-عضو لجنة السياحة لـ«الصباح»: التعويل على السياحة الكلاسيكية وحدها لم يعد كافيا..
- نائب رئيس الجامعة التونسية للنزل، جلال الهنشيري لـ«الصباح»: هذا ما يجب اتخاذه لمزيد تطوير القطاع السياحي..
مع إسدال الستار على سنة 2025، تتجه الأنظار في تونس إلى حصيلة أحد أكثر القطاعات حساسية وتأثيرا في الدورة الاقتصادية، وهو القطاع السياحي، الذي عاد ليتصدر واجهة المشهد الوطني باعتباره رافعة أساسية للنمو، ومصدرا رئيسيا للعملة الصعبة، وأحد أهم محركات التشغيل والتنمية الجهوية.
فقد مثّلت سنة 2025 محطة مفصلية في تاريخ السياحة التونسية، ليس فقط من حيث الأرقام القياسية المحققة، بل أيضًا من حيث وضوح التوجهات السياسية للدولة وإرادة الإصلاح عبر النهج الذي اختاره رئيس الجمهورية قيس سعيد.
فقد كشفت المعطيات الرسمية الصادرة عن الديوان الوطني التونسي للسياحة والبنك المركزي التونسي أن تونس استقبلت خلال كامل سنة 2025 أكثر من 11 مليون سائح، وهو أعلى رقم يُسجل منذ انطلاق النشاط السياحي المنظم في البلاد، بنسبة نمو ملحوظة مقارنة بسنة 2024. كما تجاوزت العائدات السياحية حاجز 7.5 مليار دينار تونسي، ما مكّن من دعم الاحتياطي من العملة الصعبة، والتقليص النسبي في عجز الميزان الجاري، في ظرف اقتصادي عالمي يتسم بعدم الاستقرار وارتفاع كلفة التوريد والطاقة.
ولا تنفصل هذه النتائج عن التوجهات العامة للدولة التي اختارها رئيس الجمهورية قيس سعيد، وما فتئت تؤكد، خلال السنوات الأخيرة، على ضرورة إعادة الاعتبار للقطاع السياحي ضمن رؤية وطنية شاملة، تقطع مع المقاربات الظرفية والسياسات الترقيعية.
وفي ظل هذا التمشي، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيد في عديد المناسبات على أن السياحة لا يمكن أن تبقى رهينة نموذج تقليدي محدود، داعيًا إلى إعادة هيكلة المنظومة السياحية على أسس جديدة، قوامها السيادة الوطنية، وتثمين الموروث الثقافي، وحماية البيئة، وضمان توزيع عادل لثمار التنمية بين مختلف الجهات.
وقد أكّد رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من اجتماع وزاري على أن نجاح القطاع السياحي لا يُقاس فقط بعدد الوافدين أو الليالي المقضاة، بل بمدى مساهمته في خلق الثروة الحقيقية، وتحسين أوضاع العاملين فيه، وربط الاستثمار السياحي بالتنمية الجهوية، وخاصة في المناطق الداخلية والصحراوية التي ظلت لسنوات خارج الخارطة السياحية التقليدية.
كما دعا إلى القطع مع الممارسات التي أضعفت القطاع في السابق، وتحميل المسؤولية لكل من ثبت تقصيره أو تورطه في سوء التصرف.
وفي السياق نفسه، انسجمت تصريحات رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري مع رؤية وخيارات رئيس الجمهورية قيس سعيد، حيث أكدت في أكثر من مناسبة أن سنة 2025 مثّلت سنة تثبيت الإصلاحات والانطلاق الفعلي في تنفيذ الخيارات الاستراتيجية للدولة في المجال السياحي.
وشدّدت رئيسة الحكومة على أن العمل الحكومي انصبّ على تحسين مناخ الاستثمار السياحي، ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة، ورقمنة الخدمات، وتطوير البنية التحتية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الوزارات والهياكل العمومية ذات الصلة، بما يضمن نجاعة أكبر في تنفيذ السياسات العمومية.
