- المختص في العلاقات الدولية عدنان الإمام لـ«الصباح»: هنالك حملة ممنهجة بأذرع مختلفة لزرع الفتنة بين تونس والجزائر
بعد موجة من التأويلات والتشكيك حاولت العبث بخصوصية الروابط بين بلدين تجمعهما حدود ممتدة وتحديات أمنية مصيرية، جاءت تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لتضع حدًا للجدل الذي رافق الاتفاقية العسكرية الممضاة مؤخرًا بين تونس والجزائر، ولتعيد قاطرة النقاش إلى سياقها الطبيعي كاستحقاق أمني تفرضه طبيعة المرحلة. ففي خضم سياق إقليمي ودولي دقيق، جرى الزج بهذا الإطار التعاوني الثنائي في سجالات على منصات التواصل الاجتماعي بلغ حد التشكيك في السيادة الوطنية، بما يُثير تساؤلات جوهرية حول خلفيات هذا الجدل وتوقيته، لا سيما مع تنبيه أطراف عدة إلى وجود مساعٍ ممنهجة لزرع بذور الفتنة وتقويض استقرار منطقة تعيش على وقع تحولات جيوسياسية بالغة الحساسية، بما يجعل من محاولات «تشويه» هذا التنسيق مجرد أداة لزعزعة الثقة المتبادلة وضرب العمق الاستراتيجي بين الجارتين.
في هذا الجانب، شهدت مؤخرًا العلاقات التونسية الجزائرية موجة من الجدل مردّها وثيقة لا تحمل إمضاءات أو ما يثبت صحتها، تداولتها بكثافة منصات التواصل الاجتماعي، قيل إنها تتعلق باتفاقيات سرية بين تونس والجزائر في المجال العسكري شكك كثيرون في مصداقيتها، فيما دعا آخرون إلى توضيح رسمي لها، علمًا أن رئيس الدولة قيس سعيد كان قد أشار ضمنيًا خلال لقاء جمعه برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري إلى أن «الدولة لا تدار بالتدوينات ولا بافتعال وثائق لا وجود لها إلا في خيال أصحابها».
ومع تصاعد وتيرة التشكيك، جاء الحسم من قصر الأمم بنادي الصنوبر بالجزائر بتصريحات رئاسية قاطعة أعادت التذكير بأن العقيدة الأمنية للبلدين عصيّة عن أي محاولات اختراق. ففي خطابه بتاريخ 30 ديسمبر الماضي أمام البرلمان بغرفتيه، حذر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من محاولات تهدف إلى زرع البلبلة وإثارة الفتنة بين الجزائر وتونس عبر حملات تضليل تسعى إلى إقحام الجزائر في السجال السياسي الداخلي التونسي.
زرع الفتنة بعقول ضيقة
وشدّد الرئيس الجزائري على أن «الجزائر لم تتدخل يومًا في الشؤون الداخلية لتونس، ولن تفعل ذلك»، موضحًا أن «أمن البلدين مترابط ولا يمكن فصله»، و«أمن الجزائر هو امتداد لأمن تونس، وأمن تونس هو امتداد لأمن الجزائر»، قائلًا إن من يروّج لعكس ذلك يعتمد على «محاولات زرع الفتنة بيننا وبين تونس باستعمال العقول الضيقة».
وأكد الرئيس الجزائري في معرض تصريحاته أن «الجيش الجزائري لم يطأ يومًا الأراضي التونسية»، وأن «الجزائر تحرص على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في خياراتها الداخلية»، مضيفًا أن «من يعتقد أنه بالإمكان عزل تونس عن الجزائر فهو واهم»، واصفًا في الإطار نفسه الروح الوطنية التونسية بأنها «قوية وغير قابلة للافتراس»، ومشددًا على أن «أي استهداف لتونس يُعد استهدافًا مباشرًا للجزائر».
