-رئيس لجنة الصحة لـ«الصباح»: هنالك تحسن على مستوى المنظومة الصحية
رغم التحديات الجسيمة، ارتقى اليوم القطاع الصحي في تونس إلى مرتبة جديدة بعد أن أصبح خيارا استراتيجيا ثابتا تتبنّاه الدولة في أعلى هرمها، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الحق في الصحة هو حق دستوري صرف، وأن المرفق الصحي العمومي يشكل اليوم أحد المفاتيح الأساسية للسيادة الوطنية وحماية كرامة المواطن.
فالقطاع الصحي، وكما يستشف اليوم من خطابات ومواقف رئيس الجمهورية قيس سعيد، أصبح مؤشّرا للعدالة الاجتماعية واختبارا حقيقيا لمدى قدرة الدولة على حماية مواطنيها وصون كرامتهم. ومن هذا المنطلق، تحتل المنظومة الصحية واجهة الأولويات باعتبارها استثمارا أساسيا في الإنسان وفي مستقبل الدولة برمّتها.
هذا التحول في المقاربات المعتمدة بتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيد أعاد ترتيب الأولويات وفتح الباب أمام توجه مغاير يقوم على إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي وتقليص الفوارق الجهوية وترميم الثقة بين المواطن والمرفق الصحي العمومي.
وهو ما يترجمه تحول لافت في السياسات العمومية المعتمدة في المجال الصحي، تقوم أساسا على إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي وتطوير بنيته التحتية، وتوفير التجهيزات الطبية الحديثة مع تثمين الكفاءات البشرية، هذا بالتوازي مع الانفتاح المدروس على الشراكات الدولية في إطار ما يعرف بالدبلوماسية الصحية.
من التشخيص إلى الإصلاح
أولى مؤشرات هذا التوجه تجلت عبر الدفع نحو تحديث التجهيزات الطبية بالمستشفيات الجهوية، التي ظلّت لسنوات طويلة تعاني من نقص في التجهيز وغياب للاستثمار، من خلال القطع مع سياسة الترقيع، والتأسيس لمسار إصلاحي يستند إلى إرادة سياسية ترى في إصلاح قطاع الصحة جزءا لا يتجزأ من معركة الدولة من أجل استعادة دورها الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة أن الفوارق الجهوية في النفاذ إلى الخدمات الصحية غير مقبولة، وأن العدالة الصحية تمرّ حتما عبر تجهيز المستشفيات الجهوية بالتقنيات الضرورية التي تمكّنها من أداء دورها العلاجي والتشخيصي بكفاءة.
وفي هذا السياق، تم توجيه الجهود نحو اقتناء أجهزة ومعدات تصوير طبي وأجهزة كشف متطورة، مع تجديد غرف العمليات، وتحديث أقسام الإنعاش والاستعجالي، إلى جانب تحسين منظومات التزويد بالأدوية والمستلزمات الطبية.
ليعكس تحديث التجهيزات الطبية بالمستشفيات الجهوية دلالات سياسية تتجاوز بعهدها الصحي لتؤكد أنه لا عدالة صحية دون مستشفى جهوي قادر على التشخيص والعلاج والتدخل في الوقت المناسب، وهو ما ساهم إلى حد ما في الضغط على المستشفيات الجامعية وإعادة التوازن إلى الخارطة الصحية الوطنية.
وفي إطار ترسيخ هذا الخيار حتى تكون المستشفيات الجهوية رافعة فعلية للعدالة الصحية وتقليص الفوارق بين الجهات، برزت الزيارات الميدانية التي قام بها رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى عدد من المستشفيات الجهوية والمحلية كأحد أبرز مؤشرات الانتقال من مستوى التشخيص إلى مستوى المتابعة واتخاذ القرار. فهذه الزيارات، التي غالبا ما تكون غير معلنة، تكون مرفوقة بقرارات عملية تتعلق بتسريع إنجاز سير المشاريع المعطلة أو توفير تجهيزات بصفة استعجالية أو إقرار انتدابات في صفوف أطباء الاختصاص. وهو ما يمنح هذه الجولات بعدا تنفيذيا لإعادة إدراج المستشفى العمومي في صدارة الاهتمام الفعلي للدولة.
