إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

في «يوم الدبلوماسية من أجل زيت الزيتون التونسي».. وزير الخارجية: الآلة الدبلوماسية تجندت لتثبيت زيت الزيتون في الأسواق التقليدية وولوج أسواق جديدة

-وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري: تونس تطرح رؤية لهذا القطاع تقوم على ثلاثة محاور

-وزير التجارة: بلادنا تحتل اليوم موقعا رياديا على الصعيد العالمي في قطاع زيت الزيتون

من جذور ضاربة في عمق التاريخ والهوية، وبعيدا عن الأطر والقنوات الرسمية التقليدية، اختارت الدبلوماسية التونسية أن تجعل من شجرة الزيتون سفيرة لها تحمل هوية البلاد وإشعاعها إلى العالم.

وقد تعزز هذا التوجه صباح أمس خلال الندوة الصحفية التي نظمتها وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج بمقر الأكاديمية الدبلوماسية الدولية تحت شعار «يوم الدبلوماسية من أجل زيت الزيتون التونسي»، وذلك بحضور وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي، الى جانب كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد بن عياد، ووزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ، ووزير التجارة وتنمية الصادرات سمير عبيد، بالإضافة إلى ممثلي مختلف البعثات الدبلوماسية في بلادنا.

وقد كرست هذه التظاهرة التي تلتئم لأول مرة رسالة واضحة مفادها أن زيت الزيتون ليس مجرد منتج فلاحي، بل هو عنوان هوية، وجسر تواصل حضاري، وأداة دبلوماسية ناعمة تحمل في قطرتها تاريخ تونس وملامح أرضها. واليوم يُوظّف هذا المنتج كرافعة للإشعاع الاقتصادي والثقافي لتونس في الخارج، فاتحا بذلك محطة دبلوماسية جديدة يُقدّم فيها زيت الزيتون كسفير للاقتصاد الوطني. ليتحول اللقاء إلى منصّة للترويج للزيت التونسي في الأسواق الخارجية، والتعريف بمزاياه التنافسية وجودته وفرص تثمينه خارج قنوات التصدير التقليدية، ضمن رؤية ترتكز على الدبلوماسية الاقتصادية وتنويع الشراكات والانفتاح على أسواق جديدة.

وقد استُهل اللقاء على وقع أنغام النشيد الوطني بما يحمله من دلالات للسيادة والانتماء. وتولى افتتاحه وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي، الذي رسمت مداخلته توجها عمليا يجعل من الترويج لزيت الزيتون التونسي ودعم إشعاعه الخارجي مهمة دبلوماسية مناطة في عهدة رؤساء البعثات الحاضرة.

وفي هذا السياق، ثمن وزير الخارجية أهمية هذا اللقاء الذي يتزامن مع توديع سنة إدارية ودبلوماسية حافلة بالأنشطة التي تهدف إلى إضفاء طابع حيوي وديناميكية متجددة على العمل الدبلوماسي المشترك، بتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيد، موضحًا أنها ديناميكية يطمح من خلالها أن تكون متفاعلة مع التحديات الماثلة أمامنا وقادرة على إيجاد الحلول الملائمة، من أجل دبلوماسية تشاركية تقوم على المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل.

وتوجه وزير الخارجية إلى الحضور قائلا: «اخترنا اليوم أن نحظى بشرف حضوركم لكي نبرز المكانة التي يمثلها منتج زيت الزيتون التونسي في سياستنا الخارجية ودبلوماسيتنا الاقتصادية والثقافية على مدى عقود خلت.

فهذه الشجرة التي حبا الله بها أرض تونس، لتظل على الدوام خضراء، وأضاءت أنهج مدنها وأزقتها بزيتها الذهبي منذ القدم. زيت احتراف التونسيون منذ آلاف السنين إنتاجه، وتداولت أجيال تلو أجيال تطويره وتجويده، حتى أصبح جزءا لا يتجزأ، ليس فقط من منظومتنا الفلاحية والاقتصادية، بل من موروثنا وتقاليدنا وهويتنا. وارتبطت بالزيتونة وزيتها ممارسات وتقاليد روحانية وغذائية وصحية وطبية وجمالية ميزت شخصية التونسيين وقرنت تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم بهذه الشجرة المباركة.»

وأشار وزير الخارجية إلى أن زيت الزيتون التونسي الذي نتشاركه مع شعوب العالم، وليصبح أحد ركائز اقتصادنا الوطني، قد نفذ إلى أكثر من ستين دولة بجودة بيولوجية مشهود لها. مضيفا أنه يؤكد صواب خيار شعبنا في الاستثمار في هذا المنتج منذ عصور ما قبل الميلاد.

