بعد مرور ثلاثة أسابيع فقط على دخول قانون المالية لسنة 2026 حيّز النفاذ، بادرت مجموعة من أعضاء مجلس نواب الشعب، أول أمس، بإيداع مبادرة تشريعية جديدة لتنقيحه. ويهمّ مقترح التعديل الفصل 53 المتعلق بتوسيع مجال التعامل بالفوترة الإلكترونية، وهو فصل كان قد أثار الكثير من الجدل بمناسبة نقاشه صلب لجنتي المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، حتى إنّ هناك من طالبوا بحذفه.
ويرى النائب بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، عضو لجنة المالية والميزانية، رياض الدريدي، أن هذه المبادرة في محلّها، وعبّر عن مساندته لها لأن الإجراء الذي تم اتخاذه صلب الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 جاء، حسب قوله، متسرّعًا وغير مدروس.
وأضاف الدريدي في تصريح لـ«الصباح» أن توسيع مجال التعامل بالفوترة الإلكترونية ليس بالأمر الهيّن، بل يتطلّب القيام بدراسة معمّقة وشاملة تمسّ كل القطاعات وتأخذ بعين الاعتبار جميع التداعيات والآثار المحتملة.
وذكر النائب أنه ينكبّ على إعداد دراسة متكاملة حول الفوترة الإلكترونية تشمل جميع القطاعات، وبيّن أنه سيتولى عرض هذه الدراسة، حال الانتهاء من إنجازها، عن طريق المجلس الوطني للجهات والأقاليم على وزارة المالية.
وبخصوص توقيت إيداع المبادرة التشريعية المتعلقة بتنقيح قانون المالية لسنة 2026، وإن كان لا يرى حرجًا في تنقيح قانون جديد لم يمضِ عن تاريخ دخوله حيّز النفاذ سوى ثلاثة أسابيع، قال الدريدي إنه لا يرى مانعًا في تنقيح هذا القانون، حتى وإن كان ذلك بعد فترة قصيرة من دخوله حيّز النفاذ، نظرًا لأن الهدف الأساسي من مقترح تنقيحه هو إصلاح الوضع وتلافي الإشكاليات قبل حدوثها.
وفي انتظار نقاش المبادرة التشريعية الجديدة المتعلقة بتنقيح قانون المالية لسنة 2026، التي تم إيداعها أول أمس من قبل مجموعة من النواب في مقدّمتهم النائب ثابت العابد، يُذكر أن هذه المبادرة تضمّنت فصلًا وحيدًا نصّ على تنقيح أحكام الفصل 53 من القانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025 المتعلق بقانون المالية لسنة 2026 وتعويضها كما يلي:
الفصل 53 (جديد):
1 ـ تضاف عبارة «عمليات إسداء الخدمات التي تقوم بها المؤسسات الراجعة بالنظر إلى إدارة المؤسسات الكبرى، طبق التشريع الجاري به العمل» بعد عبارة «كما يتعيّن إصدار فواتير إلكترونية بالنسبة إلى» الواردة بالفقرة الفرعية الخامسة من الفقرة II ثالثًا من الفصل 18 من مجلة الأداء على القيمة المضافة.
2 ـ تتولى كلّ من الوزارات المكلّفة بالمالية وبالاقتصاد وبالتجارة وبتكنولوجيات الاتصال، كلّ فيما يخصّها، إعداد تقرير مشترك تعرضه الحكومة على مجلس نواب الشعب في أجل أقصاه 30 يومًا من تاريخ دخول هذا القانون حيّز النفاذ، ويتضمّن خاصة:
* تقييم مدى الجاهزية التقنية والتنظيمية لاعتماد منظومة فوترة إلكترونية شاملة للسلع والخدمات،
* تحديد الكلفة المالية ومتطلبات البنى التحتية والموارد البشرية اللازمة للتوسّع التدريجي في تعميم الفوترة الإلكترونية على أنشطة إسداء الخدمات،
* تقييم منظومات حماية المعطيات الشخصية والمعطيات ذات الطابع المحاسبي والمهني ومدى مطابقتها للتشريع المتعلق بحماية المعطيات الشخصية،
* اقتراح روزنامة واقعية ومرحلية لتنفيذ تعميم الفوترة الإلكترونية على قطاع الخدمات تعتمد لتحيين التشريع الجبائي في الغرض.
وإضافة إلى النائب ثابت العابد، تحمل المبادرة التشريعية المتعلقة بتنقيح قانون المالية لسنة 2026 إمضاءات النواب شكري البحري، والطاهر بن منصور، وظافر الصغيري، وبدر الدين قمودي، وعصام البحري جابري، وبلال المشري، ومحمد ضو، وماهر الكتاري، وطارق الربعي، وياسر قوراري، وطارق مهدي.
وللتذكير، فقد جاء الفصل 53 من القانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025 المتعلق بقانون المالية لسنة 2026، في صيغته الأصلية، بهدف توسيع مجال التعامل بالفاتورة الإلكترونية، ونصّ على أن تضاف عبارة «عمليات إسداء الخدمات وكذلك» بعد عبارة «كما يتعيّن إصدار فواتير إلكترونية بالنسبة إلى» الواردة بالفقرة الفرعية الخامسة من الفقرة II ثالثًا من الفصل 18 من مجلة الأداء على القيمة المضافة.
رقمنة المعاملات الاقتصادية
وبالعودة إلى التقرير المشترك لجنتي المالية والميزانية لمجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم حول مشروع قانون المالية لسنة 2026، يُذكر أن وزيرة المالية، مشكاة سلامة الخالدي، كانت قد أشارت، لدى حديثها عن الفصل المتعلق بتوسيع مجال التعامل بالفوترة الإلكترونية، إلى أن هذا الإجراء يمثل خطوة إضافية نحو رقمنة المعاملات الاقتصادية وضمان الشفافية، إذ سيتم تعميمها تدريجيًا لتشمل مسدي الخدمات، بما يعزّز الرقابة الجبائية ويحدّ من الاقتصاد الموازي.
