شهد القطاع الصحي العمومي في تونس خلال سنة 2025 جملة من الإنجازات اللافتة التي يمكن أن تشكل منطلقا لتحوّل نحو إصلاح منظومة العلاج في تونس، بعد أن عانت لسنوات من نقص في الإمكانيات، واهتراء في البنية التحتية، وتراجع الخدمات في العديد من الجهات.
ومن بين آخر النجاحات التي تم الإعلان عنها من قبل وزارة الصحة خلال الأيام القليلة الماضية قبل نهاية السنة الإدارية الجارية، سجل المستشفى الجامعي شارل نيكول نجاح أول عمليتين لتصحيح عيوب الإبصار بتقنية الفيمتو ليزك لفائدة مريضتين، مع نتائج بصرية جيدة ودون مضاعفات. وهي عملية تعتمد على تقنية حديثة على الليزر بدقة عالية، دون جراحة تقليدية، ما يسمح بتحسن سريع في النظر.
كما سجل في نفس المستشفى في شهر ديسمبر إنجازا طبيًا غير مسبوق بإجراء أول عملية استئصال بروستاتا بتقنية الجراحة الروبوتية، وقبلها إجراء عمليتين ناجحتين لاستئصال ورم كلوي مع المحافظة على الكلية، ثم استئصال كلية كاملة. وتؤكد هذه العمليات على جاهزية المستشفى العمومي لاعتماد الجراحة الروبوتية، ويعكس كفاءة الإطارات الطبية وشبه الطبية التونسية وقدرتها على العمل بأحدث التقنيات.
هذا ونجح الفريق الطبي بشارل نيكول أيضا في إجراء أول عملية من نوعها في تونس لعلاج تكلسات الشرايين التاجية باستعمال تقنية الموجات التصادمية داخل الشريان لمريض يبلغ من العمر 58 سنة، كان يعاني من تضيق شديد ومتكلس في أحد الشرايين. وتم تفتيت التكلسات باستعمال ballon de lithotripsie intracoronaire، ثم وضع دعامة دوائية لاستعادة تدفق الدم بشكل طبيعي.
وعلى المستوى الجهوي، شهدت الشهر الفارط أول عملية زرع كلية بالمنظار في صفاقس، وهو تدخل يعتبر الأول من نوعه في مستشفيات الجهة. كما تم تعزيز عدد من المستشفيات الجهوية بأقسام في طب الاختصاص التي كانت تعاني من تدهور في وضعها أو غياب لطبيب الاختصاص.
ومن أجل تحقيق تغطية 100 % لجميع المؤسسات الاستشفائية على المستوى الوطني في إطار التصوير الطبي وعدد آخر من طب الاختصاص، اختارت وزارة الصحة برنامج الطب البعدي كآلية لحل هذا المشكل الذي تعاني منه مستشفياتنا لسنوات، وذلك عبر اعتماد الربط بين المستشفيات الجهوية والمستشفيات والمعاهد الجامعية، حيث يتم توفير قراءة فورية لمختلف فحوصات التصوير بالأشعة لمختلف أشكالها.
وفضلا عما يسمح به هذا النوع من التدخل من قراءة للكشوفات وفحوصات دقيقة، يمكن أن يتم اعتماده في علاج الجلطات الدماغية، وكانت أولى التجارب عبر إزالة الجلطة الإقفارية عبر الحقن الوريدي بمنشط «بلزمينوجان» الذي تم على مستوى قسم التخدير والإنعاش بالمستشفى الجهوي بتوزر.
ومن خلال هذا النوع من التدخل، نضمن أولا أن كل الكشوفات المنجزة بآلية التصوير الطبي على مستوى جميع المستشفيات سيتم قراءتها وتقديم تقرير بشأنها في الآجال المعقولة، بالإضافة إلى أنه سيما تفادي تنقل الطبيب المختص، وسيسمح ببقاء المريض أيضا في ولايته فلا يضطر للتنقل من أجل إجراء كشف بالأشعة أو «السكانير»، الذي يعد آلية الفحص الأولية لمعرفة المشكلة الصحية لدى جزء هام من المرضى.