هذه التصريحات لا تختزل في كونها مجرد رد على جدل عابر، وإنما تعكس موقفًا مبدئيًا منسجمًا مع الثوابت التي تحكم السياسة الخارجية الجزائرية، والقائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها. وقد ساهم هذا التوضيح في إعادة النقاش إلى مستواه العقلاني، وإبراز أن التعاون العسكري لا يعني بأي حال من الأحوال المساس باستقلال القرار الوطني.
فمن خلال تحذيره من «العقول الضيقة» وحملات التضليل، وضع الرئيس الجزائري حدًا لمحاولات تسييس التعاون العسكري وتحويله إلى ورقة في السجالات الداخلية، كما أن تشديده على أن الجيش الجزائري «لم يطأ يومًا الأراضي التونسية» هو رد مباشر وحاسم يدحض زيف الادعاءات حول «وثيقة التوغل»، ويعيد تأكيد احترام الجزائر المطلق للسيادة التونسية.
وبوصفه الروح الوطنية التونسية بأنها «غير قابلة للافتراس»، فإن الخطاب لم يكتفِ بنفي التدخل في الشؤون الداخلية فحسب، بل حصّن العلاقة الثنائية بمنطق «الارتباط العضوي»، حيث لم يعد أمن تونس مجرد ملف تنسيق حدودي، وإنما أصبح وفق هذا الخطاب «امتدادًا حيويًا» للأمن القومي الجزائري، مما يجعل من أي محاولة لعزل البلدين عن بعضهما رهانًا خاسرًا يصطدم بصلابة الموقف الرسمي ووعي النخب في كلا البلدين.
من جانب آخر، وبالتوازي مع تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، جدير بالذكر أن وزير الدفاع الوطني خالد السهيلي كان قد أشار إلى أن الاتفاقية العسكرية الموقعة مؤخرًا مع الجزائر ليست اتفاقية جديدة، بل هي اتفاقية قديمة تم توقيعها منذ سنة 2001 بين البلدين، وتمت مراجعتها لتتوافق مع المستجدات وتوسيع مجالات التعاون.
وأشار الوزير لدى حضوره في البرلمان خلال شهر نوفمبر الماضي إلى أن توسيع الاتفاقية جاء من أجل إدماج مجالات جديدة، وخصوصًا مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود وتأمين الحدود المشتركة.
تاريخ مشترك
وشدّد السهيلي على أن العلاقات التونسية الجزائرية تقوم على تاريخ مشترك وشراكة استراتيجية ثابتة لا تحمل أي طابع سياسي أو اصطفافي، وأن تعزيز التعاون العسكري بين البلدين يُعد خيارًا استراتيجيًا يخدم أمن واستقرار المنطقة بأسرها.
وأوضح الوزير أنه تم عقد اجتماعات ثنائية بالجزائر، على غرار الاجتماع مع الرئيس الجزائري، وخلصت لتوقيع اتفاقية التعاون بين البلدين في عديد المجالات العسكرية، على غرار التكوين والتدريب وتبادل المعلومات والخبرات في مجال مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود.
في هذا الخضم، وعلى الرغم من أن تونس ترتبط بعلاقات عسكرية وثيقة مع قوى دولية متعددة، إلا أن الاتفاقية مع الجزائر شكّلت استثناءً في حجم الجدل الذي أحدثته. فهذه الاتفاقيات، بطبيعتها التقنية والاستراتيجية، تظل «سرية» في معظم بنودها المتعلقة بتبادل المعلومات الاستخباراتية وخطط التدريب المشترك وغيرها.
فالسرية في العرف العسكري، من وجهة نظر أهل الاختصاص، ليست دليل «مؤامرة»، وإنما هي ضرورة لحماية الأمن القومي. ولطالما كانت تونس تتعامل مع شركائها العسكريين بمنطق الندية والمصلحة الوطنية، والاتفاقية مع الجزائر لا تتجاوز هذا الإطار.
وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري التذكير بأن مبدأ السرية في الاتفاقيات العسكرية ليس استثناءً تونسيًا ولا جزائريًا، بل هو قاعدة معمول بها دوليًا، ولا يمكن اعتباره قرينة على وجود نوايا خفية أو ترتيبات تمس بالسيادة.
وهنا يتساءل كثيرون: لماذا أثير كل هذا الصخب حول الجزائر تحديدًا، والحال أن سرية الاتفاقيات العسكرية هي القاعدة لا الاستثناء في الأعراف الدولية؟
وردًا عن السؤال السالف الذكر، يشير عدد من الخبراء والمحللين إلى أن إثارة هذا الجدل تندرج ضمن محاولات أوسع لزرع الفتنة بين تونس والجزائر، وضرب الثقة المتبادلة بين بلدين تجمعهما علاقات تاريخية واستراتيجية عميقة. فالعلاقات التونسية الجزائرية لم تكن يومًا علاقات ظرفية، وإنما هي علاقات استراتيجية قامت على التنسيق والتضامن، خاصة في فترات دقيقة من تاريخ البلدين والمنطقة برمتها.
وفي هذا الخصوص، يعتبر الأستاذ في القانون العام والمختص في العلاقات الدولية عدنان الإمام، في تصريح لـ«الصباح»، أن هنالك حملة ممنهجة بأذرع مختلفة لزرع الفتنة بين تونس والجزائر اللتين تدفعان ضريبة مواقفهما جراء رفضهما ركوب قطار التطبيع. وفسّر محدثنا أن تقارب تونس مع الجزائر لا يخدم بعض الأطراف التي تسعى إلى عزل الجزائر في محيطها الإقليمي، قائلًا: «هنالك ماكينة إعلامية تجنّدت عبر منصات التواصل الاجتماعي لبث الفتنة»، مشيرًا في السياق ذاته إلى وجود نوع من التحالف الذاتي والموضوعي بين أطراف تصطاد في المياه العكرة لبلوغ غاياتها من خلال زرع العداء بين شعبين شقيقين.
كما أضاف محدثنا أن ما حدث مؤخرًا من جدل رافق الاتفاقية العسكرية، والتي تعتبر امتدادًا طبيعيًا لبلدين تجمعهما حدود وتربطهما تحديات إقليمية جسيمة، كشف عن وجود سياسة ممنهجة تقودها أطراف معادية لتونس والجزائر تعمل على إثارة «الفتن والقلاقل»، وتستغل أي معلومة لزرع الفتنة وتغذيتها حتى تصل مبتغاها.
السيادة خط أحمر
وبالعودة إلى الجدل الذي رافق سير الاتفاقية الثنائية، جدير بالذكر أن الموقف التونسي الرسمي لم يكن بعيدًا عن هذا الحسم، حيث لطالما أكد رئيس الدولة قيس سعيد، من خلال لقاءاته ومواقفه المعلنة، أن سيادة تونس فوق كل اعتبار، وأن القرار الوطني لا يخضع للمساومات أو الإملاءات الخارجية. وهذا التمسك الصارم بمبدأ السيادة هو الرد العملي على محاولات التشكيك.
فالدولة التونسية، بمؤسساتها العريقة، لاسيما المؤسسة العسكرية المشهود لها بالانضباط والكفاءة والوفاء للوطن، تُدير علاقاتها الخارجية وفق ثوابت وطنية راسخة ترفض أي شكل من أشكال التبعية أو المساس بسلامة التراب الوطني.
ومن هذا المنطلق، فإن التعاون العسكري مع الجانب الجزائري يُدار بعقلية «الندية والشراكة» لا «التبعية»، حيث يلتقي الحرص التونسي على السيادة مع الاحترام الجزائري لحسن الجوار، ليشكّلا معًا سدًا منيعًا أمام كل المحاولات التي تستهدف فك الارتباط الاستراتيجي بين البلدين.