كما أبرزت رئيسة الحكومة أن النتائج الإيجابية المحققة خلال سنة 2025 هي ثمرة مقاربة تشاركية شملت الدولة والمهنيين والقطاع الخاص، مؤكدة في الآن ذاته أن المرحلة القادمة ستتطلب مزيدًا من العمل لضمان استدامة هذه المكاسب، والارتقاء بجودة الخدمات السياحية، وتثمين الكفاءات الوطنية العاملة في القطاع، مع فتح آفاق جديدة أمام الشباب والاستثمار الجهوي.
وعلى المستويين الاجتماعي والاقتصادي، ساهمت السياحة خلال سنة 2025 في الحفاظ على آلاف مواطن الشغل وإحداث فرص عمل جديدة، إلى جانب تنشيط قطاعات موازية كالنقل، والصناعات التقليدية، والفلاحة والخدمات. كما انعكست هذه الديناميكية الإيجابية على عديد الجهات التي بدأت تستفيد تدريجيا من تنويع المنتوج السياحي، في انسجام مع ما دعا إليه رئيس الجمهورية قيس سعيد، بخصوص تحقيق العدالة الجهوية وربط الاستثمار السياحي بالتنمية المحلية.
وأُغلقت سنة 2025 على مشهد سياحي مختلف، يجمع بين الأرقام القياسية من جهة، والإرادة السياسية المعلنة للإصلاح من جهة أخرى، لتتحول السياحة إلى أحد أبرز مؤشرات الصمود الاقتصادي والتوجه نحو نموذج تنموي جديد.
مشهد يطرح في الآن نفسه أسئلة المستقبل، ليس فقط حول القدرة على المحافظة على هذه المكاسب، بل أيضا حول مدى نجاح الدولة في تحويل السياحة إلى رافعة دائمة للتنمية المستدامة، وفق الرؤية التي عبّر عنها رئيس الجمهورية قيس سعيد.
وفي ضوء هذه الحصيلة الإيجابية التي ميّزت سنة 2025، تتجه تونس بثقة نحو سنة 2026 بوصفها سنة تثبيت الآفاق وتوسيع الخيارات، لا مجرد سنة أرقام جديدة، إذ تراهن الدولة على تحويل الزخم المسجل إلى مكاسب دائمة، عبر تعميق الإصلاحات الهيكلية للقطاع السياحي وتطوير منوال أكثر مرونة وقدرة على الصمود أمام المتغيرات الإقليمية والدولية.
ويُنتظر أن تشهد سنة 2026 دفعا أكبر للاستثمار في السياحة البديلة والمستدامة، خاصة في المجالات الثقافية والبيئية والصحراوية، مع إدماج أوسع للتكنولوجيات الرقمية في الترويج والحجز والخدمات، بما يعزز جودة التجربة السياحية ويرفع من مستوى إنفاق الزائر.
كما تمثل سنة 2026، وفق التوجهات الحكومية المعلنة، مرحلة تركيز على الجودة والحوكمة بقدر التركيز على الكمّ، حيث أكد رئيس الجمهورية قيس سعيد على ضرورة أن تكون المرحلة القادمة مرحلة تثمين حقيقي للموارد الوطنية، وتكريس العدالة الجهوية، وتحسين أوضاع العاملين في القطاع.
ويُنتظر أن تتواصل الجهود لفتح أسواق جديدة، خاصة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، إلى جانب تعزيز الشراكات الدولية وتحديث البنية التحتية السياحية، بما يجعل من سنة 2026 نقطة انطلاق نحو نموذج سياحي أكثر توازنا واستدامة، قادر على خدمة الاقتصاد الوطني وتعزيز صورة تونس كوجهة آمنة ومتنوعة وطموحة.
