إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

ابن طعن والدته .. وآخر خنق والده حد الموت قتل الأصول والأقارب.. جرائم عائلية تتحدى الروابط الدموية!!

تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة الجرائم العائلية وتعددت أشكالها ما بين قتل أحد الزوجين للآخر أو قتل أحد الأبناء أو جميعهم أو حتى قتل أحد الوالدين وعلى الرغم من اختلاف الأسباب الدافعة لها إلا أن الرابط المشترك بينها صدم الشارع  بعد كشف جهات أمنية عن هوية الجاني ورابطته الدموية بالضحية.

سلسلة من الجرائم العائلية المتواترة التي راح ضحيتها أمهات وآباء على أيادي أبنائهم آخرها جريمة صادمة ضحيتها طبيب نفسي مقيم في مدينة نيم الفرنسية.

اعترف الابن بأنه خنق والده بيديه خلال شجار ثم استخدم مجرفة وفأسا لدفن الجثة تحت غطاء بلاستيكي في حديقة المنزل، وأوضح التحقيق أن القتل لم يكن مرتبطا بنشاطات والده السياسية أو الأمنية بل يعود إلى خلافات عائلية.

التشريح يكشف مفاجأة..

أكدت نتائج التشريح أن وفاة الضحية ناجمة عن تعرضه للضرب بينما لا يزال الابن رهن الحبس الاحتياطي ويصر على أن القتل كان «غير متعمد».

قتل الأمهات..

عاشت منطقة حي التضامن على وقع جريمة قتل مروّعة، حيث أقدم شاب على تعنيف والدته ثم سدد لها طعنات قاتلة بسكين أردتها قتيلة على الفور.

 الجاني من ذوي السوابق العدلية وكان معروفا بتعنيف والدته في مناسبات سابقة قبل أن ينفذ جريمته  في ظروف صادمة لأهالي الحي.

جريمة قتل المحامية منجية المناعي واحدة من الجرائم الصادمة التي تهز الوجدان لأن مرتكبيها عائلة الضحية كما أنها نفذت بطريقة فظيعة، فقد أحرقت الضحية ثم رميت في القنال واستخرجت الجثة من المصفاة..

الجريمة الصادمة نفذت بأيادي طليق الضحية وابنيها التوأم، وقد ألقي عليهم القبض وتمت عملية إلقاء القبض على الابن المظنون فيه الثاني  بعد إدراجه بالتفتيش الدولي بالشارة الحمراء بعد إصدار قاضي التحقيق المتعهد بالملف بطاقة جلب دولية في حقه  في جريمة القتل العمد والمتواجد بحالة فرار بألمانيا.

قتل الزوجات

 إن معظم أسباب جرائم القتل ضد النساء على أيدي أزواجهن تعود إلى خلافات عائلية تتعلق بشكوك تحوم حول الخيانة أو رفض الطلاق أو لأسباب اقتصادية، رغم كل الحملات التي تنظم من أجل الدفع نحو احترام حقوق النساء.

ويذكر أن تونس سجلت، بحسب إحصائيات رسمية نحو 70 جريمة قتل للنساء داخل الفضاء العائلي خلال الخمس سنوات الأخيرة بينها 25 نفذت خلال العام المنقضي و24 جريمة في 2025 وسط دعوات منظمات نسوية إلى إنفاذ القوانين ضد الجناة وعدم تكريس سياسة الإفلات من العقاب.

وكان التقرير السنوي حول جرائم قتل النساء لسنة 2023، قد اعتبر أن ظاهرة تقتيل النساء في تونس، غالبا ما تكون ناتجة عن التمييز الجنساني والسيطرة الذكورية والعنف الأسري والزواج القسري والثقافة والعادات التقليدية والتناول الإعلامي المسيء للنساء وغيرها من العوامل.

