جمع في مسيرته مع الكتابة بين التأليف الروائي والترجمة، خريج دار المعلّمين العليا قبل أن يتنقّل بين عدة مهام تربوية وثقافية داخل تونس وخارجها. بدأ رحلته الأدبية منذ الصغر عبر المجلات المدرسية، ثم انخرط في الصحافة كمراسل جهوي، وكتب في الصحف والدوريات التونسية. حمله شغفه بالثقافة إلى تأسيس مهرجان «سيلما للمياه» في مدينة جلمة، المرتبط بتاريخ تشيلما الرومانية، كما ترأّس بلدية المدينة لفترة قبل أن يستقرّ في سوسة.
هو الكاتب المبدع الأمجد العثماني الذي كانت له مشاركة هامة في معرض الجزائر الدولي للكتاب بستة أعمال ترجمية كبرى شكّلت ما يمكن تسميته بـ«سداسية الجزائر». يستعدّ هذا الاسم الثقافي التونسي البارز لشدّ الرحال نحو معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته القادمة التي تنطلق بعد أيام قليلة.
هو كاتب رحّالة... رحلات ليست بوصفها مجرّد مشاركة جديدة، بل باعتبارها حلقة أخرى في مشروع ثقافي متماسك، يتقدّم بثبات من ضفاف المتوسط إلى ضفاف النيل. العثماني، ابن جلمة – أو «تشيلما» كما يحلو له أن يستدعي اسمها الروماني العتيق – ليبيّن تجذّره في هويته والأعمال الأدبية كتجذّر مدينته في أعماق التاريخ، لا يحمل في حقيبته كتبًا فحسب، بل يحمل رؤية كاملة للترجمة والكتابة، تقوم على الحوار بين الثقافات، وعلى إعادة الاعتبار للكتاب بوصفه فعل معرفة، لا سلعة عابرة.
أصدر الكاتب الأمجد العثماني «نبش الذات» و»حديث الوجدان» و»عام الرؤساء زمن الكورونا»، وهي بحوث وروايات توثيقية، وفي مجال الترجمة قدّم الأمجد العثماني نموذجًا للمترجم الذي لا يكتفي بنقل النص، بل يغوص في طبقاته الفكرية والفلسفية. فقد شكّلت ترجماته لأعمال مثل «العبودية المختارة» لإتيان دو لا بويسي، و»مزرعة الحيوان» لجورج أورويل، و»المعطف» و»الأنف» لنيكولاي غوغول، إضافة إلى نصوص لإميل زولا وجين أوستن وسول النسكي، اختبارًا حقيقيًا لقدرة اللغة العربية على احتضان نصوص إشكالية، حادّة، ومشحونة بالسياق التاريخي والسياسي.
لم تكن هذه الترجمات مجرّد إنجاز عددي، بل كانت إعلانًا عن موقف ثقافي واضح، فالترجمة – كما يؤكّد لـ»الصباح» – فعل مقاومة ضد التبسيط، وضد الرداءة، وضد عزل القارئ العربي عن أسئلة العالم الكبرى، من خلال فتح نافذة مضيئة على الآداب الكلاسيكية الغربية التي أثّرت فيه في زمن ما وبقي صداها في أعماقه.
حضور لافت في القاهرة
في الدورة القادمة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، فإلى جانب حضوره مترجمًا، يقدّم الكاتب الأمجد العثماني للقارئ العربي والفرنكفوني روايته الجديدة «فراشة منتصف الليل»، المكتوبة بالفرنسية، والتي تشكّل تتويجًا لمسار سردي يتأمّل الإنسان في هشاشته، وفي عزلته، وفي بحثه الدائم عن المعنى.
وترافق هذه الرواية رواية أخرى «تحت سماء سوسة»، وهي رواية تحتفي بالمكان لا بوصفه جغرافيا فقط، بل باعتباره ذاكرة حيّة، وتاريخًا يوميًا، وتقاطُعًا بين الفردي والجماعي. سوسة، في هذا العمل،
يقول الأمجد العثماني: «تتحدث «تحت سماء سوسة» عن مدينة سوسة ليس كمدينة سياحية، بل كائن ثقافي يتنفّس عبر شوارعه، ومقاهيه، وأصوات ناسه».
ويقدّم الكاتب الأمجد العثماني أيضا في رحلته إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب إصداره «مشاهير في المقهى الثقافي»، وهو عمل فريد في بنائه وفكرته. ففي هذا المؤلّف لا يكتب العثماني سردًا تقليديًا، بل يبتكر فضاءً تخييليًا يجمع فيه كبار الأدباء والفلاسفة من عصور وثقافات مختلفة داخل مقهى واحد، في ما يزيد عن مائة وعشرين سهرة ثقافية، وهم الذين ترجم لهم أو قرأ لهم أو أعجب بأقلامهم، وهو الكاتب المزدوج اللغة المتيّم بالعلوم الإنسانية مهما كان مأتَاها.
