إشترك في النسخة الرقمية لجريدة الصباح و LE TEMPS

اختتمت الدورة 36 للتظاهرة ولم ينته الجدل.. ماذا حدث في سهرة اختتام أيام قرطاج السينمائية؟

انتهت أيام قرطاج السينمائية في دورتها الـ36 مساء السبت 20 ديسمبر الجاري، لكن الجدل حول ما جدّ من أحداث يُفترض أنها صاحبت حفل الاختتام لم ينتهِ. فقد لفت تغيّب أعضاء لجان التحكيم وعدم صعودهم على الركح لتسليم جوائز المتوّجين الانتباه، نظرًا لأنها سابقة في تاريخ أيام قرطاج. المسألة، طبعًا، أثارت الفضول في البداية، لكن الأسئلة حول أسباب الغياب ظلّت معلّقة إلى أن بدأت بعض المؤشرات في الظهور، على أمل أن تتّضح الصورة بشكل أفضل بموقف رسمي يؤكّد ماذا حدث بالتدقيق.

ونشير إلى أن الرسالة التي نشرها المخرج وعضو إحدى لجان التحكيم إبراهيم لطيف على صفحته الرسمية على موقع «فايسبوك»، ووجّهها إلى رئيس الجمهورية، ظلّت المصدر الأساسي حول ما حدث ليلة اختتام أيام قرطاج السينمائية، في غياب موقف رسمي من إدارة المهرجان أو من سلطة الإشراف، أي وزارة الشؤون الثقافية.

وفي رسالته، أكّد إبراهيم لطيف أن ما تمّ تسريبه من الكواليس حول انسحاب لجان التحكيم قد جاء كردّة فعل ضد قرار يمنعهم من الصعود على الركح لتسليم الجوائز. وقد دعم بيان صدر باسم لجان التحكيم وتمّ تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي هذه الفرضية. ليس هذا فحسب، وإنما تمّ توجيه اتهام صريح لسلطة الإشراف بمحاولة التأثير في قرارات لجان التحكيم حول إسناد جائزة التانيت الذهبي لأفضل فيلم طويل، مع إحداث جائزة لا سند قانوني لها. وهي إشارات خطيرة وتتطلّب توضيحًا رسميًا، لأن البلبلة الحاصلة حول اختتام مهرجان أيام قرطاج السينمائية من شأنها أن تؤثّر سلبًا على سمعة التظاهرة العربية والإفريقية العريقة، وأيضًا على صورة تونس ومؤسساتها الثقافية.

وإذا ما عدنا إلى ما جاء في رسالة المخرج إبراهيم لطيف، فإنه بالتوازي مع تثمينه مجهود إدارة المهرجان وبرمجته، توقّف عند ما حدث في لحظة الاختتام باعتبارها، من منظوره، كاشفة لخلل أعمق في الإطار المؤسساتي.

في رسالته، يعيد لطيف التذكير بأن أيام قرطاج السينمائية ليست تظاهرة عابرة، بل ركن من أركان الدبلوماسية الثقافية التونسية، ورمز لاستمرارية الدولة في دعم الفعل الثقافي منذ أكثر من ستين عامًا. ومن هذا المنظور، يصبح أي ارتباك في قواعدها أو مساس باستقلالية لجانها مسألة تتجاوز القطاع السينمائي لتطال صورة تونس نفسها.

وشدّد المخرج السينمائي على أن المسألة ليست صراعًا بين أفراد، بل خلل في التوازن بين القرار الفني والسلطة الإدارية. وهو خلل، إن تُرك دون معالجة، قد يفتح الباب أمام تشكيك السينمائيين الدوليين في مصداقية المهرجان وفي قدرة تونس على صيانة فضاء حر ومستقر للإبداع.

وجاء بيان لجان التحكيم، الصادر في اليوم الموالي، ليعمّق الجدل.

فلجنة التحكيم، وفق ما جاء في بيانها، وجدت نفسها بعد خمسة أيام من المشاهدة والنقاش المتواصل، وبعد مداولات دامت أكثر من ست ساعات، أمام قرار يسحب منها حقّها الرمزي في إعلان اختياراتها وتبريرها علنًا.

واعتبرت اللجنة أن اعتراضها ضد تغييبها، وفق وصفها، لم يكن اعتراضًا على مسألة من سيُسلّم الجوائز، وهي مسألة شكلية، بل تعبيرًا عن رفض تهميش صوت أعضائها وإلغاء دورهم في لحظة تتويج العمل السينمائي.