فمنذ أكثر من 2500 سنة، تقف زيتونة «الشرف» شامخة بين منطقة الهوارية ودار علوش في الوطن القبلي، شاهدة على عراقة هذا المنتج في الفضاء المتوسطي، وقدرته الفائقة على الصمود في أزمنة الخصب والجدب على حد السواء.

وفسّر وزير الخارجية أن تونس التي قدمت للإنسانية أول موسوعة فلاحية خطّها ماغون القرطاجي كدلالة على علو كعب التونسيين منذ القدم في الفلاحة وعلومها، وهي التي تعلقها بشجرة الزيتون، وهبت اسم الزيتونة لجامعها الكبير ومنارتها العلمية ورمزها في الاعتدال والوسطية، تحتل اليوم المراتب الأولى عالميا في عدد أشجار الزيتون بما يزيد عن مائة مليون شجرة زيتون على مساحة تناهز المليوني هكتار، كما تتبوأ المراتب الأولى في كميات الإنتاج وجودة المنتج، حيث يحصد زيتها عشرات الميداليات الذهبية في مختلف المسابقات العالمية المرموقة.

تجنيد الآلة الدبلوماسية

ليكشف في هذا الصدد أن الآلة الدبلوماسية التونسية قد تجندت عبر ممثلياتنا بالخارج لمزيد التعريف بمنتجنا، ولتمهيد الطريق لأصحاب المهنة ولكافة المتدخلين لتثبيت هذا المنتج الوطني في الأسواق التقليدية وولوج أسواق جديدة في سائر بقاع العالم. مبينا أن كافة طواقمنا الدبلوماسية وتمثيلياتنا التجارية قد اكتسبت خبرة في الترويج لهذا المنتج الذهبي وغيره من المنتجات التونسية الأصيلة.

ولم يتغافل وزير الخارجية عن الدور الموكول للجالية التونسية بالخارج، التي مثلت حاضنة لهذا المنتج التونسي خارج أرض الوطن، متوجها في هذا الإطار نفسه بتحية تقدير واحترام خاص إلى فئة الكادحات المزارعات المناضلات الصامدات، الراسخات في الأرض كأشجار الزيتون، من أجل أن تبقى هذه الشجرة المباركة منتجة، ويعم خيرها على هذا الوطن العزيز.

من جانب آخر، عبّر وزير الخارجية خلال كلمته عن أمله في أن يصبح «يوم الدبلوماسية من أجل زيت الزيتون»، الذي ينتظم للمرة الأولى، تظاهرة سنوية للاحتفاء بهذا المنتج في كافة أبعاده كأساس من أسس الهوية التونسية، وليجسد تضافر الجهد الوطني لتثمينه والرقي به كرافعة للاقتصاد الوطني.

مشيرا إلى أن المراد بالشراكة مع مختلف الأطراف الوطنية هو أن يكون يوم أمس مزيجا من عبق التاريخ وروح العصر، في إشارة إلى العديد من التظاهرات التي تلتئم على هامش الندوة الصحفية، مثل المعرض للوحات التشكيلية الأصلية من الرصيد الوطني والتي يتعلق موضوعها بشجرة الزيتون، بالإضافة إلى معرض المصدرين المتوجين وطنيًا ودوليًا في أكبر المسابقات العالمية.

ليخلص وزير الخارجية في ختام كلمته إلى تثمين جهود كل من ساهموا في إنجاح هذه التظاهرة، لا سيما مصالح وزارة الفلاحة والصيد البحري والموارد المائية، ووزارة الأسرة والمرأة وكبار السن، ووزارة الشؤون الثقافية، قائلا: «عاشت تونس بلد الزيتونة، لا شرقية ولا غربية، يضيء زيتها درب التونسيين نحو مستقبل أفضل».

من جهة أخرى، وفي كلمته التي ألقاها بالمناسبة، أشار وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ إلى أن الاحتفاء بـ»اليوم الدبلوماسي من أجل زيت الزيتون التونسي» هو احتفاء بأحد أعرق رموز الهوية التونسية وأكثرها حيوية في اقتصادنا الوطني. متوجها إلى الحضور بالقول إن تواجدهم يتجاوز كونه مجرد مناسبة بروتوكولية، ليمثل تأكيدا على أن هذا القطاع يمثل جسرا للدبلوماسية الاقتصادية والتعاون المشترك.

وأشار في هذا الإطار إلى أن تونس اليوم تطرح رؤية جديدة لهذا القطاع، تقوم على ثلاث ركائز أساسية:

أولا: الجودة كمعيار دولي. فتونس لم تعد تكتفي بكونها ثاني منتج عالمي في المواسم القياسية، بل هي اليوم الرائدة عالميًا في إنتاج زيت الزيتون البيولوجي (Organic).