وفي خطوة هامة لتطوير مخابر التحاليل الطبية، أدخلت وزارة الصحة تقنية حديثة تُعرف باسم MALDI-TOF، وتُمكّن من تحديد نوع البكتيريا أو الفطريات في بضع دقائق فقط بدلا من ساعات وأيام، وقد تم تجهيز خمسة مستشفيات بهذه التقنية الجديدة، وهي مستشفى الرابطة، مستشفى شارل نيكول، مستشفى فرحات حشاد بسوسة، مستشفى الحبيب بورقيبة بصفاقس، والمخبر المرجعي للسلّ بأريانة. وتمكن هذه التقنية الأطباء من تشخيص الحالات بدقة، واختيار الدواء المناسب مما يساعد على تقليل استعمال المضادات الحيوية العشوائي ويساهم في مكافحة مقاومة البكتيريا للأدوية.
وسجلت السنة تدعيم المستشفيات العمومية بتجهيزات طبية حديثة، شملت أجهزة تصوير طبي متطورة كالسكانار، الرنين المغناطيسي، الأشعة الرقمية، وتجهيزات للإنعاش والعناية المركزة، إضافة إلى تحديث مخابر التحاليل وأقسام الاستعجالي.
وقد مكّنت هذه التجهيزات من إعادة فتح أقسام كانت متوقفة بسبب الأعطاب أو تقادم المعدات، وتحسين سرعة التشخيص ودقته، وتقليص آجال الانتظار للمرضى والحد من إحالة الحالات إلى القطاع الخاص أو المستشفيات الجامعية البعيدة، وهو ما ساهم في تخفيف الأعباء المالية على المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود، في إطار سياسة تهدف إلى تقريب الخدمات الصحية من المواطن وتقليص الفوارق الجهوية في النفاذ إلى العلاج.
هذا وتسمح المقاربات الجديدة التي تم اتخاذها على مستوى وزارة الصحة بتمكين العديد من المستشفيات من إجراء تدخلات طبية وعمليات جراحية كانت سابقا حكرا على المستشفيات الجامعية، وهو ما عزز الحق في العلاج وساهم في إنقاذ الأرواح، خاصة في الحالات الاستعجالية.
وقد شهدت السنة تطورا في مستوى التكفل الطبي، من خلال دعم بعض الاختصاصات الدقيقة، وتحسين قدرات أقسام التوليد، والإنعاش، وجراحة الحالات الاستعجالية. كما تم العمل على تأهيل الإطار الطبي وشبه الطبي عبر التكوين المستمر، بما ساعد على رفع جاهزية الفرق الصحية وتحسين جودة الخدمات.
أسهمت هذه الإنجازات في إعادة الثقة تدريجيا في المستشفى العمومي، سواء لدى المواطنين أو لدى العاملين في القطاع، وأكدت أن إنقاذ المنظومة الصحية ممكن متى توفرت الإرادة السياسية والاستثمار الموجه.
كما أبرزت تجربة 2025 أن الاستثمار في الصحة ليس ترفا، بل خيارا استراتيجيا لحماية الأمن الصحي والاجتماعي وضمان أحد أهم الحقوق الدستورية للمواطن.
ومع التطلّع إلى سنة 2026، يبقى الرهان الأساسي هو تثبيت هذه المكاسب والبناء عليها، من خلال مواصلة تحديث وصيانة التجهيزات الطبية وتحسين ظروف العمل، وتدعيم حضور الأطباء داخل المؤسسات الاستشفائية، وخاصة الجهوية، والحد من هجرة الكفاءات. كما يجب تعزيز حوكمة المؤسسات الصحية العمومية وإدراج الصحة في صدارة الأولويات الوطنية. فالصحة العمومية في تونس ليست مجرد قطاع خدماتي، بل ركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية والتنمية البشرية، وأي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي لا يمكن أن ينجح دون منظومة صحية قوية، عادلة، وقادرة على الصمود أمام الأزمات.