من جانب آخر، فإن رهان الدولة على القطاع الصحي لا يقتصر فقط على الجانب المادي، وإنما يشمل إصلاحا هيكليا عميقا يطال الإدارة والتمويل والتصرّف في الموارد البشرية. فقد شدّد رئيس الدولة قيس سعيد على ضرورة وضع حد لنزيف هجرة الكفاءات الطبية من خلال تحسين ظروف عمل الإطارات الصحية، وردّ الاعتبار للطبيب والإطار شبه الطبي داخل المستشفى العمومي.
وتندرج هذه الرؤية ضمن تصور شامل. ومن هذا المنطلق، تتقدّم مسألة إعادة بناء الثقة بين المواطن والمرفق الصحي العمومي كأحد الأهداف المركزية لهذه السياسات.
شراكات دولية لدعم المنظومة
وبالتوازي مع هذه الجهود، اختارت تونس بتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيد الانفتاح على شراكات أجنبية نوعية في إطار دبلوماسية صحية نشطة، تقوم على تبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا والتكوين المستمر. وقد أسفرت هذه المقاربة عن إبرام اتفاقيات تعاون مع عدد من الدول والمؤسسات الدولية في مجالات دقيقة، من بينها جراحة القلب، وزراعة الأعضاء، والأورام، والطب الاستعجالي.
ولا تقتصر هذه الشراكات على الدعم المادي أو اللوجستي، وإنما تتجاوز لتشمل أبعادا استراتيجية على غرار برامج لتكوين الأطباء التونسيين، وتبادل البعثات الطبية، وإنجاز عمليات مشتركة داخل المستشفيات العمومية، وهو ما يعزز إشعاع المنظومة الصحية الوطنية، ويكرس موقع تونس كشريك موثوق في المجال الصحي إقليميا ودوليا.
وقد تعزز هذا الطرح من خلال الحضور اللافت لوزارة الصحة على الساحة الدولية، حيث اضطلع وزير الصحة بدور محوري في عدد من الملتقيات والمنتديات الإقليمية والدولية الملتئمة بالخارج، حاملا رؤية الدولة في أعلى هرمها والقائمة على جعل الصحة مجال تعاون وشراكة لا مجال تبعية أو حلول ظرفية.
وبالتوازي مع هذا الحراك الخارجي، فقد عقد وزير الصحة سلسلة من اللقاءات مع عدد من ممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدة خُصصت لبحث آفاق الشراكات الصحية وتطوير التعاون في مجالات دقيقة، بما يعزز من قدرة المنظومة الوطنية على الانفتاح على مختلف الشراكات الدولية.
وفي السياق ذاته، شكّل احتضان تونس للمنتدى الدولي للطبّ الإفريقي محطة مفصلية في مسار الدبلوماسية الصحية، حيث تجاوز هذا الحدث بعده الأكاديمي ليُرسّخ موقع تونس كمنصّة للحوار الطبي جنوب-جنوب ورافعة للإشعاع الصحي على المستويين الإفريقي والدولي، بما يعكس قدرة بلادنا على تحويل خبرتها الطبية إلى عنصر فاعل من عناصر إشعاعها الخارجي.
وتندرج هذه الجولات الخارجية والمنتديات الطبية الدولية التي التأمت في تونس مؤخرا ضمن رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي يشدد على اعتماد العمل المتعدد الأطراف كخيار استراتيجي في إدارة العلاقات الدولية. فوفقا لهذا التصور، لا تختزل الشراكات الصحية في مجرد اتفاقات ثنائية، وإنما تشكل في جوهرها مسار تعاون واسع يقوم على تبادل الخبرات وتوظيف المعرفة الطبية لخدمة المصالح الوطنية المشتركة. وبهذا التوجه، تتحول الدبلوماسية الصحية إلى امتداد مباشر لتوجه الدولة الهادف إلى تثبيت موقع تونس كشريك فاعل وحيوي داخل المنظومة الصحية الدولية وقادر على المساهمة في صياغة حلول جماعية للتحديات الصحية العابرة للحدود.