وأوضحت أن التشريع الجبائي الجاري به العمل يفرض اعتماد الفوترة الإلكترونية بصفة وجوبية على الشركات الخاضعة لإدارة المؤسسات الكبرى، وذلك بالنسبة إلى المعاملات مع الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت العمومية، فضلًا عن إلزامها في عمليات بيع الأدوية والمحروقات بين المهنيين، باستثناء تجار التفصيل.
وأضافت أنه في إطار مواصلة التمشي الرامي إلى تعزيز الرقابة على المعاملات وتعميم الرقمنة، تم توسيع مجال الفوترة الإلكترونية ليشمل مسدي الخدمات، باعتبار أن قطاع الخدمات يعدّ من أكثر القطاعات التي يشوبها نقص التصريح برقم المعاملات الحقيقي.
وأثار النواب خلال نقاش الفصل عديد الإشكاليات التطبيقية بخصوص توسيع مجال الفوترة الإلكترونية، خاصة بالنسبة إلى صغار مسدي الخدمات والمهنيين في المناطق الداخلية الذين يواجهون صعوبات تقنية في استعمال التجهيزات والمنصات الرقمية، ودعوا إلى اعتماد التدرّج والمرحلية وإعداد دراسات معمّقة وجدول زمني واضح لتنفيذ الإجراء المقترح، مع توفير بنية تحتية ملائمة والقيام بحملات تحسيسية لضمان نجاعة الإصلاح.
وفي المقابل، ثمّن عدد آخر من النواب هذا الإجراء معتبرين إياه خطوة ضرورية لترسيخ الشفافية وتعصير المنظومة الجبائية. وتعقيبًا على ملاحظات النواب، أشارت وزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي إلى أن توسيع مجال الفوترة الإلكترونية يأتي استنادًا إلى تقييم موضوعي لطبيعة قطاع الخدمات وما يطرحه من صعوبات في ضبط رقم معاملاته، وهو ما يستوجب إدراج 310 آلاف مسدي خدمات ضمن المنظومة لضمان مزيد الشفافية وتحيين القاعدة الضريبية دون الترفيع في الضغط الجبائي. وأكدت أن الانطلاقة الفعلية ستكون بداية من سنة 2026 بعد إرساء البنية التحتية التقنية وتوفير الموارد البشرية اللازمة، على أن يتم تعميم المنظومة لاحقًا على بقية القطاعات.
وذكّرت وزيرة المالية بوجود إطار قانوني سابق يكرّس واجب الفوترة، وخاصة القانون عدد 64 لسنة 1991 المتعلق بالمنافسة والأسعار، الذي يلزم التاجر بإصدار فاتورة ويمنح المشتري حق المطالبة بها عند تجاوز المبلغ خمسمائة دينار.
وتفاعلاً مع الوزيرة، تحدث بعض النواب عن خصوصية بعض الأنشطة مثل النجارة وإصلاح السيارات وغيرها من المهن الصغيرة، معتبرين أنه من الأجدى تهيئة الأرضية اللازمة لتطبيق الإجراء قبل فرض الالتزام به، مع البحث عن إجراءات موازية أو تكميلية مثل آلات تسجيل المعاملات النقدية.
أما الوزيرة فقد أقرت بأن التنفيذ لن يكون سهلًا، لكنها شدّدت على ضرورة وضع الإطار القانوني والمضي تدريجيًا نحو تعميم الفوترة الإلكترونية بوصفها أداة فعالة لمراقبة المعاملات والتحقق من صحتها.
وأوضحت أن تجارة التفصيل غير خاضعة للأداء على القيمة المضافة، وبالتالي غير معنية بالفوترة الإلكترونية إلا في حدود الفاتورة اليومية الإجمالية للمبيعات، وذكرت أن التجارب القطاعية السابقة، على غرار المؤسسات الناشطة في قطاعي المحروقات والأدوية، أثبتت نجاعة الفوترة الإلكترونية في دعم الشفافية وتفعيل التحصيل الآلي للأداء على القيمة المضافة، مما يساهم مباشرة في الحدّ من التهرب الجبائي وتعزيز موارد الدولة دون إثقال كاهل المتعاملين.
ويُذكر أن الفصل المتعلق بتوسيع مجال التعامل بالفوترة الإلكترونية كان محلّ اعتراض ممثلي بعض الهيئات الذين تم الاستماع إليهم من قبل لجنتي المالية والميزانية بالغرفتين النيابيتين بمناسبة النظر في مشروع قانون المالية لسنة 2026.
وفي هذا السياق، أشار ممثلو هيئة الخبراء المحاسبين بالبلاد التونسية إلى أنه تم، في الفصل المتعلق بالفوترة الإلكترونية لمسدي الخدمات، استعمال مصطلح «مسدي الخدمات» دون تعريف، وهو ما يجعل مجال تطبيق الفوترة الإلكترونية واسعًا جدًا ليشمل المهن الصغرى مثل المخابر وإصلاح السيارات.
وأضافوا أن المؤسسات الكبرى نفسها لم تتمكن من تطبيق الفوترة الإلكترونية بسبب عدم جاهزية منصة «تي.تي.آن»، ولاحظوا أن اعتماد الفوترة الإلكترونية سيحمل المؤسسات الصغرى والمتوسطة أعباء تقنية ومالية تفوق قدراتها، مع صعوبات في استخدام المنصات الإعلامية.
واقترحوا حذف الفصل المذكور من مشروع قانون المالية لسنة 2026 وتأجيله إلى قانون لاحق، مع تحديد مجال تطبيق تدريجي يشمل في البداية المؤسسات المتوسطة ذات رقم معاملات بين 5 ملايين دينار و20 مليون دينار، بما يتناسب مع القدرة التقنية والمردودية الجبائية.
في حين بيّن ممثلون عن معهد الخبراء المحاسبين أن توسيع مجال الفوترة الإلكترونية ليشمل وجوبًا كل عمليات إسداء الخدمات سيخلق أعباء إضافية على صغار مسدي الخدمات، واقترحوا حصر الوجوبية في مرحلة أولى في مسدي الخدمات الراجعين بالنظر إلى إدارة المؤسسات الكبرى عندما يتعاملون مع الدولة والمنشآت العمومية، وتقدّموا بتوصية تتمثل في اعتماد التدرّج في تطبيق هذا الإصلاح لتفادي تكاليف إضافية غير مستوعبة.