مخاطبا مختلف رؤساء البعثات الدبلوماسية ببلادنا: «نحن نوجه رسالة من خلالكم إلى أسواقكم: الزيت التونسي هو منتج صحي، مستدام، ومطابق لأرفع المعايير الدولية. وقد حصدت تونس هذا العام وحده مئات الميداليات الذهبية في مسابقات الجودة من طوكيو إلى نيويورك.»

ثانيا: الجهود منحصرة في مستوى ثان على تنفيذ إجراءات «ثورية» لدعم تصدير الزيت المعلب. وبالتالي، فإننا ندعوكم وكافة المستثمرين من بلدانكم إلى الانخراط في شراكات صناعية وتجارية. فتونس توفر الآن حوافز جبائية ولوجستية غير مسبوقة (تصل إلى دعم 70 % من تكاليف النقل الجوي للمنتجات المعلبة) لتسهيل وصول علاماتنا التجارية إلى موائد المستهلكين في كافة أنحاء العالم.

ثالثا: زيت الزيتون يمثل أداة للصمود المناخي في ظل التحديات المناخية التي يواجهها حوض المتوسط. وبالتالي، تمثل غابات الزيتون في تونس (أكثر من 100 مليون شجرة) سدا منيعا ضد التصحر ورئة خضراء للمنطقة. ليقول وزير الفلاحة في هذا الصدد: «نحن نفتح أبواب التعاون الفني والبحث العلمي مع بلدانكم لتبادل الخبرات في مجال الري الذكي وتطوير الأصناف المقاومة للجفاف».

وأضاف وزير الفلاحة في نفس الإطار أن تونس، في ظل قيادة رئيس الجمهورية قيس سعيد، أولت عناية خاصة لقطاع الزيتون وزيت الزيتون، من خلال تطوير المساحات المغروسة، وتحسين الإنتاجية والجودة، وتشجيع التحويل والتصدير، مع الحرص على مطابقة المعايير الدولية المعتمدة، والعمل باستمرار على دعم الفلاحين والمنتجين، وتعزيز البحث العلمي، واعتماد الممارسات الفلاحية.

الدبلوماسية أداة لدعم المبادلات التجارية

اللقاء شهد أيضا مداخلة لوزير التجارة وتنمية الصادرات سمير عبيد، أشار من خلالها إلى أن تظاهرة أمس تجسد رؤية مبتكرة تجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية وتثمين أحد أبرز رموز الهوية والاقتصاد والغذاء في بلادنا، ألا وهو زيت الزيتون. موضحا أن اختيار هذا العنوان لم يكن اختيارا رمزيا فحسب، بل هو تعبير عن قناعة راسخة بأن الدبلوماسية الحديثة لم تعد تقتصر على العلاقات السياسية التقليدية، بل أصبحت أداة فاعلة لدعم المبادلات التجارية، والترويج للمنتجات ذات القيمة المضافة، وبناء شراكات اقتصادية مستدامة، خاصة في ظرف دولي تتزايد فيه أهمية الغذاء الصحي والآمن والمستدام. مضيفا أن زيت الزيتون في تونس ليس مجرد منتج فلاحي أو سلعة تجارية، بل هو جزء أصيل من تاريخنا الممتد لآلاف السنين، ومن ثقافتنا المتوسطية، ومن نمط عيشنا الغذائي والصحي. وهو قبل أن يكون موجّها للأسواق، يمثل مساهمة تونسية حقيقية في دعم الصحة العالمية وفي ترسيخ أنماط استهلاك أكثر توازنا واستدامة.

موقع ريادي لتونس

وأوضح وزير التجارة على هامش مداخلته أن تونس تحتل اليوم موقعا رياديا على الصعيد العالمي في قطاع زيت الزيتون، فهي من بين أكبر البلدان المنتجة، وغالبا ما تتصدر المراتب الأولى حسب المواسم. كما تُعد من أبرز الدول المصدّرة، إذ احتلت المرتبة الرابعة عالميًا سنة 2024 بحصة فاقت عشرة بالمائة من السوق العالمية، ونجحت في النفاذ إلى أكثر من ستين سوقًا عبر مختلف القارات، مع تحقيق نسق تطور في الصادرات ناهز
16 % خلال السنوات الخمس الأخيرة.