نجاحات طبية لافتة
في هذا الخصوص، تتجلى ثمار الجهود المبذولة لتحسين المنظومة الصحية العمومية اليوم في سلسلة من النجاحات الطبية البارزة التي تحقّقت داخل المستشفيات العمومية، حيث تحولت هذه المؤسسات إلى فضاءات لإنجاز تدخلات طبية دقيقة ومعقدة، بأياد تونسية خالصة وبتقنيات عالية. آخرها ما حققه مستشفى شارل نيكول الأسبوع الماضي بعد إنجاز أول عملية استئصال كلية بتقنية الجراحة الروبوتية على المستوى الوطني، وغيرها من النجاحات التي ساهمت في إشعاع صورة تونس في الخارج.
فقد شملت هذه النجاحات عمليات دقيقة في جراحة الأعصاب، والقلب والشرايين، وزراعة الكلى، والتدخلات الاستعجالية المعقدة، بما يعكس المستوى العالي للكفاءات الطبية التونسية وقدرتها على التميز رغم محدودية الإمكانيات، حيث أسهمت هذه الإنجازات في إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي وتعزيز ثقة المواطن في قدرته على تلقي علاج نوعي داخل القطاع العام.
في هذا الإطار، وفي قراءته لواقع المنظومة الصحية في تونس، أشار رئيس لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة بالبرلمان منصف معلول في تصريح لـ«الصباح» إلى أن ما تم رصده من ملاحظات خلال مختلف الزيارات الميدانية التي قامت بها اللجنة أسفر عن ملامسة تحسن في واقع حال المنظومة الصحية. وهو تحسن لامسه حتى المواطن الذي أبدى رضا على الخدمات الصحية مقارنة بما كان عليه الوضع منذ سنوات. وفسر محدثنا أن هذا التحسن، حتى وإن كان نسقه بطيئا ويختلف من جهة إلى أخرى، إلا أنه يعكس في جوهره مختلف الجهود الرامية إلى تطوير المنظومة الصحية، لا سيما على مستوى الرقمنة وتوفير عدد من التجهيزات في المستشفيات الجهوية، مشيرا إلى أن كل المؤشرات تعكس أن الجهود تسير في اتجاهها الصحيح حتى يتسنى بلوغ الثورة المنشودة في المجال الصحي.
سيادة صحية
في هذا السياق، يرى متابعون للشأن العام أن ما تحقق في قطاع الصحة خلال الفترة الأخيرة لا يمكن فصله عن توجه سياسي عام يضع المواطن في قلب السياسات العمومية ويعتبر أن السيادة لا تقاس بحجم المؤشرات الاقتصادية، بل أيضا بمدى قدرة الدولة على حماية صحة مواطنيها وضمان كرامتهم. ومن هذا المنطلق، يشكّل النهوض بالقطاع الصحي أحد تجليات السيادة الوطنية في معناها الشامل.
واليوم تدرك الدولة جيدا أن القطاع الصحي الذي صنف لسنوات على أنه «الرجل المريض»، قد أنهكته المحسوبية والإخلالات وكل مظاهر الفساد. «واليوم اختارت الدولة بتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيد أن يستعيد ذلك الرجل عافيته» وأن تخوض معركة إصلاح المنظومة الصحية من موقع الإرادة ومن منطلق العدالة، واضعة نصب أعينها هدفا واضحا: بناء قطاع صحي عمومي قوي، عادل، ومشع، وخاصة قادر على مجابهة التحديات واستعادة مكانته كأحد أعمدة الدولة الاجتماعية.v
منال حرزي
-رئيس لجنة الصحة لـ«الصباح»: هنالك تحسن على مستوى المنظومة الصحية
رغم التحديات الجسيمة، ارتقى اليوم القطاع الصحي في تونس إلى مرتبة جديدة بعد أن أصبح خيارا استراتيجيا ثابتا تتبنّاه الدولة في أعلى هرمها، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الحق في الصحة هو حق دستوري صرف، وأن المرفق الصحي العمومي يشكل اليوم أحد المفاتيح الأساسية للسيادة الوطنية وحماية كرامة المواطن.