وفي هذا السياق، يقول نائب رئيس جامعة النزل جلال الهنشيري في تصريح لـ»الصباح» إن سنة 2025 شهدت تجاوز 11.5 مليون سائح، وهو ما يمثل نسبة نمو محترمة في القطاع السياحي، خاصة أن سنة 2024 شهدت تسجيل 9 ملايين و500 ألف سائح، ما يعني زيادة تقدر بنسبة 10 بالمائة. موضحا أنه تم تسجيل 6.8 مليون سائح في النزل، و5 ملايين سائح في الإقامات البديلة التي تُعتبر مهمة للاقتصاد التونسي.
ضرورة إدماج قطاع الإيواء البديل
وفي هذا الإطار، أكد جلال الهنشيري أنهم دعوا إلى ضرورة إدماج قطاع الإقامات البديلة ضمن المنظومة السياحية العادية باعتبارها تساهم في مزيد تطوير القطاع السياحي، مشددًا على ضرورة العمل مستقبلا على تقنين هذا القطاع لأنه في حالة «سياحة موازية»، والمطلوب اليوم إدخال القطاع في المنظومة الرسمية، وما يتطلبه من تسريع في القوانين القاضية بإدماج الإقامة البديلة لتحقيق قطاع سياحي أكثر توازنًا في بلادنا.
كما أوضح جلال الهنشيري أن من الأسواق التي سجلت تقدما خلال سنة 2025 في بلادنا هي السوق الأوروبية التي سجلت نموا بنسبة 8 بالمائة، حيث بلغت السوق البريطانية 40 بالمائة، وهو ما يعود إلى معالجة إشكالية الطيران عبر مطار جربة الذي يعمل شتاء وصيفا. كما سجلت السوق الفرنسية زيادة بنسبة 7 بالمائة، ورغم أن السوق الإيطالية تطورت بنسبة 7 بالمائة، إلا أنها سوق واعدة يجب الاشتغال عليها أكثر مستقبلاً. أما فيما يتعلق بسوق الجوار، فقد سجلت ليبيا والجزائر نموا بنسبة 13 بالمائة.
وواصل محدثنا القول بأن المعطيات والتوقعات العالمية كانت تشير إلى بلوغ نمو بنسبة 15 بالمائة بعد كورونا، وهو ما حصل في بعض الوجهات بالنسبة لتونس، ولكن كان بالإمكان تحقيق أرقام أفضل.
كما أضاف محدثنا أنه رغم هذه الأرقام، فإن السياحة ما زالت شبه موسمية في تونس، حيث تتزايد في فصل الصيف وتتناقص في الشتاء، معتبرا أن من أهم العوائق الأساسية هي النقل الجوي الذي ما زال ينتظر معالجة فعلية ويتطلب نظرة قوية مستقبلًا، وهي من النقاط الأساسية للاستثمار في القطاع السياحي وتطويره لفتح النزل المغلقة أيضا بالتوازي مع تحسين الوضع البيئي وإدماج قطاع الإيواء البديل ضمن المنظومة الرسمية.
ومن جهته، قال عضو لجنة السياحة والثقافة والخدمات والصناعات التقليدية عزيز بن لحضر في تصريح لـ»الصباح» إن القطاع السياحي في تونس يشهد خلال السنوات الأخيرة مسارا تصاعديا يعكس عودته القوية كمحرّك أساسي للاقتصاد الوطني، وقد بلغت هذه الانتعاشة ذروتها خلال سنة 2025 باستقبال أكثر من 11 مليون سائح دخلوا التراب التونسي، في رقم غير مسبوق يؤكد استعادة الثقة في الوجهة التونسية ويبرز قدرة هذا القطاع الحيوي على التعافي والتجدد رغم التحديات الإقليمية والدولية.
وقد ساهمت عدة عوامل في تحقيق هذه النتائج الإيجابية، وفق محدثنا، من بينها الخيارات التي انتهجها رئيس الجمهورية قيس سعيد، في ظل تحسن الوضع الأمني وتنوع العرض السياحي، إضافة إلى الجهود المتواصلة التي بذلتها وزارة السياحة بالتنسيق مع مختلف هياكل الدولة، سواء على مستوى الترويج الخارجي أو تحسين جودة الخدمات أو مرافقة المهنيين، إلى جانب الإصلاحات التشريعية الهادفة إلى تشجيع الاستثمار وتحديث القطاع.