منال حرزي
- المختص في العلاقات الدولية عدنان الإمام لـ«الصباح»: هنالك حملة ممنهجة بأذرع مختلفة لزرع الفتنة بين تونس والجزائر
بعد موجة من التأويلات والتشكيك حاولت العبث بخصوصية الروابط بين بلدين تجمعهما حدود ممتدة وتحديات أمنية مصيرية، جاءت تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون لتضع حدًا للجدل الذي رافق الاتفاقية العسكرية الممضاة مؤخرًا بين تونس والجزائر، ولتعيد قاطرة النقاش إلى سياقها الطبيعي كاستحقاق أمني تفرضه طبيعة المرحلة. ففي خضم سياق إقليمي ودولي دقيق، جرى الزج بهذا الإطار التعاوني الثنائي في سجالات على منصات التواصل الاجتماعي بلغ حد التشكيك في السيادة الوطنية، بما يُثير تساؤلات جوهرية حول خلفيات هذا الجدل وتوقيته، لا سيما مع تنبيه أطراف عدة إلى وجود مساعٍ ممنهجة لزرع بذور الفتنة وتقويض استقرار منطقة تعيش على وقع تحولات جيوسياسية بالغة الحساسية، بما يجعل من محاولات «تشويه» هذا التنسيق مجرد أداة لزعزعة الثقة المتبادلة وضرب العمق الاستراتيجي بين الجارتين.
في هذا الجانب، شهدت مؤخرًا العلاقات التونسية الجزائرية موجة من الجدل مردّها وثيقة لا تحمل إمضاءات أو ما يثبت صحتها، تداولتها بكثافة منصات التواصل الاجتماعي، قيل إنها تتعلق باتفاقيات سرية بين تونس والجزائر في المجال العسكري شكك كثيرون في مصداقيتها، فيما دعا آخرون إلى توضيح رسمي لها، علمًا أن رئيس الدولة قيس سعيد كان قد أشار ضمنيًا خلال لقاء جمعه برئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري إلى أن «الدولة لا تدار بالتدوينات ولا بافتعال وثائق لا وجود لها إلا في خيال أصحابها».
ومع تصاعد وتيرة التشكيك، جاء الحسم من قصر الأمم بنادي الصنوبر بالجزائر بتصريحات رئاسية قاطعة أعادت التذكير بأن العقيدة الأمنية للبلدين عصيّة عن أي محاولات اختراق. ففي خطابه بتاريخ 30 ديسمبر الماضي أمام البرلمان بغرفتيه، حذر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من محاولات تهدف إلى زرع البلبلة وإثارة الفتنة بين الجزائر وتونس عبر حملات تضليل تسعى إلى إقحام الجزائر في السجال السياسي الداخلي التونسي.
زرع الفتنة بعقول ضيقة
وشدّد الرئيس الجزائري على أن «الجزائر لم تتدخل يومًا في الشؤون الداخلية لتونس، ولن تفعل ذلك»، موضحًا أن «أمن البلدين مترابط ولا يمكن فصله»، و«أمن الجزائر هو امتداد لأمن تونس، وأمن تونس هو امتداد لأمن الجزائر»، قائلًا إن من يروّج لعكس ذلك يعتمد على «محاولات زرع الفتنة بيننا وبين تونس باستعمال العقول الضيقة».
وأكد الرئيس الجزائري في معرض تصريحاته أن «الجيش الجزائري لم يطأ يومًا الأراضي التونسية»، وأن «الجزائر تحرص على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في خياراتها الداخلية»، مضيفًا أن «من يعتقد أنه بالإمكان عزل تونس عن الجزائر فهو واهم»، واصفًا في الإطار نفسه الروح الوطنية التونسية بأنها «قوية وغير قابلة للافتراس»، ومشددًا على أن «أي استهداف لتونس يُعد استهدافًا مباشرًا للجزائر».
