إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

بعد الانطلاق الرسمي لمشروعي قنطرة بنزرت ومستشفى الملك سلمان.. المراهنة على المشاريع الكبرى الاستراتيجية خيار مهم والتمويل من أبرز الصعوبات

كان الهدف من إحداث اللجنة العليا للمشاريع العمومية في 2022 هو تسريع تنفيذ المشاريع العمومية التي بقي أغلبها معطّلا لسنوات لأسباب مختلفة، أبرزها إيجاد التمويلات والشركاء الاستثماريين للمشاريع الكبرى التي لها بعد اقتصادي واستراتيجي مهم. حيث تتولّى اللجنة التي يترأسها، وفق المرسوم المنظّم لها، رئيس الحكومة أو من ينوبه، إيجاد الحلول الملائمة لتسريع إنجاز المشاريع العمومية وإقرار التدابير الكفيلة بتجاوز الإشكاليات التي تعترض تنفيذ تلك المشاريع.

ومنذ إحداث هذه اللجنة، التي راهنت عليها الحكومة لتكون أداة تنفيذية تعمل على تذليل كل الصعاب والعقبات أمام المشاريع المعطّلة، بالإضافة إلى البحث عن مستثمرين وشراكات دولية قادرة على تنفيذ هذه المشاريع الوطنية الكبرى ذات الأهمية الاستراتيجية على المستويين الاقتصادي والتنموي، تم الإعلان عن العديد منها في وقت سابق، لكنها بقيت ضمن المشاريع المقرّرة دون الانتقال إلى مرحلة التنفيذ. وكان أهم عائق أمام هذه المرحلة هو إيجاد التمويلات اللازمة لهذه المشاريع التي تتطلّب اعتمادات مالية ضخمة لا يمكن أن تتحمّلها ميزانية الدولة في وضعها الراهن إلا في شكل قروض أو هبات. وكان الحلّ إيجاد أطراف دولية قادرة على تمويل تلك المشاريع، مثل المدينة الصحية بالقيروان، ومستشفى الملك سلمان بالقيروان، وجسر بنزرت، ومحطة توليد الطاقة الشمسية والفولطوضوئية بالقيروان، بالإضافة إلى القطار السريع الذي يربط الشمال بالجنوب وملعب المنزه الذي توقفت أشغاله لفترة طويلة.

ورغم أن جميع هذه المشاريع تبدو واعدة ويمكن أن تُحدِث نقلة نوعية سواء على مستوى البنية التحتية أو الرياضية أو الاقتصادي، إلا أنه، وباستثناء مشروع قنطرة بنزرت الذي انطلق بإشراف شركة صينية، ومستشفى الملك سلمان الذي تم الإعلان عن انطلاق أشغاله رسميًا في الأسابيع الأخيرة، وكذلك المشاريع الكبرى لإنتاج الطاقة الفولطوضوئية المبرمجة في كل من القيروان بقوة 100 ميغاواط، وسيدي بوزيد بقوة 50 ميغاواط، وتوزر بقوة 50 ميغاواط، فإن بقية المشاريع ما زالت لم تر النور بعد. وكان رئيس الجمهورية قد وضع حجر الأساس في مشروع قنطرة بنزرت في مارس 2024، الذي دخل مرحلة الإنجاز المشتركة بين الإدارة العامة للجسور والطرقات وشركة صينية للطرقات والجسور بإشراف وزيرة التجهيز والإسكان. إلا أن مشاريع استراتيجية ضخمة مثل ميناء النفيضة ما زالت قيد الانتظار منذ سنوات ما قبل الثورة.