ريم سوودي
شهد القطاع الصحي العمومي في تونس خلال سنة 2025 جملة من الإنجازات اللافتة التي يمكن أن تشكل منطلقا لتحوّل نحو إصلاح منظومة العلاج في تونس، بعد أن عانت لسنوات من نقص في الإمكانيات، واهتراء في البنية التحتية، وتراجع الخدمات في العديد من الجهات.
ومن بين آخر النجاحات التي تم الإعلان عنها من قبل وزارة الصحة خلال الأيام القليلة الماضية قبل نهاية السنة الإدارية الجارية، سجل المستشفى الجامعي شارل نيكول نجاح أول عمليتين لتصحيح عيوب الإبصار بتقنية الفيمتو ليزك لفائدة مريضتين، مع نتائج بصرية جيدة ودون مضاعفات. وهي عملية تعتمد على تقنية حديثة على الليزر بدقة عالية، دون جراحة تقليدية، ما يسمح بتحسن سريع في النظر.
كما سجل في نفس المستشفى في شهر ديسمبر إنجازا طبيًا غير مسبوق بإجراء أول عملية استئصال بروستاتا بتقنية الجراحة الروبوتية، وقبلها إجراء عمليتين ناجحتين لاستئصال ورم كلوي مع المحافظة على الكلية، ثم استئصال كلية كاملة. وتؤكد هذه العمليات على جاهزية المستشفى العمومي لاعتماد الجراحة الروبوتية، ويعكس كفاءة الإطارات الطبية وشبه الطبية التونسية وقدرتها على العمل بأحدث التقنيات.
هذا ونجح الفريق الطبي بشارل نيكول أيضا في إجراء أول عملية من نوعها في تونس لعلاج تكلسات الشرايين التاجية باستعمال تقنية الموجات التصادمية داخل الشريان لمريض يبلغ من العمر 58 سنة، كان يعاني من تضيق شديد ومتكلس في أحد الشرايين. وتم تفتيت التكلسات باستعمال ballon de lithotripsie intracoronaire، ثم وضع دعامة دوائية لاستعادة تدفق الدم بشكل طبيعي.
وعلى المستوى الجهوي، شهدت الشهر الفارط أول عملية زرع كلية بالمنظار في صفاقس، وهو تدخل يعتبر الأول من نوعه في مستشفيات الجهة. كما تم تعزيز عدد من المستشفيات الجهوية بأقسام في طب الاختصاص التي كانت تعاني من تدهور في وضعها أو غياب لطبيب الاختصاص.
ومن أجل تحقيق تغطية 100 % لجميع المؤسسات الاستشفائية على المستوى الوطني في إطار التصوير الطبي وعدد آخر من طب الاختصاص، اختارت وزارة الصحة برنامج الطب البعدي كآلية لحل هذا المشكل الذي تعاني منه مستشفياتنا لسنوات، وذلك عبر اعتماد الربط بين المستشفيات الجهوية والمستشفيات والمعاهد الجامعية، حيث يتم توفير قراءة فورية لمختلف فحوصات التصوير بالأشعة لمختلف أشكالها.
وفضلا عما يسمح به هذا النوع من التدخل من قراءة للكشوفات وفحوصات دقيقة، يمكن أن يتم اعتماده في علاج الجلطات الدماغية، وكانت أولى التجارب عبر إزالة الجلطة الإقفارية عبر الحقن الوريدي بمنشط «بلزمينوجان» الذي تم على مستوى قسم التخدير والإنعاش بالمستشفى الجهوي بتوزر.
ومن خلال هذا النوع من التدخل، نضمن أولا أن كل الكشوفات المنجزة بآلية التصوير الطبي على مستوى جميع المستشفيات سيتم قراءتها وتقديم تقرير بشأنها في الآجال المعقولة، بالإضافة إلى أنه سيما تفادي تنقل الطبيب المختص، وسيسمح ببقاء المريض أيضا في ولايته فلا يضطر للتنقل من أجل إجراء كشف بالأشعة أو «السكانير»، الذي يعد آلية الفحص الأولية لمعرفة المشكلة الصحية لدى جزء هام من المرضى.