الجرائم العائلية في القانون:

لم ترد عبارة الجرائم العائلية في المجلة الجزائية غير ان المشرع جرم العديد من الأفعال التي يرتكبها أحد أفراد العائلة ضد الأخر من ذلك الاعتداء بالعنف على القرين أو الاعتداء بالعنف المادي على أحد الوالدين أو على أحد الزوجين أو سفاح القربى باغتصاب طفل. وقد شدد المشرع التونسي في كل هذه الجرائم وضاعف فيها العقوبة.

ويهدف تجريم مثل هذه الأفعال لحماية أفراد الأسرة في كرامتهم الإنسانية وحرمتهم الجسدية من أي اعتداء يمكن ان يسلط عليهم ومهما كان شكله (مادي او معنوي أو جنسي...) خاصة بالنسبة لمن كانوا في حالة استضعاف بسبب صغر أو التقدم في السن أو الإعاقة، وهو ما ن شأنه ان يحافظ على تماسك الأسرة وترابطها في كنف التضامن والاحترام المتبادل.

ولم تنص المجلة الجزائية في القسم المتعلق بعدم المؤاخذة الجزائية «لما يسمى دفاعا عن الشرف» كمبرر لارتكاب أي جرم وبالتالي فإن ارتكاب جريمة أو محاولة قتل البنت أو الأخت أو الزوجة استنادا على ذريعة الدفاع عن الشرف من طرف الأب أو الأخ أو الزوج لا يعفي من العقاب.

وعلى العكس من ذلك فإن القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المؤرخ في 11 أوت 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة شدد في جريمة العنف المادي أو المعنوي أو الجنسي المرتكبة من الأصول من أية طبقة ومن الزوج.

باحث في علم الاجتماع لـ«الصباح» : العائلة تحولت من ملاذ إلى ساحة خطر.. ومسارح لارتكاب أكثر الجرائم دموية ووحشية

أعاد إقدام شاب تونسي مقيم في فرنسا على قتل والده وهو طبيب نفسي معروف، فتح نقاش واسع ومضطرب في الفضاء العام التونسي حول تصاعد الجرائم العائلية، ليس فقط من حيث عددها، بل من حيث طبيعتها، وحدّتها، والحمولة الرمزية التي أصبحت تحملها وفق قراءة الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين.

ويرى عز الدين أن الأمر لم يعد يُقرأ كحادثة معزولة أو استثناء مأساوي، بل كحلقة جديدة في سلسلة جرائم عائلية تتواتر بشكل مقلق، وتتسم بدرجات غير مسبوقة من العنف، والوحشية، وأحيانًا التشفي والانتقام، هذا التواتر خلق إحساسًا جماعيًا متناميًا بأن العائلة التي طالما قُدّمت بوصفها فضاء الأمان والحماية والاستقرار، باتت في نظر كثيرين فضاءً محفوفًا بالمخاطر، وربما أحد أكثر الفضاءات هشاشة في المجتمع.

ما يضاعف من حدة هذا الإحساس ليس فقط تكرار الجرائم داخل الأسرة، بل التحوّل اللافت في نوعيتها، إذ تشير المعطيات الرسمية والتغطيات الإعلامية خلال السنوات الأخيرة إلى أن الجرائم العائلية أصبحت تمثّل نسبة مرتفعة من مجموع الجرائم المسجلة، وأن فئات اجتماعية كانت تُصنَّف تقليديًا في خانة الضحايا – كالنساء، والأطفال، وكبار السن – بدأت تظهر أيضًا كفاعلين مباشرين في أفعال إجرامية، سواء بدافع الدفاع عن النفس، أو الانتقام، أو نتيجة تراكم طويل من العنف الصامت.

تشخيص الظاهرة

التشخيص الدقيق للظاهرة يفرض أولًا تجاوز منطق “الحدث الصادم” نحو قراءة تراكمية، فوفق معطيات وزارة الداخلية وتقارير المرصد الوطني للعنف ضد المرأة، إلى جانب المعطيات الجزائية التي تنشرها وسائل الإعلام، شهدت تونس خلال السنوات الخمس الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في قضايا العنف والجرائم داخل الوسط العائلي.. جرائم قتل بين الأزواج، اعتداءات خطيرة بين الإخوة، قتل أو محاولة قتل الآباء أو الأمهات، إضافة إلى ارتفاع مقلق في حالات قتل الأطفال أو الاعتداء عليهم داخل الأسرة.. وتشير بعض التقديرات إلى أن العنف الأسري بمختلف أشكاله يمثل اليوم أكثر من ثلث القضايا المعروضة على المحاكم ذات الصلة بالاعتداءات الجسدية، مع تسجيل تزايد في الحالات التي تنتهي بالموت أو بعاهات مستديمة.

