارج حدودها، تسعى تونس إلى ترسيخ حضور فاعل ومشع.

وبين «الأسد الإفريقي» ومنتديات الغذاء والاستثمار، ترسم تونس ملامح تموقع متقدّم داخل عمقها الإفريقي، باعتبار أنّها تقدّم نفسها كشريك استراتيجي وفاعل يدرك تمام الإدراك أنّ مستقبل القارة لا يُبنى عبر التنافس الضيّق، وإنما من خلال التكامل وتقاطع المصالح. فإفريقيا اليوم ليست هامشا، بل مركز ثقل عالمي قادم، ومن ينجح في تثبيت موطئ قدمه فيها سيكون جزءا فاعلا في بلورة ملامح توازنات الغد.

منال حرزي