في هذا المقهى، ومن خلال كتابه الطريف والفريد، يتحاور فيكتور هوغو مع المتنبّي حول سلطة الكلمة وكبريائها، ويجلس ابن رشد إلى ألبير كامو لتفكيك مفهوم العبث والعقل، بينما تتقاطع أصوات نجيب محفوظ وطه حسين ومحمود المسعدي وغرامشي وفرانز كافكا ودوستويفسكي حول أسئلة الإنسان، والحرية، والقدر. وما يميّز هذا العمل أن صاحبه الكاتب الأمجد العثماني لا يفرض رأيًا، بل يدير الحوار، مستندًا إلى معرفة دقيقة بسير هؤلاء المفكّرين ونصوصهم، ليقدّم كتابًا يعلّم القارئ كيف يقرأ الاختلاف بوصفه ثراءً، لا صدامًا. إنه عمل يذيب الجليد بين الثقافات، ويحوّل المقهى الثقافي – وإن كان خياليًا – إلى صالون أدبي عالمي.
ترجمة أعمال عالمية
لا يتوقّف حضور الأمجد العثماني عند الرواية والترجمة، بل يمتدّ إلى القصة، والحكاية، وإعادة كتابة الأسطورة، من خلال ترجمة أعمال مثل «قصص وأساطير»، و»قصص بوليسية من بلجيكا»، و»عذارى سرقوسة»، و»الطاعون»، و»أسطورة سيزيف» لكامو، و»الأسرار» للامارتين.
قال الأمجد العثماني جوابًا عن سؤال حول السرّ في التنوع في الأجناس واللغات بالنسبة له في كل إصداراته إنه يرى «في الأدب شبكة متداخلة من الأسئلة والتجارب منطلقها أن الكتاب ما يزال قادرًا على التأثير، وبأن الترجمة والكتابة فعل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إنجازًا شخصيًا».
والخلاصة مع الكاتب الأمجد العثماني أننا أمام تجربة تونسية خالصة، واثقة من أدواتها، تفرض نفسها بهدوء في المحافل الدولية، حاملةً شمسها الداخلية من تشيلما إلى سوسة، ومن الجزائر إلى القاهرة، لتقول إن الثقافة العربية، حين تُنجز بصدق، قادرة على أن تحاور العالم بندّية.
محسن بن أحمد
جمع في مسيرته مع الكتابة بين التأليف الروائي والترجمة، خريج دار المعلّمين العليا قبل أن يتنقّل بين عدة مهام تربوية وثقافية داخل تونس وخارجها. بدأ رحلته الأدبية منذ الصغر عبر المجلات المدرسية، ثم انخرط في الصحافة كمراسل جهوي، وكتب في الصحف والدوريات التونسية. حمله شغفه بالثقافة إلى تأسيس مهرجان «سيلما للمياه» في مدينة جلمة، المرتبط بتاريخ تشيلما الرومانية، كما ترأّس بلدية المدينة لفترة قبل أن يستقرّ في سوسة.
هو الكاتب المبدع الأمجد العثماني الذي كانت له مشاركة هامة في معرض الجزائر الدولي للكتاب بستة أعمال ترجمية كبرى شكّلت ما يمكن تسميته بـ«سداسية الجزائر». يستعدّ هذا الاسم الثقافي التونسي البارز لشدّ الرحال نحو معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته القادمة التي تنطلق بعد أيام قليلة.
هو كاتب رحّالة... رحلات ليست بوصفها مجرّد مشاركة جديدة، بل باعتبارها حلقة أخرى في مشروع ثقافي متماسك، يتقدّم بثبات من ضفاف المتوسط إلى ضفاف النيل. العثماني، ابن جلمة – أو «تشيلما» كما يحلو له أن يستدعي اسمها الروماني العتيق – ليبيّن تجذّره في هويته والأعمال الأدبية كتجذّر مدينته في أعماق التاريخ، لا يحمل في حقيبته كتبًا فحسب، بل يحمل رؤية كاملة للترجمة والكتابة، تقوم على الحوار بين الثقافات، وعلى إعادة الاعتبار للكتاب بوصفه فعل معرفة، لا سلعة عابرة.
أصدر الكاتب الأمجد العثماني «نبش الذات» و»حديث الوجدان» و»عام الرؤساء زمن الكورونا»، وهي بحوث وروايات توثيقية، وفي مجال الترجمة قدّم الأمجد العثماني نموذجًا للمترجم الذي لا يكتفي بنقل النص، بل يغوص في طبقاته الفكرية والفلسفية. فقد شكّلت ترجماته لأعمال مثل «العبودية المختارة» لإتيان دو لا بويسي، و»مزرعة الحيوان» لجورج أورويل، و»المعطف» و»الأنف» لنيكولاي غوغول، إضافة إلى نصوص لإميل زولا وجين أوستن وسول النسكي، اختبارًا حقيقيًا لقدرة اللغة العربية على احتضان نصوص إشكالية، حادّة، ومشحونة بالسياق التاريخي والسياسي.