وأكد بيان لجان التحكيم أن الأعضاء ظلّوا في تذبذب لساعات، وبين أخذ وردّ، وأنه بعد أن تمّ إعلامهم في مرة أولى بأنهم لن يصعدوا على الركح، تمّ إعلامهم بتغيير القرار، حتى إنهم، وفق ما أكّدوا، قاموا ببروفات للغرض، قبل أن يقع إعلامهم مجددًا بأنهم لن يكونوا على الركح، وهو ما جعلهم يتّخذون قرارًا بالانسحاب وعدم حضور حفل الاختتام.

وإذ أكّد نص البيان أن دور إدارة المهرجان اقتصر على نقل الهواجس ومحاولة الوساطة، فإنه شدّد على أن القرارات النهائية اتُّخذت «على مستوى مؤسساتي وإداري يتجاوز سلطة المهرجان».

وقد جاء قرار الانسحاب، الذي اتُّخذ بالإجماع بعد انتظار طويل في بهو الفندق إلى ما بعد التاسعة ليلًا، وفق البيان، دفاعًا عن مبدأ لا عن موقع.

وما يمكن قوله إن ما حدث في اختتام الدورة السادسة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية لن يُطوى بسهولة، لأنه يمكن أن يؤكّد وجود تصدّع في العلاقة بين الثقافة ومؤسساتها. وهو تصدّع يستدعي، ربما، مراجعة هادئة ومسؤولة تعيد الاعتبار للقواعد، وتحصّن المهرجان من الارتجال، وتحفظ له مكانته كمنبر حر لا كواجهة احتفالية.

والمثير في قضية الحال هو الصمت المطلق لسلطة الإشراف، أي وزارة الشؤون الثقافية، وغياب ردّة فعل من إدارة مهرجان أيام قرطاج السينمائية، حتى إن اتصالاتنا بالمصادر الرسمية لم تخرج بنتيجة تُذكر ولم تتحصّل على أي إجابة.

في المقابل، تتالت ردود الأفعال من طرف أصحاب الشأن وأهل القطاع، ولم تهدأ صفحات التواصل الاجتماعي من «تدوير» ما وصفوه بـ«الفضيحة» وبداية نهاية لمهرجان عريق كأيام قرطاج السينمائية.

ومن بين من تفاعلوا، المخرج التونسي هشام بن عمار، الذي اعتبر في تدوينته المطوّلة على صفحته الرسمية أن ما جرى في الدورة السادسة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية «ليس مجرّد خلل تنظيمي عابر، بل علامة على أزمة بنيوية عميقة تمسّ جوهر المهرجان وشرعيته».

فالمساس باستقلال لجنة التحكيم، بحسب قوله، يشكّل خطًا أحمر يُقوّض الأسس الأخلاقية التي تقوم عليها المهرجانات السينمائية، ويكشف في الآن ذاته عن فشل في الحوكمة وتغوّل للبيروقراطية وتداخل غير شفاف للسلطة في الشأن الثقافي.

وحذّر هشام بن عمار من «أن هذه الممارسات لا تسيء فقط إلى صورة قرطاج دوليًا في سياق إقليمي شديد التنافس، بل تُفرغ أيضًا هويته التاريخية من محتواها، محوّلة القيم المؤسسة للمهرجان – من استقلالية وعدم انحياز والدفاع عن سينمات الجنوب – إلى شعارات بلا أثر فعلي».

ولا يعفي المتحدّث السينمائيين التونسيين من المسؤولية، معتبرًا أن الصمت أو التبرير بدافع العاطفة أو الخوف يساهم في إدامة الأزمة. ومن هذا المنطلق، لا يرى في الترميم الجزئي أو في المحافظة على الوضع القائم خيارًا تقدميًا، بل يدعو ضمنيًا إلى قطيعة جريئة بوصفها شرطًا لإعادة البناء، واضعًا الرهان على جيل جديد قادر على ابتكار فضاء سينمائي مستقل فعليًا، بدل القبول بتطبيع بطيء مع الفشل، وفق وصفه.

من جهتها، دوّنت درّة بوشوشة على صفحتها الرسمية موقفها، وقالت: «لو تمّ تأكيد قرار حرمان أعضاء لجان التحكيم والمتوّجين من الكلمة مسبقًا، لما تنقّلت قطعًا لحضور سهرة اختتام الدورة السادسة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية، ولما صعدتُ إلى خشبة المسرح مرّتين، لا لتسليم جائزة ولا لتسلّم جائزة بالنيابة عن غيري، من دون أن يتمّ إعلامي بذلك سلفًا. ولولا البثّ المباشر على القناة الوطنية، لما وقفت أصلًا»، مشدّدة على أنها لا تُزكّي ما حدث.