مشروع المياه العميقة بالنفيضة

استعرض الاجتماع الدوري الخامس للجنة المشاريع الكبرى، الذي أشرفت عليه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري في شهر جويلية الماضي، وضعية بعض المشاريع الكبرى والاستراتيجية وذات الأولوية ومدى تقدّم إنجاز عدد منها والحلول المقترحة لتجاوز الصعوبات التي تعترضها حتى يتم استكمالها في الآجال المحددة. وتهم هذه المشاريع عدة قطاعات مثل الصحة والنقل والتعليم العالي والبحث العلمي. ومن بين المشاريع التي ناقشها هذا الاجتماع، مشروع ميناء المياه العميقة ومنطقة الخدمات اللوجيستية بالنفيضة، حيث تم الإعلان عن الانطلاق في إجراءات الإعلان عن طلب عروض مسبوق بانتقاء بخصوص إنجاز ميناء المياه العميقة ومنطقة الخدمات اللوجيستية بالنفيضة طبقًا للمواصفات الدولية. وتعتبر هذه الخطوة متقدّمة في علاقة بهذا المشروع «الحلم» الذي تأجّل إنجازه لعشرين سنة رغم كل الوعود والتعهّدات السابقة. فمشروع ميناء المياه العميقة بالنفيضة طُرح لأول مرة سنة 2006 كمشروع يُصنّف في خانة المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها الدول لإحداث نقلة كبيرة على المستويين اللوجستي والاقتصادي والاجتماعي، ويكون قادرا على إحداث تأثير إيجابي على أكثر من مستوى. وفي 2018، عندما أعلنت حكومة يوسف الشاهد أنه سينطلق العمل في إنجاز الميناء، تمّ إحداث مؤسسة عمومية تحت اسم «شركة ميناء النفيضة» تعنى بإنجاز وتطوير وصيانة هذا الميناء ومنطقة الخدمات اللوجستية المحاذية له والتنسيق بين مختلف مشاريع البنية الأساسية للنقل ذات الصلة وإنجاز الدراسات ومخططات التهيئة والتطوير. ولكن يبدو اليوم أن جهة الإشراف والتنفيذ ستكون ديوان البحرية التجارية والموانئ.

صرّح وزير النقل رشيد عامري خلال أشغال الجلسة العامة البرلمانية أن مشروع إنجاز ميناء المياه العميقة ومنطقة الخدمات اللوجيستية بالنفيضة يحظى بمتابعة خاصة من قبل الحكومة نظرا لأهميته الاستراتيجية وتأثيراته الإيجابية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، حيث سيساهم في خلق 52 ألف موطن شغل بصفة مباشرة وغير مباشرة، مؤكدا أن هناك تدقيقا لاختيار شريك استراتيجي لتنفيذ المشروع.

وكانت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري قد أكدت في جويلية الماضي خلال جلسة استماع بالبرلمان أن تونس قررت الذهاب في اتجاه البحث عن شريك استراتيجي لتنفيذ ميناء المياه العميقة بالنفيضة، على أن يكون ضمن اتفاق يحترم سيادة الدولة، وذلك بإيجاد شريك استراتيجي جاد لا يطلب أي ضمان سيادي أو ضمانات عينية أخرى مع التنصيص على عدم المساس بسيادة الدولة. كما أكدت سارة الزعفراني الزنزري في تلك الجلسة أن مشروع الميناء والمنطقة الخدمات اللوجستية المتصلة به يعد أول ميناء ذكي في تونس ويستجيب للمواصفات العالمية، وسيساهم في معاضدة الموانئ التونسية الأخرى من خلال ربط البلاد بمحاور النقل البحري الكبرى في العالم.

كما أشارت سارة الزعفراني الزنزري إلى أن الهيئة العليا للطلب العمومي لم توافق في وقت سابق على طلبات إبداء رغبة من قبل إحدى الشركات للدخول في شراكة مع شركة ميناء النفيضة لتنفيذ المشروع، نظرا لوجود إخلالات تتعلق بعدم احترام بعض المواصفات الفنية. ووفقا لبعض المعطيات الرسمية الصادرة عن جهات حكومية، فإن إحداث ميناء النفيضة يتطلب ضخ تمويلات في حدود 3000 مليون دينار، أي ما يقارب 1030 مليون دولار. ويتعين على القطاع العام توفير قرابة 768 مليون دولار، تعادل 75 بالمائة من إجمالي التمويلات، في حين يوفر القطاع الخاص من جانبه 262 مليون دولار مخصصة لشراء المعدات.