ويعود هذا الأداء حسب وزير التجارة إلى قدرة القطاع على التكيّف مع تقلبات الأسواق العالمية والتحديات المناخية، بفضل خبرة المنتجين، وتراكم المعرفة، وتحسن منظومات الجودة، والتعليب، والتسويق. مبينا أن قطاع زيت الزيتون قد شهد خلال السنوات الأخيرة تحولا نوعيا لافتا، تجلّى في تطوير قدرات التحويل والتعليب محليا، وتعزيز منظومات التتبع والامتثال للمعايير الدولية، وتنويع الأسواق، إلى جانب دعم حضور العلامة التونسية في الأسواق ذات القيمة العالية.

وأضاف أن الأهم من الأرقام والمؤشرات، وفقا للوزير، هو هذا التحول العميق من التصدير القائم على الكم إلى التصدير القائم على القيمة، ومن منتج خام إلى علامة تونسية معروفة وموثوقة عالميا، تحظى بثقة المستهلكين والمهنيين لما تتمتع به من جودة طبيعية عالية، وقيمة غذائية وصحية مؤكدة، ونسبة هامة من الإنتاج البيولوجي، واحترام صارم لمعايير السلامة والجودة والتتبع.

وفي الإطار نفسه، اعتبر وزير التجارة أن هذه التظاهرة تنعقد في سياق دولي دقيق يتسم بتكرار الأزمات الغذائية، واضطراب سلاسل التزويد، وتفاقم آثار التغيرات المناخية، إلى جانب تصاعد التحديات الجيوسياسية. وفي المقابل، بارتفاع الطلب العالمي على الأغذية الصحية وتزايد وعي المستهلك بأهمية الغذاء الآمن والمستدام. وفي هذا الإطار، يقدّم زيت الزيتون التونسي إجابة عملية وموثوقة لهذه التحديات، باعتباره منتجا طبيعيا، مستداما بيئيا، ذا جودة ثابتة، ومتوفّرا بكميات مستقرة، وقادرا على تلبية الطلب المتزايد لأسواق متنوعة في مختلف أنحاء العالم. موضحا أن تنظيم «يوم الدبلوماسية من أجل زيت الزيتون التونسي» يعكس إرادة واضحة لجعل الدبلوماسية شريكا حقيقيا في تثمين هذا المنتج الاستراتيجي، سواء من خلال التعريف بخصوصياته في بلدان الاعتماد، أو تسهيل نفاذه إلى الأسواق، أو دعم المبادرات المشتركة في مجالات الترويج، والاستثمار، وبناء الشراكات. داعيا ممثلي البعثات الدبلوماسية ليكونوا سفراء حقيقيين لزيت الزيتون التونسي، ووسائل الإعلام الدولية لنقل قصته باعتباره منتجا يجمع بين الأصالة والمعايير العالمية، وإلى المستوردين والمستهلكين حول العالم لاختيار زيت زيتون تونسي يعكس ثقة متبادلة وشراكة مستدامة.

ليؤكد وزير التجارة في ختام كلمته على أن الدولة التونسية، ووزارة التجارة وتنمية الصادرات، ومركز النهوض بالصادرات، يضعون قطاع زيت الزيتون في صميم استراتيجياتهم الوطنية والمجهودات التي يقومون بها في كل العالم، من خلال تحسين النفاذ إلى الأسواق، ودعم المنتجين والمصدّرين، وتعزيز الشفافية والجودة، وتطوير الشراكات مع مختلف الفاعلين الدوليين، بما يجعل من زيت الزيتون التونسي عنصرا فاعلا في الدبلوماسية الاقتصادية والغذائية لبلادنا، وسيكون ذلك وفقًا لبرنامج ترويجي يعتمد بالخصوص على وجهات جديدة مثل آسيا وأمريكا الجنوبية وإفريقيا.

تجدر الإشارة إلى أن «يوم الدبلوماسية من أجل زيت الزيتون التونسي» كان مزيجا من مداخلات رسمية وأخرى تقنية، تولى تأمينها عدد من الخبراء الحاضرين، تمحورت أساسا حول خصائص زيت الزيتون وجودته ومختلف أنواعه التي تحظى جميعها بجودة عالية. فيما تحولت باحة الأكاديمية إلى معرض للوحات زيتية تروي خصوصية شجرة الزيتون وعراقتها على مدار التاريخ. أما الفضاء الخارجي للأكاديمية فقد شهد حصة تذوق لزيت الزيتون التونسي ولمنتجات غذائية مستخرجة منه. لتكون هذه التظاهرة الدبلوماسية، التي تعتبر الأخيرة في سنة 2025، بمثابة عودة إلى الجذور عبر زيت الزيتون، مؤكدة عراقة هذا المنتج الوطني ونجاحه في لعب دور مزدوج كسفير ثقافي واقتصادي في العالم.