وفي حديثهم عن الفصل المتعلق بتوسيع مجال الفوترة الإلكترونية، اقترح ممثلو الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية بدورهم حذف هذا الفصل، على اعتبار أن هذا الإجراء سيثقل كاهل المؤسسات بواجبات إضافية لا يمكن تحمّل أعبائها نظرًا لحجم مؤسسات الخدمات المعنية بالإجراء.
أسباب تنقيح الفصل 53
وفي انتظار إحالة المبادرة التشريعية المتعلقة بتنقيح الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 من قبل مكتب مجلس نواب الشعب إلى لجنة المالية والميزانية بتركيبتها الجديدة، يُذكر أن أصحاب هذه المبادرة بيّنوا في وثيقة شرح الأسباب أن مقترحهم يأتي في إطار دعم الخيارات الوطنية الرامية إلى تحديث المنظومة الجبائية وتكريس الشفافية في المعاملات الاقتصادية، خاصة عبر توسيع مجال اعتماد الفوترة الإلكترونية باعتبارها أداة محورية لمكافحة التهرب الجبائي وتحسين استخلاص الموارد العمومية وتعزيز الثقة بين الإدارة الجبائية والمتعاملين الاقتصاديين.
وبيّنوا أن الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 أقرّ تنقيحًا للفصل 18 من مجلة الأداء على القيمة المضافة، أُدرجت بمقتضاه عمليات إسداء الخدمات ضمن العمليات الخاضعة وجوبًا للفوترة الإلكترونية. ولاحظ أصحاب المبادرة أنه، رغم وجاهة هذا التوجه من حيث المبدأ، فإن تنزيله الفوري والشامل على جميع مسدي الخدمات يطرح جملة من الإشكاليات العملية والتقنية والتنظيمية التي تستوجب المراجعة والتعديل ضمانًا لنجاعة الإصلاح وعدالته.
وفسّروا أنه، من الناحية الواقعية، لا تتوفر منظومة وطنية موحدة للفوترة الإلكترونية قادرة على استيعاب التنوع الكبير في أنشطة إسداء الخدمات، سواء من حيث طبيعتها أو من حيث حجم المتدخلين فيها، كما أن غياب بنية تحتية رقمية متكاملة مصحوبة ببرنامج مرافقة للتكوين والدعم الفني من شأنه أن يحوّل الالتزام القانوني إلى عبء إضافي يصعب الامتثال له، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة وأصحاب المهن الحرة.
كما تمت الإشارة في وثيقة شرح أسباب مقترح هذا القانون، الذي بادر النائب ثابت العابد بنشره على صفحته، إلى أن التنقيح المعتمد بموجب الفصل 53 لم يراع مبدأ التدرّج، وهو من المبادئ التي استقرت عليها الإصلاحات الجبائية الحديثة، إذ ساوى بين المؤسسات الكبرى التي تتوفر لديها الإمكانيات التقنية والتنظيمية والموارد البشرية الكفيلة بالتكيّف السريع مع المتطلبات الجديدة، وبين المتدخلين الاقتصاديين محدودي الموارد. ويعتبر أصحاب المقترح أن من شأن هذا التماثل غير المبرّر أن يفرغ الإصلاح من أهدافه وأن يفضي إلى نتائج عكسية تمسّ بالنسيج الاقتصادي بدل دعمه. ولاحظوا أن فرض التزامات شكلية جديدة دون توفر الشروط الموضوعية للامتثال يؤدي إلى تضخّم المخالفات الشكلية وارتفاع النزاعات الجبائية، بما يثقل كاهل الإدارة والمتقاضين على حدّ السواء دون تحقيق مردودية جبائية فعلية.
وعبّروا عن خشيتهم من أن يتحول الإجراء إلى أداة زجرية بدل أن يكون آلية تنظيمية وتحفيزية، وهو ما من شأنه إضعاف مناخ الثقة الضروري لإنجاح أي إصلاح جبائي.
حماية المعطيات الشخصية
ونبّه أصحاب المبادرة التشريعية الرامية إلى تنقيح الفصل 53 من قانون المالية، في وثيقة شرح أسباب مبادرتهم، إلى أن مسألة تعميم الفوترة الإلكترونية على قطاع الخدمات تطرح إشكاليات جدّية تتعلق بحماية المعطيات الشخصية والمهنية، خاصة وأن العديد من أنشطة إسداء الخدمات ترتبط بأسرار مهنية وبمعطيات حساسة ذات طابع شخصي أو تجاري.
وتمت الإشارة في وثيقة شرح أسباب المبادرة التشريعية إلى أنه، في ظل غياب إطار تقني وتشريعي متكامل يضمن الأمن السيبرني وحماية المعطيات الشخصية، فإن التوسع غير المدروس في رقمنة هذه المعاملات قد يعرّض المعنيين إلى مخاطر حقيقية تمسّ بحقوقهم وبسلامة المعاملات.
ولاحظ أصحاب مقترح القانون أن التجارب المقارنة، على غرار المغرب ومصر وتركيا، تبرز أن اعتماد الفوترة الإلكترونية تم بصفة تدريجية عبر مراحل تجريبية واضحة، مع توفير مرافقة تقنية تحفيزية للمتدخلين الاقتصاديين، ودون اللجوء الفوري إلى العقوبات الزجرية، ومكّن هذا التمشي من اختبار المنظومات المعتمدة وتعديلها وضمان انخراط فعلي وناجع في مسار الرقمنة.