الأخطر من الأرقام في حد ذاتها هو التحوّل في أنماط العنف. فالجرائم العائلية لم تعد تُرتكب فقط في لحظات انفعال حاد أو شجار عرضي، بل باتت في كثير من الحالات نتيجة تخطيط مسبق، أو تفريغ غضب متراكم، أو فعل انتقامي يحمل رسائل رمزية قوية..نلاحظ في عدد من القضايا استعمال أدوات حادة، أو وسائل قتل قاسية، أو ممارسات تشي برغبة في الإذلال والتشفي، وهو ما يعكس تحوّلًا نوعيًا في العلاقة بالعنف داخل الفضاء العائلي.

ويرى الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين أن الإشكالية المركزية التي يطرحها هذا الواقع يمكن صياغتها على النحو التالي: كيف تحوّلت العائلة، في السياق التونسي الراهن، من مؤسسة للحماية والتنشئة والاحتواء، إلى فضاء يُنتج العنف، ويحتضنه، وأحيانًا يُفجّره في أشكاله القصوى؟ وهل نحن أمام أزمة أفراد مختلّين، أم أمام أزمة عميقة في البُنى الاجتماعية والقيمية والتنظيمية التي تؤطر العائلة نفسها؟

للإجابة عن هذه الإشكالية، لا بد من العودة إلى السياقات التي أنتجت هذا التحوّل. . أول هذه السياقات هو السياق الاقتصادي، حيث تعيش فئات واسعة من العائلات التونسية تحت ضغط مادي خانق، ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، وتآكل القدرة الشرائية، وتضخم كلفة العيش، كلها عوامل تُحوّل البيت من فضاء راحة إلى فضاء توتر دائم. في مثل هذه الظروف، تتكثف الصراعات اليومية حول المال، والإنفاق، والأدوار داخل الأسرة، ويتحوّل العجز الاقتصادي إلى شعور بالإهانة وفقدان القيمة، خاصة لدى الذكور الذين ما زالوا اجتماعيًا مُحمَّلين بدور المعيل هذا العجز حين لا يجد قنوات تعبير صحية قد ينقلب إلى عنف موجّه نحو الأقرب، أي أفراد العائلة.

السياق الاجتماعي بدوره لا يقل أهمية. . العائلة التونسية تشهد منذ سنوات تحولات عميقة في بنيتها ووظائفها، تفكك الروابط الممتدة، تقلص دور العائلة الكبرى، ضعف شبكات التضامن التقليدية، كلها عوامل جعلت الأسرة  أكثر عزلة وأكثر عرضة للضغط، في السابق كانت النزاعات العائلية تجد وساطات داخلية أو مجتمعية أما اليوم فكثير منها يُدار في فراغ، دون آليات احتواء أو تدخل مبكر،  يضاف إلى ذلك تراجع سلطة الكبار، وارتباك الأدوار بين الآباء والأبناء، وبين الأزواج، في سياق تحولات قيمية سريعة لم تُواكبها إعادة تفاوض واضحة حول السلطة والمسؤولية داخل الأسرة.

أما السياق الثقافي والقيمي، فيكشف عن مفارقة حادة. من جهة، ما زالت العائلة تُقدَّم في الخطاب العام بوصفها “مقدسة” و”خطًا أحمر”، ومن جهة أخرى، يتم التعتيم على العنف الذي يحدث داخلها، ويُدفع الضحايا إلى الصمت حفاظًا على “سمعة العائلة”. هذا الصمت، الذي غالبًا ما يُبرَّر أخلاقيًا أو دينيًا، يسمح بتراكم العنف، وتحوله من ممارسة عرضية إلى نمط علاقة. وحين ينفجر هذا العنف في شكل جريمة، يُفاجأ الجميع، رغم أن كل الشروط كانت مهيأة منذ وقت طويل.