ويؤكّد ديوان البحرية التجارية والموانئ أن الهدف من الميناء هو خلق حيوية بين الميناء ومنطقة الخدمات اللوجستية والمنطقة الصناعية المحاذية للميناء، وذلك بإحداث قطب اقتصادي وتجاري وصناعي هام لإسداء خدمات مندمجة للنقل من خلال ميناء ومطار النفيضة. واختيار موقع النفيضة كان نتيجة دراسات متعددة المعايير التي أخذت بعين الاعتبار منطقة النفيضة على محور الخطوط البحرية شرق وغرب البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى توفر مساحات عقارية شاسعة تمكن من تركيز فضاءات خزن وتحويل وإنتاج تساهم في تطوير نشاط الميناء، بالإضافة إلى مرور الطريق السيارة والسكة الحديدية والطريق الوطنية 1 بجانب الموقع. وكذلك لقرب منطقة النفيضة من تونس العاصمة وفي نفس الوقت من صفاقس، بالنظر إلى أهمية هذين القطبين اقتصاديًا وتجاريًا.

ووفقا للمعطيات المعلنة، فإن المركب المينائي بالنفيضة سيمتد على مساحة إجمالية في حدود 3000 هكتار، وسيمتد الميناء على 1000 هكتار، في حين ستمتد منطقة الخدمات الاقتصادية واللوجستية على مساحة 2000 هكتار. وفي سنة 2023 تم انتزاع الأراضي المخصصة للمشروع في إطار الانتزاع للمصلحة العامة، وتم استكمال إجراءات الشهائد الملكية في جوان 2024، ولم يتبقّ إلا إيجاد الشريك الاستراتيجي الذي سيتولى تنفيذ المشروع مع الدولة التونسية، والإعلان عن ذلك.

واليوم، إذا نجحت الحكومة في إيجاد شركاء مهتمين بإنجاز هذا المشروع، الذي يُعتبر من المشاريع المهمة والمضمونة الأرباح، وإذا تم النجاح في ذلك وانطلقت في إنجاز أشغال ميناء النفيضة المتوقع أن تنتهي مع سنة 2030، فإن ذلك يعد من المنجزات الوطنية الكبرى ومن الرهانات التي ستحدث نقلة هامة على مستوى التجارة البحرية بالنسبة لتونس.

الاستثمارات الصينية في تونس

خلال الزيارة التي كان قد أداها رئيس الحكومة السابق كمال المدوري إلى الصين، أكد نائب رئيس مجلس الدولة الصيني أن جمهورية الصين الشعبية متمسكة بدعم تونس وإتمام المشاريع المبرمجة بين البلدين مثل جسر بنزرت، ومحطة توليد الطاقة الشمسية والفولطوضوئية بالقيروان، بالإضافة إلى المدينة الصحية بالقيروان وتوسعة مستشفى صفاقس الجامعي وإنشاء مستشفى علاج الأورام. وكل هذه المشاريع مهمة وسيكون لإنجازها أهمية تنموية كبيرة وكذلك أهمية على مستوى الخدمات العامة، وخاصة الخدمات الصحية. حيث إن تركيز أكبر المستشفيات في العاصمة قد أثر سلبًا على الخدمات الصحية، خاصة في المناطق الداخلية التي يعاني فيها المرضى من نقص كبير في الخدمات الصحية والعلاجية المقدمة، مع غياب بنية صحية تحتية وإطارات طبية مختصة، خاصة في الأمراض الخطيرة والدقيقة. كما أن مشروع جسر بنزرت الذي طال انتظاره قد يُغير وجه مدينة بنزرت ويدعم الحركية الاقتصادية والسياحية في الجهة، ويحولها إلى ميناء ومرفأ بحري ذي طابع اقتصادي وترفيهي مهم على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط، مثل بقية موانئ ومرافئ البحر الأبيض المتوسط ذات الصيت العالمي.

وكانت الحكومة قد وقّعت مع الشريك الصيني الممثل في شركة المجمع الصيني «سيشوان للطرقات والجسور» اتفاقًا بقيمة 250 مليون يورو لإنجاز جسر مدينة بنزرت. ومن المقرر تمويل المشروع بقروض من مجموعة البنك الإفريقي للتنمية والبنك الأوروبي للاستثمار. ومن المتوقع أن يمتد لمسافة 2.07 كيلومتر ويبلغ ارتفاعه 56 مترا، وهذا الجسر سيقلص من استنزاف الوقت في الدخول والخروج من مدينة بنزرت، حيث لم تعد قنطرة بنزرت قادرة على تحمل مزيد من الضغط. وكانت مديرة وحدة التصرف المكلفة بإنجاز المشروع، ليليا السيفاوي، قد صرّحت في وقت سابق أن مشروع جسر بنزرت الجديد تبلغ كلفته المالية الأولية 750 مليون دينار وسيكون جاهزًا وفق بنود الصفقة في حدود الثلاثية الثالثة لسنة 2027.