وتضمّنت وثيقة شرح أسباب المبادرة التشريعية معطيات حول أهداف تنقيح الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026، والمتمثلة في الحدّ من نطاق تطبيق الفوترة الإلكترونية على عمليات إسداء الخدمات في مرحلة أولى، عبر الاقتصار على المؤسسات الراجعة بالنظر إلى إدارة المؤسسات الكبرى، بما يضمن التدرّج في التطبيق ويتيح للإدارة الجبائية استكمال الجاهزية التقنية والتنظيمية ويوفر إطارًا ملائمًا لتقييم التجربة قبل تعميمها. وأكدت جهة المبادرة أن مقترح القانون المعروض لا يرمي إلى تعطيل مسار الرقمنة أو التراجع عن أهداف الإصلاح الجبائي، بل يرمي إلى تأمين شروط أفضل لنجاحه وتحقيق التوازن بين النجاعة الجبائية وحماية النسيج الاقتصادي، وتكريس علاقة قائمة على الثقة والوضوح بين الإدارة الجبائية ومختلف المتدخلين الاقتصاديين، بما يخدم المصلحة العامة ويعزّز استدامة الإصلاحات المنشودة.
غياب المنصّات
وكان الإجراء المتعلق بتوسيع مجال الفوترة الإلكترونية الوارد بقانون المالية لسنة 2026 موضوع لقاء جمع، يوم 12 جانفي الجاري، بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد ووزيرة المالية مشكاة سلامة. وجاء في بلاغ صادر عن رئاسة الجمهورية أن رئيس الدولة «أكد على أن غياب المنصّات الإلكترونية بالنسبة إلى عديد المؤسسات الصغرى والمتوسطة، على وجه الخصوص، فضلًا عن عديد النشاطات الأخرى، يقتضي التعامل بمرونة حتى يتم تجنّب الاضطراب والإرباك وما يمكن أن يترتّب عليهما من نتائج غير محمودة على الوضع الاقتصادي بوجه عام، وإعداد هذه المنصّات هو المقدّمة حتى يجد هذا الإجراء طريقه إلى التطبيق.
كما أكّد رئيس الجمهورية على أن رقمنة المعاملات في كافة المجالات ستؤدي إلى التقليص من الفساد، ولا بدّ من المضيّ قدمًا في هذه الطريق، ولكن لا بدّ أيضًا من تجنّب تسليط الجزاء القانوني في غياب توفّر هذه المنصّات. وخلص رئيس الدولة إلى أن النصوص تُقاس بالمقاصد التي وُضعت من أجلها، ولا يجب أن تكون الإجراءات عائقًا أمام تحقيقها، ومقاومة الفساد هو الهدف والمبتغى ولا تراجع في ذلك، والعدل هو المقصد والمنتهى، والعمل مستمرّ حتى تكون الدولة وسائر مرافقها العمومية في مستوى انتظارات منظوريها».
وفي اليوم الموالي، وتحديدًا يوم 13 جانفي 2026، نشرت وزارة المالية بلاغًا أعلمت فيه العموم أن الفصل 53 من القانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025 المتعلق بقانون المالية لسنة 2026 نصّ على إخضاع العمليات للفوترة الإلكترونية، وذلك ابتداءً من غرّة جانفي 2026.
وأوضحت أنه، تفاديًا لما يمكن أن ينجرّ عن تطبيق الفصل من صعوبات في الولوج إلى المنصّات الإلكترونية بالنسبة إلى عديد المؤسسات الصغرى والمتوسطة، على وجه الخصوص، فضلًا عن عديد النشاطات الأخرى، سيتمّ التعامل بمرونة في تطبيق النص لتجنّب الاضطراب والإرباك وما يمكن أن يترتّب عنه من نتائج غير محمودة على الوضع الاقتصادي بوجه عام.
وحتى بعد صدور هذا البلاغ التوضيحي من قبل وزارة المالية، ما زالت الرؤية غير واضحة لدى العديد من المتعاملين الاقتصاديين. وفي هذا السياق، نبّهت الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، في بيان أصدرته مؤخرًا، إلى أنها تتابع بقلق بالغ حالة الارتباك وعدم الوضوح التي رافقت صدور القانون المتعلق بالفوترة الإلكترونية.
ولاحظت أن هذا الوضع خلق غموضًا حقيقيًا لدى آلاف الحرفيين وأصحاب المؤسسات، خاصة في قطاعات الخدمات والتجارة، الذين وجدوا أنفسهم أمام تشريع جديد دون أن تتوفر لهم الرؤية الكافية حول كيفية تطبيقه.
وجدّدت الجامعة التأكيد على دعمها لكل إصلاح حقيقي يهدف إلى تحديث الإدارة ومكافحة التهرّب الضريبي، لكنها عبّرت عن رفضها بشكل قاطع أن يتم ذلك من خلال نصوص قانونية غامضة وتطبيق متسرّع وتحميل الفئات الهشّة تكلفة إصلاح لم تُهيّأ له الأرضية التقنية والقانونية اللازمة.
وطالبت الجامعة، في نفس البيان، بتوضيح رسمي عاجل من وزارة المالية يبيّن الفئات المعنية حاليًا بتطبيق الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026، ونوع الفواتير المقبولة في هذه المرحلة، والجدول الزمني الحقيقي للتطبيق الإجباري.
كما طالبت بوقف أي متابعة أو عقوبات متعلقة بالفوترة الإلكترونية إلى حين اكتمال جاهزية المنظومة وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المعنيين.
وأكدت الجامعة أن المنظومة الإلكترونية حكومية بحتة، لا مكان فيها لشركات وساطة ولا لاشتراكات مدفوعة ولا لوصول أطراف خاصة إلى البيانات الضريبية أو الشخصية.
وطالبت باعتماد مرحلة انتقالية حقيقية تشمل دعمًا تقنيًا وتدريبًا وفترة تجريبية دون عقوبات، واقترحت تشريك المنظمات المهنية في صياغة وتنفيذ النصوص التنظيمية، لأن الإصلاح الناجح يُبنى بالشراكة والثقة وليس بالقرارات المفروضة من الأعلى.
كما أكدت، في نفس البيان، أن الإصلاح الضريبي ضرورة ملحّة، لكنها لن تقبل أن يكون هذا الإصلاح على حساب المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وخلصت الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة إلى أن الرقمنة يجب أن تكون أداة للتطوير والتنظيم، وليس وسيلة للضغط أو الإقصاء.