وتزداد أهمية هذه المكاسب اليوم في ظل اختيار تونس بلد السياحة العربية لسنة 2027، وهو استحقاق عربي هام يعكس مكانة بلادنا في الفضاء السياحي الإقليمي، ويحمّلنا في الآن ذاته مسؤولية كبرى في مزيد تطوير المنتوج السياحي والارتقاء بجودة الخدمات والاستعداد الجيد لهذا الموعد بما يليق بصورة تونس وإشعاعها الحضاري.
وفي هذا المجال، قال محدثنا إنه لم يعد كافيا التعويل على السياحة الكلاسيكية وحدها، بل بات من الضروري العمل على إرساء نموذج سياحي متنوع ومستدام، تشكّل فيه السياحة البديلة رافدا أساسيا للتنمية. فالسياحة الريفية، والإقامات القروية، والسياحة البيئية والثقافية، تمثل فرصة حقيقية لتثمين الخصوصيات الجهوية وخلق مواطن شغل، خاصة في المناطق الداخلية التي تزخر بمقومات طبيعية وتراثية هامة لم تُستغل بعد بالشكل المطلوب، مؤكدا أن بلادنا تتمتع بثروة حضارية استثنائية تمتد عبر آلاف السنين، من قرطاج إلى القيروان، ومن الجم إلى دقة، وصولا إلى مواقع أثرية هامة على غرار موقع أوذنة الأثري، الذي يُعد من المعالم التاريخية الكبرى القادرة على استقطاب السياحة الثقافية النوعية. غير أن هذا الموقع، وغيره من الكنوز الأثرية، يحتاج إلى مزيد من العناية والصيانة والتثمين حتى يتم إدماجه فعليا ضمن المسالك السياحية الوطنية والدولية، خاصة في إطار التحضيرات لاستحقاق السياحة العربية لسنة 2027، بما يضمن إشعاعه الثقافي وتنمية محيطه المحلي.
ومن جهة أخرى، يفرض التحول الرقمي، حسب تصريح بن لحضر، اعتماد آليات جديدة ومبتكرة للترويج السياحي تتماشى مع سلوكيات السائح المعاصر. وتملك تونس في هذا المجال رصيدا هاما يتمثل في وجود عدد من أكبر وأقوى المؤثرين على المستوى العربي والدولي، الذين نجحوا في تقديم صورة إيجابية وجذابة عن بلادنا لملايين المتابعين عبر مختلف المنصات الرقمية، مؤكدا أن حسن توظيف هذا الرصيد البشري الرقمي، ضمن استراتيجية وطنية واضحة تشرف عليها وزارة السياحة بالتعاون مع مختلف المتدخلين، من شأنه أن يعزز إشعاع الوجهة التونسية ويُسهم في استقطاب شرائح جديدة من السياح، خاصة فئة الشباب والباحثين عن التجارب الأصيلة والسياحة البديلة.
وفي ختام تصريحه قال محدثنا: «من موقعي كنائب في مجلس نواب الشعب، أؤكد أن دعم القطاع السياحي، وخاصة في أبعاده البديلة والمستدامة، يجب أن يظل أولوية وطنية تتكامل فيها أدوار الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، في إطار رؤية شاملة تجعل من السياحة رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وأداة لتعزيز صورة تونس كوجهة آمنة ومتنوعة وغنية بتاريخها وثقافتها. فتونس، وهي تستعد لاستحقاق بلد السياحة العربية لسنة 2027، تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون وجهة سياحية متكاملة على مدار السنة، ويبقى الرهان اليوم هو حسن التخطيط وجرأة الإصلاح والاستثمار في الإنسان والمكان، حتى تتحول هذه الانتعاشة إلى مكسب دائم ومستدام يخدم حاضر البلاد ومستقبل أجيالها.»