منال حرزي

في «يوم الدبلوماسية من أجل زيت الزيتون التونسي»..   وزير الخارجية: الآلة الدبلوماسية تجندت لتثبيت زيت الزيتون في الأسواق التقليدية وولوج أسواق جديدة

-وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري: تونس تطرح رؤية لهذا القطاع تقوم على ثلاثة محاور

-وزير التجارة: بلادنا تحتل اليوم موقعا رياديا على الصعيد العالمي في قطاع زيت الزيتون

من جذور ضاربة في عمق التاريخ والهوية، وبعيدا عن الأطر والقنوات الرسمية التقليدية، اختارت الدبلوماسية التونسية أن تجعل من شجرة الزيتون سفيرة لها تحمل هوية البلاد وإشعاعها إلى العالم.

وقد تعزز هذا التوجه صباح أمس خلال الندوة الصحفية التي نظمتها وزارة الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج بمقر الأكاديمية الدبلوماسية الدولية تحت شعار «يوم الدبلوماسية من أجل زيت الزيتون التونسي»، وذلك بحضور وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي، الى جانب كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد بن عياد، ووزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ، ووزير التجارة وتنمية الصادرات سمير عبيد، بالإضافة إلى ممثلي مختلف البعثات الدبلوماسية في بلادنا.

وقد كرست هذه التظاهرة التي تلتئم لأول مرة رسالة واضحة مفادها أن زيت الزيتون ليس مجرد منتج فلاحي، بل هو عنوان هوية، وجسر تواصل حضاري، وأداة دبلوماسية ناعمة تحمل في قطرتها تاريخ تونس وملامح أرضها. واليوم يُوظّف هذا المنتج كرافعة للإشعاع الاقتصادي والثقافي لتونس في الخارج، فاتحا بذلك محطة دبلوماسية جديدة يُقدّم فيها زيت الزيتون كسفير للاقتصاد الوطني. ليتحول اللقاء إلى منصّة للترويج للزيت التونسي في الأسواق الخارجية، والتعريف بمزاياه التنافسية وجودته وفرص تثمينه خارج قنوات التصدير التقليدية، ضمن رؤية ترتكز على الدبلوماسية الاقتصادية وتنويع الشراكات والانفتاح على أسواق جديدة.

وقد استُهل اللقاء على وقع أنغام النشيد الوطني بما يحمله من دلالات للسيادة والانتماء. وتولى افتتاحه وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج محمد علي النفطي، الذي رسمت مداخلته توجها عمليا يجعل من الترويج لزيت الزيتون التونسي ودعم إشعاعه الخارجي مهمة دبلوماسية مناطة في عهدة رؤساء البعثات الحاضرة.

وفي هذا السياق، ثمن وزير الخارجية أهمية هذا اللقاء الذي يتزامن مع توديع سنة إدارية ودبلوماسية حافلة بالأنشطة التي تهدف إلى إضفاء طابع حيوي وديناميكية متجددة على العمل الدبلوماسي المشترك، بتوجيهات من رئيس الجمهورية قيس سعيد، موضحًا أنها ديناميكية يطمح من خلالها أن تكون متفاعلة مع التحديات الماثلة أمامنا وقادرة على إيجاد الحلول الملائمة، من أجل دبلوماسية تشاركية تقوم على المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل.

وتوجه وزير الخارجية إلى الحضور قائلا: «اخترنا اليوم أن نحظى بشرف حضوركم لكي نبرز المكانة التي يمثلها منتج زيت الزيتون التونسي في سياستنا الخارجية ودبلوماسيتنا الاقتصادية والثقافية على مدى عقود خلت.

فهذه الشجرة التي حبا الله بها أرض تونس، لتظل على الدوام خضراء، وأضاءت أنهج مدنها وأزقتها بزيتها الذهبي منذ القدم. زيت احتراف التونسيون منذ آلاف السنين إنتاجه، وتداولت أجيال تلو أجيال تطويره وتجويده، حتى أصبح جزءا لا يتجزأ، ليس فقط من منظومتنا الفلاحية والاقتصادية، بل من موروثنا وتقاليدنا وهويتنا. وارتبطت بالزيتونة وزيتها ممارسات وتقاليد روحانية وغذائية وصحية وطبية وجمالية ميزت شخصية التونسيين وقرنت تاريخهم وحاضرهم ومستقبلهم بهذه الشجرة المباركة.»

وأشار وزير الخارجية إلى أن زيت الزيتون التونسي الذي نتشاركه مع شعوب العالم، وليصبح أحد ركائز اقتصادنا الوطني، قد نفذ إلى أكثر من ستين دولة بجودة بيولوجية مشهود لها. مضيفا أنه يؤكد صواب خيار شعبنا في الاستثمار في هذا المنتج منذ عصور ما قبل الميلاد.