سعيدة بوهلال
بعد مرور ثلاثة أسابيع فقط على دخول قانون المالية لسنة 2026 حيّز النفاذ، بادرت مجموعة من أعضاء مجلس نواب الشعب، أول أمس، بإيداع مبادرة تشريعية جديدة لتنقيحه. ويهمّ مقترح التعديل الفصل 53 المتعلق بتوسيع مجال التعامل بالفوترة الإلكترونية، وهو فصل كان قد أثار الكثير من الجدل بمناسبة نقاشه صلب لجنتي المالية والميزانية بمجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، حتى إنّ هناك من طالبوا بحذفه.
ويرى النائب بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، عضو لجنة المالية والميزانية، رياض الدريدي، أن هذه المبادرة في محلّها، وعبّر عن مساندته لها لأن الإجراء الذي تم اتخاذه صلب الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 جاء، حسب قوله، متسرّعًا وغير مدروس.
وأضاف الدريدي في تصريح لـ«الصباح» أن توسيع مجال التعامل بالفوترة الإلكترونية ليس بالأمر الهيّن، بل يتطلّب القيام بدراسة معمّقة وشاملة تمسّ كل القطاعات وتأخذ بعين الاعتبار جميع التداعيات والآثار المحتملة.
وذكر النائب أنه ينكبّ على إعداد دراسة متكاملة حول الفوترة الإلكترونية تشمل جميع القطاعات، وبيّن أنه سيتولى عرض هذه الدراسة، حال الانتهاء من إنجازها، عن طريق المجلس الوطني للجهات والأقاليم على وزارة المالية.
وبخصوص توقيت إيداع المبادرة التشريعية المتعلقة بتنقيح قانون المالية لسنة 2026، وإن كان لا يرى حرجًا في تنقيح قانون جديد لم يمضِ عن تاريخ دخوله حيّز النفاذ سوى ثلاثة أسابيع، قال الدريدي إنه لا يرى مانعًا في تنقيح هذا القانون، حتى وإن كان ذلك بعد فترة قصيرة من دخوله حيّز النفاذ، نظرًا لأن الهدف الأساسي من مقترح تنقيحه هو إصلاح الوضع وتلافي الإشكاليات قبل حدوثها.
وفي انتظار نقاش المبادرة التشريعية الجديدة المتعلقة بتنقيح قانون المالية لسنة 2026، التي تم إيداعها أول أمس من قبل مجموعة من النواب في مقدّمتهم النائب ثابت العابد، يُذكر أن هذه المبادرة تضمّنت فصلًا وحيدًا نصّ على تنقيح أحكام الفصل 53 من القانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025 المتعلق بقانون المالية لسنة 2026 وتعويضها كما يلي:
الفصل 53 (جديد):
1 ـ تضاف عبارة «عمليات إسداء الخدمات التي تقوم بها المؤسسات الراجعة بالنظر إلى إدارة المؤسسات الكبرى، طبق التشريع الجاري به العمل» بعد عبارة «كما يتعيّن إصدار فواتير إلكترونية بالنسبة إلى» الواردة بالفقرة الفرعية الخامسة من الفقرة II ثالثًا من الفصل 18 من مجلة الأداء على القيمة المضافة.
2 ـ تتولى كلّ من الوزارات المكلّفة بالمالية وبالاقتصاد وبالتجارة وبتكنولوجيات الاتصال، كلّ فيما يخصّها، إعداد تقرير مشترك تعرضه الحكومة على مجلس نواب الشعب في أجل أقصاه 30 يومًا من تاريخ دخول هذا القانون حيّز النفاذ، ويتضمّن خاصة:
* تقييم مدى الجاهزية التقنية والتنظيمية لاعتماد منظومة فوترة إلكترونية شاملة للسلع والخدمات،
* تحديد الكلفة المالية ومتطلبات البنى التحتية والموارد البشرية اللازمة للتوسّع التدريجي في تعميم الفوترة الإلكترونية على أنشطة إسداء الخدمات،
* تقييم منظومات حماية المعطيات الشخصية والمعطيات ذات الطابع المحاسبي والمهني ومدى مطابقتها للتشريع المتعلق بحماية المعطيات الشخصية،
* اقتراح روزنامة واقعية ومرحلية لتنفيذ تعميم الفوترة الإلكترونية على قطاع الخدمات تعتمد لتحيين التشريع الجبائي في الغرض.
وإضافة إلى النائب ثابت العابد، تحمل المبادرة التشريعية المتعلقة بتنقيح قانون المالية لسنة 2026 إمضاءات النواب شكري البحري، والطاهر بن منصور، وظافر الصغيري، وبدر الدين قمودي، وعصام البحري جابري، وبلال المشري، ومحمد ضو، وماهر الكتاري، وطارق الربعي، وياسر قوراري، وطارق مهدي.
وللتذكير، فقد جاء الفصل 53 من القانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025 المتعلق بقانون المالية لسنة 2026، في صيغته الأصلية، بهدف توسيع مجال التعامل بالفاتورة الإلكترونية، ونصّ على أن تضاف عبارة «عمليات إسداء الخدمات وكذلك» بعد عبارة «كما يتعيّن إصدار فواتير إلكترونية بالنسبة إلى» الواردة بالفقرة الفرعية الخامسة من الفقرة II ثالثًا من الفصل 18 من مجلة الأداء على القيمة المضافة.
رقمنة المعاملات الاقتصادية
وبالعودة إلى التقرير المشترك لجنتي المالية والميزانية لمجلس نواب الشعب والمجلس الوطني للجهات والأقاليم حول مشروع قانون المالية لسنة 2026، يُذكر أن وزيرة المالية، مشكاة سلامة الخالدي، كانت قد أشارت، لدى حديثها عن الفصل المتعلق بتوسيع مجال التعامل بالفوترة الإلكترونية، إلى أن هذا الإجراء يمثل خطوة إضافية نحو رقمنة المعاملات الاقتصادية وضمان الشفافية، إذ سيتم تعميمها تدريجيًا لتشمل مسدي الخدمات، بما يعزّز الرقابة الجبائية ويحدّ من الاقتصاد الموازي.