أميرة الدريدي
-عضو لجنة السياحة لـ«الصباح»: التعويل على السياحة الكلاسيكية وحدها لم يعد كافيا..
- نائب رئيس الجامعة التونسية للنزل، جلال الهنشيري لـ«الصباح»: هذا ما يجب اتخاذه لمزيد تطوير القطاع السياحي..
مع إسدال الستار على سنة 2025، تتجه الأنظار في تونس إلى حصيلة أحد أكثر القطاعات حساسية وتأثيرا في الدورة الاقتصادية، وهو القطاع السياحي، الذي عاد ليتصدر واجهة المشهد الوطني باعتباره رافعة أساسية للنمو، ومصدرا رئيسيا للعملة الصعبة، وأحد أهم محركات التشغيل والتنمية الجهوية.
فقد مثّلت سنة 2025 محطة مفصلية في تاريخ السياحة التونسية، ليس فقط من حيث الأرقام القياسية المحققة، بل أيضًا من حيث وضوح التوجهات السياسية للدولة وإرادة الإصلاح عبر النهج الذي اختاره رئيس الجمهورية قيس سعيد.
فقد كشفت المعطيات الرسمية الصادرة عن الديوان الوطني التونسي للسياحة والبنك المركزي التونسي أن تونس استقبلت خلال كامل سنة 2025 أكثر من 11 مليون سائح، وهو أعلى رقم يُسجل منذ انطلاق النشاط السياحي المنظم في البلاد، بنسبة نمو ملحوظة مقارنة بسنة 2024. كما تجاوزت العائدات السياحية حاجز 7.5 مليار دينار تونسي، ما مكّن من دعم الاحتياطي من العملة الصعبة، والتقليص النسبي في عجز الميزان الجاري، في ظرف اقتصادي عالمي يتسم بعدم الاستقرار وارتفاع كلفة التوريد والطاقة.
ولا تنفصل هذه النتائج عن التوجهات العامة للدولة التي اختارها رئيس الجمهورية قيس سعيد، وما فتئت تؤكد، خلال السنوات الأخيرة، على ضرورة إعادة الاعتبار للقطاع السياحي ضمن رؤية وطنية شاملة، تقطع مع المقاربات الظرفية والسياسات الترقيعية.
وفي ظل هذا التمشي، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيد في عديد المناسبات على أن السياحة لا يمكن أن تبقى رهينة نموذج تقليدي محدود، داعيًا إلى إعادة هيكلة المنظومة السياحية على أسس جديدة، قوامها السيادة الوطنية، وتثمين الموروث الثقافي، وحماية البيئة، وضمان توزيع عادل لثمار التنمية بين مختلف الجهات.
وقد أكّد رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من اجتماع وزاري على أن نجاح القطاع السياحي لا يُقاس فقط بعدد الوافدين أو الليالي المقضاة، بل بمدى مساهمته في خلق الثروة الحقيقية، وتحسين أوضاع العاملين فيه، وربط الاستثمار السياحي بالتنمية الجهوية، وخاصة في المناطق الداخلية والصحراوية التي ظلت لسنوات خارج الخارطة السياحية التقليدية.
كما دعا إلى القطع مع الممارسات التي أضعفت القطاع في السابق، وتحميل المسؤولية لكل من ثبت تقصيره أو تورطه في سوء التصرف.
وفي السياق نفسه، انسجمت تصريحات رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري مع رؤية وخيارات رئيس الجمهورية قيس سعيد، حيث أكدت في أكثر من مناسبة أن سنة 2025 مثّلت سنة تثبيت الإصلاحات والانطلاق الفعلي في تنفيذ الخيارات الاستراتيجية للدولة في المجال السياحي.
وشدّدت رئيسة الحكومة على أن العمل الحكومي انصبّ على تحسين مناخ الاستثمار السياحي، ودعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة، ورقمنة الخدمات، وتطوير البنية التحتية، إلى جانب تعزيز التنسيق بين الوزارات والهياكل العمومية ذات الصلة، بما يضمن نجاعة أكبر في تنفيذ السياسات العمومية.