فالقطاع الصحي، وكما يستشف اليوم من خطابات ومواقف رئيس الجمهورية قيس سعيد، أصبح مؤشّرا للعدالة الاجتماعية واختبارا حقيقيا لمدى قدرة الدولة على حماية مواطنيها وصون كرامتهم. ومن هذا المنطلق، تحتل المنظومة الصحية واجهة الأولويات باعتبارها استثمارا أساسيا في الإنسان وفي مستقبل الدولة برمّتها.
هذا التحول في المقاربات المعتمدة بتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيد أعاد ترتيب الأولويات وفتح الباب أمام توجه مغاير يقوم على إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي وتقليص الفوارق الجهوية وترميم الثقة بين المواطن والمرفق الصحي العمومي.
وهو ما يترجمه تحول لافت في السياسات العمومية المعتمدة في المجال الصحي، تقوم أساسا على إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي وتطوير بنيته التحتية، وتوفير التجهيزات الطبية الحديثة مع تثمين الكفاءات البشرية، هذا بالتوازي مع الانفتاح المدروس على الشراكات الدولية في إطار ما يعرف بالدبلوماسية الصحية.
من التشخيص إلى الإصلاح
أولى مؤشرات هذا التوجه تجلت عبر الدفع نحو تحديث التجهيزات الطبية بالمستشفيات الجهوية، التي ظلّت لسنوات طويلة تعاني من نقص في التجهيز وغياب للاستثمار، من خلال القطع مع سياسة الترقيع، والتأسيس لمسار إصلاحي يستند إلى إرادة سياسية ترى في إصلاح قطاع الصحة جزءا لا يتجزأ من معركة الدولة من أجل استعادة دورها الاجتماعي.
وفي هذا الإطار، أكد رئيس الجمهورية قيس سعيد في أكثر من مناسبة أن الفوارق الجهوية في النفاذ إلى الخدمات الصحية غير مقبولة، وأن العدالة الصحية تمرّ حتما عبر تجهيز المستشفيات الجهوية بالتقنيات الضرورية التي تمكّنها من أداء دورها العلاجي والتشخيصي بكفاءة.
وفي هذا السياق، تم توجيه الجهود نحو اقتناء أجهزة ومعدات تصوير طبي وأجهزة كشف متطورة، مع تجديد غرف العمليات، وتحديث أقسام الإنعاش والاستعجالي، إلى جانب تحسين منظومات التزويد بالأدوية والمستلزمات الطبية.
ليعكس تحديث التجهيزات الطبية بالمستشفيات الجهوية دلالات سياسية تتجاوز بعهدها الصحي لتؤكد أنه لا عدالة صحية دون مستشفى جهوي قادر على التشخيص والعلاج والتدخل في الوقت المناسب، وهو ما ساهم إلى حد ما في الضغط على المستشفيات الجامعية وإعادة التوازن إلى الخارطة الصحية الوطنية.
وفي إطار ترسيخ هذا الخيار حتى تكون المستشفيات الجهوية رافعة فعلية للعدالة الصحية وتقليص الفوارق بين الجهات، برزت الزيارات الميدانية التي قام بها رئيس الجمهورية قيس سعيد إلى عدد من المستشفيات الجهوية والمحلية كأحد أبرز مؤشرات الانتقال من مستوى التشخيص إلى مستوى المتابعة واتخاذ القرار. فهذه الزيارات، التي غالبا ما تكون غير معلنة، تكون مرفوقة بقرارات عملية تتعلق بتسريع إنجاز سير المشاريع المعطلة أو توفير تجهيزات بصفة استعجالية أو إقرار انتدابات في صفوف أطباء الاختصاص. وهو ما يمنح هذه الجولات بعدا تنفيذيا لإعادة إدراج المستشفى العمومي في صدارة الاهتمام الفعلي للدولة.