السياق النفسي

يرى عز الدين أنه لا يمكن  تجاهل السياق النفسي، لكن من الضروري إدراجه ضمن الإطار الاجتماعي الأشمل. . كثير من مرتكبي الجرائم العائلية لا يعانون بالضرورة من أمراض نفسية بالمعنى الطبي الدقيق، بل من هشاشة نفسية ناتجة عن الإقصاء، أو الإذلال، أو الفشل المتكرر، أو العيش في مناخ عنف رمزي ومادي مستمر. في ظل ضعف خدمات الصحة النفسية، ووصم اللجوء إلى العلاج النفسي، تتحول المعاناة النفسية إلى قنبلة موقوتة داخل الأسرة.

التحوّل في الفئات المنخرطة في الجريمة العائلية يعبّر بدوره عن عمق الأزمة. دخول النساء عالم الجريمة، في بعض الحالات، لا يمكن قراءته فقط كـ”انحراف”، بل أحيانًا كفعل يائس بعد سنوات من العنف أو القهر. كذلك، فإن تورط بعض القُصّر أو كبار السن في أفعال عنيفة يعكس انهيار منظومة الحماية داخل الأسرة، واختلال الحدود بين الضحية والفاعل.

التداعيات

تداعيات هذا الواقع خطيرة ومتعددة المستويات على المستوى الفردي، تخلّف الجرائم العائلية صدمات نفسية عميقة لدى الناجين، خاصة الأطفال، الذين يكبرون وهم يحملون آثار عنف لم يجد طريقه إلى المعالجة. على المستوى الأسري، تُدمَّر الروابط، وتُغلق دوائر الثقة، ويصبح البيت فضاء خوف بدل الطمأنينة. أما على المستوى المجتمعي، فإن تطبيع العنف داخل العائلة يهدد الأسس الرمزية للتضامن الاجتماعي، ويُضعف الثقة في أهم مؤسسة تنشئة اجتماعية.

معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون جزئية أو ظرفية. الحلول الأمنية والقضائية ضرورية، لكنها غير كافية. المطلوب أولًا الاعتراف بأن ما نعيشه هو أزمة عائلة في سياق أزمة مجتمع. من الضروري دعم السياسات الاجتماعية التي تخفف الضغط الاقتصادي عن العائلات، وتوفير خدمات دعم نفسي واجتماعي قريبة من المواطنين، خاصة في الأحياء الهشة. كما يتعين تعزيز آليات التبليغ المبكر عن العنف الأسري، وحماية الضحايا دون وصمهم، وتكوين المتدخلين الاجتماعيين والقضائيين على التعامل مع هذه الحالات بحساسية ونجاعة. الإعلام مطالب بدوره بالخروج من منطق الإثارة والتهويل، والتعامل مع الجرائم العائلية كظاهرة اجتماعية تحتاج إلى تفسير عميق، لا كمواد للاستهلاك السريع. كما أن للمؤسسة التربوية دورًا محوريًا في إعادة بناء ثقافة الحوار، وإدارة الخلاف، وضبط العنف، منذ المراحل الأولى للتنشئة.

خلص عز الدين الى أنه لا يمكن اختزال الجرائم العائلية في “انحرافات فردية” أو “حالات جنون”.. ما نشهده هو مرآة لأزمة أعمق تطال علاقة الفرد بذاته، وبأسرته، وبمجتمعه. وحين تتحول العائلة إلى فضاء خطر، فإن الخطر لا يهدد الأفراد فقط، بل يطال المجتمع بأكمله، لأن تفكك العائلة ليس إلا الوجه الآخر لتفكك العقد الاجتماعي نفسه.