كما أبرزت رئيسة الحكومة أن النتائج الإيجابية المحققة خلال سنة 2025 هي ثمرة مقاربة تشاركية شملت الدولة والمهنيين والقطاع الخاص، مؤكدة في الآن ذاته أن المرحلة القادمة ستتطلب مزيدًا من العمل لضمان استدامة هذه المكاسب، والارتقاء بجودة الخدمات السياحية، وتثمين الكفاءات الوطنية العاملة في القطاع، مع فتح آفاق جديدة أمام الشباب والاستثمار الجهوي.
وعلى المستويين الاجتماعي والاقتصادي، ساهمت السياحة خلال سنة 2025 في الحفاظ على آلاف مواطن الشغل وإحداث فرص عمل جديدة، إلى جانب تنشيط قطاعات موازية كالنقل، والصناعات التقليدية، والفلاحة والخدمات. كما انعكست هذه الديناميكية الإيجابية على عديد الجهات التي بدأت تستفيد تدريجيا من تنويع المنتوج السياحي، في انسجام مع ما دعا إليه رئيس الجمهورية قيس سعيد، بخصوص تحقيق العدالة الجهوية وربط الاستثمار السياحي بالتنمية المحلية.
وأُغلقت سنة 2025 على مشهد سياحي مختلف، يجمع بين الأرقام القياسية من جهة، والإرادة السياسية المعلنة للإصلاح من جهة أخرى، لتتحول السياحة إلى أحد أبرز مؤشرات الصمود الاقتصادي والتوجه نحو نموذج تنموي جديد.
مشهد يطرح في الآن نفسه أسئلة المستقبل، ليس فقط حول القدرة على المحافظة على هذه المكاسب، بل أيضا حول مدى نجاح الدولة في تحويل السياحة إلى رافعة دائمة للتنمية المستدامة، وفق الرؤية التي عبّر عنها رئيس الجمهورية قيس سعيد.
وفي ضوء هذه الحصيلة الإيجابية التي ميّزت سنة 2025، تتجه تونس بثقة نحو سنة 2026 بوصفها سنة تثبيت الآفاق وتوسيع الخيارات، لا مجرد سنة أرقام جديدة، إذ تراهن الدولة على تحويل الزخم المسجل إلى مكاسب دائمة، عبر تعميق الإصلاحات الهيكلية للقطاع السياحي وتطوير منوال أكثر مرونة وقدرة على الصمود أمام المتغيرات الإقليمية والدولية.
ويُنتظر أن تشهد سنة 2026 دفعا أكبر للاستثمار في السياحة البديلة والمستدامة، خاصة في المجالات الثقافية والبيئية والصحراوية، مع إدماج أوسع للتكنولوجيات الرقمية في الترويج والحجز والخدمات، بما يعزز جودة التجربة السياحية ويرفع من مستوى إنفاق الزائر.
كما تمثل سنة 2026، وفق التوجهات الحكومية المعلنة، مرحلة تركيز على الجودة والحوكمة بقدر التركيز على الكمّ، حيث أكد رئيس الجمهورية قيس سعيد على ضرورة أن تكون المرحلة القادمة مرحلة تثمين حقيقي للموارد الوطنية، وتكريس العدالة الجهوية، وتحسين أوضاع العاملين في القطاع.
ويُنتظر أن تتواصل الجهود لفتح أسواق جديدة، خاصة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، إلى جانب تعزيز الشراكات الدولية وتحديث البنية التحتية السياحية، بما يجعل من سنة 2026 نقطة انطلاق نحو نموذج سياحي أكثر توازنا واستدامة، قادر على خدمة الاقتصاد الوطني وتعزيز صورة تونس كوجهة آمنة ومتنوعة وطموحة.