إيمان عبد اللطيف

اختتمت الدورة 36 للتظاهرة ولم ينته الجدل..   ماذا حدث في سهرة اختتام أيام قرطاج السينمائية؟

انتهت أيام قرطاج السينمائية في دورتها الـ36 مساء السبت 20 ديسمبر الجاري، لكن الجدل حول ما جدّ من أحداث يُفترض أنها صاحبت حفل الاختتام لم ينتهِ. فقد لفت تغيّب أعضاء لجان التحكيم وعدم صعودهم على الركح لتسليم جوائز المتوّجين الانتباه، نظرًا لأنها سابقة في تاريخ أيام قرطاج. المسألة، طبعًا، أثارت الفضول في البداية، لكن الأسئلة حول أسباب الغياب ظلّت معلّقة إلى أن بدأت بعض المؤشرات في الظهور، على أمل أن تتّضح الصورة بشكل أفضل بموقف رسمي يؤكّد ماذا حدث بالتدقيق.

ونشير إلى أن الرسالة التي نشرها المخرج وعضو إحدى لجان التحكيم إبراهيم لطيف على صفحته الرسمية على موقع «فايسبوك»، ووجّهها إلى رئيس الجمهورية، ظلّت المصدر الأساسي حول ما حدث ليلة اختتام أيام قرطاج السينمائية، في غياب موقف رسمي من إدارة المهرجان أو من سلطة الإشراف، أي وزارة الشؤون الثقافية.

وفي رسالته، أكّد إبراهيم لطيف أن ما تمّ تسريبه من الكواليس حول انسحاب لجان التحكيم قد جاء كردّة فعل ضد قرار يمنعهم من الصعود على الركح لتسليم الجوائز. وقد دعم بيان صدر باسم لجان التحكيم وتمّ تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي هذه الفرضية. ليس هذا فحسب، وإنما تمّ توجيه اتهام صريح لسلطة الإشراف بمحاولة التأثير في قرارات لجان التحكيم حول إسناد جائزة التانيت الذهبي لأفضل فيلم طويل، مع إحداث جائزة لا سند قانوني لها. وهي إشارات خطيرة وتتطلّب توضيحًا رسميًا، لأن البلبلة الحاصلة حول اختتام مهرجان أيام قرطاج السينمائية من شأنها أن تؤثّر سلبًا على سمعة التظاهرة العربية والإفريقية العريقة، وأيضًا على صورة تونس ومؤسساتها الثقافية.

وإذا ما عدنا إلى ما جاء في رسالة المخرج إبراهيم لطيف، فإنه بالتوازي مع تثمينه مجهود إدارة المهرجان وبرمجته، توقّف عند ما حدث في لحظة الاختتام باعتبارها، من منظوره، كاشفة لخلل أعمق في الإطار المؤسساتي.

في رسالته، يعيد لطيف التذكير بأن أيام قرطاج السينمائية ليست تظاهرة عابرة، بل ركن من أركان الدبلوماسية الثقافية التونسية، ورمز لاستمرارية الدولة في دعم الفعل الثقافي منذ أكثر من ستين عامًا. ومن هذا المنظور، يصبح أي ارتباك في قواعدها أو مساس باستقلالية لجانها مسألة تتجاوز القطاع السينمائي لتطال صورة تونس نفسها.

وشدّد المخرج السينمائي على أن المسألة ليست صراعًا بين أفراد، بل خلل في التوازن بين القرار الفني والسلطة الإدارية. وهو خلل، إن تُرك دون معالجة، قد يفتح الباب أمام تشكيك السينمائيين الدوليين في مصداقية المهرجان وفي قدرة تونس على صيانة فضاء حر ومستقر للإبداع.

وجاء بيان لجان التحكيم، الصادر في اليوم الموالي، ليعمّق الجدل.

فلجنة التحكيم، وفق ما جاء في بيانها، وجدت نفسها بعد خمسة أيام من المشاهدة والنقاش المتواصل، وبعد مداولات دامت أكثر من ست ساعات، أمام قرار يسحب منها حقّها الرمزي في إعلان اختياراتها وتبريرها علنًا.

واعتبرت اللجنة أن اعتراضها ضد تغييبها، وفق وصفها، لم يكن اعتراضًا على مسألة من سيُسلّم الجوائز، وهي مسألة شكلية، بل تعبيرًا عن رفض تهميش صوت أعضائها وإلغاء دورهم في لحظة تتويج العمل السينمائي.