مفيدة القيزاني

ابن طعن والدته .. وآخر خنق والده حد الموت  قتل الأصول والأقارب.. جرائم عائلية تتحدى الروابط الدموية!!

تصاعدت في الآونة الأخيرة وتيرة الجرائم العائلية وتعددت أشكالها ما بين قتل أحد الزوجين للآخر أو قتل أحد الأبناء أو جميعهم أو حتى قتل أحد الوالدين وعلى الرغم من اختلاف الأسباب الدافعة لها إلا أن الرابط المشترك بينها صدم الشارع  بعد كشف جهات أمنية عن هوية الجاني ورابطته الدموية بالضحية.

سلسلة من الجرائم العائلية المتواترة التي راح ضحيتها أمهات وآباء على أيادي أبنائهم آخرها جريمة صادمة ضحيتها طبيب نفسي مقيم في مدينة نيم الفرنسية.

اعترف الابن بأنه خنق والده بيديه خلال شجار ثم استخدم مجرفة وفأسا لدفن الجثة تحت غطاء بلاستيكي في حديقة المنزل، وأوضح التحقيق أن القتل لم يكن مرتبطا بنشاطات والده السياسية أو الأمنية بل يعود إلى خلافات عائلية.

التشريح يكشف مفاجأة..

أكدت نتائج التشريح أن وفاة الضحية ناجمة عن تعرضه للضرب بينما لا يزال الابن رهن الحبس الاحتياطي ويصر على أن القتل كان «غير متعمد».

قتل الأمهات..

عاشت منطقة حي التضامن على وقع جريمة قتل مروّعة، حيث أقدم شاب على تعنيف والدته ثم سدد لها طعنات قاتلة بسكين أردتها قتيلة على الفور.

 الجاني من ذوي السوابق العدلية وكان معروفا بتعنيف والدته في مناسبات سابقة قبل أن ينفذ جريمته  في ظروف صادمة لأهالي الحي.

جريمة قتل المحامية منجية المناعي واحدة من الجرائم الصادمة التي تهز الوجدان لأن مرتكبيها عائلة الضحية كما أنها نفذت بطريقة فظيعة، فقد أحرقت الضحية ثم رميت في القنال واستخرجت الجثة من المصفاة..

الجريمة الصادمة نفذت بأيادي طليق الضحية وابنيها التوأم، وقد ألقي عليهم القبض وتمت عملية إلقاء القبض على الابن المظنون فيه الثاني  بعد إدراجه بالتفتيش الدولي بالشارة الحمراء بعد إصدار قاضي التحقيق المتعهد بالملف بطاقة جلب دولية في حقه  في جريمة القتل العمد والمتواجد بحالة فرار بألمانيا.

قتل الزوجات

 إن معظم أسباب جرائم القتل ضد النساء على أيدي أزواجهن تعود إلى خلافات عائلية تتعلق بشكوك تحوم حول الخيانة أو رفض الطلاق أو لأسباب اقتصادية، رغم كل الحملات التي تنظم من أجل الدفع نحو احترام حقوق النساء.

ويذكر أن تونس سجلت، بحسب إحصائيات رسمية نحو 70 جريمة قتل للنساء داخل الفضاء العائلي خلال الخمس سنوات الأخيرة بينها 25 نفذت خلال العام المنقضي و24 جريمة في 2025 وسط دعوات منظمات نسوية إلى إنفاذ القوانين ضد الجناة وعدم تكريس سياسة الإفلات من العقاب.

وكان التقرير السنوي حول جرائم قتل النساء لسنة 2023، قد اعتبر أن ظاهرة تقتيل النساء في تونس، غالبا ما تكون ناتجة عن التمييز الجنساني والسيطرة الذكورية والعنف الأسري والزواج القسري والثقافة والعادات التقليدية والتناول الإعلامي المسيء للنساء وغيرها من العوامل.