وفي هذا السياق، يقول نائب رئيس جامعة النزل جلال الهنشيري في تصريح لـ»الصباح» إن سنة 2025 شهدت تجاوز 11.5 مليون سائح، وهو ما يمثل نسبة نمو محترمة في القطاع السياحي، خاصة أن سنة 2024 شهدت تسجيل 9 ملايين و500 ألف سائح، ما يعني زيادة تقدر بنسبة 10 بالمائة. موضحا أنه تم تسجيل 6.8 مليون سائح في النزل، و5 ملايين سائح في الإقامات البديلة التي تُعتبر مهمة للاقتصاد التونسي.
ضرورة إدماج قطاع الإيواء البديل
وفي هذا الإطار، أكد جلال الهنشيري أنهم دعوا إلى ضرورة إدماج قطاع الإقامات البديلة ضمن المنظومة السياحية العادية باعتبارها تساهم في مزيد تطوير القطاع السياحي، مشددًا على ضرورة العمل مستقبلا على تقنين هذا القطاع لأنه في حالة «سياحة موازية»، والمطلوب اليوم إدخال القطاع في المنظومة الرسمية، وما يتطلبه من تسريع في القوانين القاضية بإدماج الإقامة البديلة لتحقيق قطاع سياحي أكثر توازنًا في بلادنا.
كما أوضح جلال الهنشيري أن من الأسواق التي سجلت تقدما خلال سنة 2025 في بلادنا هي السوق الأوروبية التي سجلت نموا بنسبة 8 بالمائة، حيث بلغت السوق البريطانية 40 بالمائة، وهو ما يعود إلى معالجة إشكالية الطيران عبر مطار جربة الذي يعمل شتاء وصيفا. كما سجلت السوق الفرنسية زيادة بنسبة 7 بالمائة، ورغم أن السوق الإيطالية تطورت بنسبة 7 بالمائة، إلا أنها سوق واعدة يجب الاشتغال عليها أكثر مستقبلاً. أما فيما يتعلق بسوق الجوار، فقد سجلت ليبيا والجزائر نموا بنسبة 13 بالمائة.
وواصل محدثنا القول بأن المعطيات والتوقعات العالمية كانت تشير إلى بلوغ نمو بنسبة 15 بالمائة بعد كورونا، وهو ما حصل في بعض الوجهات بالنسبة لتونس، ولكن كان بالإمكان تحقيق أرقام أفضل.
كما أضاف محدثنا أنه رغم هذه الأرقام، فإن السياحة ما زالت شبه موسمية في تونس، حيث تتزايد في فصل الصيف وتتناقص في الشتاء، معتبرا أن من أهم العوائق الأساسية هي النقل الجوي الذي ما زال ينتظر معالجة فعلية ويتطلب نظرة قوية مستقبلًا، وهي من النقاط الأساسية للاستثمار في القطاع السياحي وتطويره لفتح النزل المغلقة أيضا بالتوازي مع تحسين الوضع البيئي وإدماج قطاع الإيواء البديل ضمن المنظومة الرسمية.
ومن جهته، قال عضو لجنة السياحة والثقافة والخدمات والصناعات التقليدية عزيز بن لحضر في تصريح لـ»الصباح» إن القطاع السياحي في تونس يشهد خلال السنوات الأخيرة مسارا تصاعديا يعكس عودته القوية كمحرّك أساسي للاقتصاد الوطني، وقد بلغت هذه الانتعاشة ذروتها خلال سنة 2025 باستقبال أكثر من 11 مليون سائح دخلوا التراب التونسي، في رقم غير مسبوق يؤكد استعادة الثقة في الوجهة التونسية ويبرز قدرة هذا القطاع الحيوي على التعافي والتجدد رغم التحديات الإقليمية والدولية.
وقد ساهمت عدة عوامل في تحقيق هذه النتائج الإيجابية، وفق محدثنا، من بينها الخيارات التي انتهجها رئيس الجمهورية قيس سعيد، في ظل تحسن الوضع الأمني وتنوع العرض السياحي، إضافة إلى الجهود المتواصلة التي بذلتها وزارة السياحة بالتنسيق مع مختلف هياكل الدولة، سواء على مستوى الترويج الخارجي أو تحسين جودة الخدمات أو مرافقة المهنيين، إلى جانب الإصلاحات التشريعية الهادفة إلى تشجيع الاستثمار وتحديث القطاع.