بالإضافة إلى جسر بنزرت، فإن المدينة الصحية بالقيروان تعتبر من بين المشاريع التي تراهن الحكومة على انطلاقها، حيث أعلنت وزارة التجهيز والإسكان في وقت سابق عن إطلاق الدعوة للتعبير عن الاهتمام لإعداد دراسة جدوى لإنجاز مشروع «المدينة الطبية الأغالبة» بالقيروان على مساحة 550 هكتارا تقريبا. وقبلها، كان رئيس الجمهورية قيس سعيد قد أشرف على اجتماع خُصص للنظر في المشروع المتعلق بمدينة الأغالبة الطبية بولاية القيروان، وتعرّض رئيس الدولة إلى الصعوبات التي أعاقت انطلاق المشروع منذ سنة 2020. واليوم، بوجود طرف صيني مستعد لإنجاز هذا المشروع الضخم، فإن هذا المشروع في طريقه إلى التنفيذ بعد استكمال جميع الدراسات الفنية التي طلبها الطرف الصيني. ومن المشاريع التي تحدّث عنها رئيس الجمهورية في وقت سابق، نجد مشروع القطار السريع الذي سيربط شمال تونس بجنوبها، وهو من المشاريع الضخمة التي تتطلب تمويلات كبيرة، وهذه التمويلات لا يمكن أن تتوفّر إلا في شكل هبات أو قروض في إطار التعاون الخارجي، لأن إمكانياتها واعتماداتها تفوق إمكانيات القطاع الخاص والعام في تونس.

هذا بالإضافة إلى مشاريع أقل تكلفة مثل توسعة مستشفى صفاقس الجامعي وإنشاء مستشفى علاج الأورام بقابس، وقد تم الاتفاق على إنجاز كل هذه المشاريع في انتظار الدراسات الفنية.

مستشفى الملك سلمان

في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر 2025، تسلّمت الشركتان المكلّفتان بإنجاز مستشفى الملك سلمان بن عبد العزيز الجامعي بالقيروان، السعودية والتونسية، قطعة الأرض المخصّصة للمشروع. وأكد ممثلو الشركتين بدء عملية جلب المعدات والتجهيزات اللازمة وتركيز الحضيرة بالموقع مع انطلاق الأشغال بصفة فعلية. سيتميّز المستشفى بطابع معماري يجمع بين الخصوصية العربية والإسلامية واللمسة العصرية، إضافة إلى تجهيزات طبية حديثة ومعايير دولية تشمل مختلف الاختصاصات الطبية من بينها قسم الحروق ومعالجة الأورام السرطانية. وستكون طاقة استيعاب المستشفى في حدود 320 سريرا بعد انتهاء الأشغال، مع إمكانية الترفيع إلى 500 سرير في مرحلة ثانية بعد موافقة المموّل، ثم إلى 700 سرير في مرحلة ثالثة. وتقدّر الكلفة الجملية للمشروع بـ 144 مليون دولار بعد تحيين الاعتمادات الأصلية المقدّرة بـ85 مليون دولار، وذلك لمواكبة التطورات التقنية وضمان جودة الإنجاز وفق المواصفات الدولية.

كما أن الأشغال قد انطلقت في قنطرة بنزرت ومستشفى الملك سلمان، وستنطلق قريبا في محطات إنتاج الطاقة الفولطوضوئية في كل من القيروان وسيدي بوزيد وتوزر. واليوم، يجب العمل على تذليل بقية الصعوبات والعقبات التي تواجهها باقي المشاريع الكبرى المعلن عنها، حتى لا تبقى في خانة النوايا، خاصة وأن البلاد تحتاج إلى مثل هذه المشاريع التنموية والاستثمارية الكبرى التي يمكن أن تكون رافعة اقتصادية مهمة في السنوات القادمة.