من جانب آخر، فإن رهان الدولة على القطاع الصحي لا يقتصر فقط على الجانب المادي، وإنما يشمل إصلاحا هيكليا عميقا يطال الإدارة والتمويل والتصرّف في الموارد البشرية. فقد شدّد رئيس الدولة قيس سعيد على ضرورة وضع حد لنزيف هجرة الكفاءات الطبية من خلال تحسين ظروف عمل الإطارات الصحية، وردّ الاعتبار للطبيب والإطار شبه الطبي داخل المستشفى العمومي.
وتندرج هذه الرؤية ضمن تصور شامل. ومن هذا المنطلق، تتقدّم مسألة إعادة بناء الثقة بين المواطن والمرفق الصحي العمومي كأحد الأهداف المركزية لهذه السياسات.
شراكات دولية لدعم المنظومة
وبالتوازي مع هذه الجهود، اختارت تونس بتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيد الانفتاح على شراكات أجنبية نوعية في إطار دبلوماسية صحية نشطة، تقوم على تبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا والتكوين المستمر. وقد أسفرت هذه المقاربة عن إبرام اتفاقيات تعاون مع عدد من الدول والمؤسسات الدولية في مجالات دقيقة، من بينها جراحة القلب، وزراعة الأعضاء، والأورام، والطب الاستعجالي.
ولا تقتصر هذه الشراكات على الدعم المادي أو اللوجستي، وإنما تتجاوز لتشمل أبعادا استراتيجية على غرار برامج لتكوين الأطباء التونسيين، وتبادل البعثات الطبية، وإنجاز عمليات مشتركة داخل المستشفيات العمومية، وهو ما يعزز إشعاع المنظومة الصحية الوطنية، ويكرس موقع تونس كشريك موثوق في المجال الصحي إقليميا ودوليا.
وقد تعزز هذا الطرح من خلال الحضور اللافت لوزارة الصحة على الساحة الدولية، حيث اضطلع وزير الصحة بدور محوري في عدد من الملتقيات والمنتديات الإقليمية والدولية الملتئمة بالخارج، حاملا رؤية الدولة في أعلى هرمها والقائمة على جعل الصحة مجال تعاون وشراكة لا مجال تبعية أو حلول ظرفية.
وبالتوازي مع هذا الحراك الخارجي، فقد عقد وزير الصحة سلسلة من اللقاءات مع عدد من ممثلي البعثات الدبلوماسية المعتمدة خُصصت لبحث آفاق الشراكات الصحية وتطوير التعاون في مجالات دقيقة، بما يعزز من قدرة المنظومة الوطنية على الانفتاح على مختلف الشراكات الدولية.
وفي السياق ذاته، شكّل احتضان تونس للمنتدى الدولي للطبّ الإفريقي محطة مفصلية في مسار الدبلوماسية الصحية، حيث تجاوز هذا الحدث بعده الأكاديمي ليُرسّخ موقع تونس كمنصّة للحوار الطبي جنوب-جنوب ورافعة للإشعاع الصحي على المستويين الإفريقي والدولي، بما يعكس قدرة بلادنا على تحويل خبرتها الطبية إلى عنصر فاعل من عناصر إشعاعها الخارجي.
وتندرج هذه الجولات الخارجية والمنتديات الطبية الدولية التي التأمت في تونس مؤخرا ضمن رؤية رئيس الجمهورية قيس سعيد الذي يشدد على اعتماد العمل المتعدد الأطراف كخيار استراتيجي في إدارة العلاقات الدولية. فوفقا لهذا التصور، لا تختزل الشراكات الصحية في مجرد اتفاقات ثنائية، وإنما تشكل في جوهرها مسار تعاون واسع يقوم على تبادل الخبرات وتوظيف المعرفة الطبية لخدمة المصالح الوطنية المشتركة. وبهذا التوجه، تتحول الدبلوماسية الصحية إلى امتداد مباشر لتوجه الدولة الهادف إلى تثبيت موقع تونس كشريك فاعل وحيوي داخل المنظومة الصحية الدولية وقادر على المساهمة في صياغة حلول جماعية للتحديات الصحية العابرة للحدود.