الجرائم العائلية في القانون:

لم ترد عبارة الجرائم العائلية في المجلة الجزائية غير ان المشرع جرم العديد من الأفعال التي يرتكبها أحد أفراد العائلة ضد الأخر من ذلك الاعتداء بالعنف على القرين أو الاعتداء بالعنف المادي على أحد الوالدين أو على أحد الزوجين أو سفاح القربى باغتصاب طفل. وقد شدد المشرع التونسي في كل هذه الجرائم وضاعف فيها العقوبة.

ويهدف تجريم مثل هذه الأفعال لحماية أفراد الأسرة في كرامتهم الإنسانية وحرمتهم الجسدية من أي اعتداء يمكن ان يسلط عليهم ومهما كان شكله (مادي او معنوي أو جنسي...) خاصة بالنسبة لمن كانوا في حالة استضعاف بسبب صغر أو التقدم في السن أو الإعاقة، وهو ما ن شأنه ان يحافظ على تماسك الأسرة وترابطها في كنف التضامن والاحترام المتبادل.

ولم تنص المجلة الجزائية في القسم المتعلق بعدم المؤاخذة الجزائية «لما يسمى دفاعا عن الشرف» كمبرر لارتكاب أي جرم وبالتالي فإن ارتكاب جريمة أو محاولة قتل البنت أو الأخت أو الزوجة استنادا على ذريعة الدفاع عن الشرف من طرف الأب أو الأخ أو الزوج لا يعفي من العقاب.

وعلى العكس من ذلك فإن القانون الأساسي عدد 58 لسنة 2017 المؤرخ في 11 أوت 2017 المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة شدد في جريمة العنف المادي أو المعنوي أو الجنسي المرتكبة من الأصول من أية طبقة ومن الزوج.

باحث في علم الاجتماع لـ«الصباح» : العائلة تحولت من ملاذ إلى ساحة خطر.. ومسارح لارتكاب أكثر الجرائم دموية ووحشية

أعاد إقدام شاب تونسي مقيم في فرنسا على قتل والده وهو طبيب نفسي معروف، فتح نقاش واسع ومضطرب في الفضاء العام التونسي حول تصاعد الجرائم العائلية، ليس فقط من حيث عددها، بل من حيث طبيعتها، وحدّتها، والحمولة الرمزية التي أصبحت تحملها وفق قراءة الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين.

ويرى عز الدين أن الأمر لم يعد يُقرأ كحادثة معزولة أو استثناء مأساوي، بل كحلقة جديدة في سلسلة جرائم عائلية تتواتر بشكل مقلق، وتتسم بدرجات غير مسبوقة من العنف، والوحشية، وأحيانًا التشفي والانتقام، هذا التواتر خلق إحساسًا جماعيًا متناميًا بأن العائلة التي طالما قُدّمت بوصفها فضاء الأمان والحماية والاستقرار، باتت في نظر كثيرين فضاءً محفوفًا بالمخاطر، وربما أحد أكثر الفضاءات هشاشة في المجتمع.

ما يضاعف من حدة هذا الإحساس ليس فقط تكرار الجرائم داخل الأسرة، بل التحوّل اللافت في نوعيتها، إذ تشير المعطيات الرسمية والتغطيات الإعلامية خلال السنوات الأخيرة إلى أن الجرائم العائلية أصبحت تمثّل نسبة مرتفعة من مجموع الجرائم المسجلة، وأن فئات اجتماعية كانت تُصنَّف تقليديًا في خانة الضحايا – كالنساء، والأطفال، وكبار السن – بدأت تظهر أيضًا كفاعلين مباشرين في أفعال إجرامية، سواء بدافع الدفاع عن النفس، أو الانتقام، أو نتيجة تراكم طويل من العنف الصامت.