منية العرفاوي

بعد الانطلاق الرسمي لمشروعي قنطرة بنزرت ومستشفى الملك سلمان..   المراهنة على المشاريع الكبرى الاستراتيجية خيار مهم والتمويل من أبرز الصعوبات

كان الهدف من إحداث اللجنة العليا للمشاريع العمومية في 2022 هو تسريع تنفيذ المشاريع العمومية التي بقي أغلبها معطّلا لسنوات لأسباب مختلفة، أبرزها إيجاد التمويلات والشركاء الاستثماريين للمشاريع الكبرى التي لها بعد اقتصادي واستراتيجي مهم. حيث تتولّى اللجنة التي يترأسها، وفق المرسوم المنظّم لها، رئيس الحكومة أو من ينوبه، إيجاد الحلول الملائمة لتسريع إنجاز المشاريع العمومية وإقرار التدابير الكفيلة بتجاوز الإشكاليات التي تعترض تنفيذ تلك المشاريع.

ومنذ إحداث هذه اللجنة، التي راهنت عليها الحكومة لتكون أداة تنفيذية تعمل على تذليل كل الصعاب والعقبات أمام المشاريع المعطّلة، بالإضافة إلى البحث عن مستثمرين وشراكات دولية قادرة على تنفيذ هذه المشاريع الوطنية الكبرى ذات الأهمية الاستراتيجية على المستويين الاقتصادي والتنموي، تم الإعلان عن العديد منها في وقت سابق، لكنها بقيت ضمن المشاريع المقرّرة دون الانتقال إلى مرحلة التنفيذ. وكان أهم عائق أمام هذه المرحلة هو إيجاد التمويلات اللازمة لهذه المشاريع التي تتطلّب اعتمادات مالية ضخمة لا يمكن أن تتحمّلها ميزانية الدولة في وضعها الراهن إلا في شكل قروض أو هبات. وكان الحلّ إيجاد أطراف دولية قادرة على تمويل تلك المشاريع، مثل المدينة الصحية بالقيروان، ومستشفى الملك سلمان بالقيروان، وجسر بنزرت، ومحطة توليد الطاقة الشمسية والفولطوضوئية بالقيروان، بالإضافة إلى القطار السريع الذي يربط الشمال بالجنوب وملعب المنزه الذي توقفت أشغاله لفترة طويلة.

ورغم أن جميع هذه المشاريع تبدو واعدة ويمكن أن تُحدِث نقلة نوعية سواء على مستوى البنية التحتية أو الرياضية أو الاقتصادي، إلا أنه، وباستثناء مشروع قنطرة بنزرت الذي انطلق بإشراف شركة صينية، ومستشفى الملك سلمان الذي تم الإعلان عن انطلاق أشغاله رسميًا في الأسابيع الأخيرة، وكذلك المشاريع الكبرى لإنتاج الطاقة الفولطوضوئية المبرمجة في كل من القيروان بقوة 100 ميغاواط، وسيدي بوزيد بقوة 50 ميغاواط، وتوزر بقوة 50 ميغاواط، فإن بقية المشاريع ما زالت لم تر النور بعد. وكان رئيس الجمهورية قد وضع حجر الأساس في مشروع قنطرة بنزرت في مارس 2024، الذي دخل مرحلة الإنجاز المشتركة بين الإدارة العامة للجسور والطرقات وشركة صينية للطرقات والجسور بإشراف وزيرة التجهيز والإسكان. إلا أن مشاريع استراتيجية ضخمة مثل ميناء النفيضة ما زالت قيد الانتظار منذ سنوات ما قبل الثورة.