فمنذ أكثر من 2500 سنة، تقف زيتونة «الشرف» شامخة بين منطقة الهوارية ودار علوش في الوطن القبلي، شاهدة على عراقة هذا المنتج في الفضاء المتوسطي، وقدرته الفائقة على الصمود في أزمنة الخصب والجدب على حد السواء.

وفسّر وزير الخارجية أن تونس التي قدمت للإنسانية أول موسوعة فلاحية خطّها ماغون القرطاجي كدلالة على علو كعب التونسيين منذ القدم في الفلاحة وعلومها، وهي التي تعلقها بشجرة الزيتون، وهبت اسم الزيتونة لجامعها الكبير ومنارتها العلمية ورمزها في الاعتدال والوسطية، تحتل اليوم المراتب الأولى عالميا في عدد أشجار الزيتون بما يزيد عن مائة مليون شجرة زيتون على مساحة تناهز المليوني هكتار، كما تتبوأ المراتب الأولى في كميات الإنتاج وجودة المنتج، حيث يحصد زيتها عشرات الميداليات الذهبية في مختلف المسابقات العالمية المرموقة.

تجنيد الآلة الدبلوماسية

ليكشف في هذا الصدد أن الآلة الدبلوماسية التونسية قد تجندت عبر ممثلياتنا بالخارج لمزيد التعريف بمنتجنا، ولتمهيد الطريق لأصحاب المهنة ولكافة المتدخلين لتثبيت هذا المنتج الوطني في الأسواق التقليدية وولوج أسواق جديدة في سائر بقاع العالم. مبينا أن كافة طواقمنا الدبلوماسية وتمثيلياتنا التجارية قد اكتسبت خبرة في الترويج لهذا المنتج الذهبي وغيره من المنتجات التونسية الأصيلة.

ولم يتغافل وزير الخارجية عن الدور الموكول للجالية التونسية بالخارج، التي مثلت حاضنة لهذا المنتج التونسي خارج أرض الوطن، متوجها في هذا الإطار نفسه بتحية تقدير واحترام خاص إلى فئة الكادحات المزارعات المناضلات الصامدات، الراسخات في الأرض كأشجار الزيتون، من أجل أن تبقى هذه الشجرة المباركة منتجة، ويعم خيرها على هذا الوطن العزيز.

من جانب آخر، عبّر وزير الخارجية خلال كلمته عن أمله في أن يصبح «يوم الدبلوماسية من أجل زيت الزيتون»، الذي ينتظم للمرة الأولى، تظاهرة سنوية للاحتفاء بهذا المنتج في كافة أبعاده كأساس من أسس الهوية التونسية، وليجسد تضافر الجهد الوطني لتثمينه والرقي به كرافعة للاقتصاد الوطني.

مشيرا إلى أن المراد بالشراكة مع مختلف الأطراف الوطنية هو أن يكون يوم أمس مزيجا من عبق التاريخ وروح العصر، في إشارة إلى العديد من التظاهرات التي تلتئم على هامش الندوة الصحفية، مثل المعرض للوحات التشكيلية الأصلية من الرصيد الوطني والتي يتعلق موضوعها بشجرة الزيتون، بالإضافة إلى معرض المصدرين المتوجين وطنيًا ودوليًا في أكبر المسابقات العالمية.

ليخلص وزير الخارجية في ختام كلمته إلى تثمين جهود كل من ساهموا في إنجاح هذه التظاهرة، لا سيما مصالح وزارة الفلاحة والصيد البحري والموارد المائية، ووزارة الأسرة والمرأة وكبار السن، ووزارة الشؤون الثقافية، قائلا: «عاشت تونس بلد الزيتونة، لا شرقية ولا غربية، يضيء زيتها درب التونسيين نحو مستقبل أفضل».

من جهة أخرى، وفي كلمته التي ألقاها بالمناسبة، أشار وزير الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري عز الدين بن الشيخ إلى أن الاحتفاء بـ»اليوم الدبلوماسي من أجل زيت الزيتون التونسي» هو احتفاء بأحد أعرق رموز الهوية التونسية وأكثرها حيوية في اقتصادنا الوطني. متوجها إلى الحضور بالقول إن تواجدهم يتجاوز كونه مجرد مناسبة بروتوكولية، ليمثل تأكيدا على أن هذا القطاع يمثل جسرا للدبلوماسية الاقتصادية والتعاون المشترك.

وأشار في هذا الإطار إلى أن تونس اليوم تطرح رؤية جديدة لهذا القطاع، تقوم على ثلاث ركائز أساسية:

أولا: الجودة كمعيار دولي. فتونس لم تعد تكتفي بكونها ثاني منتج عالمي في المواسم القياسية، بل هي اليوم الرائدة عالميًا في إنتاج زيت الزيتون البيولوجي (Organic).