وأكد بيان لجان التحكيم أن الأعضاء ظلّوا في تذبذب لساعات، وبين أخذ وردّ، وأنه بعد أن تمّ إعلامهم في مرة أولى بأنهم لن يصعدوا على الركح، تمّ إعلامهم بتغيير القرار، حتى إنهم، وفق ما أكّدوا، قاموا ببروفات للغرض، قبل أن يقع إعلامهم مجددًا بأنهم لن يكونوا على الركح، وهو ما جعلهم يتّخذون قرارًا بالانسحاب وعدم حضور حفل الاختتام.

وإذ أكّد نص البيان أن دور إدارة المهرجان اقتصر على نقل الهواجس ومحاولة الوساطة، فإنه شدّد على أن القرارات النهائية اتُّخذت «على مستوى مؤسساتي وإداري يتجاوز سلطة المهرجان».

وقد جاء قرار الانسحاب، الذي اتُّخذ بالإجماع بعد انتظار طويل في بهو الفندق إلى ما بعد التاسعة ليلًا، وفق البيان، دفاعًا عن مبدأ لا عن موقع.

وما يمكن قوله إن ما حدث في اختتام الدورة السادسة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية لن يُطوى بسهولة، لأنه يمكن أن يؤكّد وجود تصدّع في العلاقة بين الثقافة ومؤسساتها. وهو تصدّع يستدعي، ربما، مراجعة هادئة ومسؤولة تعيد الاعتبار للقواعد، وتحصّن المهرجان من الارتجال، وتحفظ له مكانته كمنبر حر لا كواجهة احتفالية.

والمثير في قضية الحال هو الصمت المطلق لسلطة الإشراف، أي وزارة الشؤون الثقافية، وغياب ردّة فعل من إدارة مهرجان أيام قرطاج السينمائية، حتى إن اتصالاتنا بالمصادر الرسمية لم تخرج بنتيجة تُذكر ولم تتحصّل على أي إجابة.

في المقابل، تتالت ردود الأفعال من طرف أصحاب الشأن وأهل القطاع، ولم تهدأ صفحات التواصل الاجتماعي من «تدوير» ما وصفوه بـ«الفضيحة» وبداية نهاية لمهرجان عريق كأيام قرطاج السينمائية.

ومن بين من تفاعلوا، المخرج التونسي هشام بن عمار، الذي اعتبر في تدوينته المطوّلة على صفحته الرسمية أن ما جرى في الدورة السادسة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية «ليس مجرّد خلل تنظيمي عابر، بل علامة على أزمة بنيوية عميقة تمسّ جوهر المهرجان وشرعيته».

فالمساس باستقلال لجنة التحكيم، بحسب قوله، يشكّل خطًا أحمر يُقوّض الأسس الأخلاقية التي تقوم عليها المهرجانات السينمائية، ويكشف في الآن ذاته عن فشل في الحوكمة وتغوّل للبيروقراطية وتداخل غير شفاف للسلطة في الشأن الثقافي.

وحذّر هشام بن عمار من «أن هذه الممارسات لا تسيء فقط إلى صورة قرطاج دوليًا في سياق إقليمي شديد التنافس، بل تُفرغ أيضًا هويته التاريخية من محتواها، محوّلة القيم المؤسسة للمهرجان – من استقلالية وعدم انحياز والدفاع عن سينمات الجنوب – إلى شعارات بلا أثر فعلي».

ولا يعفي المتحدّث السينمائيين التونسيين من المسؤولية، معتبرًا أن الصمت أو التبرير بدافع العاطفة أو الخوف يساهم في إدامة الأزمة. ومن هذا المنطلق، لا يرى في الترميم الجزئي أو في المحافظة على الوضع القائم خيارًا تقدميًا، بل يدعو ضمنيًا إلى قطيعة جريئة بوصفها شرطًا لإعادة البناء، واضعًا الرهان على جيل جديد قادر على ابتكار فضاء سينمائي مستقل فعليًا، بدل القبول بتطبيع بطيء مع الفشل، وفق وصفه.

من جهتها، دوّنت درّة بوشوشة على صفحتها الرسمية موقفها، وقالت: «لو تمّ تأكيد قرار حرمان أعضاء لجان التحكيم والمتوّجين من الكلمة مسبقًا، لما تنقّلت قطعًا لحضور سهرة اختتام الدورة السادسة والثلاثين لأيام قرطاج السينمائية، ولما صعدتُ إلى خشبة المسرح مرّتين، لا لتسليم جائزة ولا لتسلّم جائزة بالنيابة عن غيري، من دون أن يتمّ إعلامي بذلك سلفًا. ولولا البثّ المباشر على القناة الوطنية، لما وقفت أصلًا»، مشدّدة على أنها لا تُزكّي ما حدث.

إيمان عبد اللطيف