وأوضحت أن التشريع الجبائي الجاري به العمل يفرض اعتماد الفوترة الإلكترونية بصفة وجوبية على الشركات الخاضعة لإدارة المؤسسات الكبرى، وذلك بالنسبة إلى المعاملات مع الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات والمنشآت العمومية، فضلًا عن إلزامها في عمليات بيع الأدوية والمحروقات بين المهنيين، باستثناء تجار التفصيل.
وأضافت أنه في إطار مواصلة التمشي الرامي إلى تعزيز الرقابة على المعاملات وتعميم الرقمنة، تم توسيع مجال الفوترة الإلكترونية ليشمل مسدي الخدمات، باعتبار أن قطاع الخدمات يعدّ من أكثر القطاعات التي يشوبها نقص التصريح برقم المعاملات الحقيقي.
وأثار النواب خلال نقاش الفصل عديد الإشكاليات التطبيقية بخصوص توسيع مجال الفوترة الإلكترونية، خاصة بالنسبة إلى صغار مسدي الخدمات والمهنيين في المناطق الداخلية الذين يواجهون صعوبات تقنية في استعمال التجهيزات والمنصات الرقمية، ودعوا إلى اعتماد التدرّج والمرحلية وإعداد دراسات معمّقة وجدول زمني واضح لتنفيذ الإجراء المقترح، مع توفير بنية تحتية ملائمة والقيام بحملات تحسيسية لضمان نجاعة الإصلاح.
وفي المقابل، ثمّن عدد آخر من النواب هذا الإجراء معتبرين إياه خطوة ضرورية لترسيخ الشفافية وتعصير المنظومة الجبائية. وتعقيبًا على ملاحظات النواب، أشارت وزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي إلى أن توسيع مجال الفوترة الإلكترونية يأتي استنادًا إلى تقييم موضوعي لطبيعة قطاع الخدمات وما يطرحه من صعوبات في ضبط رقم معاملاته، وهو ما يستوجب إدراج 310 آلاف مسدي خدمات ضمن المنظومة لضمان مزيد الشفافية وتحيين القاعدة الضريبية دون الترفيع في الضغط الجبائي. وأكدت أن الانطلاقة الفعلية ستكون بداية من سنة 2026 بعد إرساء البنية التحتية التقنية وتوفير الموارد البشرية اللازمة، على أن يتم تعميم المنظومة لاحقًا على بقية القطاعات.
وذكّرت وزيرة المالية بوجود إطار قانوني سابق يكرّس واجب الفوترة، وخاصة القانون عدد 64 لسنة 1991 المتعلق بالمنافسة والأسعار، الذي يلزم التاجر بإصدار فاتورة ويمنح المشتري حق المطالبة بها عند تجاوز المبلغ خمسمائة دينار.
وتفاعلاً مع الوزيرة، تحدث بعض النواب عن خصوصية بعض الأنشطة مثل النجارة وإصلاح السيارات وغيرها من المهن الصغيرة، معتبرين أنه من الأجدى تهيئة الأرضية اللازمة لتطبيق الإجراء قبل فرض الالتزام به، مع البحث عن إجراءات موازية أو تكميلية مثل آلات تسجيل المعاملات النقدية.
أما الوزيرة فقد أقرت بأن التنفيذ لن يكون سهلًا، لكنها شدّدت على ضرورة وضع الإطار القانوني والمضي تدريجيًا نحو تعميم الفوترة الإلكترونية بوصفها أداة فعالة لمراقبة المعاملات والتحقق من صحتها.
وأوضحت أن تجارة التفصيل غير خاضعة للأداء على القيمة المضافة، وبالتالي غير معنية بالفوترة الإلكترونية إلا في حدود الفاتورة اليومية الإجمالية للمبيعات، وذكرت أن التجارب القطاعية السابقة، على غرار المؤسسات الناشطة في قطاعي المحروقات والأدوية، أثبتت نجاعة الفوترة الإلكترونية في دعم الشفافية وتفعيل التحصيل الآلي للأداء على القيمة المضافة، مما يساهم مباشرة في الحدّ من التهرب الجبائي وتعزيز موارد الدولة دون إثقال كاهل المتعاملين.
ويُذكر أن الفصل المتعلق بتوسيع مجال التعامل بالفوترة الإلكترونية كان محلّ اعتراض ممثلي بعض الهيئات الذين تم الاستماع إليهم من قبل لجنتي المالية والميزانية بالغرفتين النيابيتين بمناسبة النظر في مشروع قانون المالية لسنة 2026.
وفي هذا السياق، أشار ممثلو هيئة الخبراء المحاسبين بالبلاد التونسية إلى أنه تم، في الفصل المتعلق بالفوترة الإلكترونية لمسدي الخدمات، استعمال مصطلح «مسدي الخدمات» دون تعريف، وهو ما يجعل مجال تطبيق الفوترة الإلكترونية واسعًا جدًا ليشمل المهن الصغرى مثل المخابر وإصلاح السيارات.
وأضافوا أن المؤسسات الكبرى نفسها لم تتمكن من تطبيق الفوترة الإلكترونية بسبب عدم جاهزية منصة «تي.تي.آن»، ولاحظوا أن اعتماد الفوترة الإلكترونية سيحمل المؤسسات الصغرى والمتوسطة أعباء تقنية ومالية تفوق قدراتها، مع صعوبات في استخدام المنصات الإعلامية.
واقترحوا حذف الفصل المذكور من مشروع قانون المالية لسنة 2026 وتأجيله إلى قانون لاحق، مع تحديد مجال تطبيق تدريجي يشمل في البداية المؤسسات المتوسطة ذات رقم معاملات بين 5 ملايين دينار و20 مليون دينار، بما يتناسب مع القدرة التقنية والمردودية الجبائية.
في حين بيّن ممثلون عن معهد الخبراء المحاسبين أن توسيع مجال الفوترة الإلكترونية ليشمل وجوبًا كل عمليات إسداء الخدمات سيخلق أعباء إضافية على صغار مسدي الخدمات، واقترحوا حصر الوجوبية في مرحلة أولى في مسدي الخدمات الراجعين بالنظر إلى إدارة المؤسسات الكبرى عندما يتعاملون مع الدولة والمنشآت العمومية، وتقدّموا بتوصية تتمثل في اعتماد التدرّج في تطبيق هذا الإصلاح لتفادي تكاليف إضافية غير مستوعبة.