هذه التصريحات لا تختزل في كونها مجرد رد على جدل عابر، وإنما تعكس موقفًا مبدئيًا منسجمًا مع الثوابت التي تحكم السياسة الخارجية الجزائرية، والقائمة على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها. وقد ساهم هذا التوضيح في إعادة النقاش إلى مستواه العقلاني، وإبراز أن التعاون العسكري لا يعني بأي حال من الأحوال المساس باستقلال القرار الوطني.
فمن خلال تحذيره من «العقول الضيقة» وحملات التضليل، وضع الرئيس الجزائري حدًا لمحاولات تسييس التعاون العسكري وتحويله إلى ورقة في السجالات الداخلية، كما أن تشديده على أن الجيش الجزائري «لم يطأ يومًا الأراضي التونسية» هو رد مباشر وحاسم يدحض زيف الادعاءات حول «وثيقة التوغل»، ويعيد تأكيد احترام الجزائر المطلق للسيادة التونسية.
وبوصفه الروح الوطنية التونسية بأنها «غير قابلة للافتراس»، فإن الخطاب لم يكتفِ بنفي التدخل في الشؤون الداخلية فحسب، بل حصّن العلاقة الثنائية بمنطق «الارتباط العضوي»، حيث لم يعد أمن تونس مجرد ملف تنسيق حدودي، وإنما أصبح وفق هذا الخطاب «امتدادًا حيويًا» للأمن القومي الجزائري، مما يجعل من أي محاولة لعزل البلدين عن بعضهما رهانًا خاسرًا يصطدم بصلابة الموقف الرسمي ووعي النخب في كلا البلدين.
من جانب آخر، وبالتوازي مع تصريحات الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، جدير بالذكر أن وزير الدفاع الوطني خالد السهيلي كان قد أشار إلى أن الاتفاقية العسكرية الموقعة مؤخرًا مع الجزائر ليست اتفاقية جديدة، بل هي اتفاقية قديمة تم توقيعها منذ سنة 2001 بين البلدين، وتمت مراجعتها لتتوافق مع المستجدات وتوسيع مجالات التعاون.
وأشار الوزير لدى حضوره في البرلمان خلال شهر نوفمبر الماضي إلى أن توسيع الاتفاقية جاء من أجل إدماج مجالات جديدة، وخصوصًا مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود وتأمين الحدود المشتركة.
تاريخ مشترك
وشدّد السهيلي على أن العلاقات التونسية الجزائرية تقوم على تاريخ مشترك وشراكة استراتيجية ثابتة لا تحمل أي طابع سياسي أو اصطفافي، وأن تعزيز التعاون العسكري بين البلدين يُعد خيارًا استراتيجيًا يخدم أمن واستقرار المنطقة بأسرها.
وأوضح الوزير أنه تم عقد اجتماعات ثنائية بالجزائر، على غرار الاجتماع مع الرئيس الجزائري، وخلصت لتوقيع اتفاقية التعاون بين البلدين في عديد المجالات العسكرية، على غرار التكوين والتدريب وتبادل المعلومات والخبرات في مجال مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود.
في هذا الخضم، وعلى الرغم من أن تونس ترتبط بعلاقات عسكرية وثيقة مع قوى دولية متعددة، إلا أن الاتفاقية مع الجزائر شكّلت استثناءً في حجم الجدل الذي أحدثته. فهذه الاتفاقيات، بطبيعتها التقنية والاستراتيجية، تظل «سرية» في معظم بنودها المتعلقة بتبادل المعلومات الاستخباراتية وخطط التدريب المشترك وغيرها.
فالسرية في العرف العسكري، من وجهة نظر أهل الاختصاص، ليست دليل «مؤامرة»، وإنما هي ضرورة لحماية الأمن القومي. ولطالما كانت تونس تتعامل مع شركائها العسكريين بمنطق الندية والمصلحة الوطنية، والاتفاقية مع الجزائر لا تتجاوز هذا الإطار.