وفي خطوة هامة لتطوير مخابر التحاليل الطبية، أدخلت وزارة الصحة تقنية حديثة تُعرف باسم MALDI-TOF، وتُمكّن من تحديد نوع البكتيريا أو الفطريات في بضع دقائق فقط بدلا من ساعات وأيام، وقد تم تجهيز خمسة مستشفيات بهذه التقنية الجديدة، وهي مستشفى الرابطة، مستشفى شارل نيكول، مستشفى فرحات حشاد بسوسة، مستشفى الحبيب بورقيبة بصفاقس، والمخبر المرجعي للسلّ بأريانة. وتمكن هذه التقنية الأطباء من تشخيص الحالات بدقة، واختيار الدواء المناسب مما يساعد على تقليل استعمال المضادات الحيوية العشوائي ويساهم في مكافحة مقاومة البكتيريا للأدوية.
وسجلت السنة تدعيم المستشفيات العمومية بتجهيزات طبية حديثة، شملت أجهزة تصوير طبي متطورة كالسكانار، الرنين المغناطيسي، الأشعة الرقمية، وتجهيزات للإنعاش والعناية المركزة، إضافة إلى تحديث مخابر التحاليل وأقسام الاستعجالي.
وقد مكّنت هذه التجهيزات من إعادة فتح أقسام كانت متوقفة بسبب الأعطاب أو تقادم المعدات، وتحسين سرعة التشخيص ودقته، وتقليص آجال الانتظار للمرضى والحد من إحالة الحالات إلى القطاع الخاص أو المستشفيات الجامعية البعيدة، وهو ما ساهم في تخفيف الأعباء المالية على المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود، في إطار سياسة تهدف إلى تقريب الخدمات الصحية من المواطن وتقليص الفوارق الجهوية في النفاذ إلى العلاج.
هذا وتسمح المقاربات الجديدة التي تم اتخاذها على مستوى وزارة الصحة بتمكين العديد من المستشفيات من إجراء تدخلات طبية وعمليات جراحية كانت سابقا حكرا على المستشفيات الجامعية، وهو ما عزز الحق في العلاج وساهم في إنقاذ الأرواح، خاصة في الحالات الاستعجالية.
وقد شهدت السنة تطورا في مستوى التكفل الطبي، من خلال دعم بعض الاختصاصات الدقيقة، وتحسين قدرات أقسام التوليد، والإنعاش، وجراحة الحالات الاستعجالية. كما تم العمل على تأهيل الإطار الطبي وشبه الطبي عبر التكوين المستمر، بما ساعد على رفع جاهزية الفرق الصحية وتحسين جودة الخدمات.
أسهمت هذه الإنجازات في إعادة الثقة تدريجيا في المستشفى العمومي، سواء لدى المواطنين أو لدى العاملين في القطاع، وأكدت أن إنقاذ المنظومة الصحية ممكن متى توفرت الإرادة السياسية والاستثمار الموجه.
كما أبرزت تجربة 2025 أن الاستثمار في الصحة ليس ترفا، بل خيارا استراتيجيا لحماية الأمن الصحي والاجتماعي وضمان أحد أهم الحقوق الدستورية للمواطن.
ومع التطلّع إلى سنة 2026، يبقى الرهان الأساسي هو تثبيت هذه المكاسب والبناء عليها، من خلال مواصلة تحديث وصيانة التجهيزات الطبية وتحسين ظروف العمل، وتدعيم حضور الأطباء داخل المؤسسات الاستشفائية، وخاصة الجهوية، والحد من هجرة الكفاءات. كما يجب تعزيز حوكمة المؤسسات الصحية العمومية وإدراج الصحة في صدارة الأولويات الوطنية. فالصحة العمومية في تونس ليست مجرد قطاع خدماتي، بل ركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية والتنمية البشرية، وأي إصلاح اقتصادي أو اجتماعي لا يمكن أن ينجح دون منظومة صحية قوية، عادلة، وقادرة على الصمود أمام الأزمات.