نجاحات طبية لافتة
في هذا الخصوص، تتجلى ثمار الجهود المبذولة لتحسين المنظومة الصحية العمومية اليوم في سلسلة من النجاحات الطبية البارزة التي تحقّقت داخل المستشفيات العمومية، حيث تحولت هذه المؤسسات إلى فضاءات لإنجاز تدخلات طبية دقيقة ومعقدة، بأياد تونسية خالصة وبتقنيات عالية. آخرها ما حققه مستشفى شارل نيكول الأسبوع الماضي بعد إنجاز أول عملية استئصال كلية بتقنية الجراحة الروبوتية على المستوى الوطني، وغيرها من النجاحات التي ساهمت في إشعاع صورة تونس في الخارج.
فقد شملت هذه النجاحات عمليات دقيقة في جراحة الأعصاب، والقلب والشرايين، وزراعة الكلى، والتدخلات الاستعجالية المعقدة، بما يعكس المستوى العالي للكفاءات الطبية التونسية وقدرتها على التميز رغم محدودية الإمكانيات، حيث أسهمت هذه الإنجازات في إعادة الاعتبار للمستشفى العمومي وتعزيز ثقة المواطن في قدرته على تلقي علاج نوعي داخل القطاع العام.
في هذا الإطار، وفي قراءته لواقع المنظومة الصحية في تونس، أشار رئيس لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة بالبرلمان منصف معلول في تصريح لـ«الصباح» إلى أن ما تم رصده من ملاحظات خلال مختلف الزيارات الميدانية التي قامت بها اللجنة أسفر عن ملامسة تحسن في واقع حال المنظومة الصحية. وهو تحسن لامسه حتى المواطن الذي أبدى رضا على الخدمات الصحية مقارنة بما كان عليه الوضع منذ سنوات. وفسر محدثنا أن هذا التحسن، حتى وإن كان نسقه بطيئا ويختلف من جهة إلى أخرى، إلا أنه يعكس في جوهره مختلف الجهود الرامية إلى تطوير المنظومة الصحية، لا سيما على مستوى الرقمنة وتوفير عدد من التجهيزات في المستشفيات الجهوية، مشيرا إلى أن كل المؤشرات تعكس أن الجهود تسير في اتجاهها الصحيح حتى يتسنى بلوغ الثورة المنشودة في المجال الصحي.
سيادة صحية
في هذا السياق، يرى متابعون للشأن العام أن ما تحقق في قطاع الصحة خلال الفترة الأخيرة لا يمكن فصله عن توجه سياسي عام يضع المواطن في قلب السياسات العمومية ويعتبر أن السيادة لا تقاس بحجم المؤشرات الاقتصادية، بل أيضا بمدى قدرة الدولة على حماية صحة مواطنيها وضمان كرامتهم. ومن هذا المنطلق، يشكّل النهوض بالقطاع الصحي أحد تجليات السيادة الوطنية في معناها الشامل.
واليوم تدرك الدولة جيدا أن القطاع الصحي الذي صنف لسنوات على أنه «الرجل المريض»، قد أنهكته المحسوبية والإخلالات وكل مظاهر الفساد. «واليوم اختارت الدولة بتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيد أن يستعيد ذلك الرجل عافيته» وأن تخوض معركة إصلاح المنظومة الصحية من موقع الإرادة ومن منطلق العدالة، واضعة نصب أعينها هدفا واضحا: بناء قطاع صحي عمومي قوي، عادل، ومشع، وخاصة قادر على مجابهة التحديات واستعادة مكانته كأحد أعمدة الدولة الاجتماعية.v