وفي هذا الإطار، يصبح من الضروري التذكير بأن مبدأ السرية في الاتفاقيات العسكرية ليس استثناءً تونسيًا ولا جزائريًا، بل هو قاعدة معمول بها دوليًا، ولا يمكن اعتباره قرينة على وجود نوايا خفية أو ترتيبات تمس بالسيادة.
وهنا يتساءل كثيرون: لماذا أثير كل هذا الصخب حول الجزائر تحديدًا، والحال أن سرية الاتفاقيات العسكرية هي القاعدة لا الاستثناء في الأعراف الدولية؟
وردًا عن السؤال السالف الذكر، يشير عدد من الخبراء والمحللين إلى أن إثارة هذا الجدل تندرج ضمن محاولات أوسع لزرع الفتنة بين تونس والجزائر، وضرب الثقة المتبادلة بين بلدين تجمعهما علاقات تاريخية واستراتيجية عميقة. فالعلاقات التونسية الجزائرية لم تكن يومًا علاقات ظرفية، وإنما هي علاقات استراتيجية قامت على التنسيق والتضامن، خاصة في فترات دقيقة من تاريخ البلدين والمنطقة برمتها.
وفي هذا الخصوص، يعتبر الأستاذ في القانون العام والمختص في العلاقات الدولية عدنان الإمام، في تصريح لـ«الصباح»، أن هنالك حملة ممنهجة بأذرع مختلفة لزرع الفتنة بين تونس والجزائر اللتين تدفعان ضريبة مواقفهما جراء رفضهما ركوب قطار التطبيع. وفسّر محدثنا أن تقارب تونس مع الجزائر لا يخدم بعض الأطراف التي تسعى إلى عزل الجزائر في محيطها الإقليمي، قائلًا: «هنالك ماكينة إعلامية تجنّدت عبر منصات التواصل الاجتماعي لبث الفتنة»، مشيرًا في السياق ذاته إلى وجود نوع من التحالف الذاتي والموضوعي بين أطراف تصطاد في المياه العكرة لبلوغ غاياتها من خلال زرع العداء بين شعبين شقيقين.
كما أضاف محدثنا أن ما حدث مؤخرًا من جدل رافق الاتفاقية العسكرية، والتي تعتبر امتدادًا طبيعيًا لبلدين تجمعهما حدود وتربطهما تحديات إقليمية جسيمة، كشف عن وجود سياسة ممنهجة تقودها أطراف معادية لتونس والجزائر تعمل على إثارة «الفتن والقلاقل»، وتستغل أي معلومة لزرع الفتنة وتغذيتها حتى تصل مبتغاها.
السيادة خط أحمر
وبالعودة إلى الجدل الذي رافق سير الاتفاقية الثنائية، جدير بالذكر أن الموقف التونسي الرسمي لم يكن بعيدًا عن هذا الحسم، حيث لطالما أكد رئيس الدولة قيس سعيد، من خلال لقاءاته ومواقفه المعلنة، أن سيادة تونس فوق كل اعتبار، وأن القرار الوطني لا يخضع للمساومات أو الإملاءات الخارجية. وهذا التمسك الصارم بمبدأ السيادة هو الرد العملي على محاولات التشكيك.
فالدولة التونسية، بمؤسساتها العريقة، لاسيما المؤسسة العسكرية المشهود لها بالانضباط والكفاءة والوفاء للوطن، تُدير علاقاتها الخارجية وفق ثوابت وطنية راسخة ترفض أي شكل من أشكال التبعية أو المساس بسلامة التراب الوطني.
ومن هذا المنطلق، فإن التعاون العسكري مع الجانب الجزائري يُدار بعقلية «الندية والشراكة» لا «التبعية»، حيث يلتقي الحرص التونسي على السيادة مع الاحترام الجزائري لحسن الجوار، ليشكّلا معًا سدًا منيعًا أمام كل المحاولات التي تستهدف فك الارتباط الاستراتيجي بين البلدين.