مشروع المياه العميقة بالنفيضة

استعرض الاجتماع الدوري الخامس للجنة المشاريع الكبرى، الذي أشرفت عليه رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري في شهر جويلية الماضي، وضعية بعض المشاريع الكبرى والاستراتيجية وذات الأولوية ومدى تقدّم إنجاز عدد منها والحلول المقترحة لتجاوز الصعوبات التي تعترضها حتى يتم استكمالها في الآجال المحددة. وتهم هذه المشاريع عدة قطاعات مثل الصحة والنقل والتعليم العالي والبحث العلمي. ومن بين المشاريع التي ناقشها هذا الاجتماع، مشروع ميناء المياه العميقة ومنطقة الخدمات اللوجيستية بالنفيضة، حيث تم الإعلان عن الانطلاق في إجراءات الإعلان عن طلب عروض مسبوق بانتقاء بخصوص إنجاز ميناء المياه العميقة ومنطقة الخدمات اللوجيستية بالنفيضة طبقًا للمواصفات الدولية. وتعتبر هذه الخطوة متقدّمة في علاقة بهذا المشروع «الحلم» الذي تأجّل إنجازه لعشرين سنة رغم كل الوعود والتعهّدات السابقة. فمشروع ميناء المياه العميقة بالنفيضة طُرح لأول مرة سنة 2006 كمشروع يُصنّف في خانة المشاريع الاستراتيجية التي تراهن عليها الدول لإحداث نقلة كبيرة على المستويين اللوجستي والاقتصادي والاجتماعي، ويكون قادرا على إحداث تأثير إيجابي على أكثر من مستوى. وفي 2018، عندما أعلنت حكومة يوسف الشاهد أنه سينطلق العمل في إنجاز الميناء، تمّ إحداث مؤسسة عمومية تحت اسم «شركة ميناء النفيضة» تعنى بإنجاز وتطوير وصيانة هذا الميناء ومنطقة الخدمات اللوجستية المحاذية له والتنسيق بين مختلف مشاريع البنية الأساسية للنقل ذات الصلة وإنجاز الدراسات ومخططات التهيئة والتطوير. ولكن يبدو اليوم أن جهة الإشراف والتنفيذ ستكون ديوان البحرية التجارية والموانئ.

صرّح وزير النقل رشيد عامري خلال أشغال الجلسة العامة البرلمانية أن مشروع إنجاز ميناء المياه العميقة ومنطقة الخدمات اللوجيستية بالنفيضة يحظى بمتابعة خاصة من قبل الحكومة نظرا لأهميته الاستراتيجية وتأثيراته الإيجابية على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، حيث سيساهم في خلق 52 ألف موطن شغل بصفة مباشرة وغير مباشرة، مؤكدا أن هناك تدقيقا لاختيار شريك استراتيجي لتنفيذ المشروع.

وكانت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري قد أكدت في جويلية الماضي خلال جلسة استماع بالبرلمان أن تونس قررت الذهاب في اتجاه البحث عن شريك استراتيجي لتنفيذ ميناء المياه العميقة بالنفيضة، على أن يكون ضمن اتفاق يحترم سيادة الدولة، وذلك بإيجاد شريك استراتيجي جاد لا يطلب أي ضمان سيادي أو ضمانات عينية أخرى مع التنصيص على عدم المساس بسيادة الدولة. كما أكدت سارة الزعفراني الزنزري في تلك الجلسة أن مشروع الميناء والمنطقة الخدمات اللوجستية المتصلة به يعد أول ميناء ذكي في تونس ويستجيب للمواصفات العالمية، وسيساهم في معاضدة الموانئ التونسية الأخرى من خلال ربط البلاد بمحاور النقل البحري الكبرى في العالم.

كما أشارت سارة الزعفراني الزنزري إلى أن الهيئة العليا للطلب العمومي لم توافق في وقت سابق على طلبات إبداء رغبة من قبل إحدى الشركات للدخول في شراكة مع شركة ميناء النفيضة لتنفيذ المشروع، نظرا لوجود إخلالات تتعلق بعدم احترام بعض المواصفات الفنية. ووفقا لبعض المعطيات الرسمية الصادرة عن جهات حكومية، فإن إحداث ميناء النفيضة يتطلب ضخ تمويلات في حدود 3000 مليون دينار، أي ما يقارب 1030 مليون دولار. ويتعين على القطاع العام توفير قرابة 768 مليون دولار، تعادل 75 بالمائة من إجمالي التمويلات، في حين يوفر القطاع الخاص من جانبه 262 مليون دولار مخصصة لشراء المعدات.