وفي حديثهم عن الفصل المتعلق بتوسيع مجال الفوترة الإلكترونية، اقترح ممثلو الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية بدورهم حذف هذا الفصل، على اعتبار أن هذا الإجراء سيثقل كاهل المؤسسات بواجبات إضافية لا يمكن تحمّل أعبائها نظرًا لحجم مؤسسات الخدمات المعنية بالإجراء.
أسباب تنقيح الفصل 53
وفي انتظار إحالة المبادرة التشريعية المتعلقة بتنقيح الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 من قبل مكتب مجلس نواب الشعب إلى لجنة المالية والميزانية بتركيبتها الجديدة، يُذكر أن أصحاب هذه المبادرة بيّنوا في وثيقة شرح الأسباب أن مقترحهم يأتي في إطار دعم الخيارات الوطنية الرامية إلى تحديث المنظومة الجبائية وتكريس الشفافية في المعاملات الاقتصادية، خاصة عبر توسيع مجال اعتماد الفوترة الإلكترونية باعتبارها أداة محورية لمكافحة التهرب الجبائي وتحسين استخلاص الموارد العمومية وتعزيز الثقة بين الإدارة الجبائية والمتعاملين الاقتصاديين.
وبيّنوا أن الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 أقرّ تنقيحًا للفصل 18 من مجلة الأداء على القيمة المضافة، أُدرجت بمقتضاه عمليات إسداء الخدمات ضمن العمليات الخاضعة وجوبًا للفوترة الإلكترونية. ولاحظ أصحاب المبادرة أنه، رغم وجاهة هذا التوجه من حيث المبدأ، فإن تنزيله الفوري والشامل على جميع مسدي الخدمات يطرح جملة من الإشكاليات العملية والتقنية والتنظيمية التي تستوجب المراجعة والتعديل ضمانًا لنجاعة الإصلاح وعدالته.
وفسّروا أنه، من الناحية الواقعية، لا تتوفر منظومة وطنية موحدة للفوترة الإلكترونية قادرة على استيعاب التنوع الكبير في أنشطة إسداء الخدمات، سواء من حيث طبيعتها أو من حيث حجم المتدخلين فيها، كما أن غياب بنية تحتية رقمية متكاملة مصحوبة ببرنامج مرافقة للتكوين والدعم الفني من شأنه أن يحوّل الالتزام القانوني إلى عبء إضافي يصعب الامتثال له، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغرى والمتوسطة وأصحاب المهن الحرة.
كما تمت الإشارة في وثيقة شرح أسباب مقترح هذا القانون، الذي بادر النائب ثابت العابد بنشره على صفحته، إلى أن التنقيح المعتمد بموجب الفصل 53 لم يراع مبدأ التدرّج، وهو من المبادئ التي استقرت عليها الإصلاحات الجبائية الحديثة، إذ ساوى بين المؤسسات الكبرى التي تتوفر لديها الإمكانيات التقنية والتنظيمية والموارد البشرية الكفيلة بالتكيّف السريع مع المتطلبات الجديدة، وبين المتدخلين الاقتصاديين محدودي الموارد. ويعتبر أصحاب المقترح أن من شأن هذا التماثل غير المبرّر أن يفرغ الإصلاح من أهدافه وأن يفضي إلى نتائج عكسية تمسّ بالنسيج الاقتصادي بدل دعمه. ولاحظوا أن فرض التزامات شكلية جديدة دون توفر الشروط الموضوعية للامتثال يؤدي إلى تضخّم المخالفات الشكلية وارتفاع النزاعات الجبائية، بما يثقل كاهل الإدارة والمتقاضين على حدّ السواء دون تحقيق مردودية جبائية فعلية.
وعبّروا عن خشيتهم من أن يتحول الإجراء إلى أداة زجرية بدل أن يكون آلية تنظيمية وتحفيزية، وهو ما من شأنه إضعاف مناخ الثقة الضروري لإنجاح أي إصلاح جبائي.
حماية المعطيات الشخصية
ونبّه أصحاب المبادرة التشريعية الرامية إلى تنقيح الفصل 53 من قانون المالية، في وثيقة شرح أسباب مبادرتهم، إلى أن مسألة تعميم الفوترة الإلكترونية على قطاع الخدمات تطرح إشكاليات جدّية تتعلق بحماية المعطيات الشخصية والمهنية، خاصة وأن العديد من أنشطة إسداء الخدمات ترتبط بأسرار مهنية وبمعطيات حساسة ذات طابع شخصي أو تجاري.
وتمت الإشارة في وثيقة شرح أسباب المبادرة التشريعية إلى أنه، في ظل غياب إطار تقني وتشريعي متكامل يضمن الأمن السيبرني وحماية المعطيات الشخصية، فإن التوسع غير المدروس في رقمنة هذه المعاملات قد يعرّض المعنيين إلى مخاطر حقيقية تمسّ بحقوقهم وبسلامة المعاملات.
ولاحظ أصحاب مقترح القانون أن التجارب المقارنة، على غرار المغرب ومصر وتركيا، تبرز أن اعتماد الفوترة الإلكترونية تم بصفة تدريجية عبر مراحل تجريبية واضحة، مع توفير مرافقة تقنية تحفيزية للمتدخلين الاقتصاديين، ودون اللجوء الفوري إلى العقوبات الزجرية، ومكّن هذا التمشي من اختبار المنظومات المعتمدة وتعديلها وضمان انخراط فعلي وناجع في مسار الرقمنة.