وتزداد أهمية هذه المكاسب اليوم في ظل اختيار تونس بلد السياحة العربية لسنة 2027، وهو استحقاق عربي هام يعكس مكانة بلادنا في الفضاء السياحي الإقليمي، ويحمّلنا في الآن ذاته مسؤولية كبرى في مزيد تطوير المنتوج السياحي والارتقاء بجودة الخدمات والاستعداد الجيد لهذا الموعد بما يليق بصورة تونس وإشعاعها الحضاري.
وفي هذا المجال، قال محدثنا إنه لم يعد كافيا التعويل على السياحة الكلاسيكية وحدها، بل بات من الضروري العمل على إرساء نموذج سياحي متنوع ومستدام، تشكّل فيه السياحة البديلة رافدا أساسيا للتنمية. فالسياحة الريفية، والإقامات القروية، والسياحة البيئية والثقافية، تمثل فرصة حقيقية لتثمين الخصوصيات الجهوية وخلق مواطن شغل، خاصة في المناطق الداخلية التي تزخر بمقومات طبيعية وتراثية هامة لم تُستغل بعد بالشكل المطلوب، مؤكدا أن بلادنا تتمتع بثروة حضارية استثنائية تمتد عبر آلاف السنين، من قرطاج إلى القيروان، ومن الجم إلى دقة، وصولا إلى مواقع أثرية هامة على غرار موقع أوذنة الأثري، الذي يُعد من المعالم التاريخية الكبرى القادرة على استقطاب السياحة الثقافية النوعية. غير أن هذا الموقع، وغيره من الكنوز الأثرية، يحتاج إلى مزيد من العناية والصيانة والتثمين حتى يتم إدماجه فعليا ضمن المسالك السياحية الوطنية والدولية، خاصة في إطار التحضيرات لاستحقاق السياحة العربية لسنة 2027، بما يضمن إشعاعه الثقافي وتنمية محيطه المحلي.
ومن جهة أخرى، يفرض التحول الرقمي، حسب تصريح بن لحضر، اعتماد آليات جديدة ومبتكرة للترويج السياحي تتماشى مع سلوكيات السائح المعاصر. وتملك تونس في هذا المجال رصيدا هاما يتمثل في وجود عدد من أكبر وأقوى المؤثرين على المستوى العربي والدولي، الذين نجحوا في تقديم صورة إيجابية وجذابة عن بلادنا لملايين المتابعين عبر مختلف المنصات الرقمية، مؤكدا أن حسن توظيف هذا الرصيد البشري الرقمي، ضمن استراتيجية وطنية واضحة تشرف عليها وزارة السياحة بالتعاون مع مختلف المتدخلين، من شأنه أن يعزز إشعاع الوجهة التونسية ويُسهم في استقطاب شرائح جديدة من السياح، خاصة فئة الشباب والباحثين عن التجارب الأصيلة والسياحة البديلة.
وفي ختام تصريحه قال محدثنا: «من موقعي كنائب في مجلس نواب الشعب، أؤكد أن دعم القطاع السياحي، وخاصة في أبعاده البديلة والمستدامة، يجب أن يظل أولوية وطنية تتكامل فيها أدوار الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، في إطار رؤية شاملة تجعل من السياحة رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وأداة لتعزيز صورة تونس كوجهة آمنة ومتنوعة وغنية بتاريخها وثقافتها. فتونس، وهي تستعد لاستحقاق بلد السياحة العربية لسنة 2027، تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لتكون وجهة سياحية متكاملة على مدار السنة، ويبقى الرهان اليوم هو حسن التخطيط وجرأة الإصلاح والاستثمار في الإنسان والمكان، حتى تتحول هذه الانتعاشة إلى مكسب دائم ومستدام يخدم حاضر البلاد ومستقبل أجيالها.»