مخاطبا مختلف رؤساء البعثات الدبلوماسية ببلادنا: «نحن نوجه رسالة من خلالكم إلى أسواقكم: الزيت التونسي هو منتج صحي، مستدام، ومطابق لأرفع المعايير الدولية. وقد حصدت تونس هذا العام وحده مئات الميداليات الذهبية في مسابقات الجودة من طوكيو إلى نيويورك.»

ثانيا: الجهود منحصرة في مستوى ثان على تنفيذ إجراءات «ثورية» لدعم تصدير الزيت المعلب. وبالتالي، فإننا ندعوكم وكافة المستثمرين من بلدانكم إلى الانخراط في شراكات صناعية وتجارية. فتونس توفر الآن حوافز جبائية ولوجستية غير مسبوقة (تصل إلى دعم 70 % من تكاليف النقل الجوي للمنتجات المعلبة) لتسهيل وصول علاماتنا التجارية إلى موائد المستهلكين في كافة أنحاء العالم.

ثالثا: زيت الزيتون يمثل أداة للصمود المناخي في ظل التحديات المناخية التي يواجهها حوض المتوسط. وبالتالي، تمثل غابات الزيتون في تونس (أكثر من 100 مليون شجرة) سدا منيعا ضد التصحر ورئة خضراء للمنطقة. ليقول وزير الفلاحة في هذا الصدد: «نحن نفتح أبواب التعاون الفني والبحث العلمي مع بلدانكم لتبادل الخبرات في مجال الري الذكي وتطوير الأصناف المقاومة للجفاف».

وأضاف وزير الفلاحة في نفس الإطار أن تونس، في ظل قيادة رئيس الجمهورية قيس سعيد، أولت عناية خاصة لقطاع الزيتون وزيت الزيتون، من خلال تطوير المساحات المغروسة، وتحسين الإنتاجية والجودة، وتشجيع التحويل والتصدير، مع الحرص على مطابقة المعايير الدولية المعتمدة، والعمل باستمرار على دعم الفلاحين والمنتجين، وتعزيز البحث العلمي، واعتماد الممارسات الفلاحية.

الدبلوماسية أداة لدعم المبادلات التجارية

اللقاء شهد أيضا مداخلة لوزير التجارة وتنمية الصادرات سمير عبيد، أشار من خلالها إلى أن تظاهرة أمس تجسد رؤية مبتكرة تجمع بين الدبلوماسية الاقتصادية وتثمين أحد أبرز رموز الهوية والاقتصاد والغذاء في بلادنا، ألا وهو زيت الزيتون. موضحا أن اختيار هذا العنوان لم يكن اختيارا رمزيا فحسب، بل هو تعبير عن قناعة راسخة بأن الدبلوماسية الحديثة لم تعد تقتصر على العلاقات السياسية التقليدية، بل أصبحت أداة فاعلة لدعم المبادلات التجارية، والترويج للمنتجات ذات القيمة المضافة، وبناء شراكات اقتصادية مستدامة، خاصة في ظرف دولي تتزايد فيه أهمية الغذاء الصحي والآمن والمستدام. مضيفا أن زيت الزيتون في تونس ليس مجرد منتج فلاحي أو سلعة تجارية، بل هو جزء أصيل من تاريخنا الممتد لآلاف السنين، ومن ثقافتنا المتوسطية، ومن نمط عيشنا الغذائي والصحي. وهو قبل أن يكون موجّها للأسواق، يمثل مساهمة تونسية حقيقية في دعم الصحة العالمية وفي ترسيخ أنماط استهلاك أكثر توازنا واستدامة.

موقع ريادي لتونس

وأوضح وزير التجارة على هامش مداخلته أن تونس تحتل اليوم موقعا رياديا على الصعيد العالمي في قطاع زيت الزيتون، فهي من بين أكبر البلدان المنتجة، وغالبا ما تتصدر المراتب الأولى حسب المواسم. كما تُعد من أبرز الدول المصدّرة، إذ احتلت المرتبة الرابعة عالميًا سنة 2024 بحصة فاقت عشرة بالمائة من السوق العالمية، ونجحت في النفاذ إلى أكثر من ستين سوقًا عبر مختلف القارات، مع تحقيق نسق تطور في الصادرات ناهز
16 % خلال السنوات الخمس الأخيرة.