تشخيص الظاهرة

التشخيص الدقيق للظاهرة يفرض أولًا تجاوز منطق “الحدث الصادم” نحو قراءة تراكمية، فوفق معطيات وزارة الداخلية وتقارير المرصد الوطني للعنف ضد المرأة، إلى جانب المعطيات الجزائية التي تنشرها وسائل الإعلام، شهدت تونس خلال السنوات الخمس الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في قضايا العنف والجرائم داخل الوسط العائلي.. جرائم قتل بين الأزواج، اعتداءات خطيرة بين الإخوة، قتل أو محاولة قتل الآباء أو الأمهات، إضافة إلى ارتفاع مقلق في حالات قتل الأطفال أو الاعتداء عليهم داخل الأسرة.. وتشير بعض التقديرات إلى أن العنف الأسري بمختلف أشكاله يمثل اليوم أكثر من ثلث القضايا المعروضة على المحاكم ذات الصلة بالاعتداءات الجسدية، مع تسجيل تزايد في الحالات التي تنتهي بالموت أو بعاهات مستديمة.

الأخطر من الأرقام في حد ذاتها هو التحوّل في أنماط العنف. فالجرائم العائلية لم تعد تُرتكب فقط في لحظات انفعال حاد أو شجار عرضي، بل باتت في كثير من الحالات نتيجة تخطيط مسبق، أو تفريغ غضب متراكم، أو فعل انتقامي يحمل رسائل رمزية قوية..نلاحظ في عدد من القضايا استعمال أدوات حادة، أو وسائل قتل قاسية، أو ممارسات تشي برغبة في الإذلال والتشفي، وهو ما يعكس تحوّلًا نوعيًا في العلاقة بالعنف داخل الفضاء العائلي.

ويرى الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين أن الإشكالية المركزية التي يطرحها هذا الواقع يمكن صياغتها على النحو التالي: كيف تحوّلت العائلة، في السياق التونسي الراهن، من مؤسسة للحماية والتنشئة والاحتواء، إلى فضاء يُنتج العنف، ويحتضنه، وأحيانًا يُفجّره في أشكاله القصوى؟ وهل نحن أمام أزمة أفراد مختلّين، أم أمام أزمة عميقة في البُنى الاجتماعية والقيمية والتنظيمية التي تؤطر العائلة نفسها؟

للإجابة عن هذه الإشكالية، لا بد من العودة إلى السياقات التي أنتجت هذا التحوّل. . أول هذه السياقات هو السياق الاقتصادي، حيث تعيش فئات واسعة من العائلات التونسية تحت ضغط مادي خانق، ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب، وتآكل القدرة الشرائية، وتضخم كلفة العيش، كلها عوامل تُحوّل البيت من فضاء راحة إلى فضاء توتر دائم. في مثل هذه الظروف، تتكثف الصراعات اليومية حول المال، والإنفاق، والأدوار داخل الأسرة، ويتحوّل العجز الاقتصادي إلى شعور بالإهانة وفقدان القيمة، خاصة لدى الذكور الذين ما زالوا اجتماعيًا مُحمَّلين بدور المعيل هذا العجز حين لا يجد قنوات تعبير صحية قد ينقلب إلى عنف موجّه نحو الأقرب، أي أفراد العائلة.

السياق الاجتماعي بدوره لا يقل أهمية. . العائلة التونسية تشهد منذ سنوات تحولات عميقة في بنيتها ووظائفها، تفكك الروابط الممتدة، تقلص دور العائلة الكبرى، ضعف شبكات التضامن التقليدية، كلها عوامل جعلت الأسرة  أكثر عزلة وأكثر عرضة للضغط، في السابق كانت النزاعات العائلية تجد وساطات داخلية أو مجتمعية أما اليوم فكثير منها يُدار في فراغ، دون آليات احتواء أو تدخل مبكر،  يضاف إلى ذلك تراجع سلطة الكبار، وارتباك الأدوار بين الآباء والأبناء، وبين الأزواج، في سياق تحولات قيمية سريعة لم تُواكبها إعادة تفاوض واضحة حول السلطة والمسؤولية داخل الأسرة.

أما السياق الثقافي والقيمي، فيكشف عن مفارقة حادة. من جهة، ما زالت العائلة تُقدَّم في الخطاب العام بوصفها “مقدسة” و”خطًا أحمر”، ومن جهة أخرى، يتم التعتيم على العنف الذي يحدث داخلها، ويُدفع الضحايا إلى الصمت حفاظًا على “سمعة العائلة”. هذا الصمت، الذي غالبًا ما يُبرَّر أخلاقيًا أو دينيًا، يسمح بتراكم العنف، وتحوله من ممارسة عرضية إلى نمط علاقة. وحين ينفجر هذا العنف في شكل جريمة، يُفاجأ الجميع، رغم أن كل الشروط كانت مهيأة منذ وقت طويل.