وتضمّنت وثيقة شرح أسباب المبادرة التشريعية معطيات حول أهداف تنقيح الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026، والمتمثلة في الحدّ من نطاق تطبيق الفوترة الإلكترونية على عمليات إسداء الخدمات في مرحلة أولى، عبر الاقتصار على المؤسسات الراجعة بالنظر إلى إدارة المؤسسات الكبرى، بما يضمن التدرّج في التطبيق ويتيح للإدارة الجبائية استكمال الجاهزية التقنية والتنظيمية ويوفر إطارًا ملائمًا لتقييم التجربة قبل تعميمها. وأكدت جهة المبادرة أن مقترح القانون المعروض لا يرمي إلى تعطيل مسار الرقمنة أو التراجع عن أهداف الإصلاح الجبائي، بل يرمي إلى تأمين شروط أفضل لنجاحه وتحقيق التوازن بين النجاعة الجبائية وحماية النسيج الاقتصادي، وتكريس علاقة قائمة على الثقة والوضوح بين الإدارة الجبائية ومختلف المتدخلين الاقتصاديين، بما يخدم المصلحة العامة ويعزّز استدامة الإصلاحات المنشودة.
غياب المنصّات
وكان الإجراء المتعلق بتوسيع مجال الفوترة الإلكترونية الوارد بقانون المالية لسنة 2026 موضوع لقاء جمع، يوم 12 جانفي الجاري، بين رئيس الجمهورية قيس سعيّد ووزيرة المالية مشكاة سلامة. وجاء في بلاغ صادر عن رئاسة الجمهورية أن رئيس الدولة «أكد على أن غياب المنصّات الإلكترونية بالنسبة إلى عديد المؤسسات الصغرى والمتوسطة، على وجه الخصوص، فضلًا عن عديد النشاطات الأخرى، يقتضي التعامل بمرونة حتى يتم تجنّب الاضطراب والإرباك وما يمكن أن يترتّب عليهما من نتائج غير محمودة على الوضع الاقتصادي بوجه عام، وإعداد هذه المنصّات هو المقدّمة حتى يجد هذا الإجراء طريقه إلى التطبيق.
كما أكّد رئيس الجمهورية على أن رقمنة المعاملات في كافة المجالات ستؤدي إلى التقليص من الفساد، ولا بدّ من المضيّ قدمًا في هذه الطريق، ولكن لا بدّ أيضًا من تجنّب تسليط الجزاء القانوني في غياب توفّر هذه المنصّات. وخلص رئيس الدولة إلى أن النصوص تُقاس بالمقاصد التي وُضعت من أجلها، ولا يجب أن تكون الإجراءات عائقًا أمام تحقيقها، ومقاومة الفساد هو الهدف والمبتغى ولا تراجع في ذلك، والعدل هو المقصد والمنتهى، والعمل مستمرّ حتى تكون الدولة وسائر مرافقها العمومية في مستوى انتظارات منظوريها».
وفي اليوم الموالي، وتحديدًا يوم 13 جانفي 2026، نشرت وزارة المالية بلاغًا أعلمت فيه العموم أن الفصل 53 من القانون عدد 17 لسنة 2025 المؤرخ في 12 ديسمبر 2025 المتعلق بقانون المالية لسنة 2026 نصّ على إخضاع العمليات للفوترة الإلكترونية، وذلك ابتداءً من غرّة جانفي 2026.
وأوضحت أنه، تفاديًا لما يمكن أن ينجرّ عن تطبيق الفصل من صعوبات في الولوج إلى المنصّات الإلكترونية بالنسبة إلى عديد المؤسسات الصغرى والمتوسطة، على وجه الخصوص، فضلًا عن عديد النشاطات الأخرى، سيتمّ التعامل بمرونة في تطبيق النص لتجنّب الاضطراب والإرباك وما يمكن أن يترتّب عنه من نتائج غير محمودة على الوضع الاقتصادي بوجه عام.
وحتى بعد صدور هذا البلاغ التوضيحي من قبل وزارة المالية، ما زالت الرؤية غير واضحة لدى العديد من المتعاملين الاقتصاديين. وفي هذا السياق، نبّهت الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة، في بيان أصدرته مؤخرًا، إلى أنها تتابع بقلق بالغ حالة الارتباك وعدم الوضوح التي رافقت صدور القانون المتعلق بالفوترة الإلكترونية.
ولاحظت أن هذا الوضع خلق غموضًا حقيقيًا لدى آلاف الحرفيين وأصحاب المؤسسات، خاصة في قطاعات الخدمات والتجارة، الذين وجدوا أنفسهم أمام تشريع جديد دون أن تتوفر لهم الرؤية الكافية حول كيفية تطبيقه.
وجدّدت الجامعة التأكيد على دعمها لكل إصلاح حقيقي يهدف إلى تحديث الإدارة ومكافحة التهرّب الضريبي، لكنها عبّرت عن رفضها بشكل قاطع أن يتم ذلك من خلال نصوص قانونية غامضة وتطبيق متسرّع وتحميل الفئات الهشّة تكلفة إصلاح لم تُهيّأ له الأرضية التقنية والقانونية اللازمة.
وطالبت الجامعة، في نفس البيان، بتوضيح رسمي عاجل من وزارة المالية يبيّن الفئات المعنية حاليًا بتطبيق الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026، ونوع الفواتير المقبولة في هذه المرحلة، والجدول الزمني الحقيقي للتطبيق الإجباري.
كما طالبت بوقف أي متابعة أو عقوبات متعلقة بالفوترة الإلكترونية إلى حين اكتمال جاهزية المنظومة وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المعنيين.
وأكدت الجامعة أن المنظومة الإلكترونية حكومية بحتة، لا مكان فيها لشركات وساطة ولا لاشتراكات مدفوعة ولا لوصول أطراف خاصة إلى البيانات الضريبية أو الشخصية.
وطالبت باعتماد مرحلة انتقالية حقيقية تشمل دعمًا تقنيًا وتدريبًا وفترة تجريبية دون عقوبات، واقترحت تشريك المنظمات المهنية في صياغة وتنفيذ النصوص التنظيمية، لأن الإصلاح الناجح يُبنى بالشراكة والثقة وليس بالقرارات المفروضة من الأعلى.
كما أكدت، في نفس البيان، أن الإصلاح الضريبي ضرورة ملحّة، لكنها لن تقبل أن يكون هذا الإصلاح على حساب المؤسسات الصغرى والمتوسطة، وخلصت الجامعة التونسية للحرفيين والمؤسسات الصغرى والمتوسطة إلى أن الرقمنة يجب أن تكون أداة للتطوير والتنظيم، وليس وسيلة للضغط أو الإقصاء.