ويؤكّد ديوان البحرية التجارية والموانئ أن الهدف من الميناء هو خلق حيوية بين الميناء ومنطقة الخدمات اللوجستية والمنطقة الصناعية المحاذية للميناء، وذلك بإحداث قطب اقتصادي وتجاري وصناعي هام لإسداء خدمات مندمجة للنقل من خلال ميناء ومطار النفيضة. واختيار موقع النفيضة كان نتيجة دراسات متعددة المعايير التي أخذت بعين الاعتبار منطقة النفيضة على محور الخطوط البحرية شرق وغرب البحر الأبيض المتوسط، بالإضافة إلى توفر مساحات عقارية شاسعة تمكن من تركيز فضاءات خزن وتحويل وإنتاج تساهم في تطوير نشاط الميناء، بالإضافة إلى مرور الطريق السيارة والسكة الحديدية والطريق الوطنية 1 بجانب الموقع. وكذلك لقرب منطقة النفيضة من تونس العاصمة وفي نفس الوقت من صفاقس، بالنظر إلى أهمية هذين القطبين اقتصاديًا وتجاريًا.

ووفقا للمعطيات المعلنة، فإن المركب المينائي بالنفيضة سيمتد على مساحة إجمالية في حدود 3000 هكتار، وسيمتد الميناء على 1000 هكتار، في حين ستمتد منطقة الخدمات الاقتصادية واللوجستية على مساحة 2000 هكتار. وفي سنة 2023 تم انتزاع الأراضي المخصصة للمشروع في إطار الانتزاع للمصلحة العامة، وتم استكمال إجراءات الشهائد الملكية في جوان 2024، ولم يتبقّ إلا إيجاد الشريك الاستراتيجي الذي سيتولى تنفيذ المشروع مع الدولة التونسية، والإعلان عن ذلك.

واليوم، إذا نجحت الحكومة في إيجاد شركاء مهتمين بإنجاز هذا المشروع، الذي يُعتبر من المشاريع المهمة والمضمونة الأرباح، وإذا تم النجاح في ذلك وانطلقت في إنجاز أشغال ميناء النفيضة المتوقع أن تنتهي مع سنة 2030، فإن ذلك يعد من المنجزات الوطنية الكبرى ومن الرهانات التي ستحدث نقلة هامة على مستوى التجارة البحرية بالنسبة لتونس.

الاستثمارات الصينية في تونس

خلال الزيارة التي كان قد أداها رئيس الحكومة السابق كمال المدوري إلى الصين، أكد نائب رئيس مجلس الدولة الصيني أن جمهورية الصين الشعبية متمسكة بدعم تونس وإتمام المشاريع المبرمجة بين البلدين مثل جسر بنزرت، ومحطة توليد الطاقة الشمسية والفولطوضوئية بالقيروان، بالإضافة إلى المدينة الصحية بالقيروان وتوسعة مستشفى صفاقس الجامعي وإنشاء مستشفى علاج الأورام. وكل هذه المشاريع مهمة وسيكون لإنجازها أهمية تنموية كبيرة وكذلك أهمية على مستوى الخدمات العامة، وخاصة الخدمات الصحية. حيث إن تركيز أكبر المستشفيات في العاصمة قد أثر سلبًا على الخدمات الصحية، خاصة في المناطق الداخلية التي يعاني فيها المرضى من نقص كبير في الخدمات الصحية والعلاجية المقدمة، مع غياب بنية صحية تحتية وإطارات طبية مختصة، خاصة في الأمراض الخطيرة والدقيقة. كما أن مشروع جسر بنزرت الذي طال انتظاره قد يُغير وجه مدينة بنزرت ويدعم الحركية الاقتصادية والسياحية في الجهة، ويحولها إلى ميناء ومرفأ بحري ذي طابع اقتصادي وترفيهي مهم على مستوى حوض البحر الأبيض المتوسط، مثل بقية موانئ ومرافئ البحر الأبيض المتوسط ذات الصيت العالمي.

وكانت الحكومة قد وقّعت مع الشريك الصيني الممثل في شركة المجمع الصيني «سيشوان للطرقات والجسور» اتفاقًا بقيمة 250 مليون يورو لإنجاز جسر مدينة بنزرت. ومن المقرر تمويل المشروع بقروض من مجموعة البنك الإفريقي للتنمية والبنك الأوروبي للاستثمار. ومن المتوقع أن يمتد لمسافة 2.07 كيلومتر ويبلغ ارتفاعه 56 مترا، وهذا الجسر سيقلص من استنزاف الوقت في الدخول والخروج من مدينة بنزرت، حيث لم تعد قنطرة بنزرت قادرة على تحمل مزيد من الضغط. وكانت مديرة وحدة التصرف المكلفة بإنجاز المشروع، ليليا السيفاوي، قد صرّحت في وقت سابق أن مشروع جسر بنزرت الجديد تبلغ كلفته المالية الأولية 750 مليون دينار وسيكون جاهزًا وفق بنود الصفقة في حدود الثلاثية الثالثة لسنة 2027.