السياق النفسي

يرى عز الدين أنه لا يمكن  تجاهل السياق النفسي، لكن من الضروري إدراجه ضمن الإطار الاجتماعي الأشمل. . كثير من مرتكبي الجرائم العائلية لا يعانون بالضرورة من أمراض نفسية بالمعنى الطبي الدقيق، بل من هشاشة نفسية ناتجة عن الإقصاء، أو الإذلال، أو الفشل المتكرر، أو العيش في مناخ عنف رمزي ومادي مستمر. في ظل ضعف خدمات الصحة النفسية، ووصم اللجوء إلى العلاج النفسي، تتحول المعاناة النفسية إلى قنبلة موقوتة داخل الأسرة.

التحوّل في الفئات المنخرطة في الجريمة العائلية يعبّر بدوره عن عمق الأزمة. دخول النساء عالم الجريمة، في بعض الحالات، لا يمكن قراءته فقط كـ”انحراف”، بل أحيانًا كفعل يائس بعد سنوات من العنف أو القهر. كذلك، فإن تورط بعض القُصّر أو كبار السن في أفعال عنيفة يعكس انهيار منظومة الحماية داخل الأسرة، واختلال الحدود بين الضحية والفاعل.

التداعيات

تداعيات هذا الواقع خطيرة ومتعددة المستويات على المستوى الفردي، تخلّف الجرائم العائلية صدمات نفسية عميقة لدى الناجين، خاصة الأطفال، الذين يكبرون وهم يحملون آثار عنف لم يجد طريقه إلى المعالجة. على المستوى الأسري، تُدمَّر الروابط، وتُغلق دوائر الثقة، ويصبح البيت فضاء خوف بدل الطمأنينة. أما على المستوى المجتمعي، فإن تطبيع العنف داخل العائلة يهدد الأسس الرمزية للتضامن الاجتماعي، ويُضعف الثقة في أهم مؤسسة تنشئة اجتماعية.

معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون جزئية أو ظرفية. الحلول الأمنية والقضائية ضرورية، لكنها غير كافية. المطلوب أولًا الاعتراف بأن ما نعيشه هو أزمة عائلة في سياق أزمة مجتمع. من الضروري دعم السياسات الاجتماعية التي تخفف الضغط الاقتصادي عن العائلات، وتوفير خدمات دعم نفسي واجتماعي قريبة من المواطنين، خاصة في الأحياء الهشة. كما يتعين تعزيز آليات التبليغ المبكر عن العنف الأسري، وحماية الضحايا دون وصمهم، وتكوين المتدخلين الاجتماعيين والقضائيين على التعامل مع هذه الحالات بحساسية ونجاعة. الإعلام مطالب بدوره بالخروج من منطق الإثارة والتهويل، والتعامل مع الجرائم العائلية كظاهرة اجتماعية تحتاج إلى تفسير عميق، لا كمواد للاستهلاك السريع. كما أن للمؤسسة التربوية دورًا محوريًا في إعادة بناء ثقافة الحوار، وإدارة الخلاف، وضبط العنف، منذ المراحل الأولى للتنشئة.

خلص عز الدين الى أنه لا يمكن اختزال الجرائم العائلية في “انحرافات فردية” أو “حالات جنون”.. ما نشهده هو مرآة لأزمة أعمق تطال علاقة الفرد بذاته، وبأسرته، وبمجتمعه. وحين تتحول العائلة إلى فضاء خطر، فإن الخطر لا يهدد الأفراد فقط، بل يطال المجتمع بأكمله، لأن تفكك العائلة ليس إلا الوجه الآخر لتفكك العقد الاجتماعي نفسه.

مفيدة القيزاني