ويعود هذا الأداء حسب وزير التجارة إلى قدرة القطاع على التكيّف مع تقلبات الأسواق العالمية والتحديات المناخية، بفضل خبرة المنتجين، وتراكم المعرفة، وتحسن منظومات الجودة، والتعليب، والتسويق. مبينا أن قطاع زيت الزيتون قد شهد خلال السنوات الأخيرة تحولا نوعيا لافتا، تجلّى في تطوير قدرات التحويل والتعليب محليا، وتعزيز منظومات التتبع والامتثال للمعايير الدولية، وتنويع الأسواق، إلى جانب دعم حضور العلامة التونسية في الأسواق ذات القيمة العالية.

وأضاف أن الأهم من الأرقام والمؤشرات، وفقا للوزير، هو هذا التحول العميق من التصدير القائم على الكم إلى التصدير القائم على القيمة، ومن منتج خام إلى علامة تونسية معروفة وموثوقة عالميا، تحظى بثقة المستهلكين والمهنيين لما تتمتع به من جودة طبيعية عالية، وقيمة غذائية وصحية مؤكدة، ونسبة هامة من الإنتاج البيولوجي، واحترام صارم لمعايير السلامة والجودة والتتبع.

وفي الإطار نفسه، اعتبر وزير التجارة أن هذه التظاهرة تنعقد في سياق دولي دقيق يتسم بتكرار الأزمات الغذائية، واضطراب سلاسل التزويد، وتفاقم آثار التغيرات المناخية، إلى جانب تصاعد التحديات الجيوسياسية. وفي المقابل، بارتفاع الطلب العالمي على الأغذية الصحية وتزايد وعي المستهلك بأهمية الغذاء الآمن والمستدام. وفي هذا الإطار، يقدّم زيت الزيتون التونسي إجابة عملية وموثوقة لهذه التحديات، باعتباره منتجا طبيعيا، مستداما بيئيا، ذا جودة ثابتة، ومتوفّرا بكميات مستقرة، وقادرا على تلبية الطلب المتزايد لأسواق متنوعة في مختلف أنحاء العالم. موضحا أن تنظيم «يوم الدبلوماسية من أجل زيت الزيتون التونسي» يعكس إرادة واضحة لجعل الدبلوماسية شريكا حقيقيا في تثمين هذا المنتج الاستراتيجي، سواء من خلال التعريف بخصوصياته في بلدان الاعتماد، أو تسهيل نفاذه إلى الأسواق، أو دعم المبادرات المشتركة في مجالات الترويج، والاستثمار، وبناء الشراكات. داعيا ممثلي البعثات الدبلوماسية ليكونوا سفراء حقيقيين لزيت الزيتون التونسي، ووسائل الإعلام الدولية لنقل قصته باعتباره منتجا يجمع بين الأصالة والمعايير العالمية، وإلى المستوردين والمستهلكين حول العالم لاختيار زيت زيتون تونسي يعكس ثقة متبادلة وشراكة مستدامة.

ليؤكد وزير التجارة في ختام كلمته على أن الدولة التونسية، ووزارة التجارة وتنمية الصادرات، ومركز النهوض بالصادرات، يضعون قطاع زيت الزيتون في صميم استراتيجياتهم الوطنية والمجهودات التي يقومون بها في كل العالم، من خلال تحسين النفاذ إلى الأسواق، ودعم المنتجين والمصدّرين، وتعزيز الشفافية والجودة، وتطوير الشراكات مع مختلف الفاعلين الدوليين، بما يجعل من زيت الزيتون التونسي عنصرا فاعلا في الدبلوماسية الاقتصادية والغذائية لبلادنا، وسيكون ذلك وفقًا لبرنامج ترويجي يعتمد بالخصوص على وجهات جديدة مثل آسيا وأمريكا الجنوبية وإفريقيا.

تجدر الإشارة إلى أن «يوم الدبلوماسية من أجل زيت الزيتون التونسي» كان مزيجا من مداخلات رسمية وأخرى تقنية، تولى تأمينها عدد من الخبراء الحاضرين، تمحورت أساسا حول خصائص زيت الزيتون وجودته ومختلف أنواعه التي تحظى جميعها بجودة عالية. فيما تحولت باحة الأكاديمية إلى معرض للوحات زيتية تروي خصوصية شجرة الزيتون وعراقتها على مدار التاريخ. أما الفضاء الخارجي للأكاديمية فقد شهد حصة تذوق لزيت الزيتون التونسي ولمنتجات غذائية مستخرجة منه. لتكون هذه التظاهرة الدبلوماسية، التي تعتبر الأخيرة في سنة 2025، بمثابة عودة إلى الجذور عبر زيت الزيتون، مؤكدة عراقة هذا المنتج الوطني ونجاحه في لعب دور مزدوج كسفير ثقافي واقتصادي في العالم.

منال حرزي