بالإضافة إلى جسر بنزرت، فإن المدينة الصحية بالقيروان تعتبر من بين المشاريع التي تراهن الحكومة على انطلاقها، حيث أعلنت وزارة التجهيز والإسكان في وقت سابق عن إطلاق الدعوة للتعبير عن الاهتمام لإعداد دراسة جدوى لإنجاز مشروع «المدينة الطبية الأغالبة» بالقيروان على مساحة 550 هكتارا تقريبا. وقبلها، كان رئيس الجمهورية قيس سعيد قد أشرف على اجتماع خُصص للنظر في المشروع المتعلق بمدينة الأغالبة الطبية بولاية القيروان، وتعرّض رئيس الدولة إلى الصعوبات التي أعاقت انطلاق المشروع منذ سنة 2020. واليوم، بوجود طرف صيني مستعد لإنجاز هذا المشروع الضخم، فإن هذا المشروع في طريقه إلى التنفيذ بعد استكمال جميع الدراسات الفنية التي طلبها الطرف الصيني. ومن المشاريع التي تحدّث عنها رئيس الجمهورية في وقت سابق، نجد مشروع القطار السريع الذي سيربط شمال تونس بجنوبها، وهو من المشاريع الضخمة التي تتطلب تمويلات كبيرة، وهذه التمويلات لا يمكن أن تتوفّر إلا في شكل هبات أو قروض في إطار التعاون الخارجي، لأن إمكانياتها واعتماداتها تفوق إمكانيات القطاع الخاص والعام في تونس.

هذا بالإضافة إلى مشاريع أقل تكلفة مثل توسعة مستشفى صفاقس الجامعي وإنشاء مستشفى علاج الأورام بقابس، وقد تم الاتفاق على إنجاز كل هذه المشاريع في انتظار الدراسات الفنية.

مستشفى الملك سلمان

في الأسبوع الأول من شهر ديسمبر 2025، تسلّمت الشركتان المكلّفتان بإنجاز مستشفى الملك سلمان بن عبد العزيز الجامعي بالقيروان، السعودية والتونسية، قطعة الأرض المخصّصة للمشروع. وأكد ممثلو الشركتين بدء عملية جلب المعدات والتجهيزات اللازمة وتركيز الحضيرة بالموقع مع انطلاق الأشغال بصفة فعلية. سيتميّز المستشفى بطابع معماري يجمع بين الخصوصية العربية والإسلامية واللمسة العصرية، إضافة إلى تجهيزات طبية حديثة ومعايير دولية تشمل مختلف الاختصاصات الطبية من بينها قسم الحروق ومعالجة الأورام السرطانية. وستكون طاقة استيعاب المستشفى في حدود 320 سريرا بعد انتهاء الأشغال، مع إمكانية الترفيع إلى 500 سرير في مرحلة ثانية بعد موافقة المموّل، ثم إلى 700 سرير في مرحلة ثالثة. وتقدّر الكلفة الجملية للمشروع بـ 144 مليون دولار بعد تحيين الاعتمادات الأصلية المقدّرة بـ85 مليون دولار، وذلك لمواكبة التطورات التقنية وضمان جودة الإنجاز وفق المواصفات الدولية.

كما أن الأشغال قد انطلقت في قنطرة بنزرت ومستشفى الملك سلمان، وستنطلق قريبا في محطات إنتاج الطاقة الفولطوضوئية في كل من القيروان وسيدي بوزيد وتوزر. واليوم، يجب العمل على تذليل بقية الصعوبات والعقبات التي تواجهها باقي المشاريع الكبرى المعلن عنها، حتى لا تبقى في خانة النوايا، خاصة وأن البلاد تحتاج إلى مثل هذه المشاريع التنموية والاستثمارية الكبرى التي يمكن أن تكون رافعة اقتصادية مهمة في السنوات القادمة.

منية العرفاوي