لم تكن هذه الترجمات مجرّد إنجاز عددي، بل كانت إعلانًا عن موقف ثقافي واضح، فالترجمة – كما يؤكّد لـ»الصباح» – فعل مقاومة ضد التبسيط، وضد الرداءة، وضد عزل القارئ العربي عن أسئلة العالم الكبرى، من خلال فتح نافذة مضيئة على الآداب الكلاسيكية الغربية التي أثّرت فيه في زمن ما وبقي صداها في أعماقه.
حضور لافت في القاهرة
في الدورة القادمة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، فإلى جانب حضوره مترجمًا، يقدّم الكاتب الأمجد العثماني للقارئ العربي والفرنكفوني روايته الجديدة «فراشة منتصف الليل»، المكتوبة بالفرنسية، والتي تشكّل تتويجًا لمسار سردي يتأمّل الإنسان في هشاشته، وفي عزلته، وفي بحثه الدائم عن المعنى.
وترافق هذه الرواية رواية أخرى «تحت سماء سوسة»، وهي رواية تحتفي بالمكان لا بوصفه جغرافيا فقط، بل باعتباره ذاكرة حيّة، وتاريخًا يوميًا، وتقاطُعًا بين الفردي والجماعي. سوسة، في هذا العمل،
يقول الأمجد العثماني: «تتحدث «تحت سماء سوسة» عن مدينة سوسة ليس كمدينة سياحية، بل كائن ثقافي يتنفّس عبر شوارعه، ومقاهيه، وأصوات ناسه».
ويقدّم الكاتب الأمجد العثماني أيضا في رحلته إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب إصداره «مشاهير في المقهى الثقافي»، وهو عمل فريد في بنائه وفكرته. ففي هذا المؤلّف لا يكتب العثماني سردًا تقليديًا، بل يبتكر فضاءً تخييليًا يجمع فيه كبار الأدباء والفلاسفة من عصور وثقافات مختلفة داخل مقهى واحد، في ما يزيد عن مائة وعشرين سهرة ثقافية، وهم الذين ترجم لهم أو قرأ لهم أو أعجب بأقلامهم، وهو الكاتب المزدوج اللغة المتيّم بالعلوم الإنسانية مهما كان مأتَاها.
في هذا المقهى، ومن خلال كتابه الطريف والفريد، يتحاور فيكتور هوغو مع المتنبّي حول سلطة الكلمة وكبريائها، ويجلس ابن رشد إلى ألبير كامو لتفكيك مفهوم العبث والعقل، بينما تتقاطع أصوات نجيب محفوظ وطه حسين ومحمود المسعدي وغرامشي وفرانز كافكا ودوستويفسكي حول أسئلة الإنسان، والحرية، والقدر. وما يميّز هذا العمل أن صاحبه الكاتب الأمجد العثماني لا يفرض رأيًا، بل يدير الحوار، مستندًا إلى معرفة دقيقة بسير هؤلاء المفكّرين ونصوصهم، ليقدّم كتابًا يعلّم القارئ كيف يقرأ الاختلاف بوصفه ثراءً، لا صدامًا. إنه عمل يذيب الجليد بين الثقافات، ويحوّل المقهى الثقافي – وإن كان خياليًا – إلى صالون أدبي عالمي.
ترجمة أعمال عالمية
لا يتوقّف حضور الأمجد العثماني عند الرواية والترجمة، بل يمتدّ إلى القصة، والحكاية، وإعادة كتابة الأسطورة، من خلال ترجمة أعمال مثل «قصص وأساطير»، و»قصص بوليسية من بلجيكا»، و»عذارى سرقوسة»، و»الطاعون»، و»أسطورة سيزيف» لكامو، و»الأسرار» للامارتين.
قال الأمجد العثماني جوابًا عن سؤال حول السرّ في التنوع في الأجناس واللغات بالنسبة له في كل إصداراته إنه يرى «في الأدب شبكة متداخلة من الأسئلة والتجارب منطلقها أن الكتاب ما يزال قادرًا على التأثير، وبأن الترجمة والكتابة فعل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إنجازًا شخصيًا».
والخلاصة مع الكاتب الأمجد العثماني أننا أمام تجربة تونسية خالصة، واثقة من أدواتها، تفرض نفسها بهدوء في المحافل الدولية، حاملةً شمسها الداخلية من تشيلما إلى سوسة، ومن الجزائر إلى القاهرة، لتقول إن الثقافة العربية، حين تُنجز بصدق، قادرة على أن تحاور العالم بندّية.